المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما زال نهر البر يجري!!!


د. حسان محمد الشناوي
17-12-2007, 11:13 AM
اتجهت الأنظار نحوه بدهشة ، بعد أن لم يعره أحد التفاتا ، وهو يدخل المطار بصحبة أمه التي جاء معها يودعها!!
كانت أمه تستعد للسفر من أجل العلاج ؛ فقد قرر الأطباء حتمية ذهابها إلى دولة أخرى تستطيع أن تجد فيها ما ليس متوفرا في بلدها
-أمي الحبيبة ! هل تأذنين لي أن أصحبك في هذه الرحلة ؟
-ياقرة عيني ! إن لديك من شواغل الحياة ما أنت فيه : عملك ، وبيتك ، وأولادك ، ومشروعاتك ؛ فلا تثقلني بالقلق عليك في هذا الطلب!!
-ولكن يا أمي ...
-لكن ما ذا يا بني ؟... إنك معي ببرك وإحسانك ، ومتابعتك التي لم أفقدها ... فلا تقلق!
لم يتخلل الحوار سوى دموع الابن وهو يحاول جاهدا إقناع والدته بالذهاب معها ، فلم تجد الأم غير أن تربت على كتفيه عسى أن تكفكف دموعه التي كادت تتحول نحيبا .
-اطمئن يا ولدي ؛ فسأكون بخير إن شاء الله .
ومع نهر الحنان الذي تدفق من صوت الأم ، ونهر الدموع الذي انهمر من عيني الابن ، انطلق صوت الأذان يغلف الماكن بعطره الرقراق:
الله أكبر الله أكبر ...
فلف المكان خشوع الطمأنينة والثقة في فضل الله ورحمته .
توجه الابن إلى صلاة العشاء في المسجد الذي لا يبعد كثيرا عن البيت ، وعاد – وقد فرغت أمه من دعائها الذي تحرص عليه بعد كل صلاة - وهو يتلمس بركة الدعاء:
-" ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للكتقين إماما".
- اللهم آمين
ودار حوار باسم بينهما ، أخلد بعده كل منها إلى النوم .
في الصباح حاولت الأم أن تثني ولدها عن الذهاب معها إلى المطار ، فلم تفلح توسلاتها ، فقد أبلغ الابن زملاءه في العمل أن لديه ما يمنعه من الحضور اليوم .
حزم الابن الأمتعة ، وأوشك أن يحمل أمه وهو متجه إلى السيارة التي انطلق بها صوب المطار .
وفي المطار كاد يكون الوداع عاديا ؛ لا يلفت نظرا ، ولا ينبه أحدا... لكن ما حدث جذب قلوب من في المطار قبل أن يجبرهم على المتابعة .
انكب الابن على رأس أمه يقبلها وأمسك بيديها ليضعهما فوق جبينه كأنما يتعطر بأطيب العطور ، وقد انخرط في بكاء أغرق وجهه ، وتقطع مع الدموع صوته الذي أدمى من يتابعونه :
-تعودين بسلامة الله يا أمي الحبيبة .
-سلمك الله يا ولدي ، وحفظك ورعاك .
ولم يستطع الابن مقاومة مشاعره في الترجمة عما في نفسه نحو أمه من الحب والبر ، فهوى على قدميها ، يقبل حذاءها ، ويخلعهما في رفق ، ليضع خده عليهما وكأنه يتمرغ في روضة من رياض الجنة ، ويلثمهمها كأنما ينشق المسك .
وصوته لا يكف عن الدعاء لها بالشفاء العاجل والعود الحميد .
وكادت حركة المطار تتوقف بسب هذا الموقف ، وإذا الأصوات ترتفع مهللة مكبرة :
-هذا بطل من نوع فريد .
وتوارى الابن عن الأنظار بعد أن اتجهت الأم نحو الطائرة ، فلم يبصره أحد وهو في طريق عودته .

يُمنى سالم
17-12-2007, 05:31 PM
أبكتني والله، لأنه ندر أن نجد هكذا ابن يتصرف بهكذا تصرف، رغم أن أخي الكبير مازال يمارس هذه الهواية، ويعلمها لولده حتى أكاد أكبرهُ حقاً.

د.حسان الشناوي

لا مجال لحديثٍ آخر هنا، رائعة بصدق استثارت أدمعي.

تحيتي

محمد سامي البوهي
17-12-2007, 08:52 PM
مازال نهر البر يجري

عنوان يشعرنا بالخير ، و يضع أمامنا مستقبل قادم ، وأمل يتفجر من تحت الثرى ...

القصة أخرويه ، بها كثير من العطاء ، والوفاء ، والعهد الموثق ، والموثوق بين ابن بار ، وأم حنونه ، وقعت في أزمة المرض ..

جاء تشريح الشخصيات ، منسجماً مع الفعل المولد من الشخصية نفسها ، فجاءت تلك الخلطة بين الفعل والشخصية لتخدم القصة ، ومن ثم الحدث الأساسي .

** الشاب يؤدي فروضه على أكمل وجه ، ومتأدب جداً في حديثه مع أمه ... فمن زرع حصد ، وهذا هو حصاد الأم ..

تتأزم الأحداث ، حتى يأتينا المشهد الأخير ، مشهد مصور ، به اسقاط سينمائي ، بدون قطع أو حذف ، أو رقابة ...

ثم جاءت المفارقة ...

الابن وهو يقبل قدم أمه ــــــــــ أصبح بطلاً من نوع فريد ، الكل التف حوله .
الابن عندما عاد وحيداً ـــــــــ لم يلتفت إليه أحد ..

العالم الجليل
والدكتور / حسان

دعنا نتأرج بجنائنك هنا دائما .

احترامي وودي

د. حسان محمد الشناوي
05-01-2008, 12:27 AM
الكريمة الفاضلة
أ . يمنى سالم
سلمك الله ، وسلم دموعك إلا من خشيته !!!
فسيبقى لمرورك طيب الأثر في استحضار ما يقوم به أخوك البار مما ورد فيما خطه قلمي الفقير ( أعزك ربي وأخاك وكل من يبر أمه وأباه ) .
ولعل فيها ما يعيد إلينا الإحسان إلى الأبوين إحسانا عمليا ، تقابله الدعوات الطيبات من الوالدين لأبنائهم .
شكر الله وأثابك الخير الكثير ، ولا أبكاك إلا خوفا منه وطمعا في رحمته .
تقديري وعرفاني .

د. حسان محمد الشناوي
05-01-2008, 12:32 AM
الابن العزيز
والصديق الناقد
تحيرت كثيرا في كيفية إزجاء كلمة شكر تليق بوقفتك أمام ما خطه قلمي الفقير في عالم القصة القصيرة فقره في عالم الإبداع بعموم .
فقد جاء تحليلك فوق أتصوره ، وأضافت لمساتك النقدية المرفودة بفنون متنوعة تخدم القصة القصيرة أبعادا على نصي المتواضع أحسبنب بعيدا عنها بعد ما بين المشرق والمغرب .
ولكن الناقد إذا كان مبدعا جاء نقده صورة من الحفز الفني بصورة راقية .
فليجزك الله عن حسن تقديرك ، ورائق تناولك ما يجزي به عباده المخلصين .
لك المودة متجددة ، والعرفان خالصا .