المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [[ فى رحاب الهجرة النبوية المباركة ]] بقلم صلاح جا


صلاح جاد سلام
29-11-2011, 06:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى كل الأحبة فى صرحنا الميمون ، بمناسبة بدء العالم الهجرى الجديد ، أقتطف لحضراتكم بعض أجزاء من مصنف لى بعنوان ( فى رحاب الهجرة النبوية المباركة ) ، راجيا أن يحظى برضاكم وقبولكم ، مستغفرا المولى مما قد يكون فيه من خطأ أو نسيان ،،
فإن ظفرت بفائدة فادع بالتجاوز والمغفرة ، أو بزلة قلم فافتح لها باب التجاوز والمعذرة ، فلا بد من عيب . ولسان حالى يكرر قول شاعر العربية العملاق أحمد فارس الشدياق :
فإن كان فيه بعض شيئ يعيبــه *** فكل كتاب خط لم يخل من عيب


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي خاتم الأنبياء والمرسلين ، المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمد ، وعلي آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين .
وبعد
فهي تذكرة خالدة متجددة سنويا ، تجمع في ثناياها مزيجا طيبا من القيم النبوية الرفيعة ، من صدق العزيمة والإخلاص والتضحية والصبر والنجاح ، وتخبر عن رعاية ربانية وعناية إلهية ، انتقلت بها الرسالة المحمدية من طور الدعوة في مكة المكرمة إلي طورالدعوة و الدولة في المدينة المنورة بنور سيدنا رسول الله صلوات ربنا وسلامه عليه .
ثم إن المطالع لأحداث الهجرة النبوية المباركة ونتائجها ، مرورا بإرهاصاتها وأسبابها ، لابد له من أن يجد الجم الكثير مما سطره المؤرخون والباحثون ، مما يلزمنا في عجالتنا هذه بتوخي الإيجاز . ما أمكن .
وعليه .... فإننا سنكتفي بتسليط الضوء صوب بعض النقاط المختلفة .
وبداية يجب أن نلتفت معا إلي أن أحداث الهجرة وقعت في ما بين أواخر شهر صفر ومنتصف شهر ربيع الأول من عام الهجرة ، ومع ذلك فقد أعتبر شهر المحرم الذي وقعت في عامه ، هو بداية التقويم الإسلامي (الهجري) ، ومن ثم فإن الإحتفال الإسلامي بهذه الذكري الخالدة يتجدد في شهر المحرم من كل عام . باعتباره أول الشهور العربية الإسلامية .
ومن الطريف في ذلك ما ذكره المقريزي في خططه من أنه لما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم من مكة إلي المدينة كانت نوبة النسيء بلغت شعبان ، فسمي محرما ، وشهر رمضان صفرا .
ويجدر بالذكر أن المسلمين من بعد الهجرة النبوية طيلة عشر سنوات كانوا يؤرخون بالإشارة إلي الأحداث العظيمة ، علي النحو التالي :
قال أبو الريحان البيروني في ( الآثار الباقية ) :
كان الناس علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم سموا كل سنة ما بين الهجرة والوفاة باسم مخصوص بها ، مشتق مما اتفق فيها له صلي الله عليه وسلم .
ففي الأولي من بعد الهجرة : سنة الإذن ...
والثانية : سنة الأمر بالقتال ...
والثالثة : سنة التمحيص ...
والرابعة : سنة الترفئة ...
والخامسة : سنة الزلزال ...
والسادسة : سنة الإستئناس ...
والسابعة : سنة الإستغلاب...
والثامنة : سنة الإستواء ...
والتاسعة : سنة البراءة ...
والعاشرة : سنة الوداع .
فكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من لدن الهجرة . آ هـ
ولذلك قال سهل بن سعد في التأريخ بالهجرة : ما عدوا من مبعث النبي صلي الله عليه وسلم ولا من وفاته .. ما عدوا إلا من مقدمه المدينة . آهـ

وقد نسب التأريخ الإسلامي بالهجرة إلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ،،
و أفاد السهيلي في ( الروض الأنف ) أن الصحابة رضي الله عنهم أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى :
{ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقاً ، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر ، و هو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام ، و عبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ربه آمناً ، و ابتداء المسجد ، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم .
و قد أبدى بعضهم للبدء بالتأريخ بالهجرة مناسبة فقال :
كانت القضايا التي اتفقت له و يمكن أن يؤرخ بها أربعة :
مولده ومبعثه و هجرته و وفاته ، فرجح عندهم جعلها من الهجرة ؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة ، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه ، فانحصر في الهجرة ،
وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم ، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة ،
( بيعة العقبة الثانية الكبرى كانت في ذي الحجة من العام الثالث عشر للبعثة ) فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم ، فناسب أن يجعل مبتدأ ،
و هذا من أقوى ما يوقف عليه بصدد مناسبة الابتداء بالمحرم .

أما عن إرهاصات الهجرة النبوية المباركة ، فقد يظن البعض أنها بدأت قبيل وقوع أحداثها مباشرة ، إلا أن التحقيق التاريخي يقول إن إرهاصاتها بدأت مع بداية الرسالة المحمدية ، أي منذ نزول ( اقرأ ) ، وذلك بقول ورقة بن نوفل الأسدي رضي الله عنه للنبي صلي الله عليه وسلم :
يا ليتني فيها جذع ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك .
فقال النبي صلي الله عليه وسلم :" أو مخرجيّ هم ؟ "
قال ورقة : نعم ،، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .

وأما عن أبطالها رضوان الله عليهم ، فقد صارت أسماؤهم تاجا يتلألأ نورا علي غرة التاريخ في دنيا الناس .
أبو بكر الصديق ، علي بن أبي طالب ، عبد الله بن أبي بكر ، عامر بن فهيرة ، أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم وأرضاهم .
وقد ورد أن الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان قد أزمع الهجرة إلي الحبشة يوما ، وخرج فعلا حتي وصل إلي برك الغماد ( قيل هو موضع وراء مكة بخمس ليال ) فلقيه مالك ابن الدغنة ( سيد الأحابيش يومئذ ) فأقنعه بالعدول عن ترك مكة وأعاده إليها ، وأدخله في جواره .
ثم يهم الصديق بالهجرة مرة أخري ويتجهز لذلك ، إلا أن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول له : "علي رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " ،،،
فيقول الصديق : وترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟
فيقول النبي صلي الله عليه وسلم : " نعم ". .....
وحينئذ يحبس الصديق نفسه علي رسول الله صلي الله عليه وسلم لصحبته ، ويبدأ في الإعداد والاستعداد . حتى إن بعض شيوخنا من علماء الإسلام المحققين رحمه الله قال : كان الصديق رحمه الله تعالي مهندس رحلة الهجرة ، إذ اشتري راحلتين ( إحداهما القصواء ) من نعم بني قشير الشهيرة ( تماثل مرسيدس هذا الزمان ) بثمانمائة درهم ، وأمر بعلفهما حتى يأذن الله تعالي .
{ وفى هذا الصدد يقول الشيخ محمد أحمد بدوي رحمه الله صاحب [ كفاية المسلم في الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم ]: وعلف هاتين الراحلتين ورق السمر ( وهو الخبط ) أربعة أشهر } .

وتتوالي الأحداث في مكة ، ويجتمع أشرافها بدار الندوة في يوم كان يسمي ( يوم الرحمة ) كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما فيما ذكره ابن هشام في السيرة النبوية نقلا عن ابن اسحق .... ويتفقون علي أن يترصدوا لقتله صلي الله عليه وسلم أمام منزله .
وفي هذا صرح الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد ) بعددهم وبأسمائهم علي سبيل الحصر ، مؤكدا علي أنهم كلهم قرشيون ...
المتربصون ليلة الهجرة :
1. أبو جهل .... من بني مخزوم .
2. أبو لهب .... من بني هاشم .
3. عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية .
4. الحكم بن أبي العاص .... من بني أمية .
5. النضر بن الحارث .... من بني عبد الدار بن قصي .
6. زمعة بن الأسود .... من بني أسد .
7. أمية بن خلف .... من بني جمح .
8. أبي بن خلف .... من بني جمح .
9. طعيمة بن عدي .... من بني نوفل بن عبد مناف .
10. نبيه بن الحجاج .... من بني سهم .
11. منبه بن الحجاج .... من بني سهم .
قال : واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ويريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها . آهـ
قال ابن اسحق : فأتي جبريل عليه السلام رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة علي فراشك الذي كنت تبيت عليه .
ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه :
" نم علي فراشي ، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ".آهـ
ثم أمره أن يؤدي عنه الودائع التي عنده للناس .
وهنا .... لا يمكننا أن نسترسل قبل أن نتوقف ونتأمل ونتدبر....
يعادونه ... ويأتمر أشرافهم علي قتله ....
ومع ذلك ...
لا يجدون أحدا غيره يأتمنونه علي ودائعهم !!! .
وفي المقابل ...
هو صلي الله عليه وسلم يترك لهم الجمل بما حمل ( يخرج من مكة مهاجرا ) وفي الاستطاعة أخذ كل الودائع عوضا عن ما يترك في مكة ، ولكنه لم يفعل ،
بل وما ينبغي له أن يفعل .
والسبب في الحالين أنه محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم الصادق الأمين ، المبعوث رحمة للعالمين ، المتمم لمكارم الأخلاق ، صلوات ربنا وسلامه عليه .
ويخرج من بيته مخترقا تجمعهم وترصدهم وهويتلو صدر سورة " يس " ، ويذهب إلي حيث يريد وهم لا يشعرون .

كان خروجه صلي الله عليه وسلم من بيته لثلاث بقين من شهر صفر .
ثم ... يذهب إلي بيت الصديق ... ومنه يخرجان معا مساء يوم الخميس ، أي (ليلة الجمعة ) إلي حيث غار ثور ، حيث يقع جنوبي مكة ، ويكون الوصول إليه قبيل فجر الجمعة .
وهناك يمكثان إلي ليلة الإثنين .

وفي هذه المدة تجري أحداث كثيرة ، يطيب لنا أن نشير إليها وإلي أبطالها :
** عبد الله بن أبي بكر :
[ شقيق أسماء بنت أبي بكر ، أمهما قتيلة بنت عبد العزي من بني عامر بن لؤي القرشية ] غلام شاب ثقف لقن ، يدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام .
وقد ذكره صاحب ( در السحابة في بيان مواضع وفيات الصحابة ) بأنه شهد الطائف مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فرمي بسهم فجرحه ، فاندمل جرحه ، ثم انتفض به فمات في مكة من أول خلافة أبيه .

** أسماء بنت أبي بكر :
هي أكبر ولد أبي بكر ، أسلمت بعد 17 نفسا ، روت تقول : صنعت سفرة للنبي صلي الله عليه وسلم وأبي بكر حين أرادا المدينة ، فقلت لأبي ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي ، قال : فشقيه ، ففعلت ، فسميت ذات النطاقين .
وتحدثنا بعض كتب السيرة أنه لما طاش صواب المشركين بحثا عن النبي صلي الله عليه وسلم وصاحبه ، ذهب نفر منهم إلي بيت أبي بكر وكان فيهم أبو جهل ، وسألوا عن أبي بكر فأجابتهم أسماء قائلة :لا أدري ، فلطمها أبو جهل لطمة منكرة طرح منها قرطها .
وحين خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر ، احتمل أبو بكر ماله كله معه ( 5آلاف أو 6 آلاف درهما ) ، فدخل أبو قحافة رضي الله عنه ــ وقد كف وذهب بصره ــ علي أحفاده يتقصي حالهم ، وإذا بأسماء تطمئنه بأن أباها ترك لهم ما يكفيهم. .
ثم إنها كانت حبلي في عبد الله ، ومع أنها كانت في أيامها الأخيرة من الحمل ، إلا أنها كانت تحمل الطعام وتذهب إليهما به ، فتصعد الجبل الشاهق ، ضاربة بذلك أروع الأمثلة في الإيمان والإخلاص والصبر وتحمل المخاطر والمشاق .
ثم إنها هاجرت إلي المدينة وهي حامل متم ، فوضعت عبد الله بن الزبير بقباء ، فكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة . (النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه هو أول مولود للأنصار من بعد الهجرة )
وقد عاشت ذات النطاقين إلي أن ولي ابنها (عبد الله بن الزبير) الخلافة ثم قتل ، فماتت بعده بقليل ، مكفوفة البصر عجوزا طوالة عمرها 100 عام ، لتكون آخر المهاجرين والمهاجرات وفاة . ( توفيت فى مكة سنة 73 هـ ) .

** عامر بن فهيرة ( أبو عمر ) :
مولي أبي بكر الصديق ، كان من السابقين للإسلام ، وكان قارئا كاتبا ، ذكره ابن القيم في ( زاد المعاد ) ضمن كتّاب النبي صلي الله عليه وسلم ، كما ذكره ابن الجوزي في ( صفة الصفوة ) ضمن من شهد غزوتي بدر وأحد ، وقتل شهيدا يوم بئر معونة سنة 4 هـ ، وهوابن 40 سنة .
كان دوره في ليالي الغار أن يرعي منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل ، وهو لبن منحتهما حتى ينعق عامر بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث ،
وفي الطريق يردفه الصديق خلفه مصاحبا لهما . ...
وفي أثناء ذلك يأمره النبي صلي الله عليه وسلم أن يكتب كتاب أمن لسراقة بن مالك حين لحق بالركب المبارك ، فكتب .

** سراقة بن مالك الجعشمي الكناني المدلجي أبو سفيان :
لحق برسول الله صلي الله عليه وسلم ، يرجو أن يرده علي قريش فيقبض الجائزة (مائة ناقة ) ، ويدعو النبي صلي الله عليه وسلم قائلا : " اللهم أكفيناه بما شئت " .....
ويتحقق الدعاء فورا ..... فيعتدل ميزان سراقة ،
فبعد أن كان أول النهار جاهدا عليهما ، يصبح حارسا ومسلحة لهما في آخره ، إذ يرجع ، فلا يلقي أحدا من الطلب إلا رده
وقد وعده النبي صلي الله عليه وسلم في نبوءة نبوية محققة أن يلبس سواري كسري أنو شروان ، حيث تحقق ذلك بعد فتح المدائن ( عاصمة الفرس ) في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وكان سراقة وقتئذ قد كف بصره ، يقوده غلامه إلي حيث عمر ، فيلبسه سواري كسري ، كما وعده الصادق المعصوم صلوات ربنا وسلامه عليه .

** عبد الله بن أريقط الدئلي الليثي :
وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه كان هاديا خريتا ( أي ماهرا بالهداية ) استأجراه دليلا لهما في رحلتهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ، فأتاهما في الموعد ، لتبدأ الرحلة الخالدة الميمونة المباركة ،
ثم إنه سلك بهما طريق الساحل غير المطروق .....( حوالي 200 ميل )
وقد وصف محطات هذا الطريق الوصف الدقيق الأستاذ الدكتور حسين مؤنس في كتابه ( أطلس تاريخ الإسلام ) ، وذكر فيه أن وصول ركب الهجرة المبارك إلي قباء كان فى يوم الاثنين 12 من شهر ربيع الأول عام 1 هـ ،، الموافق 24 سبتمبر عام 622 م ،
ويجدر بالذكر أن عبد الله بن أريقط هذا كان مشركا آنذاك ....
ومع أن أكثر كتب السيرة سكتت عن ذكر إسلامه من عدمه ، إلا أن صاحب (تحفة الألباب في شرح الأنساب ) ذكر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال فيه : " هو أمين " .
ولعمري .... إن الأمانة لإحدى صفات المؤمن ،
ثم ... كيف لرجل أمين يخالط النبي صلي الله عليه وسلم أياما معدودات ، تكتنفها ظروف هذا السفر المشترك ، بما تحيط به من مصاعب ومخاوف ومخاطر ، ومع ذلك لا يسلم ؟ !!
إنه لأمر مستبعد ، خاصة وأن النبي صلي الله عليه وسلم وأبا بكر بعد وصولهما قباء سالمين أرسلا عبد الله هذا إلى مكة ، ومعه أبو رافع وزيد بن حارثة ، ليأتوا بأهليهما منها [ فاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسماء وعائشة وأم رومان وأم أيمن وأسامة بن زيد ] . علي ما ذكره ابن سعد في طبقاته الكبرى .
وفي قباء لحق بهما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، بعد أن أدي عن النبي صلي الله عليه وسلم ما كان للناس عنده من ودائع وأمانات .

{ لطيفة تنبيهية :
لنعد قراءة هذه الجملة الآنفة :
وفي قباء لحق بهما علي بن أبي طالب ، بعد أن أدي عن النبي صلي الله عليه وسلم ما كان للناس عنده من ودائع وأمانات .
نعم ،، كما قلنا آنفا : كان القرشيون يعادونه صلوات الله وسلامه عليه ، إلي أبعد حدود العداء ،،، ومع ذلك لايجدون أأمن من رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أماناتهم وودائعهم ،، فيضعونها عنده ، وقد كان الظن بمقاييس بعض البشر في دنيا الناس ، أن يخرج رسول الله صلي الله عليه وسلم مهاجرا ومعه هذه الودائع ، انتقاما من قريش ، أو عوضا عما تركه لهم في مكة المكرمة ، أو ،، أو ،، الخ ،،
فإن لم يستطع ، فليقم بذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الفترة التالية لهجرته صلي الله عليه وسلم ،
ولكن ،، ما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم ليفعل هذا مطلقا ، فهو الصادق الأمين ، وهو المتمم لمكارم الأخلاق ، والأمانة إحدي مكارم الإخلاق ،،،،،،
وإنه لرسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه } .

ونزل النبي صلي الله عليه وسلم في قباء ، في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم ومكث مدة أربع عشرة ليلة ،، حتى صبيحة يوم الجمعة ثم غادرها إلي المدينة ،
وفي الطريق أدركته صلاة الجمعة فصلاها ،
يقول ابن الأثير في كتابه ( النهاية في غريب الحديث ) عن هذه الجمعة :
إن أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في هزم بني بياضة ( مكان متطامن من الأرض ) . آهـ

ثم واصل سيره صلي الله عليه وسلم راكبا علي القصواء ، ليصل إلي المدينة المنورة بنوره في مساء هذا اليوم ( الجمعة ) ،
ولا يخفاك أن كل بيت من بيوت الأوس والخزرج كان يستشرف بصدق لنزوله صلي الله عليه وسلم عندهم ، فيمسكون بزمام القصواء ،، يعرضون عليه ذلك ، فيجيبهم بالأدب النبوي السامي قائلا : " دعوها فإنها مأمورة "
حتى وصلت إلي حيث بركت ، وصار هو المنزل ( ذلك الذي نراه اليوم المسجد النبوي بما فيه من مقصورته الشريفة صلوات الله وسلامه عليه ) ، حيث شرع في تأسيسه وبنائه مشاركا في ذلك بنفسه . استغرق بناء المسجد اثني عشر يوماً
علي أنه صلي الله عليه وسلم عقب هجرته مباشرة طلب إحصاءً بعدة المسلمين في المدينة ، فأحصوا فكانوا ألفا وخمسمائة علي ما رواه الشيخان البخاري ومسلم .

وفي المدينة كما يقول ابن اسحق فيما نقله عنه ابن هشام أنه صلي الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود ، وعاهدهم ، وأقرهم علي دينهم وأموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم .
كما قرر مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة في أسلوب من الأساليب الاجتماعية النبوية المحكمة التي لم يكن لها مثيل من لدن آدم إلي الآن ، وإلي أن تقوم الساعة .

ومن جدير ما يذكر بصدد الهجرة :
** أنها كانت من أوسمة المسلمين الأول ، إذ كان يقال للواحد منهم هاجر الهجرتين ، وصلي إلي القبلتين .
وقد ورد الحديث " ثلاث من الكبائر .. منها التعرب بعد الهجرة ( وهو أن يعود إلي البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا ) .

** أول المهاجرين :
هو أبو سلمة بن عبد الأسد ... كان قد هاجر إلي المدينة قبل بيعة العقبة الكبري بسنة ، ذلك أنه كان قد قدم من الحبشة إلي مكة ، فآذته قريش ، وبلغه أن جماعة من الأنصار قد أسلموا فهاجر إلي المدينة ، فكان أول المهاجرين إليها . علي ما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ( تاريخ الإسلام ) .

** آخر المهاجرين :
العباس بن عبد المطلب ، تأخر في إعلان إسلامه ، حتي إذا رحل إلي المدينة مهاجرا ، لقي النبي صلي الله عليه وسلم قادما منها في طريقه إلي فتح مكة ، فلما اخبره أنه جاء إليه مهاجرا ، أمره أن يرسل رحله إلي المدينة ، ويرجع معه لفتح مكة قائلا له : " أنت آخر المهاجرين ، وأنا آخر الأنبياء " علي ما ذكره صاحب ( الكامل في التاريخ ).
ومنذئذ ، حيث لاهجرة بعد الفتح ، أصبح العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه آخر المهاجرين .

** من توافق الأقدار أن قريشا في مكة لم تؤد إتاوة قط إلي أحد من الملوك ،، ومنها هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلي يثرب ( المدينة المنورة ) حيث الأوس والخزرج ( الأنصار) ، وهم أيضا لم يؤدوا إتاوة قط إلي أحد من الملوك . فسبحان مقدر الأقدار .

ومن خلاصة القول في الهجرة النبوية المباركة ما سطره الشيخ أبو الوفا المراغي الجرجاوي رحمه الله تعالي في كتابه ( من رياض السيرة العطرة ) إذ كتب :
ومن الغريب أن أعداء الدعوة الإسلامية حاولوا أن يلتمسوا من أعمال النبي صلي الله عليه وسلم مغامز يشوهون بها جمالها وجلالها ، ويلبسون الحق فيها بالباطل إلا حادث الهجرة .. فما قرأنا لمعاند أو زائغ حديثا فيه ، ولا ناله بالسوء منهم قلم أو لسان .. ولعل ذلك لأن هذا الحادث كان كله مشقات وتضحيات ، لاسبيل فيه لإحتمال الشهوة والغرض مكان .. آهـ
نعم ،، كانت الهجرة النبوية المباركة للحق ، وفي سبيل الحق ، تمتليء دقائق أحداثها بالعبر والدروس البليغة،، ولهذا فهي جديرة بجميل الذكر وشرف الخلود .
هذا والله أعلى وأعلم ،،،
ويحسن فى كل آخر الحمد لله رب العالمين .


صلاح جاد سلام

ملاك حسين
29-11-2011, 05:37 PM
مبحث قيم و مفيد استسقينا منه المعلومة و الفائدة

جزاك الله خيرا أستاذ صلاح و جعله في ميزان حسناتك

وفيت و كفيت

تحياتي و تقديري

صلاح جاد سلام
30-11-2011, 04:28 AM
الأخت الفاضلة الأديبة اللبيبة الأستاذة / ملاك حسين ،،، المكرمة
جزاك الله خيرا كثيرا على هذا المرور العطر والثناء البليغ ،
وكل عام أنت والأهل الكرام بخير وفى مزيد من نعم الله وفضله وآلائه ،،
مع خالص تحياتى وأسمى أمنياتى وعاطر السلام .
صلاح جاد سلام

ولاء سعيد أبو شاويش
04-12-2011, 01:36 AM
بارك الله فيك
أ.صلاح
جعلها الله في ميزان حسناتك أخي
تحياتي