المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وداعاً صالح!.


مبارك الهاجري
12-11-2007, 12:39 PM
ها أنتَ قبل يومين من مُضِّيك وقفت سيارتك قريباً مني ممازحاً إياي؛ ثم لم تتأخر كثيراً فيما بعد سلامك عليَّ، ذاهباً إلى عملك الذي يجمعني وإياك، وأنا وإن كنتُ أستثقل منك بعض التصرفات التي تراها أنت غوراً في التشبب، ومتناً في العلاقة، في حين أنَّ محدثك ينظر إليها على أنها من عبث الصبيان، ومن تصابي العقل، ومن فساد الفكر، بيد أني يا صالح أرى ذلك اليوم في زمني هذا يوماً أحسبه لحظةً انْتُزِعَتْ منها مباهج الدنيا، فلا قبل ولا بعد، أو أنَّه من النقص بحيث أن كانت شمسه تضيء من قفا، بنورٍ أقرب ما يكونُ باهتاً، أو أبعدُ ما يكون عن الإغراق في متع الأحياء به، أو أنَّه بقي في ذاكرتي كمسخِ حلمٍ من أحلام النوم، فأنتَ تعرف كيف هي مشاهد النوم، تراها كالدنيا وهي ليست إلا خارجةً عنها، وتشعرُ بحركةٍ فيها تتوسط الضجة والهدوء توسطاً مريباً، ولو أنها مالت بكفتها إلى أحدهما لكان خيراً ، ولكان أمرها أمر يقظةٍ لا نوم. أنت تدرك تأثير بعض الأحلام فيك وأنت في بكور استيقاظك، لا بد وأنْ أنِسَتْ وحشتُها في صدرك، وقعى قلقها في طريق نَفَسِك، وتعلقّت مادتها في أحشائك، فأنت فيما لا نهاية له من الاضطراب، وفيما لا فرج له من الاكتئاب، هذا وهي سويعاتٌ من يومك، فكيف بهذا الزمنِ من النائبة على بضع ساعةٍ ظننتُ أنها لا تُعد في العمر.
أبداً لم أصدق، وما كنتُ على علمٍ بنفسي حين أن صدّقت ذلكم الخبر، أجزمتُ لوهلةٍ بأنَّ هناك خطأً ما، ولا ريب أن الأمور ستتضح بما اعتقدته صحيحاً؛ ولكنني خبتُ بعد أن خاب ظني يا صالح، كانت أصوات محبيك تبحث في صوتي عما يُسكن بحَّة حناجرها، وأنا الذي بادلتهم ذلك الشيء بالمثل، فما وجد معزينا عند الآخر إلا النعي، فيا ليتك انتصفتَ من تجمعنا في غيابك، بتفرقنا في حضورك يا صالح، ولو لخصومةٍ من خصومات الدنيا.
أتعلم، ربما لا فرق بين أن تعلم أو لا تعلم؛ وكيف ذاك وقد ابتلعتك الأرضُ في أحشائها، فما أنت بمدركٍ لما فوقها، وما أنتَ في حالٍ تلوح لعقلك بأدنى لمحةٍ عما يتجرعه بعض الأحياء من مرارةِ فقدك، وأنا لن أتحدث عن حياة البرزخ التي تحجبك عنّا؛ ولكنني سأصرُّ على مخاطبة كلِّ أثَرٍ بقي منك فينا، وسأعلمُه بأن لباب الوجع، وذروة الألم، وخُلاصة الكرب، هي في الذكرى والحنين إلى ما مضى على أيِّ اعتبار كان، فما من مهمومٍ يريبه من همِّه ما سيأتيه غداً، إلا وتبرز سطوة الهم عليه فيما قبل، فتقف على فَرَجِه فيما بعد، وما من مشتاقٍ أضناه شعوره بالخلو ممن كان شوقه إليه، واحترقت كبده في بصيص أملٍ من اللقاء، وتفطَّر قلبه في أمنيةِ نظرةٍ عابرة، إلا وللذكرى على محرقته تلك نفخٌ أبديُّ، ولا سلام من ذلك سوى أن تُدخلك الأيام من باب السلوى، فإما بتعويضٍ يُشغلك، وإما بصفعةِ لا تدري كيف تصف شدتها إلا حينما ترى ما سبق وقد ذوى أمام ما لحق.

صالح، ربما لم تلتصق بي تمام الالتصاق، كاثنينَ أفنى في ملامحهما موتُك كنز الفتوة؛ ولكنني لن أنسى أنَّك جعلتني منك أخاً أكبر، يبسمُ محياكَ آن مراه، وتسبقُ روحكَ جسدك في إعلان المحبة له، نعم.. ولن أنسى ما حييتَ أنَّك ما وقفت للسلام عليَّ إلا وقبَّلْتَ فيَّ رأساً صَدَعه أمر تآكلِ تلك الشفتين من دودِ الأرض، وأنَّك في تقديركَ تنزلني منك منزلةً أراها في خطفك لدقائقٍ يخشى فيها المرء أن يتأخر عن عمله، لتقف فتعيرني بعضاً منك في تلك اللحظات، ثم تذهب تاركاً إياك في قلبي على صورة بسمة!.
مؤلمٌ تغير البشرة إثْر أمرٍ يودي بها إلى الانقباض والعبوس، وذلك الذي حدث أمامي حين أن أعلمتُ ذلك العامل الهندي الذي كان يأتي لنا بمطالبنا في مقر عملنا. لم يعرف اسمك حين أن ذكرتُه لك، ولم يصل إليك من وصفي ملامحك له؛ ولكنَّ مقطعاً لك في هاتفي الجوَّال ختم ذلك الجهل بعلمٍ ودَّ فيه ذلك العامل أن ازداد فيه جهلاً. لم يزد لسانه على أن ذكر اسم ربي، وما توجه وجهه إلا ناحية السماء، وظني بدمعةٍ في عينيه وقد حارت من أين تخرج، أمِن سوادها أم بياضها، أم تتوارى في الطرف الذي لا يراه نظري، أم تكتفي في الوقوف عزاءً على المحاجر. ذكر لي أنَّه يطلبُ منك ديناً قليلاً، فابتدرتُ جملته الأخرى بأني من سيسدد عنك، ولكنَّه أصرَّ إصرار من أدركَ بأنَّ الموت يذهب أيَّ مطلبٍ ماديٍ كان أو معنوي، وأفصحَ بأنَّك ذهبت إلى مكانٍ لا تُطالبُ فيه بمثقال ذرة، فيكفيكَ ما أنت فيه من أمرٍ نرجو فيه رحمةَ الله التي سبقت غضبه.
عذراً صالح، لم يكُ بيدي حيلة، وما علمتُ بأنَّك سترحل سريعاً من حيث لم نترصد لك ذلك، وأنت كنتَ أول من لم يعرف فينا. وسماحةً يا صالح من أي بذرةِ غلٍّ حملناها عليك يوماً، وأعدك أيها الحبيب بأنني لن أحزنَ عليك فيما بعد، ولن أجعلك باعثاً لضائقةٍ تحيطني أبداً، ولن أذكرك إلا فيما ينفعك، ولن أجمعَ لك الكلام فيما بعد، إلا بأن أبلغكَ سلام " سعودٍ" و" محمد" أحبَّ اثنين لك مِنّا، و.. ووداعاً يا صالح!.

سحر الليالي
12-11-2007, 01:43 PM
الفاضل "مبارك الهــاجــري "

جلست أستظلل تحت أفياء رسالتك الباذخة...!!!
رسالة مترفه بــ روعة الح ــرف...!!

لك تحية مبجلة كــ حرفك
وخالص تقديري وقوافل ورد

د. سلطان الحريري
13-11-2007, 01:38 AM
إذا كان الحرف مكتوبا بمداد الصدق تبقى روحا من كتبه ، ومن كتب إليه معلقتان فوق ظلال الجراح ، مع النغم المحاصر بين حقيقة الموت والحياة ؛ حيث نسمع همسات الراحلين تعبر آذاننا المشبعة بصخب الحياة .
نص متخم بالصدق إلى حد جعلني أقف عند همسات الحروف ، وأدخل التجربة كما أردتها لنا .
دم مبدعا نقيا

د. عمر جلال الدين هزاع
13-11-2007, 03:43 PM
حس شفيف و لغة مفعمة بصدق البيان
لله أنت و فكرك و حرفك الجميل
...
خالص تقديري
و موفور الود

حوراء آل بورنو
15-11-2007, 10:34 PM
أعترف أنه فاتني الكثير من الأدب و البيان و رقي الفكر بفوات قراءة هذه الرسالة حتى هذا الأوان !
و أعتذر لنفسي بداية ثم لك و قد أهملت النظر فيها و هي تستحق - و الله - أكثر من مجرد النظر ؛ فحرفها عظيم البلاغة و حسها بالغ الجمال رغم الحزن و الوجع .. و هل تسقى حدائق الجمال إلا بالحزن !

لعل أروقتنا تزهو بحرفك دائماً فنسعد به و نغدو من الأثرياء .

ترحيبي بك و بالغ تقديري لحرفك .

مبارك الهاجري
16-11-2007, 08:28 PM
الفاضل "مبارك الهــاجــري "

جلست أستظلل تحت أفياء رسالتك الباذخة...!!!
رسالة مترفه بــ روعة الح ــرف...!!

لك تحية مبجلة كــ حرفك
وخالص تقديري وقوافل ورد

ولكِ مودتي أيتها الفاضلة.

مبارك الهاجري
16-11-2007, 08:32 PM
إذا كان الحرف مكتوبا بمداد الصدق تبقى روحا من كتبه ، ومن كتب إليه معلقتان فوق ظلال الجراح ، مع النغم المحاصر بين حقيقة الموت والحياة ؛ حيث نسمع همسات الراحلين تعبر آذاننا المشبعة بصخب الحياة .
نص متخم بالصدق إلى حد جعلني أقف عند همسات الحروف ، وأدخل التجربة كما أردتها لنا .
دم مبدعا نقيا

بكم أنا ناجح.
شكراً دكتور.

مأمون المغازي
17-11-2007, 02:48 PM
الأستاذ الأديب : مبارك الهاجري ،

من أي سلسال وجع قددت هذه المنسوجة ، ومن اي معين صدق أشربتها ؟!

كنت قد أتيت إلى رسالة ، لكنني لم أكن أعلم أنني سأحلق بها في عوالم الحقيقة واليقين ، وتدور بي الأرض دورتها تبتلعني حينًا وتلفظني حينًا لأعود بين العالمين ، أنتِ ـ يا أديبنا ـ ابهرت الحرف حين جلس أمامك القرفصاء تنظر إليه فيلبي كل ما تريد ويطوي لك العوالم طيًا فيأتيك من كل صنف ولون بلاغة ، وسردًا ، واسترسالاً ، واستدراكًا ، وقصًا ، وشعرًا .

لله درك من إنسان صادق أمتعتنا بما أتعبتنا ، وبما عانيت أنت تجربة الفراق والفقد .

أديبنا ، فليرحمنا الله جميعًا .

محبتي واحترامي

مأمون

يُمنى سالم
19-11-2007, 02:55 AM
مبارك الهاجري

رسالة تحمل من نار الإحساس ما يمكنه أن يحرق مُدن الشوق، ويزرع خصال الوفاء على ضفاف الصدق..

تحية من الأعماق

مبارك الهاجري
19-11-2007, 03:08 AM
حس شفيف و لغة مفعمة بصدق البيان
لله أنت و فكرك و حرفك الجميل
...
خالص تقديري
و موفور الود
د. عمر
لله أنت وكفى.

مبارك الهاجري
19-11-2007, 03:14 AM
أعترف أنه فاتني الكثير من الأدب و البيان و رقي الفكر بفوات قراءة هذه الرسالة حتى هذا الأوان !
و أعتذر لنفسي بداية ثم لك و قد أهملت النظر فيها و هي تستحق - و الله - أكثر من مجرد النظر ؛ فحرفها عظيم البلاغة و حسها بالغ الجمال رغم الحزن و الوجع .. و هل تسقى حدائق الجمال إلا بالحزن !

لعل أروقتنا تزهو بحرفك دائماً فنسعد به و نغدو من الأثرياء .

ترحيبي بك و بالغ تقديري لحرفك .

هو أنا من فاته شرف المساس بهكذا حرف.
دمتِ في حفظِ الله.

مبارك الهاجري
20-11-2007, 08:22 AM
الأستاذ الأديب : مبارك الهاجري ،

من أي سلسال وجع قددت هذه المنسوجة ، ومن اي معين صدق أشربتها ؟!

كنت قد أتيت إلى رسالة ، لكنني لم أكن أعلم أنني سأحلق بها في عوالم الحقيقة واليقين ، وتدور بي الأرض دورتها تبتلعني حينًا وتلفظني حينًا لأعود بين العالمين ، أنتِ ـ يا أديبنا ـ ابهرت الحرف حين جلس أمامك القرفصاء تنظر إليه فيلبي كل ما تريد ويطوي لك العوالم طيًا فيأتيك من كل صنف ولون بلاغة ، وسردًا ، واسترسالاً ، واستدراكًا ، وقصًا ، وشعرًا .

لله درك من إنسان صادق أمتعتنا بما أتعبتنا ، وبما عانيت أنت تجربة الفراق والفقد .

أديبنا ، فليرحمنا الله جميعًا .

محبتي واحترامي

مأمون
بلغ هذا التعليق مني مبلغاً لا أستطيع منه أن أجدف بأحرفي.
لك امتناني.

مبارك الهاجري
20-11-2007, 08:25 AM
مبارك الهاجري

رسالة تحمل من نار الإحساس ما يمكنه أن يحرق مُدن الشوق، ويزرع خصال الوفاء على ضفاف الصدق..

تحية من الأعماق

وشكرٌ من ذات المكمن.

أحمد الرشيدي
21-11-2007, 05:18 PM
غفر الله لصالح ، وأسكنه روضة يرى منها مقعده في الفردوس الأعلى ...

إن الوداع وقعه أليم شديد على كل محب وفي ، ولعمر الله إنه ممن يلجم اللسان بعد أن يستنفر الهواجس والخطرات استنفارا ، فكيف إذا كان الفراق بسبب منية انشبت أظفارها كما يقول أبو ذؤيب ، ولو شئتُ لأقسمتُ بأن أبا ذؤيب حصر أياما وليالي قبل أن يصرخ بملء فمه " أمن المنون وريبها تتوجع ...".

أيها الأديب الصادح بروعة البيان الصادع بالوفاء ، حروفك مناظير رأينا فيها ما كان من أمر ( صالح ) ومن معه ، رأينا أدق التفاصيل تصريحا وتلويحا ، ثم إنها استحالت سحائب يعاليل تسح عذبا فراتا على تراب ضمَّه منبتةً حبا صادقا ، ووفاء نادرا أصله ثابت وفرعه في السماء ...

وداعا صالح وليرحمك الله ، وأهلا مبارك وليحفظك الله .

أحمد الرشيدي
21-11-2007, 05:21 PM
- للتثبيت -

مبارك الهاجري
28-11-2007, 10:53 AM
غفر الله لصالح ، وأسكنه روضة يرى منها مقعده في الفردوس الأعلى ...

إن الوداع وقعه أليم شديد على كل محب وفي ، ولعمر الله إنه ممن يلجم اللسان بعد أن يستنفر الهواجس والخطرات استنفارا ، فكيف إذا كان الفراق بسبب منية انشبت أظفارها كما يقول أبو ذؤيب ، ولو شئتُ لأقسمتُ بأن أبا ذؤيب حصر أياما وليالي قبل أن يصرخ بملء فمه " أمن المنون وريبها تتوجع ...".

أيها الأديب الصادح بروعة البيان الصادع بالوفاء ، حروفك مناظير رأينا فيها ما كان من أمر ( صالح ) ومن معه ، رأينا أدق التفاصيل تصريحا وتلويحا ، ثم إنها استحالت سحائب يعاليل تسح عذبا فراتا على تراب ضمَّه منبتةً حبا صادقا ، ووفاء نادرا أصله ثابت وفرعه في السماء ...

وداعا صالح وليرحمك الله ، وأهلا مبارك وليحفظك الله .
وأهلاً بك مليون.

سموالكعبي
28-11-2007, 11:52 AM
ضربت بأطناب خيمتي في مدرسة إبداعكم فوجدت القلم الجياش والحس المرهف والعمق في المعنى , الرصانةوالمتانة , تمتلكون موهبة فريدة في عصر كثر فيه الأدب السريع السطحي , مثل الأكل السريع , وهذا مما يجعل الكثير ممن قل علمه أن يعرض عن هذا لأن ليس له طافة بمثاقيل الجواهر التي نحملها حروفكم .
لا أخفيكم عندما قرأت المقدمة للنص استعجبت حيث عهدت أن أسلوبكم أقوى, لكن ما لبثت حتى رأيت فيوض إبداعكم تنحدر انحدارا الشلال العارم للأدب الهش (الفاست فود) غفوا ( آرت فود)
وقفة بسيطة فحروفكم أوسع .
تحياتي لك أدبية

مبارك الهاجري
02-12-2007, 10:11 PM
سمو..
لكِ الله وكفى!.