المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " بيني و بينـَك " قصة لفيصل الزوايدي (تونس )


فيصل الزوايدي
25-01-2008, 04:59 PM
بيني و بينكَ ..

هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..
و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردةٍ، أجلــسُ على مقعدٍ قاسية أطرافُه، و تفوحُ رائحةُ الـخَدَرِ ،و أنينٌ حادٌّ بينَ أُذنَـيَّ.. صريرُ خفَقَانِ القلبِ يــطغى على أصواتٍ باهتةٍ تنبعثُ من حيثُ لا أدري.. يسكنُ في النَّفسِ صوتٌ ســألَني يومًا : إلى أين ؟ و هَذي المرافئُ تتجاذَبُني .. و أنا وحيدٌ في زاويةِ الغرفةِ .. يقتربُ رجلٌ في أناقةٍ مبتَذَلَةٍ، ينظرُ إلَـيَّ بعينَينِ ثَقيلَتَيْ الأجفَانِ، و يسألُني بصوتِ حَجَرٍ مُتنَاثِرٍ : أنتَ السَّيد ..؟
أجبتُ مضطَرِبًـا: أنا هُوَ، لعلِّي أنا ..
لم يأبَه لاضطِرابي فأَشَارَ إلى مَمَرٍّ مُظلمٍ بعضَ الشَّيء : إنّهم يريدونَ رُؤيتَكَ .. أَزَّ في الرأسِ صوتٌ مُوجِعٌ و اضطربَت دقاتُ القـلبِ بتسارُعِها نحوَ ..آخرِ الـمَمَرِّ.. و تَزاحَـمت الهواجسُ ثقيلةً كالهزيمةِ .. هل وُلَدَ الصبيُّ المنتَظَرُ منذ السِّنين أم ماتَت الأمُّ ؟ كيف اقـترنا تلك اللحظةَ بداخِلي ؟ كيف اقتربَ الموتُ مِنَ الحياةِ ذلك الاقترابَ ؟ هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي ، هَمَمتُ بسُؤالِهِ : ولادةٌ أم موتٌ ؟ لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ .. مــلَّ الرجلُ صمتي فأردفَ بصـوتٍ يكـتمُ ثورةً : إنهم بانتظاركَ ، تَفضل من هُنا .. قَرعُ حِذائي على الأرضِ ينهالُ على رأسي و أنا أتبعُ الرجلَ .. تـحركَت أشباحٌ حَولـي و أحسستُ ببعضِ الصدماتِ و كلماتٌ تُقالُ ، لعلّها اعتذارٌ أو سخطٌ .. مَن يهتم ؟ أيُّ معنى لأيِّ قولٍ أمامَ الولادةِ أو الـموتِ ؟؟ باحتدادٍ حدَّثَــــنا الطبيبُ قبلَ أشــهرٍ و هـو يـحذِّرُنا مِن خَطَرِ الحَملِ .. تُرَى هل أرســلَ القدرُ يومَــها ذاكَ الطبيبَ ينذِرُنا بِـما نَخشاه الآن ؟ هل يـمكِنُ أن يغتالَ ذاك الصـــبيُّ أمَّهُ ؟ هل تنطلقُ حياتُه بـمَوتِها ؟ أم يـموتُ لتَحيا...؟ أحسـستُ أنَّ آخرَ المـمرِّ هو آخر الكَونِ .. و أنا لم أَعُد أعلمُ أَيْـني .. لا أدري كيفَ التــقطت عينَاي الكليلتانِ لافتةً تشيرُ إلى غرفَةِ الوِفَياتِ .. حائطٌ بـناه عاملٌ لا يُدرِكُ مــا يفعلُ .. يفصلُ به بينَ الحياةِ و الموتِ .. و أنا لا أزال أسيرُ ، كأنَّ الطريقَ لا تنتَهي و لكن فجأةً وصلنَا أمام بابٍ مُوارَبٍ قليلا .. أشارَ الرجلُ بلامُبالاةٍ إلى الغرفـةِ و قَالَ : إنهم هُنا .. و لكن هل يمكنُ ذلكَ حقًّا : أن يُوجِّـهَكَ رجلٌ لا تعرفُ حتّى اســــمَهُ و لا يهتم بـمعرِفَتِكَ .. أن يُوَجِّهَــك إلى .. حيثُ الـحياة أو الموت .. وقفتُ برهةً أخـشى الدخولَ .. أصَــختُ السمعَ .. ما الذي أصابَ حواسي لــحظَتَها ؟ يرتَفِعُ الوجــيبُ و أخشى من سُؤالٍ جَديدٍ .. سُرعانَ ما زَعزَعَني : هل تُقدِّمُ الممرضةُ إلـيَّ لـفافةً بيضاءَ و تقولُ بحُنُوٍّ مُصطَنَعٍ : أَبشِر إنَّه الصـبي الذي انتظَرتَه .. ها قد جَاءَ .. أم يُوجِّهُني الطبيبُ بنظراتٍ نحوَ لُفافَةٍ بيضاءَ أيضًا و يقولُ بتعاطفٍ لا أُدركُ صِدقَه مِن زَيفه : لقد حذَّرتُكم قبلَ أشهرٍ ، و لـم نستَطِع فِعلَ شيءٍ لها .. خشيتُ أن أدفعَ البابَ .. بابٌ صَنَعَهُ نَـجَّارٌ و هو يتابعُ بِبَصَرِهِ النَّهِمِ فتياتِ الحَيِّ .. صنَعَهُ يومـًا و لم يُدرِك أبدًا ما الذي يُـمكِنُ أن يُخفي وراءَهُ .. أسـمعُ هَمهَماتٍ مِن داخِلِ الغُرفَةِ .. تداخَلت مَعَ صَرخَاتٍ مِن داخِلي .. هل أقتحمُ الغرفةَ ؟ هل أهربُ ؟ إلـى أين ..؟
أنينُ النَّفسِ الـمُوجِعُ يُطبِقُ على أنفاسي فـأُحِسُّ ضيقًا هائلا .. الـخوفُ أحيانًا يدفَعُنا إلى نَفسِ الفِعلِ الذي نَقومُ به بدافعِ الشَّجاعةِ .. تَمتدُّ يدي نحوَ قبضةِ البابِ فِضيةِ اللَّونِ، يـخترقُ مَسمَـعي صريرٌ حادٌّ لن أنسَاه .. تتخلّى اليدُ عن تلكَ القبضةِ الـمبتعِدَةِ إلـى داخل الغرفةِ .. ينفَتِحُ البابُ كأنَّ غيري قامَ بِفتحِهِ .. لـم تَقَع عينَاي على أحدٍ .. فقـط ظهرت زاويةُ السَّريرِ الـحديديِّ و الـجزءُ السُّفلي مِن سُترةٍ طِبيةٍ بيضاءَ ..أحسـستُ حركاتٍ فـي الأجسادِ تلتفتُ تستطلع مَنِ القادمُ .. بِبَقيـةٍ مِن قُدرَةٍ و عزمٍ تقــدَّمتُ خُطوتَينِ داخلَ الغرفَةِ و تضخُّمٌ مـخيفٌ بصَدري كأنّـي سأنفجرُ .. توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّ ذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ .

سعيدة لاشكر
25-01-2008, 05:46 PM
الأخ الكريم قيصل الزوايدي

قصة محكمة من الواقع المعاش

تمكنت بإتقان من سرد حالة القلق والخوف وحتى هول الإنتظار الذي بعده يحدد المصير
مصير حياة يمكن في لحظة أن تقلب رأسا على عقب

سيدي الكريم
دمت بإبداع
تحياتي لك

ريم بدر الدين
25-01-2008, 08:25 PM
كنت قد قرأت القصة و ناقشتها في مكان آخر
و لكن لا أرى ضيرا من قراءتها ثانية و ثالثة
أقدر لك أولا هذه القدرة على شد القارىء كي يكون مستثار الانتباه متحفزا حتى اللحظة الأخيرة فقد تركت للقصة نهاية مفتوحة بحيث يتخذ القرار من يريد الاسترسال فإما أن يأخذ الحدث إلى أقصى التفاؤل أو أقصى التشاؤم
حالة من أنسنة الموجودات كانت بارعة جدا فكان الباب و الجدار و السرير يحملان نفس الطاقة الشعورية و حالة الترقب
ربما أقول أن النص لا يعني فقط الحدث المباشر الذي يمثل أمامي بقدر ما يكون رمزا لحالة الترقب و التلهف التي يكون الإنسان عليها حين يكون متأرجحا بين حبال الأمل و هاوية اليأس
أراها قصة تحكي الإنسان
جميلة و أكثر
تحياتي لك

محمد سامي البوهي
25-01-2008, 11:42 PM
هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..

الله عليك ..

ما أجمل استهلالك .. استطعت أن تشحذ مشاعرنا المتناثرة حولك ، ونجحت بسحبنا سحباً جميلاً لنصك .. ما هذا الألق يا رجل ؟!

بلغة شاعرية سرنا معك ، وبأسلوب انشائي خضرمت سردك ن فبتنا ننتظر تفاصيلك المقبلة ، على الشعرة الفاصلة بين الحياة والموت ... جدار بناه البناء دون أن يعلم أننا سنقرأ عنه بقصتك ، ولو علم لكتب عليه بخط أكبر من القمر أنه جدار للحياة دون الموت ..
تنتظر الحياة من الموت ، أو الموت من الحياة ، أو كلاهما معاً ، وهذا مطمحك ، أن تلتقي داخلك كل الحيوات ، وكل آلاء الموت في آن واحد ... فكنا نتوقف امام بياضك الناصع حد السواد مبهوتين ...

أهلا أهلا بك بيننا ... وأرجو أن نتعرف على نظراتك النقدية بقصصنا المنثورة ، لأن رجل بألقك ، أكيد يخفي خلفه قدرات نقدية وارفة ..
الأستاذ القدير / فيصل
سعدت بصداقتك

محمد

للتثبيت

كوثر الشريفي
26-01-2008, 10:50 AM
القاص الرائع جداً فيصل
قد مررت من هاهنا ..أقصد من هذه القصة..
و أتيت فقط لأسجل إعجابي الشديد بها مرة أخرى..
قصة بحق أتذكرها كلما رأيتها بكل جمال..
رعاك الله

فيصل الزوايدي
30-01-2008, 04:45 PM
أخت سعيدة لا شكر أعتز بإطرائك على النص و بتفاعلك الراقي معه
دمت في خير
مع الود

فيصل الزوايدي
30-01-2008, 04:50 PM
اخت ريم بدر الدين تسعدني القراءة دوما خاصة إذا كانت بهذا العمق و الادراك .. اعتز برأيك في النص و اشتدُّ به ازرًا
دمت في خير
مع الود

فيصل الزوايدي
30-01-2008, 05:00 PM
اخي محمد سامي البوهي انا ممتن كثيرا للحفاوة الباذحة و للاطراء على النص .. اعتز برايك في النص و اشتد به ازرًا لطول الطريق .. سعدت بالتواصل معك و ساكون اسعد بدوامه
دمت في خير
مع الود

فيصل الزوايدي
30-01-2008, 05:02 PM
اخت كوثر الشريفي أسعدني التواصل مجددا .. و انا ممتن لدعمك الباذخ و الاخوي الراقي
دمت في خير
مع الود

د. عمر جلال الدين هزاع
31-01-2008, 06:33 PM
منذ زمن لم أصفق بحرارة لقصة رائعة كهذه
لك تقديري
وبك اعتزازي

فيصل الزوايدي
03-02-2008, 04:35 PM
أخي الدكتورعمرجلال الدين هزاع أسعدني اعجابك بالقصة و ثناؤك عليها ..
أنا ممتن لدعمكَ الذي أشتدُّ به أزرًا
مع الود

أم إيمان
10-08-2009, 07:15 PM
يا سلام ............من اجمل ما قرات
انسياب رائع .....امسكت انفاسي لاخر النص ........البياض و السواد ........لا اريد ان اخمن اية نهاية
اسلوب اخاذ ....متالق يا سيدي اتمنى ان اقرا لك المزيد

لبيد
11-08-2009, 02:39 PM
السلام عليكم :
أستاذي الفاضل :
لا أستطيع أن أحدد مالذي شدني أكثر للنص، فجعله يستهلكني، اللغة أم الأسلوب .
انهيت قراءة النص، لكن .. لم أستطع أن أخرج من حالة الترقب القلق .
نص رائع، شكراًلك
مع تحياتي .
لبيد .

فيصل الزوايدي
09-09-2009, 02:24 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنت المغرب http://arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=83522#post83522)
يا سلام ............من اجمل ما قرات
انسياب رائع .....امسكت انفاسي لاخر النص ........البياض و السواد ........لا اريد ان اخمن اية نهاية
اسلوب اخاذ ....متالق يا سيدي اتمنى ان اقرا لك المزيد


أعتز برأيك في القصة كثيرا اختي الكريمة و انا ممتن لهذا التفاعل الحميمي تالراقي مع القصة .. توجد لي قصص اخرى في المنتدى سيسعدني اطلاعك عليها

دمت في الخير

فيصل الزوايدي
09-09-2009, 02:27 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لبيد http://arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=83627#post83627)
السلام عليكم :
أستاذي الفاضل :
لا أستطيع أن أحدد مالذي شدني أكثر للنص، فجعله يستهلكني، اللغة أم الأسلوب .
انهيت قراءة النص، لكن .. لم أستطع أن أخرج من حالة الترقب القلق .
نص رائع، شكراًلك
مع تحياتي .
لبيد .



و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته اخي الكريم .. سررت كثيرا برأيك في القصة و بتفاعلك معها و اعتز بذلك فشكرا لك
دمت في الخير