المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية عذراء بغداد..


ريم محمد
18-02-2008, 12:51 PM
1
انسابت من أعماقه الملتاعة كل تلك المشاعر المحزونة وقال وهو ينظر إليها "بان أنت لست مذنبة ..ولم تكوني يوما سيئة ..فلتنسي الماضي ..ولتبدأي من جديد"
اعتنقته كطفلة تبحث عن الأمان ,قالت وهي تغالب البكاء "لم أكن أحلم يوما بأن يحدث لي ماحدث"همس في أذنها:
-هيا بان ليس هذا وقت البكاء ستخرجين من هذا السجن الكبير .
تطلعت إليه بينما ندت من عينيه دمعة وقال وهو يتحامل على نفسه
"سوف يدفعون ثمن مافعلوه غاليا.
ومن خلف الصمت الرهيب الذي أكتنفهما على الرغم من الضوضاء المحيطة بهما قالت
-"لم تكن هكذا؟
ابتسم ابتسامة هادئة"علمتني المصيبة أن أكون رجلا.."
المصيبة ...مازالت تذكرها ..ذلك اليوم انشغلت بتقديم المساعدة لمن ينقلون إلى الطوارئ ,تنقلت من سرير لآخر,وقد تجلس لبرهة إلى جانب جريح لم يجد سريرا يستلقي عليه,الأطفال يصرخون باكيين ,النساء التي استبدت بهن الجراح يولولن ويلعن الديمقراطية ومن جاء بها,في كل وجه قصة ,وعلى الملامح تلوح علامات الموت ,والحيرة تلفها وتلف الأطباء الآخرين فالأعداد تزداد والإمكانيات ليست في المستوى المطلوب,أثناء ذلك تقف سيارة الإسعاف أمام البوابة ,يهرع المسعفون يدفعون أمامهم سرير ,الحالة شديدة الخطورة ..فالرصاصة ارتكزت في الرأس لتنهي حياة هذا الإنسان,اجتمعت مع الطبيب وليد محاولين إنقاذ الرجل ,بينما انكب سعيد وحسين على المرأة التي إلى جوارهما, لم تحدق في وجه الرجل المصاب المضرج بالدماء ,مسح الطبيب الدماء واتضحت الملامح ,حبست أنفاسها ,كادت تقع أرضا ,الطبيب الآخر قال:
-لقد فارقت المرأة الحياة.
حانت منها التفاتة للمرأة إنها تعرفها,حبست صرختها وهي ترى إياد يهرول ناحيتها قادما من أحد الممرات, الدم ينزف من رأسه- على الرغم من الإسعافات التي قدمها الأطباء له-بدأ مشدوها فالصدمة تعبث به , عيناه لا تقفان عند حد تساءل بألم :
-أين هم؟؟
لم تستطع الإجابة ،فالقوة أن تحبس الدمعة أمام من تحب,أنقذها من الجواب أحد الجيران الذي أصيب في القصف :إنهما على السريرين "وأشار بيده ناحيتهما,مشى كمن يجر وراءه أكواما من السلاسل ,حاذى السرير الذي نام عليه الأب المسجى ,وشاهد بعينيه أبيه وقد خضبت لحيته البيضاء بالدماء ,وعلى شفتيه تجلت ابتسامة وقورة..التفت إلى أمه التي مزق صدرها بالرصاص قبل أن يقصف عليهم البيت ,اتجه لبان سألها وقد أفقدته الفاجعة صوابه "أين ناهد؟؟,لحظتها لم تستطيع الصمود فوقعت مغشيا عليها,جعل يبحث عن ناهد بين الجرحى, يبحث عنها وفي عينيه تجلت الصدمة واضحة ,احتضنه أحد الرجال قال له مواسيا "اصبر يارجل "
أفاقت بان ولم تر أمامها سواه ,ينظر إليها من خلال سحابة من الدمع ,خرجا ولكن ليس لبيتهم ,لأنه لم يعد هناك ..لقد اختفى ..ولكن لم تختف معه الذكريات التي يحملانها..
انتبهت على يده تمسك بيدها وتضرب عليها بخفة, وقال وهو يستجر تلك الصور من خزانة الماضي العتيقة:
-أحببت ناهد بصدق ..
-يالها من رائعة .
-لم يمهلوننا لكي نعيش سوية.
-إنه قدرنا أن نفارق من نحب.
-خمسة أيام هو عمر زواجنا لفها الخجل كما لفها الكفن.
كل ذكرياتهما كانت شيئا نفيسا, فالواقع أو المسخ الذي يسمى بالحياة والحرية يطاردهما بالموت, نفسيهما طافحة بالألم و القلق, قالت بعد صمت -كنت مثلك أحلم بعماد وبفستان الزفاف الأبيض الذي لا أنام قبل أن أراه..سكتت ثم أردفت ضاحكة"
-لم يصدق أن أبي قد حدد موعد الزفاف, فدائما ما يقول:
"أظن أني قد عقدت قرآني عليك ليخزنك أبوك في بيتكم"
لكن قتل أبويها ,وما جرى بعد ذلك مزق أحلامها ,لتخرج من بعده فتاة بوجه آخر, الحياة في عينيها أكثر اسودادا.,وأشد قسوة.
-هيا بان لقد حان موعد إقلاع الطائرة .
انتبهت من شرودها على كلماته :أين ذهبت ...إلى بغداد .
-سأفتقد بغداد كثيرا.
حمل الحقائب وسارت معه ..لم يدم تفتيش الحقائب طويلا, انبعث صوت المكبر منبها على الرحلة المتجهة إلى لندن.
شعرت لحظتها بالغربة تسري في جسدها, أحست بأنها كطفلة صغيرة تائهة عن والديها ،قبض على ذراعيها وقال بحزم "هناك في لندن سيكون نبيل بانتظارك"
-سأشتاق لك .
-هيا بان بسرعة سوف تطير الطائرة بدونك, عندها سنخسر ثمن التذاكر.
جففت دمعاتها وتأهبت لرحيل, بينما أخرج من معطفه مصحفا صغيرا, أعطاها إياه وهمس مبتسما:
-سيكون أنيسك في الغربة .
غابت في الزحام, وغاب عن الدنيا مفكرا فيها, وغابت على خديه دمعة سجنها للحظات.

محمد سامي البوهي
20-02-2008, 03:03 PM
الأستاذة ريم

تحية لقلم يحمل تلك الهموم ، واحترامي لأفكارك الشهيدة التي تشهد على تلك القسوات ، التي تمارسها الحشرات السوداء ...

لكن ألا أعدت النظر في العنوان ؟؟؟

أتمنى ذلك

محمد

ريم محمد
20-02-2008, 03:15 PM
الأستاذ:محمد..
.
أولا لماذا أغير العنوان؟
.
ثانيا لا أظن أن ذلك سيجدي..لأن الرواية قد وضعتها في أكثرمن مكان و بنفس العنوان..و لن ينفع أن يكون منتدى الأروقة مختلفا عن بقية المنتديات الأدبية..
.
ثالثا الرواية و عذراء بغداد بالذات عشت معها و عاشت معي و توحدت بقصتها كما توحدت هي بالألم..عذراء بغداد ليست بدعا من القول بل هي ألم و جريمة رأيناها في كل الأوطان التي استبيحت..
عذراء بغداد يمكن أن تكون في فلسطين و في أفغانستان و قد كانت من قبل في البوسنة و الهرسك و كوسوفو..
.
أكرر اعتذاري أستاذي محمد..و أتمنى أن تتحفنا بنقدك الراقي ..فأنت أهل لذلك..
.
.
ريم

محمد سامي البوهي
20-02-2008, 03:26 PM
حاضر يا ريم

سأنسخ القصة على جهازي الشخصي ... واتركيني معها بعض الوقت ...

تحيتي

ريم محمد
23-02-2008, 11:39 AM
2
بعد ساعات طويلة هبطت الطائرة ,وبدأت في رحلة جديدة , رحلة مع الغربة ,استقبلها نبيل ثم استقلت سيارته ارتخى جسدها المنهك ليحتضنه المقعد,أغمضت عيناها,باحثة عن السكينة,لكنه قهقه ضاحكا فمزق السكون الذي استشعرته:
-عرفتك من حجابك...لم تتغيري ؟
-لقد تغيرت يانبيل كثيرا..
-سرت في المطار كالخيمة!!
عندما لم تعلق على مايقول ..أدار المسجلة لتنبثق منه أصوات الموسيقى الصاخبة,وأخذ يدندن بكلمات باهتة,بعد أن أجتاز الشارع الرئيس..انعطف جانبا ,وسارت السيارة إلى آخر الشارع الفرعي,عندها وقفت ثم أشار بيده"هذا بيتي"
أشاحت بوجهها نحو ذلك البيت بطراز غربي تحيط به حديقة مسيجة بسياج حديدي ,ولجت معه المنزل أشعل الأضواء ,وأشار بأصبعه "هذه غرفة الجلوس ..وهناك المطبخ..وفي الأعلى..."
-أرجوك نبيل أنا متعبة ..وأريد أن أستريح.
فجأة وقبل أن تكمل كلمتها هبط شيء على الدرج كـ(الأرجوز)وتعالى الصوت الطفولي :
-مفاجأة..أهلا عمتي!!!
وضعت يدها على صدرها ورددت"باسم الله",ضحك نبيل قائلا "مايا ابنتي"
سددت نظرات فاحصة للفتاة الصغيرة ذات السحنة الغربية والشعر الأشقر ..ترتدي لباسا عاري الأكمام ...وبنطالا من الجينز
-إنها ابنتي .."أعادها مرة أخرى"
قالت بعد نفس عميق"لم تقل لنا أنك قد تزوجت"
-لا ..أنا الآن منفصل.
ثم التفت صوب الطفلة "هيا اصحبيها لحجرتها"
صعدتا السلم وقد وضعت مايا يدها في يد بان ,توجهت بها إلى حجرتها التي تحوي سريرا وردي اللون ,وتسريحة صغيرة ,وخزانة ملابس في الجهة الأخرى,وثبت الطفلة على السرير,وظلت تحدق في هذه المرأة الآتية من موطنها الأصلي_فهكذا يقول والدها –نظرت بان في المرآة ,أمعنت النظر في وجهها الذي بدأ واضحا عليه الإنهاك غمغمت"مابال الحزن يملأ هذه التقاطيع!!!"
خلعت الجلباب وغطاء الرأس,لحظتها تناهى إلى سمعها..صوت مايا :أنت جميلة؟؟ليت شعري أسود كشعرك!!
ابتسمت بحرقة ,وعادت لتنظر في المرآة التي لاتكذب أبدا,رأت فيها بيتهما الجديد الذي سكناها بعد قصف بيتهم ,الباب يطرق..إياد لم يستيقظ من نومه بعد,فتحت الباب ,لترى وجها لم تره أبدا ,وجها يخيم عليه البؤس إنه عماد قال بعد تلعثم:

-السلام عليكم..
رد لسانها باقتضاب"وعليكم..
-أريد أن أحدثك في أمر .
همست "وأنا أيضا..هل تدخل؟؟
-سأتكلم عند الباب.."قالها ببرود"
-هيا تكلم..
-أعلم أني مخطئ.عندما آتيك وأنت لوحدك, لكني أريد أن أنهي الأمر بيننا.
قرأت في عينيه العسليتين كل مايريد قوله ..إنها تعرفه ..تفهمه!!كما أنها ليست في حال لتقبل بوضع جديد بعد ماحل بها من قسوة لم تكن تتوقعها ,فالحادثة تئن في ذاكرتها كل لحظة ,وذلك المنظر لن تنسه أبدا.
-سأختصر عليك مشقة الحديث,فلننفصل ...
رفع رأسه ..حاول أن تشرد عيناها من عينيها, وقال بعد أن تظاهر بالسعال:
-أمي تقف في وجهي,وقد حلفت أن تتبرأ مني إن تم زواجنا ,أعلم أني لئيم لكن ماذا أفعل إن كنت أنت في كفة وأمي في الأخرى,ولابد أن أختار إحداكما؟؟
قالت وهي تغالب عبراتها"لابد أن تختار أمك..وأن يذهب كل منا في طريقه.
-لقد وضعت في اختبار صعب..
رفعت كفها في وجهه "كفى لا أريد أن اسمع المزيد ..متى سيتم الطلاق ؟
أخرج من جيبه ورقة أعطاها إياها"أتمنى أن تجدي .زوجا أفضل مني ..بان أنت طالق.
شعرت بالدوار و الظلمة تلف الكون, لم تسمع إلا صوت ارتطام الباب عندما أقفلته في وجهه,لم تحملها قدميها بكت بلوعة لأنها لم تحلم يوما بذلك,لكنها كانت تريد أن تنفصل عنه ,آه مابالها تلك المشاعر المتناقضة تصطرع في صدرها ,حاولت المشي فتعثرت,غسلت ألمها بماء الوضوء,وغسلت الصلاة كل أحزانها,بعد أن انتهت رفعت كفاها لسماء"إلهي فلتنتقم منهم ,يارب دمرهم كما دمروني ,يارب تعلم أني كنت مغلوبة على أمري...لم تستطع أن تكمل دعائها,شعرت بعبراتها تصطك بحلقها فتكاد تخنقها.أحست بيده تربت على كتفها بحنان"الله يعلم صدقك, فأنت أشرف منهم "رفعت رأسها لتر وجهه وللحية الخفيفة التي زينته:
-ماكنت أعلم ماذا سيحدث لي لو لم تكن إلى جانبي؟
انتبه للورقة التي إلى جانبه:
-أهذا ماجاء عماد من أجله ؟!
-نعم إنها ورقة طلاق.
-وغد.
-ومن يريد أن يتزوج بفتاة اعتقلت في سجون الاحتلال والحكومة.
ذلك اليوم خرج إياد قاصدا بيت عماد,لما قابله قال له بثقة"لم تكن هذه أخلاق الرجال..لكنك لست رجلا ..ولو كنت مكانك ..لما تركت أختك..لكنك لئيم"
كادت تفر من عينيها دمعة..انتبهت فهناك في الخلف من يراقبها,ويركز على أفعالها..
-أريد أن أبقى بمفردي.
-حسنا إني خارجة.
خرجت وأقفلت الباب وراءها, نبيل يصعد السلم حاملا الحقائب,قالت بصوت هامس:
-أبي إنها غريبة الأطوار,لقد وقفت أمام المرآة وكأنها تنظر لشئ ما!!
-إنها فقط متعبة.