سامية أبو زيد
03-10-2007, 05:56 PM
بين المتنبى و تاسو
شعراء و أقدار
هو "أبو الطيب المتنبى" و اسمه الأول أحمد وآخره الجعفى وبين هذين الاسمين اختلف الرواة ليبقى لنا أبو الطيب المتنبى الذى ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره و نسبه و قيل فيه ما قيل . (303 ـ 27 رمضان 354 هج) (915 ـ 26 سبتمبر 965 م) .
هو "توركواتو تاسو" أحد أبرز شعراء عصر النهضة وصاحب ملحمة "تحرير أورشليم" .(15 ذو الحجة 950 ـ 1003 هج) (11 مارس 1544 ـ 1595 م) .
هو "محمود محمد شاكر" صاحب "المتنبى" الصادر عام 1936م . (10 محرم 1327 ـ 2 ربيع ثانى 1418 هج) (1 فبراير 1909 ـ 7 أغسطس 1997 م) .
هو " يوهان فولفغانغ غوته" شاعر الألمان الأعظم و صاحب "تاسو". (شعبان 1161 ـ شوال 1247 هج) ( 20 أغسطس 1748 ـ 22 مارس 1832 م) .
بدأ الأمر أول ما بدأ عندما أردت استعادة قراءة مسرحية "تاسو" "لغوته" ترجمة الدكتور " عبد الغفار مكاوى" من سلسلة "روائع المسرحيات العالمية" الصادرة عن وزارة الثقافة أول فبراير 1967م ، وذلك بعد أن غاب عن الذاكرة الكثير من فصولها لبعد المسافة بين القراءة الأولى وبين اليوم الذى اشتقت فيه إليها.
وأثناء قراءتى لمقدمة المسرحية شعرت و كأننى أقرأ ملخصا لكتاب "المتنبى" للأستاذ "محمود شاكر" . و شيئا فشيئا بدأت الحلقات فى التشابك لتكون سلسلة طويلة من التساؤلات و الملاحظات ، فكل من "المتنبى" و"تاسو" شاعر ثائر النفس مهموم بقضايا أمته و يرى فى الشعر وسيلة لاستنهاض الأمة . و تأتى غرائب الأقدار بأن يموت "المتنبى" بعد أن عاش حياة حافلة بالمنعطفات الدرامية ، و تبقى ذكراه حية ثم تبعث لتزداد حياة على حياة بعد ألف عام من مماته على يد شاعر آخر هو "محمود شاكر" ، تماما كما حدث مع الشاعر الإيطالى "تاسو" الذى عاش ومات فى وقت لاحق على "المتنبى " بزمان ليأتى شاعر آخر و هو "غوته" ليخلده بعمل مسرحى بعد أن عاش هو الآخر حياة ملأى بالمنعطفات الدرامية .
هذا عن أولى التشابهات بين "المتنبى " و "تاسو" فى التركيبة النفسية وانفعال شاعرين آخرين بهما وكتابتهما لعملين يتمحوران حول هاتين الشخصيتين.
وقديما قالوا :" إذا تشابهت المقدمات ، تشابهت النهايات " ، وليس أصدق من ذلك قولا كما هو الحال بالنسبة لهذين الشاعرين. فبالنظر فى الموسوعة البريطانية نجد أن "تاسو" نشأ يتيم الأم ، و كانت هناك مشاكل تتعلق بإرثه و إرث أبيه من هذه الأم ، وكذا كان الحال بالنسبة "للمتنبى" الذى نشأ يتيم الأم هو الآخر ورعته جدته وأرضعته امرأة علوية ( من آل عبيد الله) مما يدل على علو نسبه فما من امرأة ترضع ابن من هو أقل منها مقاما ففى ذلك تواضع شديد! وكانت بين جدته و بين أهله من العلويين الذين ينكرون عليه نسبه وحقوقه عداوة جعلتهم يشمتون بموتها يوم ماتت و تركت فى نفسه حزنا وغضبا، حزنا عليها و غضبا على الشامتين من أهله انظر قوله
"سأطلب (حقى) بالقنا و مشايخ كأنهم من طول ما التثموا مُرْدُ" .
ومن اليتم إلى النشأة نرى "أبا الطيب المتنبى" يرتاد كتابا لتعليم أولاد أشراف الكوفة . وكذا نشأة "تاسو" وتعليمه فقد نشأ وتعلم مع "فرانسيسكو ماريا ديللا روفر" ابن دوق "أوربينو" بعد أن لحق بأبيه فى ضيافة الدوق عام 1556م .
وبالعودة إلى النص المسرحى الذى قام بنقله إلى العربية الدكتور "عبدالغفار مكاوى" نجد أن "غوته" بنى مسرحيته على افتراض أن "تاسو" يحب الأميرة "ليونورا" أخت الأمير "ألفونسو" ، مما يذكرنا بكشف "محمود شاكر" عن حب "المتنبى" للأميرة "خولة" أخت الأمير "سيف الدولة" ، وذلك من خلال ما استنبطه من معان وراء المعانى فى رثاء "المتنبى" لأخت "سيف الدولة" الصغرى عندما ماتت و هو يعزيه بالعوض فى "خولة"، ثم ما تلا ذلك من رثائه "لخولة" نفسها حين ماتت، بحيث أظهر لنا التباين فى وقع الخبرين على "المتنبى" فهو فى الحالة الأولى شاعر يجامل أميره ويعزيه فى أخته ، فى حين أنه وبعد موت "خولة" شاعر مكلوم يتفجع لفقد محبوبته، وقد اتفق فى هذه الرؤية مع صديقه الدكتور "أمين باشا فهد المعلوف" حسبما ذكره فى باب "قصة هذا الكتاب وقراءتى شعر المتنبى" . أما برهان "محمود شاكر" فيتجلى أكثر ما يتجلى فى الأبيات التالية: ففى رثاء الأخت الصغرى يقول
"فإذا قِست ما أخذن بما غا درن ، سَرَّى عن الفؤاد وسَلَّى" . وهو عزاء غريب على حد قول "محمود شاكر" أن يجعل للموت فضلا فى قبض الصغرى وترك الكبرى! وانظر معه إلى بيت فى القصيدة التى يرثى بها "المتنبى" الأميرة "خولة"إذ يقول
"ولا ذكرت جميلا من صنائعها إلا بكيت، ولا ود بلا سببِ".
وهكذا التقت أقدار أربعة شعراء، فلولا شاعرية "محمود شاكر" و"غوته" لما تمكنا من رؤية ما وراء المعانى فى شعر "المتنبى" و"تاسو" واستكناه غرام كل منهما بأخت أميره.
البحث عن البطل .... البحث عن الحلم
يقول "غوته" على لسان الأميرة فى المشهد الأول من الفصل الثانى
" الأميرة : وكنت قبل ذلك بقليل تحس إحساسا صافيا
بأن البطل و الشاعر متلازمان ،
وأن البطل والشاعر يبحث أحدهما عن الآخر"
ويقول "محمود شاكر"عن "المتنبى" :
"وأخرى ، أن أبا الطيب ، كما وصفناه لك أولاً ، كان يرمى ببصره إلى (الرجل)، الرجل الذى تجتمع فى رجولته صفات الخير كلها ، و صفات الكمال بأسرها، كما كان يراها قلبه ويحلم بها فؤاده و أوهامه ..."
ويوغل بنا فى هذا المعنى "محمود شاكر" حتى نصل إلى أن "المتنبى" لم يكن يبحث عن المال بل عمن يرد للعرب سلطانهم ، فنجده يقول : " ...... و لهذا لم تجده يقر سنوات فى جوار أحدٍ إلا جوار هذين العربيين : "بدر بن عمار" و "سيف الدولة". وذلك لما كان يرى منهما من الجهاد فى سبيل الغرض الذى انطوت عليه جوانحه ...." وهكذا حتى يشهدنا على نوايا "المتنبى" فى شعره "لأبى العشائر الحمدانى" بقوله :
"فسرت إليك فى (طلب المعالى) وسار سواى فى (طلب المعاش)".
وحيث يوجد البطل توجد البطولة ، وحيث توجد البطولة يوجد الشعر الذى يمجد هذا البطل . و البطولة تعنى تحقيق الحلم ، وهكذا نعود إلى مبتدأ القول بأن الشاعرين اللذين بين أيدينا يتسمان بالنفس الثائرة و الحلم الكبير.
فكان حلم "المتنبى" توحيد كلمة العرب و التخلص من سطوة العجم على ديار الإسلام كقوله :
"وإنما الناس بالملوك، وما تفلح عُرْبٌ ملوكها عَجَمُ"
و أن تتوحد العرب تحت لواء بطل عربى وذلك حسبما ورد فى أكثر من موضع فى الكتاب ، منها البيت السالف ذكره فى مدح "أبى العشائر"، و فى لقائه "بسيف الدولة " يمدحه قائلا:
"غضبت له لما رأيت صفاته بلا واصفٍ، و الشعرتهذى طماطمُهْ".
أما عن حلم "تاسو" فكان استنهاض "أوروبا" لتحرير أورشليم فصاغه فى ملحمة شعرية صارت فيما بعد محورا رئيسيا فى المسرحية التى تحمل اسمه وصاغها الشاعر الألمانى "غوته".
ومن الغرائب التى لا تنقطع فى هذا الشأن ، أنه وحسب الترجمة التى قام بها الدكتور "عبدالغفار مكاوى"، نجد أن "تاسو" يمدح ذاته حين يمدح الآخرين، ففى المشهد الثالث من الفصل الأول يقول "تاسو" :
" تاسو : ......
ولكننى كلما أمعنت النظر،
وبحثت عما يعطى هذا القصيد
قيمته العميقة ومنزلته العالية
عرفت أننى لم أستمده إلا منكم .
............. " .
و يمضى بالقول على نفس النسق وبنفس المعنى الذى يؤكده فى رد الأمير "ألفونس" قائلا
"ألفونس : تستحق الحمد مرتين،
فأنت تكرم نفسك فى تواضع
وتكرمنا معك ."
وهكذا نرى "تاسو" فى المسرحية و قد أُسبغت عليه خصيصة من أبرز خصائص "المتنبى" وهى البدء بمدح الذات والتى كانت تعاب عليه، بل تستخدم فى الكيد له من قبل خصومه الكثر. بل الأكثر من ذلك أنه كان يرمى بالقصيدة رميا فى وجه متلقيها فى بعض الأحيان، فمن غيره تواتيه الجرأة على استهلال قصيدة مدح بقوله حين دخل على "كافور الإخشيدى":
"كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا"
أو كما قال مادحا نفسه قبل أن يمدح "ابن طغج"
"إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك وإن قلت لم أترك مقالا لعالمِ"
وتبلغ به الكبرياء أن يقول فى مجلس "سيف الدولة"
"سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأننى خير من تسعى به قدمُ"
ويبلغ به المكر أن يلقى هذه القصيدة فى مجلس "سيف الدولة" واقفا على غير عادته، إذ يقف كالشعراء و ينطق كسيد الأمراء فيمحو فعلا بقول ويمحو قولا بفعل، وفى النهاية يبقى أثر الاثنين !
الرحيل
و لترحال "المتنبى" إلى الأمراء و مدائحه لهم وقع تكاد تراه مترجما إلى الألمانية فى مسرحية "تاسو" للشاعر "غوته" ، حيث يضع "غوته" على لسان "تاسو" قوله :
"تاسو : .......
هناك بيت الميديشى الجديد،
صحيح أنهم لا يجهرون بالعداء "لفرارا"
ولكن الحسد الصامت يفرق
بين القلوب النبيلة الباردة.
وإذا حدث أن تلقيت من أولئك النبلاء
ما يدل على رضاهم السامى على
ـ وذلك ما أتوقعه عن يقين ـ
فما أسرع ما سيحاول رجل البلاط
أن يثير الشك فى ولائى و عرفانى
و سهل أن يتم له هذا.
.......... ".
وذلك فى المشهد الثالث من الفصل الرابع وهو يدبر للرحيل، فكأن "غوته" قد ترجم "المتنبى" إلى "تاسو" !!
فنرى "تاسو" يخشى على نفسه غضبة الأمير إذا قربه إليه "الميديشى" وأجزل له العطاء مما يجعله فى خطر مبين .وهو عين ما كان يعانى منه "المتنبى" ، فبعد أن يقربه الأمراء إليهم ، كانوا يخشون فراقه لهم ، لا من انقلاب مديحه عليهم هجوا فحسب ، ولكن فى ظنى ـ ضنا به على الآخرين من مديح يكتب لهم الخلود فى مراتب أعلى من تلك التى كان يضعهم فيها، فكل واحد منهم ينتظر من "المتنبى" ما سيقوله فيه ، وأيهم سيصبح أعلى ذكرا، سواء بالصفات التى سيخلعها عليه فى شعره أم بروعة القصيدة التى سوف يمدحه بها ، لذا فقد حق عليه قول "ابن رشيق" : "ثم جاء المتنبى فملأ الدنيا وشغل الناس."
"وقد صدق وصدقت الأيام قوله ، فقد ذكروا من شروح ديوانه أكثر من أربعين شرحا، وما تجد كتابا من كتب التراجم أو كتب الأدب لم يذكر المتنبى أو لم يترجم له ، ثم أفرد بعض القدماء كتبا لترجمته ، ثم جاء من بعدهم المحدثون و المعاصرون فكتبوا عن أبى الطيب على طريقة أهل العصر."
أعود و أتساءل هل ترجم "غوته" "المتنبى" إلى "تاسو"؟ "فلغوته" باع طويل فى الاستشراق ، و للمستشرقين باع أطول فيه بكل أدوات الاستشراق من دراسات للغات والتاريخ و الاستيلاء على نفائس الأمم من كتب ومخطوطات ، وآثار تشهد عليها وعليهم تلك الرأس الملكية المعروضة "بمتحف برلين".
هل نفس "غوته" على العرب أن يكون لديهم من "ملأ الدنيا وشغل الناس" وقت أن كان العالم يتحدث العربية ـ فخلع على "تاسو" ما وجده فى كل أو فى أى من التراجم الأربعة للمتنبى التى خطها "الربعى" أو "ابن العديم" أو"ابن عساكر" أو " المقريزى"؟!
أم أنها عين الشاعر تلك التى نظر بها "غوته" نحو "تاسو" ؟ هل تكون هى نفسها عين الشاعر كتلك التى نظر بها "محمود شاكر" فى شعر "المتنبى وتراجمه ؟ هذا إذا أردنا تغليب حسن الظن .
شعراء و أقدار
هو "أبو الطيب المتنبى" و اسمه الأول أحمد وآخره الجعفى وبين هذين الاسمين اختلف الرواة ليبقى لنا أبو الطيب المتنبى الذى ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره و نسبه و قيل فيه ما قيل . (303 ـ 27 رمضان 354 هج) (915 ـ 26 سبتمبر 965 م) .
هو "توركواتو تاسو" أحد أبرز شعراء عصر النهضة وصاحب ملحمة "تحرير أورشليم" .(15 ذو الحجة 950 ـ 1003 هج) (11 مارس 1544 ـ 1595 م) .
هو "محمود محمد شاكر" صاحب "المتنبى" الصادر عام 1936م . (10 محرم 1327 ـ 2 ربيع ثانى 1418 هج) (1 فبراير 1909 ـ 7 أغسطس 1997 م) .
هو " يوهان فولفغانغ غوته" شاعر الألمان الأعظم و صاحب "تاسو". (شعبان 1161 ـ شوال 1247 هج) ( 20 أغسطس 1748 ـ 22 مارس 1832 م) .
بدأ الأمر أول ما بدأ عندما أردت استعادة قراءة مسرحية "تاسو" "لغوته" ترجمة الدكتور " عبد الغفار مكاوى" من سلسلة "روائع المسرحيات العالمية" الصادرة عن وزارة الثقافة أول فبراير 1967م ، وذلك بعد أن غاب عن الذاكرة الكثير من فصولها لبعد المسافة بين القراءة الأولى وبين اليوم الذى اشتقت فيه إليها.
وأثناء قراءتى لمقدمة المسرحية شعرت و كأننى أقرأ ملخصا لكتاب "المتنبى" للأستاذ "محمود شاكر" . و شيئا فشيئا بدأت الحلقات فى التشابك لتكون سلسلة طويلة من التساؤلات و الملاحظات ، فكل من "المتنبى" و"تاسو" شاعر ثائر النفس مهموم بقضايا أمته و يرى فى الشعر وسيلة لاستنهاض الأمة . و تأتى غرائب الأقدار بأن يموت "المتنبى" بعد أن عاش حياة حافلة بالمنعطفات الدرامية ، و تبقى ذكراه حية ثم تبعث لتزداد حياة على حياة بعد ألف عام من مماته على يد شاعر آخر هو "محمود شاكر" ، تماما كما حدث مع الشاعر الإيطالى "تاسو" الذى عاش ومات فى وقت لاحق على "المتنبى " بزمان ليأتى شاعر آخر و هو "غوته" ليخلده بعمل مسرحى بعد أن عاش هو الآخر حياة ملأى بالمنعطفات الدرامية .
هذا عن أولى التشابهات بين "المتنبى " و "تاسو" فى التركيبة النفسية وانفعال شاعرين آخرين بهما وكتابتهما لعملين يتمحوران حول هاتين الشخصيتين.
وقديما قالوا :" إذا تشابهت المقدمات ، تشابهت النهايات " ، وليس أصدق من ذلك قولا كما هو الحال بالنسبة لهذين الشاعرين. فبالنظر فى الموسوعة البريطانية نجد أن "تاسو" نشأ يتيم الأم ، و كانت هناك مشاكل تتعلق بإرثه و إرث أبيه من هذه الأم ، وكذا كان الحال بالنسبة "للمتنبى" الذى نشأ يتيم الأم هو الآخر ورعته جدته وأرضعته امرأة علوية ( من آل عبيد الله) مما يدل على علو نسبه فما من امرأة ترضع ابن من هو أقل منها مقاما ففى ذلك تواضع شديد! وكانت بين جدته و بين أهله من العلويين الذين ينكرون عليه نسبه وحقوقه عداوة جعلتهم يشمتون بموتها يوم ماتت و تركت فى نفسه حزنا وغضبا، حزنا عليها و غضبا على الشامتين من أهله انظر قوله
"سأطلب (حقى) بالقنا و مشايخ كأنهم من طول ما التثموا مُرْدُ" .
ومن اليتم إلى النشأة نرى "أبا الطيب المتنبى" يرتاد كتابا لتعليم أولاد أشراف الكوفة . وكذا نشأة "تاسو" وتعليمه فقد نشأ وتعلم مع "فرانسيسكو ماريا ديللا روفر" ابن دوق "أوربينو" بعد أن لحق بأبيه فى ضيافة الدوق عام 1556م .
وبالعودة إلى النص المسرحى الذى قام بنقله إلى العربية الدكتور "عبدالغفار مكاوى" نجد أن "غوته" بنى مسرحيته على افتراض أن "تاسو" يحب الأميرة "ليونورا" أخت الأمير "ألفونسو" ، مما يذكرنا بكشف "محمود شاكر" عن حب "المتنبى" للأميرة "خولة" أخت الأمير "سيف الدولة" ، وذلك من خلال ما استنبطه من معان وراء المعانى فى رثاء "المتنبى" لأخت "سيف الدولة" الصغرى عندما ماتت و هو يعزيه بالعوض فى "خولة"، ثم ما تلا ذلك من رثائه "لخولة" نفسها حين ماتت، بحيث أظهر لنا التباين فى وقع الخبرين على "المتنبى" فهو فى الحالة الأولى شاعر يجامل أميره ويعزيه فى أخته ، فى حين أنه وبعد موت "خولة" شاعر مكلوم يتفجع لفقد محبوبته، وقد اتفق فى هذه الرؤية مع صديقه الدكتور "أمين باشا فهد المعلوف" حسبما ذكره فى باب "قصة هذا الكتاب وقراءتى شعر المتنبى" . أما برهان "محمود شاكر" فيتجلى أكثر ما يتجلى فى الأبيات التالية: ففى رثاء الأخت الصغرى يقول
"فإذا قِست ما أخذن بما غا درن ، سَرَّى عن الفؤاد وسَلَّى" . وهو عزاء غريب على حد قول "محمود شاكر" أن يجعل للموت فضلا فى قبض الصغرى وترك الكبرى! وانظر معه إلى بيت فى القصيدة التى يرثى بها "المتنبى" الأميرة "خولة"إذ يقول
"ولا ذكرت جميلا من صنائعها إلا بكيت، ولا ود بلا سببِ".
وهكذا التقت أقدار أربعة شعراء، فلولا شاعرية "محمود شاكر" و"غوته" لما تمكنا من رؤية ما وراء المعانى فى شعر "المتنبى" و"تاسو" واستكناه غرام كل منهما بأخت أميره.
البحث عن البطل .... البحث عن الحلم
يقول "غوته" على لسان الأميرة فى المشهد الأول من الفصل الثانى
" الأميرة : وكنت قبل ذلك بقليل تحس إحساسا صافيا
بأن البطل و الشاعر متلازمان ،
وأن البطل والشاعر يبحث أحدهما عن الآخر"
ويقول "محمود شاكر"عن "المتنبى" :
"وأخرى ، أن أبا الطيب ، كما وصفناه لك أولاً ، كان يرمى ببصره إلى (الرجل)، الرجل الذى تجتمع فى رجولته صفات الخير كلها ، و صفات الكمال بأسرها، كما كان يراها قلبه ويحلم بها فؤاده و أوهامه ..."
ويوغل بنا فى هذا المعنى "محمود شاكر" حتى نصل إلى أن "المتنبى" لم يكن يبحث عن المال بل عمن يرد للعرب سلطانهم ، فنجده يقول : " ...... و لهذا لم تجده يقر سنوات فى جوار أحدٍ إلا جوار هذين العربيين : "بدر بن عمار" و "سيف الدولة". وذلك لما كان يرى منهما من الجهاد فى سبيل الغرض الذى انطوت عليه جوانحه ...." وهكذا حتى يشهدنا على نوايا "المتنبى" فى شعره "لأبى العشائر الحمدانى" بقوله :
"فسرت إليك فى (طلب المعالى) وسار سواى فى (طلب المعاش)".
وحيث يوجد البطل توجد البطولة ، وحيث توجد البطولة يوجد الشعر الذى يمجد هذا البطل . و البطولة تعنى تحقيق الحلم ، وهكذا نعود إلى مبتدأ القول بأن الشاعرين اللذين بين أيدينا يتسمان بالنفس الثائرة و الحلم الكبير.
فكان حلم "المتنبى" توحيد كلمة العرب و التخلص من سطوة العجم على ديار الإسلام كقوله :
"وإنما الناس بالملوك، وما تفلح عُرْبٌ ملوكها عَجَمُ"
و أن تتوحد العرب تحت لواء بطل عربى وذلك حسبما ورد فى أكثر من موضع فى الكتاب ، منها البيت السالف ذكره فى مدح "أبى العشائر"، و فى لقائه "بسيف الدولة " يمدحه قائلا:
"غضبت له لما رأيت صفاته بلا واصفٍ، و الشعرتهذى طماطمُهْ".
أما عن حلم "تاسو" فكان استنهاض "أوروبا" لتحرير أورشليم فصاغه فى ملحمة شعرية صارت فيما بعد محورا رئيسيا فى المسرحية التى تحمل اسمه وصاغها الشاعر الألمانى "غوته".
ومن الغرائب التى لا تنقطع فى هذا الشأن ، أنه وحسب الترجمة التى قام بها الدكتور "عبدالغفار مكاوى"، نجد أن "تاسو" يمدح ذاته حين يمدح الآخرين، ففى المشهد الثالث من الفصل الأول يقول "تاسو" :
" تاسو : ......
ولكننى كلما أمعنت النظر،
وبحثت عما يعطى هذا القصيد
قيمته العميقة ومنزلته العالية
عرفت أننى لم أستمده إلا منكم .
............. " .
و يمضى بالقول على نفس النسق وبنفس المعنى الذى يؤكده فى رد الأمير "ألفونس" قائلا
"ألفونس : تستحق الحمد مرتين،
فأنت تكرم نفسك فى تواضع
وتكرمنا معك ."
وهكذا نرى "تاسو" فى المسرحية و قد أُسبغت عليه خصيصة من أبرز خصائص "المتنبى" وهى البدء بمدح الذات والتى كانت تعاب عليه، بل تستخدم فى الكيد له من قبل خصومه الكثر. بل الأكثر من ذلك أنه كان يرمى بالقصيدة رميا فى وجه متلقيها فى بعض الأحيان، فمن غيره تواتيه الجرأة على استهلال قصيدة مدح بقوله حين دخل على "كافور الإخشيدى":
"كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا"
أو كما قال مادحا نفسه قبل أن يمدح "ابن طغج"
"إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك وإن قلت لم أترك مقالا لعالمِ"
وتبلغ به الكبرياء أن يقول فى مجلس "سيف الدولة"
"سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأننى خير من تسعى به قدمُ"
ويبلغ به المكر أن يلقى هذه القصيدة فى مجلس "سيف الدولة" واقفا على غير عادته، إذ يقف كالشعراء و ينطق كسيد الأمراء فيمحو فعلا بقول ويمحو قولا بفعل، وفى النهاية يبقى أثر الاثنين !
الرحيل
و لترحال "المتنبى" إلى الأمراء و مدائحه لهم وقع تكاد تراه مترجما إلى الألمانية فى مسرحية "تاسو" للشاعر "غوته" ، حيث يضع "غوته" على لسان "تاسو" قوله :
"تاسو : .......
هناك بيت الميديشى الجديد،
صحيح أنهم لا يجهرون بالعداء "لفرارا"
ولكن الحسد الصامت يفرق
بين القلوب النبيلة الباردة.
وإذا حدث أن تلقيت من أولئك النبلاء
ما يدل على رضاهم السامى على
ـ وذلك ما أتوقعه عن يقين ـ
فما أسرع ما سيحاول رجل البلاط
أن يثير الشك فى ولائى و عرفانى
و سهل أن يتم له هذا.
.......... ".
وذلك فى المشهد الثالث من الفصل الرابع وهو يدبر للرحيل، فكأن "غوته" قد ترجم "المتنبى" إلى "تاسو" !!
فنرى "تاسو" يخشى على نفسه غضبة الأمير إذا قربه إليه "الميديشى" وأجزل له العطاء مما يجعله فى خطر مبين .وهو عين ما كان يعانى منه "المتنبى" ، فبعد أن يقربه الأمراء إليهم ، كانوا يخشون فراقه لهم ، لا من انقلاب مديحه عليهم هجوا فحسب ، ولكن فى ظنى ـ ضنا به على الآخرين من مديح يكتب لهم الخلود فى مراتب أعلى من تلك التى كان يضعهم فيها، فكل واحد منهم ينتظر من "المتنبى" ما سيقوله فيه ، وأيهم سيصبح أعلى ذكرا، سواء بالصفات التى سيخلعها عليه فى شعره أم بروعة القصيدة التى سوف يمدحه بها ، لذا فقد حق عليه قول "ابن رشيق" : "ثم جاء المتنبى فملأ الدنيا وشغل الناس."
"وقد صدق وصدقت الأيام قوله ، فقد ذكروا من شروح ديوانه أكثر من أربعين شرحا، وما تجد كتابا من كتب التراجم أو كتب الأدب لم يذكر المتنبى أو لم يترجم له ، ثم أفرد بعض القدماء كتبا لترجمته ، ثم جاء من بعدهم المحدثون و المعاصرون فكتبوا عن أبى الطيب على طريقة أهل العصر."
أعود و أتساءل هل ترجم "غوته" "المتنبى" إلى "تاسو"؟ "فلغوته" باع طويل فى الاستشراق ، و للمستشرقين باع أطول فيه بكل أدوات الاستشراق من دراسات للغات والتاريخ و الاستيلاء على نفائس الأمم من كتب ومخطوطات ، وآثار تشهد عليها وعليهم تلك الرأس الملكية المعروضة "بمتحف برلين".
هل نفس "غوته" على العرب أن يكون لديهم من "ملأ الدنيا وشغل الناس" وقت أن كان العالم يتحدث العربية ـ فخلع على "تاسو" ما وجده فى كل أو فى أى من التراجم الأربعة للمتنبى التى خطها "الربعى" أو "ابن العديم" أو"ابن عساكر" أو " المقريزى"؟!
أم أنها عين الشاعر تلك التى نظر بها "غوته" نحو "تاسو" ؟ هل تكون هى نفسها عين الشاعر كتلك التى نظر بها "محمود شاكر" فى شعر "المتنبى وتراجمه ؟ هذا إذا أردنا تغليب حسن الظن .