المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شريحة بطيخ !!!


محمد سامي البوهي
08-10-2007, 06:12 PM
http://www.syriait.net/photos/uncategorized/watermelon.jpg



شرائح بطيخ


مد رأسه خلف ظلال الطيور المحلقة فوق الشمس ، فتثاقلت عليه أوجاع القلب المغموس في طست الأحماض المُرهقة ، لاك بأصابعه صلابة القضبان ليعتصر الألم الذي يفتت أحشاءه المقبلة على الانفجار ، حصر نظراته بين قمم الجبال الملتفة من حوله ،حتى أوغلت في صدره ريبة الانطلاق بعد تلك السنين التي قضاها بين أنصاب هذا المكان المتخم بأبخرة الأفواه المحترقة ، اعتاد على صوت الطعنات ، ووقع الأقدام ، وجادية السوط ، وصوت القهر المنطلق من بين أنياب البشر المتعجرف بآمال العظمة ،لم يتصور أبداً أنه سيعود ليأكل من تلك الأطباق المختلفة التي كانت تنظمها له أمه عند رأس المائدة المنتظرة صباحه ، وظهيرته ، ومسائه ، حرك طرف لسانه يمسح شفتيه الملوثتين ببقايا العدس المضحك ، تذكر عندما أَجهز عليه أول مرة ، بعد حرمانه من الطعام والشراب طيلة ثلاثة أيام متتالية ، كانت بمثابة حضانة الاستقبال التي تخبيء خلفها تلك الأدوات المتفردة من أحذية سوداء باهتة ، وأكف سمراء تلصق بها قضبان من لحم ، وبعض من رذاذ الشتائم المحلقة ، وأشياء أخرى يجهلها حتى هذه اللحظة ، إلا شيئاً واحداً قد عرفه مصادفة عندما كان ينتظر دوره في طابور دورة المياه المستباحة ، اكتشف وللمرة الأولى وبعد كل هذه السنوات التي قضاها تحت أقدام هذا المكان ، أن هناك كوة تفتح وتغلق في جسد هذا السور الملتف ، المتوج بأنياب حديدية تغيظ الشمس،و التي مزقت جسد أحد زملائه عندما حاول الفرار ، من تحت طائلة عرش المملكة ، كنا نسمع صوت لحمه يتمزق ، و فرقعة عظامه عندما كانت تتطحنها أسنان الكلاب المتعطشة للحظات الهروب ، هاجت رائحة الخوف في المكان ، بعد أن أنضجت جلودنا بأزنام السياط المصهللة بالندم ، عدت ... عاد سريعا بذاكرته عند قفا من يقف أمامه في دور الانتظار ، حبست أنفاسي ، ارتعدت عندما تذكرت أنه لا يُسمح لنا بأن نعمل عقولنا هنا أو هناك ، من يفكر يخضع لجلسات الكهرباء ، و يحرم من العدس المعسول بالجوع أيام وأيام ، هززت رأسي وتأملت تعاريج قفاه المتخمة بالشيخوخة ، انطلقت بكلمة نظر لها كل المنتظرين ، حتى الكلاب نالت حظها من التلفت ، والتبصص –إياك أن تفكر-كانت هذه هي الكلمة الفضائية المنطلقة بنهي الواقع المتسرطن داخل خلايانا المخدرة ، تمدد وقت الانتظار هذا اليوم ، تذكر شريحة البطيخ التي جادوا علينا بها أمس على( سرفيس) العدس كوجبة إضافية بمناسبة حلول شهر رمضان ، بيضاء مائلة للحمرة ، نحيفة غير منتظمة ، ، علم أنها السبب وراء طول البقاء في طابور قضاء الحاجة باليوم التالي ، كان ينحني على كفيه المسندتين أسفل بطنه المنتفخة ، وخزته برأس حذائي من الخلف -قلت لك إياك أن تفكر أبداً – التف بجسده نحوي حتى كاد أن يشبه شريحة البطيخ وهلال رمضان وأشياء أخرى أراها جيدا ،ثم هز رأسه بعدم الوقوع في هذا الخطأ مرة أخرى ، قفز خلفنا أحد العظماء عندما وصل إليه همسنا ، سار يتفحصنا ، أمسك رأسي ، عصرها بإصبعيه ، ثم قذف بها لتضغط على عنقي ، وترتد في مكانها ، تركني ، ثم اقترب منه ، تشمم رائحته ، أمسك برأسه هو الآخر ، أحكم إلصاق كفه بجبهته ، احمرت عيناه ، و صرخ في وجهه – فيمَ كنت تفكر يا ابن ...؟؟ – دفعه بقوة ، ألقاه على الأرض ، داس عنقه بحذائه ، ضربه بهراوته على ظهره ، لم يصرخ ، لم يتأوه ، لم ... لكن دموعه كانت تتبخر على الأرض الإسفلتية عندما انتشرت بقع صفراء على سرواله الأبيض ....

**** **** ****

ألقتنا السيارة المعتمة على قارعة الطريق ، رحلت مع غمامة الصوت المزمجر ، نظر كل منا صوب الآخر ، كأننا نرى أنفسنا لأول مرة ، ابتسمنا ... الآن آن لنا أن نقفز ، ونمرح ، ونمزح ، ونضحك ، ونسهر، ونبك دون ألم ، أو .. - بكينا – رقصنا، قفزنا ، ضحكنا ، صحنا بأصواتنا لنسمع الصدى:
- نحن أحرار الآن؟
- نعم أحراراً .. أحراراً
- الآن سأدخن ،و أشاكس بنات أفكاري ، أتزوج من خطيبتي و..
- مهلاً مهلاً .. ههههه هههههه هههه
- ما الذي يضحكك ؟!
- تتزوج من خطيبتك ، و هل تعتقد أن خطيبتك في انتظارك يا محمد هههههه ؟
- محمد؟؟!، لأول مرة أسمع أحداً يناديني باسمي منذ .. خمسة عشر عـ ... خمسة عشر عاماً .. ياااااااه ..
- نعم. خمسة عشر عاماً يا محمد .
- لقد كبرت إذن ...
- بل كبرنا معاً..


**** **** ****

كنا نذوب وسط زحام المدينة ، الشوارع مسخت ، البيوت ، العمارات ، السيارات تحورت ، زخم وضجيج ، صراع ، وسباق نحو الذهاب أو العودة ، هذا يحمل حقيبة ، وهذا يحمل كتباً ، و آخر يحمل خبزاً ، وهذه تسير شبه عارية ، كل شيء يجري ، يجري ويلهث ، كشريط سينما أجبر على الإسراع بالمشاهد ، أو كأننا سقطنا في فيلم من أفلام (شارل شابلن) بحلة جديدة ، الألفاظ تتقافز حولنا من أناس يتحدثون بأجهزة صغيرة ، تشبه أجهزة العظماء ، نفهم بعضها ، والبعض الآخر لا يفهمنا ، ولا نفهمه ، كيف سنتعامل مع هؤلاء البشر؟ ، كيف سنتحدث إليهم؟ ، النساء تمردن ، الألوان أصبحت أكثر لمعاناً ، الإعلانات تتحرك بمنتجات جديدة ، لافتات المحلات تزهو بالأضواء والأسماء ، أشكال ملونة ، ووجوه مصورة ، أبطال لأفلام سينما نقرأ أسماءهم لأول مرة ، الناس تنظر إلينا كأننا بعثنا من الكهف ، لم نعد نعرف من أين نذهب ومن أين نأتي ، تهنا ، تفرقنا اختفى عني (محمد) وسط أبراج اللحم المتأفف ، سقطت يدي من يده دون أن أشعر ، أو يشعر هو ، دلفت إلى زقاق صغير ، شعرت ببعض راحة للماضي العالق على جدران المحال والمنازل المتهالكة ، الضوء خافت جداً ، و حرارة الجو مرتفعة ، من الممكن أن يأتي العظيم ليجس جبهته فيعلم أنه يفكر ؟؟ - ابتسمت – مازلت أبحث عن (محمد) ، أو عن طريق منزلنا ، لا أستطيع أن أفكر ، تجمد عقلي أمام اتخاذ القرارات وحسن التصرف ... سمعت صوتاً جهوراً يأتيني من بعيد ، الصوت يقترب ، من الشارع المجاور ، دفعني الفضول لاكتشاف الفاعل ، اتجهت نحوه ، وكانت المفاجأة ، بائع جوال يدفع أمامه عربة خشبية محملة بثمار البطيخ ، ابتسمت ، عندما حدثتني نفسي بأنني لأول مرة منذ خمسة عشر عاماً أرى بطيخة كاملة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عصام مشعل
08-10-2007, 06:27 PM
أخي الكريم الأستاذ محمد سامي البوهي

لفت انتباهي العنوان .. فدخلت فقرأت جزئاً يسيراً فقط على عَجَل

ثم عُدت لأبدأ القراءة من جديد وبتأني شديد فما كتبته يحتاج إلى التأني في القراءة

وهذه معانقتي الأولى لِما أبدعت على أن أعود بعد الإنتهاء من القراءة

دُمت بخير ..

ريم بدر الدين
08-10-2007, 06:44 PM
مساء الخير
قرأتها من قبل يا محمد و في الحقيقة وجدت فيها قصة جميلة عن عالم ما وراء القضبان
تتحدث فيما أعتقد عن معتقلي الكلمة و الفكر و ما تعرضوا له من امتهان...
في الحقيقة تذكرت رواية قرأتها في صباي الاول للدكتور نجيب الكيلاني عنوانها(في الظلام) تحدثت عن نفس العالم الذي ولجته هنا و أدخلتنا معك إلى أرجاءه
هنا أراك يا محمد أبدعت في القص
لك تحياتي و تمنياتي

ريم بدر الدين
08-10-2007, 06:52 PM
مساء الخير
قرأتها من قبل يا محمد و في الحقيقة وجدت فيها قصة جميلة عن عالم ما وراء القضبان
تتحدث فيما أعتقد عن معتقلي الكلمة و الفكر و ما تعرضوا له من امتهان...
في الحقيقة تذكرت رواية قرأتها في صباي الاول للدكتور نجيب الكيلاني عنوانها(في الظلام) تحدثت عن نفس العالم الذي ولجته هنا و أدخلتنا معك إلى أرجاءه
هنا أراك يا محمد أبدعت في القص
لك تحياتي و تمنياتي

محمد سامي البوهي
09-10-2007, 02:30 AM
أخي الكريم الأستاذ محمد سامي البوهي

لفت انتباهي العنوان .. فدخلت فقرأت جزئاً يسيراً فقط على عَجَل

ثم عُدت لأبدأ القراءة من جديد وبتأني شديد فما كتبته يحتاج إلى التأني في القراءة

وهذه معانقتي الأولى لِما أبدعت على أن أعود بعد الإنتهاء من القراءة

دُمت بخير ..

الأستاذ القدير / عصام

كم يشرفني معانقتك الاولي لحرفي ، وفي انتظارك ..

سامية فريد
09-10-2007, 01:31 PM
البوهي

وقصة ملهمها الواقع

صورها بروعة افكاره

وجمال أحرفه

وكان الألم بطلا مجسدا فيها

ورمزا يحاكي

مايحدث حولنا فى واقعنا

الأديب محمد سامي البوهى
كل الود لك
وكل التحية لقلمك

علي أسعد أسعد
09-10-2007, 02:02 PM
لست ناقداً أنا ياسيدي

لكنني اتذوق الكلمة
وأتذوق الصورة


حياك الله

فقد امتلكت قصتك كل العناصر المؤدية إلى القلب والمكان


وعشناها معك

د. نسيبة بنت كعب
09-10-2007, 04:18 PM
السلام عليكم

الأديب العزيز / اخى محمد البوهى

هل هذه بمناسبة اطلاق سراح المعتقلين فى فلسطين ؟ ام المعتقلين عموما ؟
نص مكثف يلقى الضوء على قسوة حياة المعتقلين لفترات طويلة وحتى خروجهم ليفاجئوا بالتغيير
هذه معضلة فى حد ذاتها
كنت دائما اناقش مديرى الفلسطينى : اليهود المجرمين حطموا حياة الفلسطينيين ،
المعتقلين منهم من قبع عشرات السنين فى المعتقل وان خرج ، خرج وقد فاته التعليم والتعامل مع البشر بشكل سوى ّ
وكنت دائما اقول هذه الاشياء لها ثمن لا يجب على الفلسطينيين التصالح مع اليهود حتى يتساووا - ومن بعدها يبدأ النقاش !
اى حتى يردوا لهم كل ما فعلوه فيهم

اعجبنى انك اشرت الى ان الشخص المعتقل كان له سابقة وكأنها تمهيد لدخول المعتقل بالأجهاز عليه اول مرة كـ " بروفة " للمرات القادمة
تماما مثل من يدخل الحضانة تمهيدا ليتعلم كيفية التعامل مع البشر - لكن هنا بشر من نوع خاص - بشر كالحجر!

ايا كان مكان المعتقلين - النص انسانى جميل يوضح مآل من يتم اعتقالهم وخاصة لفترات طويل وما يحدث لهم من تدمير نفسى واهتراز الثقة وشتى انواع الدمار

واستغرب اين منظمات حقوق الانسان من هذا الفلتان لمن حصلوا على السلطة لمعاقبة وتعذيب الناس باسراف !! الا من قوانين تلجمهم ؟

واخيرا اقول \ك اعجبنى العنوان واستخدام الالوان فيه جدا

وكذلك ظهور بائع البطيخ ثانية اوحى لى بتساؤل : هل ستستمر حياته على هذا المنوال ؟ ام هى تنوية على انها نهايته وقد اغلقت القصة فى حبكة محكمة .Sealed

حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن يدمر الموارد البشرية لبلادنا

( طبعا الا ان كان يستحق الأعتقال لجريمة منكرة )

دمت واعيا

جوتيار تمر
10-10-2007, 05:53 PM
البوهي ...
اعجبني هذا النفس السردي المتميز بنبرة حضور الوعي الواهم/الغارق في الشقاء/ في وضع بنية النص التركيبية/ رؤية متجددة تحمل على عاتقها عرض الصورة الاجتماعية المستوحاة من صميم المعيش اليومي .. فقد توازت في القصة صورتان تجسدان أزمة الحياة /محمد الذات/ والخطيبة الواقع/.. ولعل اختيارك للعنوان كناية عن الفضاء الذي تتحرك فيه المعاناة الفردية باعتبارها صورة خاصة دالة على العام ..وكما هي عادتك تجيد الخيم.
دمت بخير
محبتي لك
جوتيار

محمد سامي البوهي
10-12-2007, 11:05 PM
مساء الخير
قرأتها من قبل يا محمد و في الحقيقة وجدت فيها قصة جميلة عن عالم ما وراء القضبان
تتحدث فيما أعتقد عن معتقلي الكلمة و الفكر و ما تعرضوا له من امتهان...
في الحقيقة تذكرت رواية قرأتها في صباي الاول للدكتور نجيب الكيلاني عنوانها(في الظلام) تحدثت عن نفس العالم الذي ولجته هنا و أدخلتنا معك إلى أرجاءه
هنا أراك يا محمد أبدعت في القص
لك تحياتي و تمنياتي

تحية لقارئة تتلفع بخبرة طويلة ، ومتعمقة ، ومتفهمة ..

كوثر الشريفي
11-12-2007, 11:59 AM
القاص الرائع البوهي
ليست لي مفاتح نقد..و لا ذائقة مُسعفة دوماً..
و لكنني أعرف أنني أستطيع تمييز القص المتقن الجميل أحياناً..
و لأؤكد هنا أنني في حضرة قصة متميزة في تصوير الحدث..
كلنا قد نعيش نفس الشيء، و قد نعاصره..
و لكن قلة مَن يستطيع أن يُساعدنا عند قراءته على رؤية بواطن الأمور و عمقها دون القشرة السطحية التي تحيط بها..
و أن نشعر بالحدث يغلفنا من كل حدب و صوب..
فنعيشه و يعيشنا..

دمتَ قاصاً متألقاً...

رعاك الله

محمد سامي البوهي
18-01-2008, 02:07 PM
البوهي

وقصة ملهمها الواقع

صورها بروعة افكاره

وجمال أحرفه

وكان الألم بطلا مجسدا فيها


ورمزا يحاكي

مايحدث حولنا فى واقعنا

الأديب محمد سامي البوهى
كل الود لك
وكل التحية لقلمك


الأستاذة سامية
لحضورك ن ميزة استنشق منها الشذى البري ... فلا حرمنا الله منك .

كوثر الشريفي
10-05-2008, 03:04 PM
أجمل ما في السجن أن خيالنا لا يُسجن
لا أحد يدخل في عقل أحد ليسمع أفكاره..
فكيف بميلاد هذه الأفكار الجميلة يا محمد؟
دمت بخير

يُمنى سالم
11-05-2008, 04:37 AM
الأستاذ محمد سامي البوهي

لقصصك نكهة مدعمة بالصدق والواقعية

ما أجمل قلمك حين يبدع ويتألق.
تحيتي