المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بعد أربعين عاما: ماركيز يحكي قصة صدور مائة عام


ضحى بوترعة
11-12-2007, 10:41 PM
[size=3] بعد أربعين عاما: ماركيز يحكي قصة صدور مائة عام من العزلة

ترجمة مزوار الإدريسي
عن دروب
يوم 21 من سبتمبر من العام الماضي عُرضتْ على العموم في مزاد وثيقة من 180 ورقة و1026 تصحيحٍ بخط يد الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيث Gabriel García Márquez الذي دخل تاريخ الأدب إلى الأبد، عنونها مائة عام من العزلة، وأهداها إلى الزوجين أَلْكوريثا Alcoriza بهذه الكلمات:” من الصديق الذي يَمْحَضُكما أعْظَم الحُب في هذا العالم”، وكتب مع التوقيع تاريخ 1967. كانت تلك النسخة الأولى من نسخ الطبع التجريبية للرواية.
وبعد ذلك، بثلاثين وأربعة أعوام، سيقص غارثيا ماركيث في هذا المقال حكاية ذلك النص الأصلي الذي كتبه في 18 شهرا، وهو مخنوق بالقروض، ومقتنع بأنه في اللحظة التي سينتهي من كتابته ستنتهي أزماته الاقتصادية.

الوقائع التي أحاطت بنشر
مائة عام من العزلة
رواية خلف رواية
غابرييل غارثيا ماركيث
في بداية غشت 1966 توجهنا مرثيدس Mercedesوأنا إلى مكتب بريد سان أنخيل San Ángel بمدينة مكسيكو كي نبعث إلى بوينوس آيريس النص الأصلي ” لمائة عام من العزلة”. كان النص طردا يضم 590 ورقة، من الورق العادي، كُتِبَتْ برقانة احترمت فراغا مضاعفا ما بين الأسطر، وأُرْسلَ إلى المدير الأدبي لدار النشر ” سُودْ أمِرِيكانا” فرانثيسكو ( باكو) بُورُّوَ Francisco ( Paco) Porrúa . وضع مستخدم البريد الطرد في الميزان، وأنجز حساباته الذهنية، ثم قال:
- المجموع اثنان وثمانون بِيسُوس.
عدَّتْ مرثيدس الأوراق النقدية والقطع المفردة التي كانت تحملها في الحافظة، ثم واجهتني بالحقيقة:
- لدينا ثلاثة وخمسون فحسب.
ولكثرة تعودنا على هذه العثرات اليومية، بعد عام وأكثر من الأزمات، فإننا لم نفكر كثيرا في الحل؛ فتحنا الطرد، قسمناه إلى جزءين متعادلين، وأُرسل إلى بوينوس آيرس النصف فحسب، دون أن نتساءل حتى عن الكيفية التي سنحصل بها على المال كي نبعث بما فَضُلَ. كانت الساعة السادسة مساء من يوم جمعة، ولن يفتح البريد حتى الاثنين، وهكذا كانت لدينا نهاية الأسبوع برمتها كي نتدبر الأمر.
لقد فضُلَ أصدقاء قلائل للاعْتِصَارِ، وأفضل ممتلكاتنا ترقد في سباتِ الصالحين” بجبل الرحمة” . كانت لدينا بالطبع الرَّقَّانة المحمولة التي كتبت بها الرواية في أكثر من سنة، بمعدل ست ساعات يومية، لكننا لم نستطع رَهْنها، لأننا كنا سنفتقدها لحظة الحاجة إلى الأكل. وبعد مراجعة معمقة لمحتويات المنزل عثرنا على شيئين قد يصلحان للرهن: مِدْفَأَةُ غرفتي التي يقتضي حالها أن يكون ثمنها جد زهيد، وطحَّانةٌ أهدتها إيانا صُولِدَاد مِنْدُوثَا Soledad Mendoza في كراكاس حينما تزوجنا. كان لدينا أيضا خاتَما الزَّواج اللذان استعملناهما للزفاف فقط، واللذان لم نتجرأ على رهنهما اعتقادا في أن ذلك طالعُ شؤم. لقد قررت مرثيدس، هذه المرة، أن تذهب بهما للرهن، كيفما كانت الحال، باعتبارهما احتياطَ طوارئ.
ذهبنا في الساعة الأولى من يوم الاثنين إلى ” جبل الرحمة” الأقرب حيث كنا زبونين معروفين، فَأُقْرِضْنَا – دون حاجة إلى تقديم الخاتَمين- أكثر بقليل مما كان ينقصنا. ولحظةَ تَعْبِئَتِنا في البريد لبقية الرواية فقط فَطِنَّا إلى أننا كنا قد بعثنا بها معكوسة: صفحاتُ النهاية قبل صفحات البداية. مرثيدس لم يرقها هذا الحدث، لأنها كانت لا تثق في القدر دوما.
- آخر ما تَبَقَّى – قالت- أن تكون الرواية سيئة.
كانت العبارة تتويجا رائعا لثمانية عشر شهرا أمضيناها نحارب معا لإتمام الكتاب الذي عقدنا عليه كل آمالنا. حتى ذلك الحين كنت قد نشرت أربعة أعمال خلال تسعة أعوام، وبها نلت أقل من قليل، باستثناء رواية ” ساعة نحس” التي فازت بجائزة قدرها ثلاثة آلاف دولار ضمن مسابقة لا إيسو كولمبيانا La Esso Colombiana، بها واجهتُ ميلادَ غونثالو Gonzalo؛ ابننا الثاني، واشتريت سيارتنا الأولى.
ترجمة: مزوار الإدريسي هكذا عشنا في منزل من صنف الطبقة الوسطى بتلال سَانْ أَنْخِيلْ ِإينْ في ملك كبيرِ ضباط القيادة بالجيش الرائد لويس كودريير Luis Coudrier الذي كان أحد مشاغله الاهتمام شخصيا باستخلاص كراء المنزل. لقد عثر روذريغو Rodrigo ذو الستة أعوام وغونثالو ذو الثلاثة أعوام في المنزل على حديقة جميلة للعب حينما لا يذهبان إلى المدرسة، أما أنا فقد كنت منسقا عاما لمجلتي ” وقائع” و” العائلة” حيث وفيت بتعهد ألا أكتب كلمة واحدة طيلة سنتين مقابل أجر جد محترم. هكذا قمنا كارلوس فوينتس Carlos Fuentes وأنا بكتابةِ سيناريو ” الديك الذهبي”، وهي رواية أصلية لخوان رولفو Juan Rulfo أخرجها سينمائيا روبرتو كابلدون Roberto Cavaldón، كما اشتغلت مع كارلوس فوينتس على النص النهائي لبدرو بارمو Pedro Páramo لفائدة المخرج كارلوس فيلو، مثلما كتبت سيناريو ” زمن الموت”، أول فيلم طويل لأرتورو ربستاين Arturo Ripstein، وسيناريو ” تنبؤ” بتعاون مع لويس ألكوريثا. وما تبقى لي من الساعات كنت أنجز فيها مهاما عرضية متنوعة: نصوص للإشهار، إعلانات تجارية للتلفزة، كلمات أغان، مما كان يوفر لي ما أعيش به دون ضيق، لكن ليس ما يساعدني على الاستمرار في كتابة القصص والروايات.
ومع ذلك، فقد كانت تعصف بي منذ زمن بعيد فكرة إنجاز رواية خارقة تكون مختلفة ليس عما كتبته حتى ذلك الحين، بل تكون مختلفة عما قرأته، واتخذ الأمر شكل رعب لا أصل له. وفجأة، في مستهل 1965 بينما كنت ذاهبا مع مرثيدس وابْنينا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في أَكَبُولْكُو إذا بي أحس أني مصعوق برجة نفسية جد حادة وجارفة، لِدَرجة أني نجحت في تفادي بقرة كانت تعبر الطريق. عندها أطلق روذريغو صرخة سعادة:
- أنا أيضا حينما سأكبر سأقتل أبقارا على الطريق.
لم أنَلْ هنيهة هدوء في الشاطئ، وحينما عدنا يوم الثلاثاء إلى مكسيكو جلستُ إلى الرقانة لكتابة جملة استهلالية؛ لم أقْوَ على تحمُّلها داخلي:« تذكر الكولونيل أورليانو بونديَّا- بعد مضي سنوات عديدة وهو يقود فرقة المشاة- ذلك المساءَ القصيَّ الذي استصحبه فيه أبوه لكي يعرفه على الثلج». ولم أتوقف، منذ ذلك الحين يوما واحدا كما لو كنت في نوع من حلم مدمر حتى السطر الأخير حيث جرف العارُ ماكوندو.
لقد حافظت في الشهور الأولى على مواردي الجيدة، لكني في كل مرة كان ينقصني وقت أكثر لكي أكتب مثلما أشاء، وإذا بالأمر يصل بي حد العمل إلى ساعات متأخرة من الليل كي أَفِيَ بالتزاماتي المعلقة، إلى أن أضحت حياةً مستحيلةً. وشيئا فشيئا بدأت أهجر كل شيء إلى أن أجبرني الواقع اللايُدَارَى على أن أختار دون لَفٍّ أو دوران بين الكتابة أو الموت.
لم أحرْ، ذلك أن مرثيدس- وأكثر من أي وقت مضى- تكفلت بكل شيء بعدما أتيننا للتو على إرهاقِ كل الأصدقاء بالقروض. وأفلحت، دون توسل، في الحصول على قروض من دكان الحي وجزار المنعطف.
منذ الأزمات الأولى قاومنا إغراءات العقود ذات الفوائد إلى أن ضقنا ذرعا، فشرعنا في غاراتنا الأولى على “جبل الرحمة”. وبعد أن خففنا وطء الأزمة بِرَهْنِ بض الأشياء الزهيدة؛ لم نجد مناصا من الاستنجاد بمجوهرات مرثيدس التي حصلت عليها من عائلتها فيما مضى. فحصها خبيرُ فرع المؤسسة بصرامة طبيب تشريح، وزَنَ، وراجع بعينه السحرية جواهر القرطين وياقوت الخواتم، وفي الأخير أعادها لنا.
- هذه زجاج خالص!
لم يكن لدينا أبدا مزاج ولا وقت كي نتأكد متى تمَّ تعويض الأحجار الثمينة بقعر القنينات، لأن ثور البؤس الأسود كان يهاجمنا من كل الجهات. قد يبدو الأمر كذبا، لكن أحد المشاكل الأكثر استعجالا كان هو الحصول على ورق للرقانة، فقد كانت لدي تربية سيئة تجعلني أعتقد أن الأخطاء الطباعية واللغوية أو النحوية هي أخطاء إبداعية، وكلما وقفت عليها كنت أمزق الورقة وأرمي بها في سلة المهملات لأبدأ من جديد. كانت مرثيدس تنفق نصف ميزانيتنا الشهرية في اقتناء أهرام من الحزم الورقية التي لا تدوم أسبوعا كاملا، وربما كان هذا أحد أسباب عدم استعمالي ورقا كربونيا.
وأصبحت مثل هذه المشاكل العادية أكثر استعجالا حتى أنه لم يكن لدينا حماس لكي نتفادى الحل النهائي: نرهن السيارة التي اشتريناها مؤخرا، دون ارتياب في أن العلاج سيكون أكثر فداحة من الداء. لقد خففنا من حدة القروض المتأخرة، لكننا لحظة دفع الفوائد الشهرية بقينا معلَّقيْن على شفا من الهاوية، ولحسن حظنا أن صديقنا كارلوس مدينا Carlos Medina- الذي أدينُ له بدَيْنٍ كبير- تكفل بدفعها نيابة عنا، ليس لشهر واحد فقط، وإنما لشهور عديدة إلى أن تمكنا من إنقاذ السيارة. وإلى حدود أعوام قلائل عرفنا أنه أيضا رهن أحد أملاكه كي يؤدي فوائدنا نحن.

د. محمد حسن السمان
29-12-2007, 10:32 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخت الفاضلة الأديبة الاستاذة ضحى بوترعة

لقد قرأت الدراسة التي تكرمت بها , وقبل أن أغادرها , أجد لزاما علي ,
توجيه الشكر والعرفان لك , لهذا الجهد والانتقاء الموفق .
تقبلي احترامي

أخوك
د. محمد حسن السمان

ضحى بوترعة
07-02-2008, 11:50 PM
أخي العزيز د محمد

شكرا للاهتمام والمرور العبق

اسعدني تعليقك هنا

مودتي وتقديري

أسعد
01-03-2008, 01:11 AM
أتعلمين
عندما قرأتها للمرة الأولى اضطررت لرسم خريطة وشجرة الأسرة حتى أصل إلى جوهر العلاقات والرسالة المقصودة عن الطفل ذي الذنب
كان ماركيز فيها كحائكة السجاد الفارسي الدؤوب
حييتِ

ضحى بوترعة
01-03-2008, 03:29 PM
الف شكر أخي أسعد على اهتمامك

لك الود والورد

سعيد محمد الجندوبي
02-03-2008, 09:21 AM
ما أجمل هذه الولادة القسريّة لرائعة من روائع الأدب العالمي: مائة عام من العزلة


شكرا لك ضحى على هذا التذكير


سعيد محمد الجندوبي

ضحى بوترعة
02-03-2008, 10:24 PM
أخي العزيز سعيد

اهلا بك هنا يا ابن بلدي .........وشكرا لمرورك الرائع

محبتي