المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الْعَصَا


أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:36 PM
الْعَصَا
... إنهال عليه ضرباً بالعصا، وشتماً ببذيء الألفاظ وأفحشها، وعلى مقربة منهما مرَّ رجال وهم يستنكرون بهمس ما رأوه من مشهد فظيع...
وفي ذات المكان انهالا عليه ضرباً في اليوم الثاني بما أمسكته يداهما بإحكام، وتناوبا عليه في صمِّ أذنيه بأقبح النعوت وأشنع الصفات، وغير بعيد منهم عبَرت نسوة وهن يرثين بصوت خفيض لحال المضروب، وأعينهن تفيض بالدمع المر شفقة عليه...
ثم إنهم في عين المكان انهالوا عليه ضربا في اليوم الثالث بما قبضت عليه أيمانهما وشمائلهما، وتهافتوا على غزو مسمعيه بأخبث الألفاظ، وكتم صوته المبحوح بمنكر أصواتهم المدوية، وعلى غير منأى منهم وقف أطفال ينظرون، وقد شل الهلع حركة أعينهم الصغيرة، وأخذوا يشيرون بأصابعهم إلى ما تلتقطه أبصارهم...
تشابكت الأيدي الغليظة والعصي السوداء من فوق جسده الهزيل، وتلاحمت من تحته الأقدام والأرجل والأحذية السوداء، ثم تصادمت من حوله الصيحات الناهرة وتعالت وتكاثفت كأنها الظلم، وإذا بالمشهد قد غدا في مخيلة الناظرين بركاناً يقذف الحمم...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:40 PM
زيَارَةٌ خَاصَّةٌ
... وأخيراً تم إشعارهم، بعد طول انتظار ونفاد صبر، بأن مَن وعدوهُم بالعودة مرَّة ثانية لتفقد أحوالهم من جديد على وشك الوصول إلى قريتهم النائية، وأشيع بينهم أن زائريهم يحملون إليهم بدل البشرى بشارات كثيرة، لإعادة البسمة إلى ثغورهم، وإسكان الفرحة في قلوبهم، وتناهى إلى أسماعهم أن غير قليل من الهدايا الثمينة في طريقها إليهم مسرعة، وأن سائر مَا سيشهدونه في يومهم هذا ستقر به أعينهم، وَسيثلج صدورهم، وكفى بغيرة جميع الأيام الماضية منه حجة ودليلاً، ويكفي بالحسد المرتقب من الأيام القادمة له شاهداً وعلامة مشيرة...
لم يطق أكثرهم البقاء حيث هم، فاندفعوا فرادى ومثنى وجماعات إلى مشارف قريتهم الصغيرة، ثم وقفوا منتبهين متأهبين وقت الظهيرة في ذلك اليوم القائظ، وقد تعذر عليهم كبح جماح شوقهم، ولم يفلحوا في إخفاء استبشارهم ومواراة انشراحهم، فما إن استبد بهم الوقوف الطويل، وأعياهم مد أعناقهم لرؤية القادمين من بعيد، حتى جلسوا مترقبين إطلالة موكب ضيوفهم وكأنه نجم سيلمع قريباً أو هلال ستثبت رؤيته بعد حين...
بدأ اليأس يدب يسيراً فكثيراً إلى نفوسهم، ودنت الشمس من وقت غروبها أمام أعينهم، وفجأة مر بالقرب منهم سرب سيارات سوداء معتمة النوافذ مرور برق خاطف، فغشيهم أجمعين نقع كثيف خلفه وراء ظهره...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:41 PM
حَالَةُ اسْتِثْنَاءٍ
... فما إن دق الخبر أوتاد خيمته، حتى علت الوجوه مسحة من الانتباه الشديد، ولاح من الأعين بريق غريب، وسرى همس مثير للفضول في سكون ليل بهيم، فأخذ يطرق الأسماع طرقاً عنيفاً، ويهز الأفئدة هزا مخيفاً...
أبلغك الخبر؟.. يقولون: إن .. أسمعتَ مَا سمعتُ؟.. أظنها مجرد إشاعة لا أقل ولا أكثر .. قيل لي: غداً...
أشرقت شمس اليوم التالي ساطعة، وتبدت السماء بزرقتها الصافية هادئة كعادتها في أيام فصل الربيع، فقل الهمس، وانقبض الكلام، وانبسط الصَّمت، إلا أن الترقب ازداد كثافة وحدة، وأوْجَس الصغير والكبير خيفة من صحة الخبر...
الأبصار مشدودة إلى عقارب الساعة، والأسمَاع مرهفة إلى الصوت الهادر، الذي قد يدوي وقد لا يدوي، والأذهان والقلوب جميعا في فلك ذات الحال يسبحون...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:42 PM
نِهَايَةٌ
... وأخيراً أحاطوا به من كل جانب في أوج منامه مقطبين، وفي جوف عينيه أشعلوا وجوههم الصغيرة الدامية ناراً حامية مندفعين، فحاصروه بزفراتهم الملتهبة اللافحة غير مقصرين، ولم يتركوا له بسياج حريتهم منفذا للهروب حازمين، ثم بشدة آلامهم صاحوا عليه صيحة واحدة واثبين، فصموا سمعه غير مقصرين، وأمسكوه بأيديهم الصغيرة المبتورة النازفة أجمعين، فطرحوه ببراءتهم المقهورة أرضاً غير مشفقين، وصار ممدداً تحت أقدامهم الحافية الدامية من الصاغرين، وقد كان معدوداً لديهم مذ خبروه من السافلين، ثم في لمح البصر شلوا حركته بنظراتهم الحادة النافذة متمكنين، وبثقل عزتهم جثموا على صدره وبجبل حزنهم الدفين، فزادوا عليه بعد ذلك ثقلاً على ثقلٍ بجلمود صخر كرامتهم وبشديد كرههم المتين، وبأعينهم المطفأة الساكبة دمعاً والفائضة دماً قيدوه موثقين، ورموه بحجارة جراحهم العنيدة الحارقة موجعين، فرَجموه رجماً لا يليق إلا بإبليس اللعين، ثم انهالوا عليه ضرباً بعصي صراخهم القوية الصلبة غير آبهين، فحطموا بشموخهم أركانه صارمين، وبتحديهم دقوا عظامه متنافسين، فتناوبوا عليه بسياط أناتهم الخافتة المديدة متهافتين، وبأساهُم المرُّ جلدوه دون عد غير مبطئين، وبغير حساب اخرجوا سهَام غصتهم الحادة من كناناتها فرشقوه بها ناقمين، وسحبوا سيوف كربهم المسنونة من أغمادها فطعنوه متسابقين، ثم أرسلوا عليه لهيب نيران غضبهم المشتعل فأحرقوه حانقين، وما تبقى منه أغرقوه في دماء مصابهم المسفوحة الغزيرة مقتصين...
لم يكن يقيم لهم وزناً في ميزان جبروته، وكان يعدهم صفراً في حسابه وقفراً في طاغوته، وفضلاً متطفلاً على مائدته، واسماً مجهولاً غير مثبت في معجمه المعتم بسيئاته، ولا مذكوراً حتى في خزي يومياته، وليس مخطوطاً على أي صفحة مشينة من مذكراته، ورآهم سراباً ونفياً منفياً في مناماته، وعدماً ونسياً منسياً في يقظاته...
ثم إنهم في مخيلته القطران وفي ناظريه الفحم الأسود، وهو الشمس الساطعة لوحده والفرقد، وغيره فراغ ممل وظلام موحش وهباء أجردُ، وهم في ظنه أهل الشقاء وعلى أديم الأرض زوائدُ، ولا أحق بالوجود سواه وهو الحَي الوحيد الأسعدُ، فتوهم أنه المصطفى بين بني جنسه وأن خلقه أوحد، ثم سعى في الأرض فسادا وظن واهماً أنه كريم غير شحيح بالإصلاح جوادٌ أفيدُ، بل هو من صناع الإحسان عمادٌ مفردُ، وأن لا رأي يعلو على رأيه وجنس حكمته علَمٌ أوحدُ، فادعى الاستقامة بما أباح لنفسه من آثام حسبها ظلما بخير الزاد له تشهدُ، وزعم ساخرا متكبراً أن فعله أرشدُ، فسولت له نفسه أن يرى الأحياء من حوله عبيداً ووحده نعم السيدُ، وأنه فريد العصر ويتيم الدهر في النعيم لا ريب مخلدُ، وأن الشقاء يقيناً على من سواه سرْمدُ، وهم أجدر بالذل المقيم والهوان الجاثم والعذاب الدائم وأنكدُ، والفناء بهم لا به أليق واللعنة عليهم أوكدُ...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:44 PM
سِيرَةٌ رَشِيدَةٌ
... وكرهوا أن يروا له بينهم وجهة سديدة، وضاقت صدورهم بما رحب به صدره من غيرة على الحق عنيدة، وبسائر ما يسعى به بين الناس في سبيل الخير والصلاح من أسباب فريدة، حتى إذا فشلوا في النيل من عزمه وإضعاف حزمه بما سلكوا من حيل ومكائد قديمة وجديدة، وبما نصبوا لذات الغاية من مصائد قائمة وقعيدة، خاب مسعاهم ولم يطيقوا أنفسهم وقد غدت لخبثهم فريسة طريدة، وزاد مقتهم لها وأيقنوا بأن سقطتهم وشيكة غير بعيدة، ولا محالة ستكون شديدة...
ثم إنهم جددوا العزم معاندين عبثاً على فتنته بأهواء كثيرة ومغريات عديدة، فلم يقصروا من أجل بلوغ هذه الغاية في بذل الجهد وإعمال ألف مكيدة ومكيدة، ولم تكن محاولتهم يتيمة ولا وحيدة، لكن مسعاهم خاب عندما رأوه يشحذ همته من جديد وهي متوقدة وقيدة، وينبذ وراء ظهره كل دنية رعديدة، ويتمسك بما أسكنه في فؤاده من نية أكيدة، ورسخه في ذهنه من خصال حميدة، وبما أطال للصبر في أعماق نفسه من حبال مديدة، ومد بينه وبين الحق والخير من جسور مشيدة، وبما أقام من صلة مع الاستقامة متينة وطيدة...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:45 PM
الرَّجِيمُ
... وعبثاً حاول أن يدس له الشك في يقينه، ويسرب وسوسته إلى صدره، وبعد أن أعيته محاولاته المتلاحقة لاقتلاع سكينته وتثبيت القلق والحيرة والقنوط من رحمة الله في قلبه، سأله قائلاً:
- فما ترَى في سيرتي هذه..؟
أرى ظاهرها في عيني الجاهل منظراً مثيراً خلاباً، وفي عيني الكيس أراها مشهدا منكراً وخراباً، ووجهاً كريهاً محتالاً نصاباً، قد أصفها لك بالحرباء، وهي تلبس في كل مرة قصد التمويه وطلباً للصيد لوناً جذاباً، قد أنعتها أفعى رقطاء، وهي تزحف على بطنها بملمس الحرير، تداعب تارة أغصان الأشجار وأعشاباً، وتارة تلاعب أحجاراً وتراباً، أما باطنها فأراه في قلب العاقل عتمة وسراباً، وأرى العاكف على نسج خيوطها السوداء ونصب أثافيها الظلماء للنار حاصدا وللمنكرات حطاباً، إلا أني أراها في قلب الجاهل منارة وقبساً وشهاباً، وأوثاناً قدت حجارتها من هواه اتخذها مثابا، وضلالات وفتن وغوايات ألف منها بعد ألف كتاب كتاباً…
- ألا ينازعك الشك في حقيقة حالي..؟
أما الذي أراه فقد قطعت باليقين الشك فيه عجيباً كان أم غريباً، ولا أجد شفاء لأحد من داء الريبة في ما ذكرتُه مجيباً، إلا أن يسأل عنه خبيراً لبيباً، ولا أرى لمن زج بنفسه متعمداً في سجن العتمات بعيداً عن النور خلاصاً قريباً، إلا أن يسارع إلى تغيير ما بنفسه دون إبطاء أو تأخير وأن يقبل على الله منيباً…
- ثم ماذا عن الذي جدت عليه بطعنات رماحي؟ وعن الذي كسَّر سهامي..؟
أراهما كل يوم رأي العين ببذل جهد مني يسير ودون عناء كبير، والأصابع بغير نداء أراها في كل حين إليهما تشير، فتلك أعمالهما قد تجلت لعيني كل أصَم وبصير، وبلغت مسمع كل ضرير، وتلك أخبارهما وآثارهما قد سار بذكرها الراجلون والرَّاكبون في كل سفر طويل أو قصير، فأمَّا الذي أوقعتَه في شَرك كيدك، وزخرف فتنتك، وحبائل وسوستك، وفي قطران ضلالك الغزير، فعبد لم أجد له عزما إذ أجاب دعوتك في آخر أو بداية المسير، ورضي بغير سواء السبيل المنير، وتوهم سعادته في اللجوء إلى ظل زائل حسير، ونسي سوء المنقلب وبئس المصير، وأمَّا الذي نأى بنفسه عن غيك ومنكراتك وندائك الحقير، فذو عزم أكيد وحزم شديد غير أسير، يشرب صفواً من ماء العين وهنيئاً يغتسل بماء الغدير، قد قصد في سعيه واطمأن إلى الاستقامة ولزم صحبة خير عشير، وتذكر يوماً سيخيب فيه كل عبدٍ نبذ ورَاء ظهره ما جاءه به البشير النذير، ولم يأت ربه حامداً شاكراً بقلب سليم مستبشر غير كسير، وأعوذ بالله نور السماوات والأرض من الشيطان الرَّجيم...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:47 PM
قِرَاءَةٌ
... حتى دخل عليه في يوم شاتٍ، فوجده جالساً يقرأ في كتاب، ثم أعاد النظر إليه ثانية، فأبصر يديه ترتعشان، وداهمته عَينا صاحبه وقد أثقلهما دمْعٌ جاثمٌ، وقذفت جِلستهُ الرهبة في قلبه، فلما هم بالسلام عليه والتحدث إليه في الذي جَاء من أجله، لاح له عنوان الكتاب الذي كان يضطرب بين يديه، فمَا إن قرأ حروفه حتى انعقد لسانه في فمه، وجمدت قدمَاه حيث وقف ينظر...
على مقربة منه جلس صامتاً لا يحرك ساكناً، وأخذ يترقب الذي سيكون من شأن صاحبه عندمَا يفرغ من القراءة، لكن انتظاره طال وصبره نفد، ومَا إن فتح عينيه بعد أن أغمضهما هنيهة لإراحتهمَا من تعب الانتباه، حتى رأى صاحبه قد وضع الكتاب جانباً، وأمسك برأسه مطرقاً، وهو يميل به ذات اليمين وذات الشمال...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:50 PM
مُنْتَهَى الأدَبِ
... وأما هو فيرى نفسه ناثراً لا يشق له غبار، وله في فنون النثر آيات يتيمات وإبهار، وفيها له على غيره ألف انتصارٍ وانتصار، ويحب كذلك أن يلبس اسمه الثلاثي صفة الشاعر بكل افتخار، إذ يزعم أنه تفرد دون سواه ببيت القصيد المختار، وانفرد بسر القوافي وبسيفها البتار، وخلصت له وحده قافية نوادر الأشعار، ثم إنه يدعي الإحاطة بجوهر الشعر ولبِّ النثر وبسائر ما ينطويان عليه من الأسرار، بل ينسب لنفسه الريادة والسيادة في هذا المضمار، ويحسب النظم تاجا على رأسه لا يفارقه حيث سار، والنثر خاتما في أصبعه يدور حيث دار، وأنه سلطان الشعر والشعراء يجير ولا يجار، وملك النثر والناثرين بلا منازع له فيهما باختصار...
كلما فرغ من كتابة قطعة يصفها ظلماً بالشعرية الجميلة، وما إن ينفض يده من سرد فقرات حتى ينعتها غصباً بالنثرية الجليلة، بل إنه يعد هذه وتلك سبقاً أدبياً يقيناً، وعقيدة يجدر بكل أديب أن يتخذها في ما يكتب منهاجاً وديناً، ولا يليق به أن يبرح رحابها بل أن يلازمها حصناً حصيناً، فهي البحر عنده لمن شاء الغوص فيه طلباً للنفائس والكنوز وما توارى في أعماقه دفينا، وهي السفينة لديه لمن طمع في الإبحار إلى جزر البلاغة حتى يكون بها قمينا، أو أراد أن يتخذ له في الكتابة والخطابة زئيراً وعريناً، أو أحب أن يكون في شعره ونثره ساحراً مبيناً...
لم تكن كتاباته إلا قبحاً وشيناً، إذ عكف على كل كلمة خبيثة ينتقيها صنماً يتقرب إليه في ما ينثر حيناً وينظم حيناً، فانتصر لكل كلمة نابية ساقطة ورأى أن لها عليه ديناً، وعشق كل عبارة فاحشة فاضحة وقر بها عيناً، ثم إنه لم يستح ولم يستتر إذ جهر بالسوء في منثوره ومنظومه علناً، وأخذته العزة بمنكر القول والحديث في ما يخط باليمين فكان له إبليس عوناً، فصار الحياء في عرفه جهلاً وقيداً وجبناً، وغدا خدش الحياء لديه جرأة مطلوبة وعلماً شريفاً وحسناً...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:51 PM
مَدْحٌ وَمَدِيحٌ
... ثم إنه بعد أن أطال في الاستهلال غاية الإطالة، وأفاض في الدُّعاء منتهى الإفاضة، نثر من المديح ما حسبه بحراً زاخراً، ونظم منه ما ظنه عقوداً جواهراً، فلم يرتب بعد الفراغ مما نثر ونظم أن ما جاء به من مقال في هذا المقام هو قمة السحر وذروة البيان، وأن ما جادَ به من بذل وعطاء أمام ذلك الجمع من الأنام هو سنام البلاغة ورأس الفصاحة، واعتقد أنه غنم رضا الممدوح، وظفر بقبوله واستحسانه، إذ لم يشك لحظة واحدة في علو كعبه، وأيقن واهماً أن كلماته، التي رافقها بتمايله ذات اليمين وذات الشمال، قد أخذت بمجامع قلوب الحاضرين المستمعين...
نظر إليه الممدوح غاضباً مشمئزاً من عبثه وريائه، وبعد أن أشاح بوجهه عنه، عاد لينظر إليه ثانية مقطب الجبين، وقد كره ما نثره من نفاق، ومقت ما نظمه من كذب، ثم إن باقي العيون أحاطت به من كل جانب مستنكرة شاجبة، وهي تلسعه بسياط الازدراء والسخرية، وترميه بحجارة الانتقاص والاستصغار...
ردَّ الممْدوح على مادِحه بضاعته، وقذف في وجهه بجميع الذي أثنى به عليه، وقال له بنبرة حادة وحازمة: أرَى أنك قد صيرت نفسك بما أفصحت عنه متملقا لقمة هينة في فم النفاق، وأهديتها فريسة سهلة بين مخالب الكذب وأنياب الذلة، وكأني بك قد قصدت بمدحك الزائف شخصاً آخر غيري، فأخطأت السبيل إليه مثلما أخطأت بتنميقاتك الوصول إلى عقله، ولم تفلح في النفاذ بترصيعاتك إلى قلبه، ولتعلم أن كل ما صغته من الثناء علي لستَ أهلاً له في قليل أو كثير، وليس أهلاً لي في كثير أو قليل، ولا أحسبك إلا قد أتيت خلقا هو عار عليك عظيم...
شق على المادح الاستمرار في الوقوف، بعد أن جاد عليه الممدوح بما سمع من كلامه، وبالذي رأى من عدم الرضا والقبول في وجهه، وعز عليه الجلوس بعد أن قرأ في أعين من حضر مدحه ما قرأ، ثم إنه أحس وكأن الأرض من تحت رجليه قد خسفت به، وخيل إليه وكأن السقف قد تهدم وأطبق عليه، وما هي إلا هنيهة لاذ فيها بصمت عميق حتى خر مغشياً عليه...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:54 PM
سَرقةٌ أدبيةٌ
... فحدث نفسه بقوله: ... وأنا على يقين بأن أمري لن ينكشف بين الكتاب والقراء، ومَا علي إلا أن أبذل كل ما في وسعي لأطمس أي أثر من شأنه أن يكون سبباً في افتضاحي بينهم، وحتماً سيحالفني التوفيق في سعيي الذي لن أجد له شاكراً على أي حال سواي ومن هم على شاكلتي يقتفون ما أقتفي...
أرخى سدول السطو على ما ليس له، وهان عليه أن يمد يده غاصباً إلى ما لم يبذل من أجل تحقيقه جهداً، وسولت له نفسه سرقة ما لم ينفق في سبيله وقتا، فانكب ناهماً على مَا بين يديه بالنسخ واللصق، وهو لا يحفل بما يمتصه من دماءَ الكتاب، ولا يلقي بالاً إلى عنوانه، ولا يهتم حتى باسم صاحبه، فالوقت من ذهب، حدث بها نفسه، وفي عرفه ما خابَ من نهبَ...
أتى بسطوه على الكتاب برمته، وانتقى له بعد فراغه من رص فقراته وفصوله عنوانا رناناً طلباً لشهرته، ثم أسرع به إلى دار النشر مزهواً بفرحته، وترك لمديرها واسع النظر في تصميم الغلاف وصورته وشكله، ومنحه في ذات الوقت كامل الإختيار في زخرفة اسمه الشخصي الثلاثي حفاظاً على سمعته، وخوَّل له إعمال الرَّأي وتمام التصرف في إخراج وتنميق أولى طبعاته...
أصبح الكتاب بعد أيام مطبوعا، وموزعاً، ومعروضاً في واجهة المكتبات بأبهى حلة، وأضحى حديثاً يجري على ألسن الأدباء والنقاد والقراء على حد سواء، ومثلاً سائراً في معارض الكتب، وغدا محوراً تعقد من أجله الندوات واللقاءات، وظل لزمن غير قصير يشغل في الصحف والمجلات بدل الصفحة صفحات، وصار الذي ادعى تأليفه ضيفاً معززاً مكرماً يتهافت عليه أصحاب البرامج الثقافية الإذاعية والتلفزية، ثم اعتاد رواد المكتبات الأوفياء، كلما مروا بها، أن يقفوا مليا أمام كل واجهة، ويلقوا نظرة إعجاب وتقدير على اسمه المخطوط بحروف عربية جميلة على غلاف الكتاب، وأن يمعنوا النظر في العنوان، وهم يقرءون دون عجلة من أمرهم: سرقة أدبية...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
31-07-2010, 03:56 PM
الْفَلَقَةُ
... فلم تكن منه إليه إلا نظرة غاضبة لا ثانية لها، حتى أوجز القول في شأن الصبي ولم يطل، إذ ناداهما آمراً: أن عليَّ به...
وثبا عليه سريعاً كخطفة البرق، فحملاه بينهما خفيفاً كالريشة كعادتهما مع غيره من الصبية، ولم يمهلاه قليلاً ليفكر في حيلة أو طريقة يحول بها بينهم وبين حمله إلى الشيخ بسرعتهما المعهودة، كأن يقبض شديداً بكلتا يديه على يدِ أو رجلِ أحدِ الجالسين بالقرب منه، أو يتمسك بحاشية حَصير...
لم يغثه من نزول العقاب به دفعهما بيديه الصغيرتين وبرجليه القصيرتين، ولم ينقذه منه صراخه ولا بكاؤه، ولم تنجه استغاثته بأصدقائه الصغار من عصا الشيخ الغليظة، ولم يمنع كل ذلك عينيه من الامتلاء بشكلها المرعب، ومن رؤية بعض الأطفال يتغامزون عليه شامتين ضاحكين...
هوى الشيخ بضربته الأولى على قدمي الصَّبي، وهو يقول: أما هذه فهدية لك مني، وهوى بثانية عليهما قائلا: وهذه أجود بها عليك باسم أبويك اللذين لم يحسنا تربيتك في البيت، ثمَّ عاجله بثالثة وهو يقول: أمَّا هذه فيعز علي أن أحرمك منها نيابة عن هذا المكان الذي لم تقدره حق قدره، وأخيراً أردف له صامتا الرابعة، والخامسة، والسادسة إلى أن أتم له على قدميه عشراً، فقال له، وأما هذه السلسلة فهي مهداة منك إليك فذق وبالَ أمركَ...
فاضت دموع الصَّبي غزيرة على خديه، واحتقنت قدماه بالدم وانتفختا من حدة الضرب، وكادت حنجرته ورئتاه تنفجرن من شدة صراخه، ثم إن الشيخ عاد ثانية فأوجز القول في شأن الصَّبي ولم يطل كدأبه، إذ أمر من حملاه منادياً أن خلوا سبيله...
ما إن أعاداه إلى مكانه، حتى استجمع ما تبقى له من جهد، فأطلق ساقيه للريح حافياً، بعد أن رمى الشيخ بلسانه لاعناً شاتماً، وبلوح وقعت عليه يده أصاب به رأسه فأدماها...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد

أبو شامة المغربي
28-08-2011, 09:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام الفرد الصمد عليكم أهل الجود والكرم ورحمته جلَّ جلاله وبركاته
وبعد ...
عيد فطر مبارك سعيد، وكل عام وأنتُم وسائر أهل الإسلام بألف خير.
حياكُم الله
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
السندباد