المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوميات عاشقة الكيمياء


سامية أبو زيد
27-01-2008, 04:47 PM
1 ـ
"ريحة اسيتك اسيد"
بعد يوم طويل فى معمل الكيمياء العضوية ، مضت تجر ساقيها وقد نال منها التعب مناله ، وكانت حصة الغداء قد وجبت . وكلما مرت بمنزل من المنازل تغازل شهيتها روائح الطعام المنبعثة منها، حتى حملت لها الأنسام رائحة نفاذة تسبب حرقة فى الأنف . تلك الرائحة تعرفها جيدا فقد مرت عليها مرات عديدة فى معمل الكيمياء العضوية ، وبالفعل تعرفت عليها فورا قائلة لنفسها :"ريحة أسيتك أسيد". ثم ضحكت من نفسها قائلة لها
هذه قدحة فتة بالخل و الثوم. و وبخت نفسها قائلة : أنسيت الخل؟
ولأن المسافة للبيت لم تكن قصيرة سرحت مع هذه الفكرة، و راحت تقارن بين الخل الذى تعرفه منذ طفولتها و الذى يدخل فى العديد من الأطعمة الشهية ، و حمض الخليك الذى تستخدمه فى معمل الكيمياء العضوية.
وكى تواسى نفسها بدأت بالتماس العذر لها فى هذه الواقعة بتذكير نفسها أن الخل هو نفسه حمض الخليك من حيث التركيب الكيميائى CH3COOH ثم ابت عليها نفسها هذا المبرر وراحت تجادلها فى بطلان هذه الحجة لنسيان الخل. وبادرتها قائلة : ولكنك لا تستخدمينه فى المعمل ، خل الطعام يختلف ، فقاطعتها قائلة: أعرف. أعرف أن خل الطعام تركيزه لايزيد عن 6% حجما . فشاغبتها نفسها قائلة: لاترددى الأشياء كالببغاء، هذه معلومة مكتوبة على كل زجاجات الخل . و لو كنت تعرفين الفرق حقا لذكرت معنى هذه العبارة ." فاغتاظت من هذا التحدى واجابت نفسها قائلة:"6% حجما أى أن كل لتر من خل الطعام به 6 ملليلتر خل نقى مذاب فى الماء أى أن حجم الماء المستخدم 94 ملليلتر." واستأنفت قبل ان تبادرها نفسها بالسؤال عن السبب فى عدم استخدام الخل فى صورته النقية ، وذلك بعد أن فهمت كيف تفكرـ فقالت :" و يتم تخفيف حمض الخليك للحصول على خل الطعام فى صورته المعتادة ، وذلك للإقلال من تأثيره الحارق الذى قد يسبب قروحا فى الجلد لكونه حامضا ، كما قديصيب المعدة بالقرحة، وأن تخفيفه يسهل من التحكم فى المقدار المضاف للأطعمة لإكسابها المذاق اللازم."
والتقطت انفاسها ظنا منها أنها انتهت من كل ما قد يخطرعلى بالها من تساؤلات حول حمض الخليك الذى غاص فى ذاكرتها بدلا من الخل، ولكن سرعان ما عنّ لها سؤال تسأله هى لنفسها فقالت:" لو صحيح انك عارفة، فلتقولى لى ماهو حمض الخليك اللامائى؟"، وقبل أن تجيب انطلقت كالمدفع الرشاش فى وجهها :"اياك ان تكونى قد نسيت أن حمض الخليك اللامائى لايستخدم إلا فى المعمل أو أنه سائل لا لون له ويغلى عند درجة139.5 مئوية. و أنه شحيح الذوبان فى الماء عندما يكون فى حالة من النقاء التام، ورغم اسمه الحمضى فإن تركيبته Ac2O تجعله متعادلا ، كما لاتنسى أن رائحته نفاذة و تسبب هياجا للأنف،و لأنه مركب عضوى فهو سريع الذوبان فى المذيبات العضوية مثل الأيثير أو البنزين، و من البديهى أن يكون شديد الميل للذوبان فى المواد القلوية حيث أنه من الأحماض العضوية فى نهاية الأمر....." وقبل أن تفيق من حوارها مع نفسها كانت قد وصلت إلى البيت ، لتفيق على ترحيب امها بها قائلة :"أعددت لك اكلة تحبينها جدا... فتة بالخل و الثوم." فنظرت لنفسها فى المرآة قائلة:" تانى أسيتك أسيد ....تانى!"

محمد سامي البوهي
27-01-2008, 09:29 PM
بداية

الموضوع للتثبيت

ذكرتني يومياتك يا استاذة سامية برواية ( العطر )لـ(باتريك زوسكيند)، والتي تتمحور أحداثها حول ماهيات الروائح ، روائح الامكنة ، روائح البشر ، روائح المواد ، وغيرها ... ومن خلا استدعاء هذه الروائح دارت الاحداث ..

هنا كان المنبه الرئيسي هو الرائحة ، والتي ميزها المخ الكيميائي الحساس لفك شفيرات الروائح ، لأن كما نعلم أن من أساسيات التعرف على كينونة المواد بالكيمياء ، (اللون ، والطعم ، والرائحة ) ، وهنا استطاعت الكاتبة ان تقدم لنا مادة علمية خصبة ، مغلفة بغلاف من سكر أدبي ، كي يدرك القاريء التذوق ... النص من النصوص التي تدعى النصوص الذكية ، وهي التي تجمع بين المادة والروح ...

أعجبني جدا هذا الزخم العقلي الداخلي الدائر في نفس كيميائة ، أظهرت لنا مدى الحب الجم لمجال عملها ... وصديقيني ، ما من عالم خاض مجال الادب إلا وكتب له الإنبهار ...

تحيتي

سامية أبو زيد
22-02-2008, 08:47 AM
2 ـ ذرة ملح ... جزيئ ملح ...بل ذرة ملح


قالت لها أمها و هى تساعدها فى الطهى :"ضعى ذرة ملح على السلطة" ، فاعترضت الابنة قائلة :" لايصح أن نقول ذرة ملح ، فالملح مركب من ذرتى الصوديوم و الكلور، و بالتالى هو جزيئات و ليس ذرات"
فردت الأم قائلة :" يعنى لو قلت لك أن تضعى جزيئا من الملح ستقدرين!
ثم ان كلمة ذرة مستخدمة من القدم ، من قبل اكتشاف الذرة. هل تريدين ايقاف استعمال اللغة لمجرد أنك دخلت قسم الكيمياء بالكلية!"
و لم تشأ الفتاة ان ينتهى الحوار عند هذا الحد و أرادت ان تستمر فى الثرثرة فى المادة التى تحبها و هى الكيمياء، و التفتت لترى لهب "البوتاجاز" ذهبيا فقالت :" هل تعرفين يا أمى السر فى هذا اللون الذهبى المنبعث من عيون البوتاغاز؟"
فأجابتها الأم:" لأنها متسخة و تحتاج للتنظيف ، ربما انسكب عليها شيء ما" . فردت البنت قائلة:" هذا بسبب ذرات الصوديوم الموجودة بملح الطعام ، فهى المسؤولة عن هذا اللون الذهبى، وفى المعمل نقوم بتجربة أكثر تعقيدا للكشف عن الشقوق القاعدية بملاحظة التغير فى لون اللهب، ولو أنك القيت ببعض من مسحوق الخبيز (البيكنج باودر) أو حتى بعض من مسحوق الغسيل ، أو أى مركب آخر يحتوى على الصوديوم لحصلت على نفس اللون الذهبى."
ردت الأم :" لن ننتهى من الكيمياء فى يومنا هذا" فردت البنت:" و لكن يا أمى الكيمياء حولنا فى كل مكان ، فمثلا أنت كيميائية بدون أن تتعمدى ذلك
و أصدق مثال على هذا أنك تضعين الملح فى الماء بعد تسخينه لكى يسهل عليك إذابته، و ذلك لأن إذابة الملح فى الماء ماصة للحرارة ، أى يحتاج قدرا من الطاقة حتى يذوب فى الماء، و هذا معناه أن محتوى الطاقة الحرارية لمحلول الملح المذاب فى الماء أعلى من مجموع المحتوى الحرارى لكل من الماء والملح . و مثلا أنت لاتضعين الملح للبقول قبل أن تنضج لكى لا يعوقها الملح عن النضج حيث يتفاعل مع بعض الأحماض الأمينية الموجودة بها و يكون رابطة قوية تمنعها من النضج." " وهل تعرفين أن الرقم البلورى لكلوريد الصوديوم هو ستة ، أى أن كل ذرة، آسفة أيون موزع حوله ستة أيونات من العنصر الآخر لتشكل شكلا ثمانيا وأن بلورة الملح على شكل مكعب؟"
هزت الأم رأسها و قالت :" و هل انتهينا من الذرات و الجزيئات لندخل فى الأيونات؟ كل هذا و لم تضعى الملح على السلطة ، كفاك ثرثرة و ضعى الملح. أيونات، جزيئات، لا يهم. المهم أن تضعيه ، ضعى الملح."

كوثر الشريفي
27-02-2008, 05:57 PM
سامية
يوميات جميلة مضحكة
أقترحها أن تكون تعليمية أيضاً.. علمتني دون أن تقصدي:)
رعاكِ الله

رباب كساب
27-02-2008, 07:52 PM
العزيزة : سامية أبو زيد

حقا استمتعت بهذه الكيمياء رغم دراستي العلمية الا أني كنت أقبل الكمياء على مضض ولكنك بحق صغتها بشيء من الجمال لو درست به لنال الطلاب الدرجات النهائية .

شكرا لك سيدتي

خالص مودتي واحترامي

سامية أبو زيد
03-03-2008, 11:28 AM
3 ـ كله عند العرب صابون
قالت الأم لعامل التوصيل:" هذا الصنف من الصابون السائل لا يعجبنى، لماذا لم تحضر النوع الذى طلبته منك؟" وهنا تدخلت ابنتها قائلة:"لا يهم يا أمى خذيه فلا فرق بينهما." فاغتاظت الأم لهذا التدخل و التفتت متسائلة :"كيف لا يوجد فرق، هذا النوع خفيف ، أما الآخرفهو كثيف ورغوته أوفر."
فهزت البنت رأسها قائلة:" ولكن ألا تذكرين يا أمى المثل الذى كنت ترددينه دائما ’كله عند العرب صابون‘ هذا المثل صحيح مائة بالمائة. فالفارق بينهما فى الإضافات، لا فى التركيب نفسه مجرد استايارات صوديوم، أما الكثافة التى تغرى الناس بتفضيل نوع على الآخر فذلك حسب كمية السبيداج التى توضع به لتكثفه، أى فى كمية مغلظات القوام التى توضع به لتكسبه هذا القوام الغليظ."
فردت الأم:"وليكن ما تقولينه صحيحا، أنا أفضل النوع الآخر لوفرة رغوته التى تجعله ينظف أفضل." فردت البنت قائلة: "العبرة ليست فى الرغوة، فالرغوة غير مسئولة عن التنظيف بل على العكس تماما."
تساءلت الأم بدهشة: "كيف ذلك؟" لترد ابنتها بثقة ـ و بصوت يحاكى جهاز التسجيل وهى تعيد عليها ماسمعته فى ذلك اليوم فى محاضرة كيمياء السطوح ـ قائلة: "وظيفة الصابون الحقيقية تتمثل فى أمرين، الأول تغيير قيمة الpH للماء للقضاء على الجراثيم، أما الأخرى فهى تكوين طبقة سطحية نشطة حول القاذورات لتنفصل عن الأشياء التى نغسلها لنزيلها بعد ذلك بالشطف بالماء، والدليل على ذلك أن صابون الغسالات "الفول اوتوماتيك" رغوته منخفضة، بل وتستخدم هذه الصفة للترويج له فى الإعلانات، فى حين أن الصابون السائل يتم الترويج له بوفرة الرغوة، وهذا صابون والآخر صابون، فالعبرة إذا ليست فى الرغوة."
فتساءلت الأم: "تعنين ألا فارق بينهما، و ماذا عن الpH التى ذكرتها؟"
فردت البنت: "هى القيمة السالبة للوغاريتم تركيز الهيدروجين للأساس 10 و تتراوح قيمتها من0 إلى 14، و بالتالى فهى تحدد ما إذا كان المحلول حمضيا أم قلويا، فإذا زادت قيمتها عن 7 كان قلويا وإذا نقص عن 7 فهو حامض، وبديهى أن تساوى 7 فى حالة الماء والمواد المتعادلة كيميائيا."
وهنا ارتفع صوت يملؤه الضجر قائلا: "الحساب يا مدام، أريد العودة لعملى."

محمد سامي البوهي
03-03-2008, 09:06 PM
3 ـ كله عند العرب صابون
قالت الأم لعامل التوصيل:" هذا الصنف من الصابون السائل لا يعجبنى، لماذا لم تحضر النوع الذى طلبته منك؟" وهنا تدخلت ابنتها قائلة:"لا يهم يا أمى خذيه فلا فرق بينهما." فاغتاظت الأم لهذا التدخل و التفتت متسائلة :"كيف لا يوجد فرق، هذا النوع خفيف ، أما الآخرفهو كثيف ورغوته أوفر."
فهزت البنت رأسها قائلة:" ولكن ألا تذكرين يا أمى المثل الذى كنت ترددينه دائما ’كله عند العرب صابون‘ هذا المثل صحيح مائة بالمائة. فالفارق بينهما فى الإضافات، لا فى التركيب نفسه مجرد استايارات صوديوم، أما الكثافة التى تغرى الناس بتفضيل نوع على الآخر فذلك حسب كمية السبيداج التى توضع به لتكثفه، أى فى كمية مغلظات القوام التى توضع به لتكسبه هذا القوام الغليظ."
فردت الأم:"وليكن ما تقولينه صحيحا، أنا أفضل النوع الآخر لوفرة رغوته التى تجعله ينظف أفضل." فردت البنت قائلة: "العبرة ليست فى الرغوة، فالرغوة غير مسئولة عن التنظيف بل على العكس تماما."
تساءلت الأم بدهشة: "كيف ذلك؟" لترد ابنتها بثقة ـ و بصوت يحاكى جهاز التسجيل وهى تعيد عليها ماسمعته فى ذلك اليوم فى محاضرة كيمياء السطوح ـ قائلة: "وظيفة الصابون الحقيقية تتمثل فى أمرين، الأول تغيير قيمة الpH للماء للقضاء على الجراثيم، أما الأخرى فهى تكوين طبقة سطحية نشطة حول القاذورات لتنفصل عن الأشياء التى نغسلها لنزيلها بعد ذلك بالشطف بالماء، والدليل على ذلك أن صابون الغسالات "الفول اوتوماتيك" رغوته منخفضة، بل وتستخدم هذه الصفة للترويج له فى الإعلانات، فى حين أن الصابون السائل يتم الترويج له بوفرة الرغوة، وهذا صابون والآخر صابون، فالعبرة إذا ليست فى الرغوة."
فتساءلت الأم: "تعنين ألا فارق بينهما، و ماذا عن الpH التى ذكرتها؟"
فردت البنت: "هى القيمة السالبة للوغاريتم تركيز الهيدروجين للأساس 10 و تتراوح قيمتها من0 إلى 14، و بالتالى فهى تحدد ما إذا كان المحلول حمضيا أم قلويا، فإذا زادت قيمتها عن 7 كان قلويا وإذا نقص عن 7 فهو حامض، وبديهى أن تساوى 7 فى حالة الماء والمواد المتعادلة كيميائيا."
وهنا ارتفع صوت يملؤه الضجر قائلا: "الحساب يا مدام، أريد العودة لعملى."

من الجد ينبع الهزل ، وبالهزل نخفف احماض الجد ، فنشرب الجد ونحن هانئين ، مبتسمين ، راضين كل الرضا ...

الأستاذة سامية

بت اعشق الكيمياء ..

يُمنى سالم
04-03-2008, 10:49 AM
الرائعة سامية أبو زيد

الكيمياء، كم أعشقها، واقرأ وكأني أراجع معلوماتي القديمة عنها، ومعلومات أخرى غازلتني حين كنت ذات يوم في المختبر، ولكن كسب الأدب وسرقني.

غاليتي

ثلاثة نصوص، تكشف حقيقة الأشياء، فالكيمياء تعيد الأشياء لأصولها، وأصولها مجرد ذرات اتحدت وكونت ما كونت من جزئيات ومركبات.

ولكني أراكِ تهدفين دوماً لإظهار الحقيقة التي يخفونها بمزينات حتى يبرروا تحيزهم لمنتج غير الآخر.

في القصة الأولى توقفت كثيراً عند الشم، هذه الحاسة الرائعة التي بت أفتقدها جداً، حاولت أن اتذكر رائحة الأشياء من حولي، ولكنها مهمة صعبة جداً.

رائعة أنتِ بحق، سأكون هنا إن أكملتِ
محبتي وتقديري

سامية أبو زيد
10-03-2008, 04:04 AM
4 ـ خدعوك فقالوا
مضت عدة أيام والأم تستعمل الزيت فى الطهى بدلا من السمن للحفاظ على رشاقة الأسرة، إلى أن لفت الأمر نظر ابنتها فسألت امها عن سر تخليها عن الطهى باستخدام السمن البلدى الذى عودتها عليه من الصغر.
فردت الأم: "حتى لا نصاب بالسمنة فالسمنة من السمن، و الزيت أخف." فاعترضت الإبنة كعادتها قائلة: "إن كانت المسألة كذلك، فمن الأفضل ألا تضعى زيتا فى الأكل، فمثله مثل السمن فى عدد السعرات الحرارية." واستأنفت قائلة: "الفارق بين الزيت والسمن فى التركيب الكيميائى، فالزيت أحماض دهنية غير مشبعة، أما السمن فهو عبارة عن أحماض دهنية مشبعة."
فتساءلت الأم عن مغزى كلمة مشبعة التى تكررت فى كلام ابنتها، فأجابتها قائلة: "أى أن الروابط الكيميائية فى السمن مشبعة كلها بالهيدروجين فى حين أن الروابط الكيميائية التى فى الزيت غير مشبعة، بمعنى أنه يحتوى على روابط تساهمية ثنائية، وهى الفكرة التى على أساسها يتم تصنيع السمن الصناعى، وذلك بهدرجة الزيت حتى يتشبع ليصبح فى قوامه وتركيبه الكيميائى مشابها للسمن الطبيعى، ولذلك من غير الصحى أن يسخن السمن الصناعى لكى لا تنكسر هذه الروابط بشكل غير صحى فينتج عنه الألدهيدات السامة والتى تضر بالكبد."
فتساءلت الأم: "هل تعنين أنه لا فرق بينهما على الإطلاق، وماذا عن أضرار السمن التى يتحدثون عنها دائما."
فأجابتها ابنتها وفى نفسها سعادة غامرة للفرصة التى اتاحتها لها أمها لتكرار محاضرة تحليل المواد الغذائية التى تفضلها، واتخذت سمت العليم بالأمور قائلة: "يا أمى الحبيبة أنت لايخفى عليك أن لكل شيء فى الحياة منافعه وأضراره، وأن الأضرار يظهرها الإفراط، فالسمن ليس ’بعبا‘ يحمل الكوليسترول رغبة منه فى إيذائنا، فللسمن فوائده الصحية حيث يحتوى على فيتامين ’’ب‘‘ المسئول عن تقوية الأعصاب وهذا يفسر عصبية من يتبعون حمية قاسية خالية من أية دهون. هذا إلى جانب أن الكوليسترول ليس مخيفا إلى هذا الحد، وهو أحد مكونات غشاء الخلية، ومادامت نسبته غير مرتفعة فى الدم فلا خوف منه."
فردت الأم متسائلة: "أليس هو المسئول عن الإصابة بالتصلب فى الشرايين؟"
فردت الإبنة قائلة: "يا أمى الحبيبة، بصفتك محامية لايصح لك إلقاء التهم على الأبرياء."
فدهشت الأم من هذه النقلة الغريبة فى الحوار، ولكن لم تستمر دهشتها طويلا، فقالت البنت: "تخيلى حضرتك أن الإصابة بتصلب الشرايين جريمة تحدث فى جسم الإنسان، فمن يكون المجرم؟ ليس الكوليسترول وحده، إذ توجد عدة عوامل تشترك كلها وأحيانا ينفرد عامل منها بهذه الجريمة، منها الإفراط فى الدهون، والبدانة المفرطة أحيانا، ففى بعض الأحيان يصيب هذا الداء معتدلى القوام، وكذلك التدخين وقلة الحركة، بمعنى آخر كل العادات غير الصحية قد تتسبب فى وقوع الجريمة. أو لو شئت استخدام تعبير قانونى كالذى تستخدمينه فى مرافعاتك، فإن وجود الدوافع القوية وتوافر الملابسات يزيد من احتمالات وقوع الجريمة وهى الإصابة بتصلب الشرايين، ولكن هذا لا يعنى حتمية وقوعها فى نهاية الأمر."
وهنا ظهر الارتياح على الأم وقالت: "الحمد لله أنك التحقت بكلية العلوم قسم الكيمياء، الآن يمكننى طهى البامية بلا خوف."

يُمنى سالم
10-03-2008, 02:38 PM
الرائعة سامية ابو زيد


اتخذت لنفس هنا مكاناً خاصاً لأعود إليه كلما عدتِ تتحفيننا بالجديد.

شكراً لفكرك غاليتي
دومي بخير

عماد تريسي
10-03-2008, 04:32 PM
حمداً لله أنَّ الموضوع كان كيمياء أدبية ؛
فلو كان كيميائياً صرفاً لفررت منه مستوحشاً
ليقيني بأنَّه سيذكرني بدرجاتي في مادة الكيمياء
التي لم تكن تسر يوماً .

الأديبة القديرة / سامية أبو زيد
بِتُ أؤمن أكثر بأنَّ الأديب الحاذق قادرٌ على لم شمل
كل الأذواق حول مادته الخصبة الثرية كما فعلتِ هنا .

بوركتِ أخيتي

مودتي

سامية أبو زيد
14-03-2008, 08:48 AM
5 ـ إنذار... إنذار
ملأت رائحة الغاز أرجاء المنزل بعد أن فار الماء المعد للشاى، وهرعت الإبنة على الفور لتغلق الموقد، لتعود إلى حجرة المعيشة حيث جلستها المفضلة مع والدتها ـ وهى تتمتم بعبارات الحمد والشكر لله. ولكن الأم التفتت نحو ابنتها بعد أن وصل إلى سمعها كلمة غريبة تخرج من فم ابنتها أثناء شكرها لله لرحمته بهم، وهنا سألتها أمها قائلة: "ماذا كنت تقولين أثناء عودتك من المطبخ؟"
ردت البنت: "كنت أقول الحمد لله الذى خلق لنا الميركابتان ومشتقاته فلولا ثلاثى بيوتيل الميركابتان لكنا فى خبر كان."
تنهدت الأم وتمتمت لنفسها قائلة: "حصة كيمياء أخرى من حصصها التى لا تنتهى، الصبر يارب" ولكنها كانت سعيدة بابنتها التى تحب هذه المادة التى يشكو منها الكثيرون وتشعر بالفخر فى قرارة نفسها، ورفعت رأسها بابتسامة تجمع بين الصبر والتشجيع نحو ابنتها وقالت: "ماذا تعنين؟ وعن أى شيء تتحدثين؟" فردت الإبنة وكأنها تنتظر إشارة البدء فى سباق للمعلومات قائلة: "أقول إن الميركابتان أنقذنا من الموت المحقق، فهل تعلمين أن غاز البوتاجاز عديم الرائحة؟"
فردت الأم بدهشة:" كيف هذا، وماهذا الذى نشمه إذا!"
فأجابت البنت: "نعم يا أمى غاز البوتاجاز، هو فى الحقيقة غاز عضوى وهو من مشتقات البترول واسمه غاز البيوتان ورمزه الكيميائى C4h10، وهو مركب عضوى من العائلة الأليفاتية أى التى تكون على شكل سلسلة كربونية متصلة، وينتمى إلى مجموعة الألكانات أى أن كل الروابط الكيميائية التى يتكون منها روابط أحادية."
ردت الأم بفضول: "تقولين سلسلة كربونية، كيف هذا وما شكلها؟"
ردت البنت بسعادة لتجاوب أمها: "فى الحقيقة يا أمى أنه يوجد نوعان منه البيوتان العادى ويشبه فى شكله الخيط الطويل بدون أية تفرعات جانبية، أما النوع الأخر فهو الأيزو بيوتان ويحتوى على نفس العدد من ذرات الكربون والهيدروجين مع اختلاف بسيط فى التوزيع غالبا ما يتبعه تغيير فى الخواص الكيميائية. إلا أن النوعين يتميزان بقابلية عالية للاشتعال وهما بلا رائحة ولا لون، ويمكن إسالتهما وتعبئة اسطوانات الغاز بها ولذلك سمى البوتاجاز، اختصارا لكلمتى بيوتان وغاز."
وهنا قاطعتها الأم بعد أن لمع بذهنها خاطر فعقبت على كلامها بالقول: "ولذلك يقولون على بعض الشركات والمصانع إنها نالت شهادة الأيزو، هل تعنين أنهم استعاروا هذه الكلمة لبيان أن الشركة أو المصنع أصبحت مواصفات إنتاجه مطابقة لمواصفات المصنع أو الشركة الأصلية ."
فردت البنت بسرعة:" تقريبا، فكلمة أيزو كلمة لاتينية مترجمة عن الإغريقية وتعنى "يساوى" أو ”يكافئ” ".
و يبدو أن أمها قد أصيبت بالعدوى من ابنتها فى الحماسة للكيمياء فردتها للموضوع الرئيسى بالسؤال عن الميركابتان: "ولكن انت قلت ميركابتان، فهل هو نوع آخر من الغازات؟ و هل هو قابل للاشتعال؟"
فردت ابنتها:" الفكرة ليست فى اشتعاله، الغرض الرئيسى منه هو الحماية كما حدث اليوم. فهو يتميز برائحته النفاذة بسبب احتوائه على عنصر الكبريت، وهناك عدة أنواع منه، ويمكن تسميته بالثايول لوجود مجموعة Sh التى تميزه مرتبطة بالسلسلة الكربونية، فمثلا رائحة البصل نشمها بسبب رائحة الألايل ميركابتان التى تنبعث منها عند تقطيعها، ورائحة الظربان التى يدافع بها عن نفسه ما هى إلا بيوتايل الميركابتان، أما النوع الذى نستخدمه مع غاز الوقود فهو ثلاثى بيويتيل الميركابتان.
والسبب فى إضافته يعود لحادثة شهيرة، فقد حدثت مأساة فى الثامن عشر من مارس سنة 1937 فى تكساس، وذلك عندما تسرب غاز الوقود أى البيوتان فى مدرسة "نيو لندن" مما أدى إلى انفجار ضخم راح ضحيته أكثر من 300 من الأساتذة والتلاميذ. ومن يومها تم إضافة الميركابتان إلى غاز الوقود لكى يتنبه الناس لأى تسرب يحدث، وخاصة أن غاز البيوتان يسبب نعاسا شديدا يجعل الناس تختنق أثناء نومها، ولولا الميركابتان لما لاحظنا التسرب اليوم." وأمسكت عن الكلام للحظات واحمر وجهها، فسألتها أمها عن السبب، فردت قائلة: "لن تتصورى يا أمى ما حدث فى محاضرة الكيمياء العضوية عن الميركابتان، لكم شعرت أنا وبقية الفتيات بالخجل."
مالت الأم نحو ابنتها فى اهتمام وقلق واضحين وسألتها: "لماذا تقولين هذا الكلام يا بنيتى؟"
فردت الفتاة بصوت خفيض لا يكاد يسمع، وبنظرات مصوبة نحو الأرض أو السقف أو أى اتجاه آخر لا تلتقى فيه بنظرات أمها المتوجسة، وقالت: "تصورى يا أمى، وقف أحد الطلبة وسأل الدكتور عن الميركابتان وهل يؤثر وجوده على حجم الغاز الذى نشتريه فى أسطوانة الغاز، تخيلى ماذا كان رد الدكتور حينها؟"
ردت الأم بلهفة: "ماذا؟" أجابت البنت: "قال له الدكتوربسخرية وهل ستملأ الاسطوانة حتى نصفها أو حتى ربعها؟ انظر ماذا يحدث عندما تنطلق منك واحدة، تملأ هذا المدرج حتى تصل إلى فى مكانى، أقعد أقعد." "وطبعا ضج الطلبة والطالبات بالضحك، ولحسن الحظ أن انتهت المحاضرة بعد ذلك مباشرة."
ولم تملك الأم نفسها وضحكت بصوت عال لحظة دخول الأب الذى تساءل عما يضحكها، فلم تستطع البنت تكرار الحكاية أمام أبيها خجلا منه، فخرجت مسرعة بحجة الشاى الذى لم تنته من تحضيره.

يُمنى سالم
14-03-2008, 04:12 PM
المتألقة سامية أبو زيد


تسعدني متابعتك الشيقة في قصص جميلة جداً، أشعر بقربها مني
ولها ذكرى خاصة جداً.

دومي متألقة

خالد الكندي
17-03-2008, 11:34 AM
حينَ ذهبتِ إلى معملك, وجهّزتِ أدواتكِ,
وقمتِ بتقليبِ تلك المقادير الكيميائية الأدبية ,
ووضعتِها بهذا التمازج الفني الإبداعي الجميل,

عرفتُ ساعتها أنني أقرأُ لعبقريةٍ منفردةٍ بالحسن,
وقامةٍ باسقةٍ ممتلئة بالروعة .

الفاضلة, سامية أبو زيد ..
كل الأماني لكِ سيدتي بالتوفيق .

سامية أبو زيد
22-03-2008, 06:59 AM
ـ6
حلاوة السكر
اكتفت الفتاة بوضع ملعقة سكر واحدة لأمها فى كوب الشاى بدلا من ملعقة ونصف، وقدمته لها قائلة :"بالهناء والشفاء يا أمى."
فاستغربت الأم وتشككت فى نفسها أن يكون بصرها قد خدعها، فسألت ابنتها قائلة: "ما مقدار السكر الذى وضعته لى يا بنيتى؟" فأجابت بثقة: "ملعقة واحدة."
فردت الأم بدهشة: "هل هذه هى المرة الأولى التى تعدين فيها الشاى؟ أنت تعلمين تمام العلم أننى أضع فيه ملعقة ونصف الملعقة، أم أنك تريديننى أن أشرب الشاى وفقا لمزاجك!"
فابتسمت الفتاة بثقة وقالت لأمها: "تذوقيه أولا ثم احكمى."
ولأنها تدرك تماما طبع ابنتها المغرم بالتجربة والمشاهدة ثم الاستنتاج كما تعودت فى قسم الكيمياء، طاوعتها ورشفت رشفة كحسوة الطير إرضاء لها، لتعلو الدهشة وجهها بعد ذلك فقد كان مضبوطا. وسألتها: "ما هذا أمتأكدة أنت أنك وضعت ملعقة سكر واحدة فقط؟"
فهزت البنت رأسها بإشارة تعنى نعم، فازدادت حيرة الأم وسألتها: "ولكن كيف هذا؟ المذاق مضبوط هل تعلمت السحر مع الكيمياء كما كانوا يشيعون قديما؟"
قالت البنت وهى تبتسم: "لا يا أمى، ليس سحرا، ولكنى لاحظت أن كيس السكر هذه المرة لونه داكن، فاكتفيت بملعقة واحدة ممتلئة قليلا." فسألتها الأم: "وهل هناك علاقة بين لون السكر وحلاوته؟" فجاوبتها البنت بثقة: "بالتأكيد، فكلما كان السكر داكنا كلما كان أحلى ألا يقولون ’السمارنص الجمال‘، حتى فى السكر السمار أحلى."
ابتسمت الأم لتدليل ابنتها المستتر لها، وعادت تسألها: "دعك من المزاح واشرحى لى السبب العلمى وراء هذه الظاهرة كما عودتنى." فتهللت الإبنة لقول أمها وسماحها لها بالكلام عن العلم الذى تفضله عن سائر العلوم، واستهلت الكلام بقولها: "تعلمين يا أمى مراحل تصنيع السكر، بدءا من استخلاصه من القصب ثم تبخيره فى درجات حرارة منخفضة للحصول على المولاس الشبيه بالعسل الأسود، ثم جمع بلورات السكر المترسبة وإذابتها فى الماء لغسلها وتمرير المحلول فوق الفحم الحيوانى للتخلص من الشوائب العالقة به، و فى النهاية يتم تبخير الماء مرة أخرى للحصول على البلورات النقية."
ردت الأم: "مالنا وصناعة السكر، أنا أسالك عن سبب حلاوته لاعن أصله ومن زرعه ومن استخلصه؟" أجابت الفتاة: "مهلا يا أمى، فالسر يكمن فى مرحلة الغسيل، فهذه الشوائب التى يتم التخلص منها هى سر حلاوته الزائدة." فسألتها الأم: "وكيف تكون هذه الشوائب سببا فى المزيد من الحلاوة؟ ألا يفترض بها العكس؟"
هنا بدأت الفتاة فى الكلام وفى عينيها بريق الفرحة بالمعرفة: "تعلمين يا أمى أن السكريات من المواد الكاربوهيدراتية، فالمواد الكاربوهيدراتية هى ما تتركب من الكربون والهيدروجين والأكسوجين، وهى سلاسل كربونية طويلة ومنها السكريات والنشويات وكذلك السليولوزات التى تمثل المكون الرئيسى للأخشاب والألياف النباتية. والسكريات هى أصغر وأبسط هذه السلاسل فى التركيب ."
"وبالنسبة للسكريات فمنها السكريات الأحادية ومنها الثنائية، والسكريات الأحادية تبدأ بسلسلة من ثلاث ذرات من الكربون لتكون التريوز ثم التتروز أى أربع ذرات كربون، ثم البنتوز فالهكسوز إلى أن تصل أحيانا إلى سبع ذرات لتكون الهيبتوز وهو أمر نادر حيث لا تحتمل سلسلة الكربون فى الظروف العادية أكثر من ست ذرات، وعند وجود ست ذرات فهى تميل عندئذ إلى تكوين حلقات، ولهذا فهى نادرة."
التمعت عينا الأم بالحب والرضا وهى تستمع إلى ابنتها التى تتكلم فى الكيمياء بولع يشبه ولع الأدباء بالشعر، ولم تشأ مقاطعتها لعلمها بأنها سوف تطرح كل ما لديها من معلومات بدون حاجة للمزيد من الأسئلة، وبالفعل مضت البنت فى كلامها: "والسكر الذى نستخدمه فى الطعام هو السكروز وهو من النوع ثنائى الساكارايد، فهو يتكون من الغلوكوز والفركتوز معا، أى أن كل وحدة سكروز تتكون من وحدة غلوكوز مرتبطة بوحدة فركتوز، وكلاهما من الهكسوز. وتركيب الغلوكوز يشابه تركيب الفركتوز فكلاهما تركيبه الكيميائى
C6 H12 O6. غير أن ترتيب الذرات يختلف، وكذلك موضع ذرة الأكسوجين ذات الرابطة الثنائية O= ."
"وقد نسيت أن أقول لك إن تكوين البلورات يحتاج إلى الماء ليربط بين الجزيئات وبعضها البعض، وهكذا تتكون بلورات السكرمن جزيئات السكروز زائد جزيئات الماء، وكلما كان السكر أبيض اللون، فهذا يعنى المزيد من الماء فى البلورة مما يقلل من حلاوتها، أما فى حالة السكر الداكن، فهذا يعنى ماء أقل فى البلورة وفى نفس الوقت قد تكون هناك بعض الشوائب السكرية مثل البنتوز موزعة داخل شبكة البلورة، فتزداد حلاوتها عندئذ لهذين السببين، أولا كمية الماء فى البلورة تكون أقل وثانيا وحدات السكر تكون أكثر، فتكون النتيجة المزيد من الحلاوة كما سبق القول."
وهنا التفتت الأم إلى يدها المعلقة بكوب الشاى الذى برد أثناء استغراقها فى حديث السكر وحلاوته، فمضت به إلى المطبخ لتصنع كوبا غيره ولتضع فيه ملعقة واحدة من السكر الأسمر الحلو.

محمد سامي البوهي
23-03-2008, 12:05 PM
الأستاذة سامية

هنا تعلمت الكثير ، تعلمت ماهية التذوق ، وعلمت تفسيرات كنت اسألها لنفسي كثيرا ، عن اختلاف لون السكر ..
أذكر جدتي عندما كانت تصنع لنا الحلوى السوداء من العسل الأسود ، والتي كانت تلفها على طرف اللعقة على شكل دوائر سوداء ، تجف بمجرد انها تبرد ، فهل عندك تفسيرا لهذه الحلوى ؟

سامية أبو زيد
27-03-2008, 10:41 AM
7ـ مشط كبريت



دون أن تنظر قالت الأم لابنتها: "ناوليني علبة الثقاب من فضلك." ومدت يدها نحوها وهى منهمكة فى إعداد وجبة الغداء، ولما لم تجد استجابة ما، التفتت نحو ابنتها لتجدها ممسكة بالعلبة وعلى الوضع متجمد وكأنها تمثال من الشمع لمعانى الشرود. مدت الأم يدها نحو ابنتها وسحبت العلبة من اليد المعلقة فى الهواء، وبعد التقليب وتهدئة النار تحت الطعام، التفتت نحو ابنتها وأولتها كامل انتباهها، وسألتها بعد أن لاحظت أن شرودها ممزوج بحزن فى عينيها: "ما بك يا بنيتى؟ ولماذا يبدو عليك الحزن، وفيم أنت شاردة؟"

ردت الإبنة بصوت يجمع بين الأسى والشرود: ’’هل تعرفين يا أمى أن طالبا فى مثل سنى يعود له الفضل فى نجاتنا من مخاطر الكبريت وشروره؟" وتمتمت بحسرة: "مسكين."

ردت الأم متسائلة: "وهل انتهت مخاطر الكبريت؟ ألا ننهى عن اللعب به ونرى التحذيرات فى كل مكان من مغبة اللعب بالنار؟‘‘

قالت البنت بسرعة وهما تخرجان من المطبخ باتجاه مجلسهما المفضل فى حجرة المعيشة: ’’ما تتحدثين عنه يا أمى هو مخاطر النار، أما الكبريت فكانت له مخاطره إلى جانب المخاطر المعروفة للنار. ألم تلاحظى عبارة ثقاب أمان الموجودة على بعض العلب؟‘‘

ردت الأم بهزة من رأسها تعنى الإيجاب، ثم انتبهت لكلمة قالتها ابنتها بصوت خفيض فى أول كلامها وانتابها الفضول فسألتها: " لماذا قلت عنه أى ذلك الطالب، مسكين ؟"

اعتدلت الفتاة فى جلستها ولمعت عيناها وهى تكلم أمها التى لم تدر ساعتها سر هذا البريق، أكان حماسة أم كانت دموعا على وشك الانهمار، ومضت البنت قائلة: "أقول مسكين لأنه أنقذ البشرية من حوادث خطيرة كانت تتسبب فيها المواد الكيميائية التى كانت تستخدم فى صناعة الثقاب. ومع ذلك فقد مات وهو يعانى شظف العيش، مات فقيرا معدما "

"فيما مضى كان الثقاب غير آمن إذ كان يشتعل بلا انتظام وكان الشرر يتطاير منه فى الكثير من الأحيان ويصيب الأشخاص بإصابات بالغة، والأخطر من ذلك أنه كان يشتعل من تلقاء ذاته إذا ارتفعت حرارته لسبب ما. كما كانت تصدر عنه رائحة كريهة بسبب مركبات الكبريت المستخدمة فى صناعته، وأول من اخترع الثقاب الذى يعتمد على الاحتكاك هو "جون وواكر" عام 1872 حيث استخدم خليطا من ثالث كبريتيد الأنتيمون وكلورات البوتاسيوم والصمغ والنشا، وكان يعتمد على الاحتكاك بسطح خشن مما يولد حرارة تشعل العود، ولكنها كانت غير آمنة كما قلت لك."

وهنا سألتها أمها: "ومن هو الطالب الذى كنت تقولين عنه انه مسكين؟ ولماذا؟"

ردت الفتاة: "بسبب كل المشاكل التى تحدثنا عنها لم يتوقف العلماء عن محاولة إيجاد حلول لها أو لبعضها، وفى عام 1831 قام طالب الكيمياء الفرنسى "تشارلز سوراى" بإضافة الفوسفور الأصفر للتخلص من الرائحة المزعجة للكبريت، ولكن هذا الحل نتج عنه مشاكل صحية خطيرة، فكان يتسبب فى حدوث تشوهات فى الفك وفى العظام، وكان خطرا على كل من الصانع والمستهلك بسبب هذا السم الأصفر والذى كانت الكمية المستخدمة منه فى العلبة الواحدة كافية لقتل شخص بالغ."

وهنا استوقفتها الأم بسؤال: "أمن أجل هذا كنت تقولين مسكين؟ هل قتله الفوسفور الأصفر؟"

ردت الفتاة قائلة: "لا يا أمى الحبيبة لم أكن أعنى "تشارلز سوراى" بل كنت أعنى طالبا مجريا واسمه "يانوس إيرينى" فلولاه لما عرفنا الكبريت الذى نستعمله الآن فهو الذى بدأ فى تطوير الثقاب، وذلك عندما استخدم ثانى أكسيد الرصاص بدلا من كلورات البوتاسيوم لصناعة المادة التى تكون رأس العود.‘‘

’’وقام بإسالة الفوسفور الأصفر بماء دافئ والرج حتى يصبح على شكل حبيبات، وبعد ذلك خلطه بالصمغ العربى وغمس أعواد الكبريت في المزيج ثم تركها لتجف. وفى اليوم التالى وجد أن الأعواد اشتعلت بشكل آمن بدون أية مخاطر. وكانت هذه هى الخطوة الأولى فى الكبريت الآمن، بدون شرارات أو فرقعة."

قاطعتها الأم والفضول ما يزال مسيطرا عليها: "ولكنك حتى الآن لم تذكرى لى لماذا قلت عنه المسكين!"

تنهدت الفتاة بحسرة قائلة: "لقد باع اختراعه لرجل صناعة مجرى يعيش فى "فيينا" فربح من ورائه أرباحا طائلة وأثرى ثراء فاحشا، هل تدرين بكم باع هذا المسكين حق اختراعه؟" ولم تمهلها واستأنفت فى الحال: "بستين "فورينت" فقط وعاش ومات فقيرا منبوذا."

أرادت الأم أن تهون على ابنتها وتخرجها من هذا الشعور بالأسى، فناوشتها بسؤال جديد: "ولكنك قلت بدأ فى تطوير الثقاب، هل كان هناك المزيد من المشاكل التى تحتاج إلى حلول كيميائية؟"

رنت كلمة كيميائية فى أذنى ابنتها كالسحر وانتقلت بها إلى حالة مغايرة تماما وبحماسة أجابت: "طبعا يا أمى، ألم أقل لك إن الفوسفور الأصفر سام جدا وكانت تنتج عنه أمراض مميتة؟ "يانوس" حل مشكلة عدم انتظام الاشتعال وتطاير الشظايا، ولكنه لم يحل مشكلة الفوسفور الأصفر الشديد الخطورة وكذلك مشكلة اشتعاله فجأة عند تعرضه للحرارة."

فسألتها الأم: "ومن الذى حلها؟ طالب مثله؟"

ردت الفتاة: "لا، بل جاء حل هذه المشكلة على يد عالمين من "السويد" وهما "جوستاف إيريك باش" و"جون إدوارد لاندشتروم" وكان ذلك عام 1844."

"وكيف نجحا فى حل هذه المشكلة؟" سألتها أمها بفضول وانبهار بها وبحبها الشديد لكل ما يتعلق بالكيمياء وتاريخها.

أجابتها البنت بتأن وكأنها تلوك قطعة حلوى لا تريد أن تفرغ منها: "الحل كان مكونا من شقين، الشق الأول كان فى الفصل بين المواد التى يتسبب اختلاطها فى اشتعال النار، والشق الثانى كان فى التخلى عن استعمال الفوسفور الأصفر السام."

"أما عن فصل العناصر عن بعضها البعض فنتج عنه ابتكار الشطاطة التى نحك فيها عود الثقاب. وأصبحت هى الحل للمشكلتين."

"زيدينى علما زيدينى " مازحتها أمها.

فزادتها الفتاة قائلة: "تتكون الشطاطة من الفوسفور الأحمر وشظايا دقيقة للغاية من الزجاج، لتكسبها خشونة ينتج عنها قدر أكبر من الحرارة التى تتولد من الاحتكاك."

" أما الرأس فيتكون من ثالث كبريتيد الأنتيمون وكلورات البوتاسيوم، وعند احتكاك الرأس بالشطاطة تتولد حرارة كافية لتحويل الفوسفور الأحمر الموجود بالشطاطة إلى فوسفور أصفر، وهو سريع الاشتعال، فتنتج عنه شرارة تصيب الرأس فتشتعل ومعها العود."

سألتها الأم بحيرة: "هل معنى هذا أن الاشتعال يبدأ عند الشطاطة وليس فى الرأس؟ تخيلى أننى لم ألحظ هذا قبل الآن؟ ولكن، ألم تقولى إن الفوسوفور الأصفر سام؟ ما الجدوى إذن من استخدام الفوسفور الأحمر كى نعود ونحوله لفوسفور أصفر؟ هل يعنى هذا أننا ما زلنا فى خطر؟"

ردت الفتاة بلهجة مطمئنة: "لا يا أمى ، لا تخافى شيئا. فالقدر الذى يتحول من الفوسفور الأحمر إلى الأصفر هو مقدار ضئيل للغاية بقدر الخط الفاتح الذى يرتسم على الشطاطة عند الإشعال، لا يكفى لحدوث ما تخشينه فضلا عن اشتعاله فى الحال."

أخذتها الأم من يدها واتجهت بها نحو المطبخ قائلة: "حديثك الشيق كاد أن ينسينا الطعام وأخشى ألا ننتبه إلا على رائحة "الشياط"."

مضت معها الفتاة وفى نفسها بعض من الحزن الذى ارتسم على وجهها مجددا، فأومأت الأم قائلة: "أعلم أنك مازلت تفكرين فى ذلك الطالب المسكين "يانوس"، ولكن هونى عليك يا بنيتى، فهو قد اختار طريقه، طريق العلم، فلو أراد الثراء وكان مكتوبا له لاختار التجارة، ولكنه اختار العلم فالعلم رسالة يا بنيتى لا تجارة."

عندئذ استعادت الفتاة إشراقها وحيويتها المعهودة وقالت: "صدقت يا أمى، العلم رسالة لا تجارة ."
تمت بحمد الله

محمد سامي البوهي
27-03-2008, 12:06 PM
كم كنت أتمنى أن تطول حلقاتك تلك الممتعة يا أستاذة سامية ,,,

هل من الممكن أن تعيدي النظر ، وتستمري ؟؟

خالد الكندي
27-03-2008, 02:13 PM
نهايةٌ ولا أروع , لأدبٍ يتخلطُ بالكيمياء , فيُنتجُ هذا البديع.

كانتْ سلسة جميلة , عايشنا فيها الأدبَ مع المعلومة والفائدة .

بإنتظارِ بديعة أخرى , سَلِمَتْ يداك أختنا الأديبة "سامية أبو زيد".

محمد سامي البوهي
27-03-2008, 03:53 PM
التثبيت
بإيعاز

من القاص والروائي الكبير

هشام آدم

هشام آدم
31-03-2008, 11:23 AM
صديقي وأستاذي الفاضل : محمد سامي البوهي

أشكرك على هذه اللفتة البارعة منك .. وبالفعل النص يستحق التثبيت والقراءة بل والتناول بالنقد .. أكرر لك شكري أيها العزيز على هذه المبادرة الكريمة التي تركت أثرها العميق في نفسي ، وفي انتظار الجديد من أستاذتنا الفاضلة سامية أبو زيد

خالد الكندي
31-03-2008, 12:59 PM
صديقي وأستاذي الفاضل : محمد سامي البوهي

أشكرك على هذه اللفتة البارعة منك .. وبالفعل النص يستحق التثبيت والقراءة بل والتناول بالنقد .. أكرر لك شكري أيها العزيز على هذه المبادرة الكريمة التي تركت أثرها العميق في نفسي ، وفي انتظار الجديد من أستاذتنا الفاضلة سامية أبو زيد

الأستاذ الفاضل/ هشام آدم
الحقّ هو ما ذكرت, فالنصُ يحمل فكراً خلاقاً , وأسلوباً جديداً.
أشكرُ روحك النبيلة على طلب التثبيت .

سامية أبو زيد
31-03-2008, 04:04 PM
إخوتى الأحباء فى الله وفى الأدب
أشكر لكم مروركم واهتمامكم واعذرونى على التقصير فى الرد، فمع حفاوتكم يعيينى القلم فى الرد اللائق بحفاوتكم وحسن متابعتكم، ولكم ذوبنى الخجل حين رأيت بعض الأسماء تفيض على بكرمها فى المرور والمتابعة بل والرد أكثر من مرة فى مقابل ما يمكن أن يحتسب على تقاعسا وضنا بالرد، ولكنه ورب الحق خجل يحيط بقلمى ويمنعه الرد اللائق بكم.
دمتم لى إخوة كراما وزملاء أفاضل.
تحياتى.