المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صنائع المعروف تقي مصارع السوء


حسنية تدركيت
10-10-2007, 05:25 PM
صنائع المعروف تقي مصارع السوء
جرت سنة الله تبارك وتعالى في البشر أن جعل بعضهم لبعضٍ سُخريّاً، لا تتم لهم سعادتهم إلا بالتعاون والتواصل، ولا تستقر حياتهم إلا بالتعاطف وفشو المودة. يرفق القويُّ بالضعيف، ويُحسن المكثر على المقلِّ. ولا يكون الشقاء ولا يحيق البلاء إلا حين يفشو في الناس التقاطع والتدابر، ولا يعرفون إلا أنفسهم، ولا يعترفون لغيرهم بحق.

إنه لعزيزٌ على النفس الكريمة المؤمنة أن ترى مسكيناً بليت ثيابه حتى تكاد تُرى عورته، أو تبصر حافيَ القدمين أدمت حجارة الأرض أصابعه وقطعت عقبيه، أو تلحظ جائعاً يمدُّ عينيه إلى شيءِ غيرِه فينقلب إليه البصر وهو حسير.
حين تفشو مثلُ هذه الأحوال، ثم لا يكترث القادرون، ولا يهتمُّ الموسرون فكيف يكون الحال؟ وأين وازع الإيمان؟!

ولكنَّ الله برحمته حين خلق المعروف خلق له أهلاً، فحبَّبه إليهم، وحبَّب إليهم إسداءه، وجَّههم إليه كما وجَّه الماء إلى الأرض الميتة فتحيا به ويحيا به أهلها، وإن الله إذا أراد بعبده خيراً جعل قضاء حوائج الناس على يديه، ومن كثرت نعم الله عليه كثر تعلق الناس به، فإن قام بما يجب عليه لله فيها فقد شكرها وحافظ عليها، وإن قصَّر وملَّ وتبرَّم فقد عرَّضها للزوال ثم انصرفت وجوه الناس عنه.

وإن في دين الله شرائع محكمةً لتحقيق التواصل والترابط، تربي النفوس على الخير، وترشد إلى بذل المساعدات وصنائع المعروف, ففي الخبر الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : {من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه } [أخرجه مسلم].


قصة واقعية


يذكر أن رجلاً يسمّى ابن جدعان، قال: خرجت في فصل الربيع، وإذا بي أرى إبلي سماناً، يكاد الربيع أن يفجّر الحليب من ثديها، وكلما اقترب الحوار-ابن الناقة- من أمه درّت عليه، وانهال الحليب منها لكثرة الخير والبركة. فنظرت إلى ناقة من نياقي ابنها خلفها، وتذكّرت جاراً لي له بنيّات سبع، فقير الحال، فقلت: والله لأتصدقن بهذه الناقة وولدها لجاري، والله يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]، وأحب حلالي هذه الناقة. يقول: فأخذتها وابنها، وطرقت الباب على الجار، وقلت خذها هدية مني لك، فرأيت الفرح في وجهه لا يدري ماذا يقول، فكان يشرب من لبنها ويحتطب على ظهرها، وينتظر وليدها يكبر ليبيعه، وجاءه منها خير عظيم.


فلما انتهى الربيع وجاء الصيف بجفافه وقحطه، تشققت الأرض، وبدأ البدو يرتحلون يبحثون عن الماء في الدحول -والدحول هي حفر في الأرض توصل إلى محابس مائية أو أقبية مائية تحت الأرض، له فتحات فوق الأرض يعرفها البدو-. يقول: فدخلت في هذا الدحل حتى أحضر الماء لنشرب -وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون-، فتاه تحت الأرض، ولم يعرف الخروج.


وانتظر أبناؤه يوماً ويومين وثلاثة حتى يئسوا، قالوا: لعل ثعباناً لدغه ومات، أو لعله تاه تحت الأرض وهلك، وكانوا-عياذاً بالله- ينتظرون هلاكه؛ طمعاً في تقسيم المال والحلال. فذهبوا إلى البيت وقسّموا، وتذكروا أن أباهم قد أعطى ناقة لجارهم الفقير، فذهبوا إليه وقالوا له: أعد الناقة خيراً لك، وخذ هذا الجمل مكانها، وإلا سنسحبها عنوة الآن، ولن نعطيك شيئاً. قال: أشتكيكم إلى أبيكم.


قالوا: اشتك إليه، فإنه قد مات!!

قال: مات!! كيف مات؟ وأين مات؟ ولِم لم أعلم بذلك؟

قالوا: دخل دحلاً في الصحراء ولم يخرج.

قال: ناشدتكم الله اذهبوا بي إلى مكان الدحل، ثم خذوا الناقة، وافعلوا ما شئتم ولا أريد جملكم.

فذهبوا به، فلما رأى المكان الذي دخل فيه صاحبه الوفيّ، ذهب وأحضر حبلاً، وأشعل شمعة، ثم ربط نفسه خارج الدحل، ونزل يزحف على قفاه حتى وصل إلى أماكن فيها يحبو، وأماكن فيها يزحف، وأماكن يتدحرج، ويشم رائحة الرطوبة تقترب، وإذا به يسمع أنين الرجل عند الماء، فأخذ يزحف تجاه الأنين في الظلام، ويتلمس الأرض، فوقعت يده على الطين، ثم وقعت يده على الرجل.

فوضع يده على أنفاسه، فإذا هو حي يتنفس بعد أسبوع، فقام وجرّه، وربط عينيه حتى لا تنبهر بضوء الشمس، ثم أخرجه معه خارج الدحل، ومرس له التمر وسقاه، وحمله على ظهره، وجاء به إلى داره، ودبت الحياة في الرجل من جديد -وأولاده لا يعلمون-، فقال: أخبرني بالله عليك أسبوعاً كاملاً وأنت تحت الأرض ولم تمت!


قال: سأحدثك حديثاً عجباً، لما نزلت ضعت، وتشعّبت بي الطرق، فقلت: آوي إلى الماء الذي وصلت إليه، وأخذت أشرب منه، ولكن الجوع لا يرحم، فالماء لا يكفي.

يقول: وبعد ثلاثة أيام، وقد أخذ الجوع مني كل مأخذ، وبينما أنا مستلق على قفاي، قد أسلمت وفوضت أمري إلى الله، وإذا بي أحس بدفء اللبن يتدفق على فمي.

يقول: فاعتدلت في جلستي، وإذا بإناء في الظلام لا أراه، يقترب من فمي فأشرب حتى أرتوي، ثم يذهب، فأخذ يأتيني ثلاث مرات في اليوم. ولكنه منذ يومين انقطع ما أدري ما سبب انقطاعه؟

يقول: فقلت له: لو تعلم سبب انقطاعه لتعجبت.. ظنّ أولادك أنك مِت، وجاءوا إلي وسحبوا الناقة التي كان الله يسقيك منها..


والمسلم في ظل صدقته.

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً.وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}

منقــــــــــــول

عصام مشعل
11-10-2007, 10:32 PM
وما أجمل التواصُل والتعاون والترابُط

رائع ما كتبتِ وذات هدف سامي

بارك الله فيكِ أختي حسنية وجزاكِ خيراً

دُمتِ بخير

حسنية تدركيت
12-10-2007, 04:48 AM
جزاك الله خيرا اخي على مرورك الطيب
وعيد مبارك سعيد

حسن بن عزيز بوشو
12-10-2007, 09:57 AM
الفاضلة حسنية تدركيت
ما تفضلت بتسجيله -هاهنا-أيتها الأخت الكريمة كفيل بأن يؤثر تأثيرا إيجابيا على وجدان القراء، ويساهم وأمثاله في إصلاح النفوس وتهذيبها وهدايتها إلى الخير ..بورك فيك وفي قلمك وانتقائك.وعيد مبارك سعيد .

أهداب الليالي
12-10-2007, 02:32 PM
جزاك الله خيراً غاليتي حسنيـة
مواضيعك واحـة أمان للنفس و القلب

سلمت أناملك
ودي

حسنية تدركيت
12-10-2007, 04:54 PM
الفاضلة حسنية تدركيت
ما تفضلت بتسجيله -هاهنا-أيتها الأخت الكريمة كفيل بأن يؤثر تأثيرا إيجابيا على وجدان القراء، ويساهم وأمثاله في إصلاح النفوس وتهذيبها وهدايتها إلى الخير ..بورك فيك وفي قلمك وانتقائك.وعيد مبارك سعيد .

اهلا بك اخي الفاضل وجزاك الله خيرا على عبورك من هنا

حسنية تدركيت
12-10-2007, 04:55 PM
جزاك الله خيراً غاليتي حسنيـة
مواضيعك واحـة أمان للنفس و القلب

سلمت أناملك
ودي

وجزاك الله خيرا مثله وبارك فيك اختي الغالية

د. نسيبة بنت كعب
13-10-2007, 10:38 PM
السلام عليكم

اختى الرائعة

حسنية تدركيت / صاحبة النفس الشفافة والحروق المؤثرة

تعم .. صنائع المعروف تقى مصارع السوء
وقد وصلت الغاية والعبرة من القصة

ولكننى لم تعجبنى النهاية لأن الله لا يعاقب احد بعمل غيره
والله ليس بظلام للعبيد

تذكرى معى هذه الآيات :

شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الانعام 164)
مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الاسراء 15)
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ( فاطر 18)
وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الزمر 7)
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ( النجم 38-39)
كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( الطور - 21)

لماذ اصررت على ذكر الآيات .. لأننا لو تركناها بلا تعليق سنكون بهذا نعطى فرصة للنصارى ان يقولوا ان الله يعاقب الناس بذنوب الآخرين
وهذا امر جلل - بنيت عليه عقيدة نصرانية هى الصلب والفداء
تحية واحترام

وشكرا لهدفك النبيل

محبتى

حسنية تدركيت
14-10-2007, 08:26 PM
اختي الغالية د. نسيبة جزاك الله خيرا
لم انتبه لهذا فشكرا لك جزيلا

أحمد الرشيدي
15-10-2007, 06:46 AM
أيتها الأديبة الراقية الطاهرة

هذه القصة أذكر أني سمعتها وأنا صغير من أحد أشرطة الشيخ أحمد القطان - حفظه الله وإياك - وأما خاتمة القصة ، فربما تكون العلة هي تحذير الأبناء من غب صنيعهم ، فالله - عز وجل - قطع عن الرجل ما كان يصل إليه ليكون في ذلك عبرة لهم ، ولمن وراءهم ممن يعي ، كما أنه أخرج برحمته ذلك الرجل ولم يظلمه ، وإنما أحسن إليه كما أحسن هو ، بل أكرمه ربه أن رأى صنيع أبنائه من بعده ، وهذا من شأنه أن يغري الرجل بمزيد من الخير وغلإحسان وتأديب أبائه وتنبيههم من جهة ، وزجر الأبناء وتحفيزهم على صنائع المعروف من جهة أخرى ، وكل ذلك ما كان يتأتى لو أن ما يكان يصل إلى الرجل لم ينقطع ، والله أعلم .

تقديري الكبير لشخصك الكريم ، ولحرفك الرائع

حسنية تدركيت
16-10-2007, 03:49 AM
جزاك ربي الجنة اخي الفاضل
وبارك فيك ووفقنا الله واياك لما يحبه ويرضاه