المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة ولكن ..


أديب قبلان
17-01-2008, 11:30 PM
استهلال : كل علامة ( .. ) تدل على أي بلد عربي عانى هذه المشكلة .


قفزت فرحًا عندما وصلني خبر قبولي في جامعة ( .. ) في ( .. ) في كلية الصيدلة وانقلبت حياتي إلى نمط آخر ، فما هي إلا لحظات حتى انتقلت من رفه العيش في مدينة العين إلى عالم آخر – وإن كان بعيداً – فإنه قريب في عاداته كل القرب من المكان الذي غادرته .
بقيت هناك دموع الوداع التي أضحت كشلالات تنسكب على قلب أمي التي غادرتها قاصداً طلب العلم ، دافعاً بكل سبل الحياة أمامي حتى أستطيع كسبها دون إنقاص ...
كان عمي عبد السلام قد قرر الإقامة في (... ) طالباً للعلم تاركاً أهله في مدينة دبي، وقد كان يكبرني بعدة شهور فقط وكان قد عرف في عائلتنا باسم "عبدو" رغم وجود أربعة أبناء عم اسمهم يبدأ بـ ( عبد ) ، عبد الرحمن ، وعبد الله ، وعبد الكريم وهو ، لكن سبحان الله كان اسم عبدو يتكرر على لسان من يناديه .
كانت إقامته في ( .. ) بغرض الالتحاق بجامعة ( ..) لدراسة الهندسة المدنية ، كنت قد اعتدت زيارته في أيام الإجازات لنغتم أكثر الوقت سويةً نتناول أطراف الحديث و نتضاحك و نروح عن أنفسنا بعد أن كنا مغلولين بأصفاد الدراسة التي كانت تكبل وقتنا وأذهاننا وخصوصًا في فترات الاختبارات .
كان يوم الخميس ، والحمد لله أن الجو يبدو ربيعيًا بعض الشيء ، كم هو مناسب السفر في هذا الوقت !! ، اتجهت إلى موقف سيارات الأجرة و استأجرت سيارة بسائقها و اتفقت معه على مبلغ معين شريطة أن يوصلني إلى بيت عمي لا إلى مواقف سيارات الأجرة ، ثم حملت حقيبتي الصغيرة التي فجعت بأحد أزرارها وركبت في السيارة وانطلقنا قاصدين ( .. )
وكما اعتدت – دائمًا ، كلما وقفنا على إحدى الإشارات الضوئية في إحدى المدن على طريقنا يهجم أطفال إلى صفوف السيارات ليقوموا بعملهم الذي احترفوه وهدموا به زهرة حياتهم ألا وهو التسول ، ذلك العمل القبيح الذي يحط من شأن الإنسان بعد أن رفعه الله تعالى و أكرمه ، كان هؤلاء الأطفال يختفون عن الأنظار كلما تحولت الإشارة الضوئية إلى اللون الأخضر خوفًا من مرور دورية لشرطة المدينة ، ولكنها ما إن تصبح حمراء حتى ترى أفواجًا من الأطفال من الجنسين يتجهون إلى المركبات الواقفة ليحصلوا من هذا على طعام ومن ذاك على دريهمات يعتقدون أنها قد تكفيهم لحياتهم ..! .
في الحقيقة ، كلما رأيت هؤلاء المساكين يخطر في بالي الكثير من الأفكار والأسئلة ، أين أهلهم ؟! ، ألا يوجد لجنة لحقوق الإنسان هنا ؟؟! ، أين أصحاب الأيادي البيضاء ؟! ، ولكن لا أرى أية إجابة على هذه الأسئلة ، لربما فرض عليهم القدر هذه الحياة التعيسة ! ، أو أن أهلهم لا يعطونهم ما يكفيهم ، أو أن بعضهم لم يجد أهله مالاً لشراء الدواء أو الطعام فترك مدرسته فارًا إلى الشوارع عله يأتي منها بشيء يقتات منه أهله في أيامهم ، ونسي بذلك مستقبله واتخذ التسول مهنة له ، ولا ألومه ، فهو لا يستطيع أن يقوم بأي عمل ، فمن الذي سيتكفل بأهله إن هو لم يفعل ؟! .
كنت أرى السائق يزجر ويطرد كل من يأتي لسؤاله ، ربما كان يهدده بالسلاح الأبيض أو بذراعيه ، فقد كان ضخم الجثة عظيم المنكبين ، وقد كنت أخشى أن أمد يدي إلى جيبي فيتناولني بقبضة يده لتتحطم واجهتي ..! .
استغربت تصرفه ذلك ، وقلت له بصوت خافت :
- إنني أشفق على أولئك المتسولين ، فلماذا أراك تـ ....
قاطعني وعيناه تلتهبان نارًا :
- إن لدى آبائهم جميعًا أموال ، ولكن القسوة غلبت على قلوبهم فما كان منهم إلا أن يرسلوا أبناءهم إلى الشوارع حتى يتخلصوا منهم ومن مصروفهم اليومي .
صمت برهة من أثر الصدمة وكأن مطرقة هوت بصميم قوتها على رأسي ، وأخذت أفكاري تتهاوى أرضًا ، ألهذه الدرجة اختفت الرحمة من القلوب ، وأي قلوب ! ، إنها قلوب الآباء ، إنها قلوب الآباء تختفي منها الرحمة حتى على فلذات الأكباد ! ، يا للعار .. يا للعار ! ، سنظل في هذه الدوامة من الجهل حتى يأذن الله أو تقوم الساعة .
بالفعل ، صدمت بهذا الزمن ، كم هو صعب أن يأتي والد أحدهم ليقول لابنه :
- اخرج أيها الفاشل إلى الشوارع لتحمل عني مشقة حياتك .
تألم لقلبي لكلمات السائق ، وبدأت روحي تزيد من إشفاقها على هذه المضغ التي جاءت لهذه الحياة بريئة ولم ترى من الدنيا سوى البداية ، كم ستمر عليكم أوقات تندمون فيها على زهور طفولتكم ؟
على طول الطريق إلى ( .. ) أخذت أخفي عن عيني مناظر الشقاء تلك ، ولكن .. وبينما أحاول أن لا أناظر أولئك المساكين وقعت عيني على طفل منهم ، يبدو بالي الملابس ، وقد غلبت على وجهه عدة قروح ، و تظهر في سرواله رقع مختلفة الأحجام ، وكان يبدو صغير الجسم نحيل الأطراف ، كان يجلس على الرصيف دون أقرانه ، وأراه يداعب حبيبات الرمل اللاتي تجمعت على طرف الرصيف بواسطة عود غض صغير في يده اليمنى ، وفي يده اليسرى يمسك دمية تبدو كحاله بالية الملابس ومتسخة الوجه واليدين ، شقراء الشعر ، استغربت جلوسه وحده ، وأحزنني شكله البالي للغاية ، واعتصر قلبي حزنًا حينما افترضت أن هذا من أولئك الذين تحدث عنهم السائق ، وا أسفاه على هذا الزمان ، لكن السائق لم ينتظر نظراتي فقد كان لا يزال مسرعًا بغرض الوصول إلى ( .. ) بسرعة قبل المغيب .
وبعد أن قطعنا ذلك المنظر بعدة كيلومترات ، أرى السائق يلف مقود السيارة ليعود إلى الخلف :
- إلى أين ؟ إلى أين ، ما بالك .. أراك تعود من ذات الطريق ؟؟
- لعن الله الشيطان ، حديثك يا أخي جعلني أتوه في الطريق .
ثم عاد أدراجه ، ولا نسمع في طريق العودة سوى صوت تدحرج العجلات على الأرض وصوت المحرك الذي يبدو قد شاخ بعدما أرهق في الطرقات التي يسلكها ذلك السائق .
ثم وفجأة .. أراني نمر على ذات الإشارة الضوئية التي لم نلبث أن غادرناها منذ دقائق و التي رأيت فيها ذلك المظهر المثير للشفقة والذي هز كيان الإنسانية لدي ، ولكن هذه المرة أرى ما كان أفظع ، لقد تجمع الأطفال و السيارات مشكلين حلقة ، استغربت ، حدقت .. فإذا بي أرى ذلك الطفل المسكين البريء وقد تحول إلى أشلاء بعدما هجمت عليه إحدى سيارات " الشبح " التي أظن أنه يمتلكها أحد أبناء المسؤولين ذوي الرتب العالية ، لتدهسه وتحوله لمجرد ذكرى هو ودميته الصغيرة ، لقد تحول وإياها إلى أشلاء ، يا لذلك المظهر الرهيب ، طفل مثل وردة الريحان يبدو ببراءة الياسمين ، ينهي حياته تهور شخص خال من المسؤولية ، حمله والده أو أحد أقربائه على ارتكاب الأخطاء وتحميلها لأفراد الشعب ، ولكن هذه المرة حملها طفل أعتقد أنه لم يحسب من الشعب بعد .!










أديب قبلان
16\1\2008

ضياء البرغوثي
18-01-2008, 12:34 AM
قصة تغرف من بحر الواقع المرير ،

نعم ، هذه المهنة هي مهنة قذرة معيبة وانتشارها في مجتمعاتنا وصمة عار لنا ,

وفقت أخي الكريم في معالجة حيثيات هذه القضية من خلال ما حدث مع هذا الطفل

المسكين .

دمت بكل ود .

أديب قبلان
18-01-2008, 09:47 AM
الأستاذ ضياء البرغوثي ..

أشكر مرورك الراقي على قصتي المتواضعة هذه ..

دمت بخير

كوثر الشريفي
19-01-2008, 04:31 AM
الأديب الفاضل أديب قبلان
أهنئك أولاً على قصك الإنساني النبيل، و التمساك للآلام التي تعانيها مجتمعاتنا...
ثانياً: بالنسبة للقصة... أتمنى أن لا أكون زائرة ثقيلة عليك.. تقبل رأيي المتواضع..
القصة رائعة من كل النواحي.. و لكن..
أتمنى لو أنك زدت من تكثيفها وتركيزها بحيث يستنتج قرائك كل شيء..
فالجميل في القصة القصيرة أننا فقط نضع للقارئ أمامنا جمل تخبر و لا تفضح..
و أنا أعلم أنكم قمتم بالإسهاب نوعاً ما نتيجة المشاعر الجياشة.. فقد كنت أعاني من هذا في القصة، حتى عرفت نوعاً ما كيف أسيطر على هذه النقطة..
أيضاًن من الجميل إخفاؤك لاسم البلدة التي زرتها، و لكن ما رأيكم سيدي الكريم الفاضل لو قمتم بوضع اسم مبهم يدل على حال المدينة ..أقصد رمزاً..
أحييك على نبلك و على قصك الهادف
دمتَ بخير
و رعاك الله

أديب قبلان
19-01-2008, 10:53 AM
الأستاذة كوثر ...


أولاً أشكر هذا المرور الفياض ، وأحترم رأيك بشدة بالغة ، وأنا معك من حيث أنني لم أركز بالشكل الذي يجب أن يكون للقصة القصيرة ، و بالنسبة لاسم البلدة ، فمعك حق ، لو كان رمزًا لكان أفضل .

وأخيرًا سررت بمرورك الجميل على قصتي المتواضعة ..


دمت بود

عبدو العمار
28-01-2008, 04:55 AM
الأخ أديب قبلان
لقد نقل لنا حرفك صورة حقيقية من الواقع المعاش
وقد استمتعنا في قراءتها
ولما الخجل من ذكر الأسماء فالشمس لا تغطى بغربال
فأي شخص يزور دمشق قد يلمح هذه الظاهرة
دمت بود
عبدو العمار

أديب قبلان
28-01-2008, 06:21 PM
الأستاذ عبدو ..

بصراحة أنا لم أذكر ليس حرجًا ، وإنما لأنني إن ذكرت سأخص ، وأنا وددت العموم لأنه فعلاً وباء منتشر بشكل غير طبيعي


شكر لهذا المرور الدفاق