ابراهيم الوراق
28-02-2008, 01:23 PM
عرس ملكوتي...!!!
طرقت عليها باب عرينها، أحمل إليها رسالة من قلبي، سمعت حسيسها وهي تنظر إلي من وراء الأحراج، تكلمني بكلام رقيق، ولحن شفيق، يُلْهِب نياط القلب، و يُغيب الإحساس، ويُفني الشهادة، عدت إلى الوراء، تذكرها يوم أن رأيتها بمحطة القطار، تركب أمواج السرعة، تتأبط دفعات الرياح، تذكرتها حين جلست إلى جنبي في عنان السماء، ورعد الطائرة يرسل أصواتا مجلجلة تمتص آذاننا، وتغتصب هدوء معراجنا، تذكرتها حين سألتني عن الحافلة التي ستسافر إلى فضاء جبل العلم لزيارة سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش، تذكرتها مترنحة في جذبة صوفية، تهذي بالألف الفاعلة، وشين الشهود، تستدبر الوجود في ومضة الحروف، وشعاع المعاني، وفيض المباني، تذكرتها تتدرج في بهاء رمزيتها ترومني، وتندفع بقوة ومضاتها تقودني،تذكرتها توحي إلي خطراتها أنها تختزلني من ذرات الوجود، وترسمني كتلة من الضباب المتجعد، تبث سمومها في خيالي، وتنكأ بقلبي شجاجا دامعة، ثوان معدودة، والعمر مريع، وضعت الرسالة بين يديها، أبلغتها بعجزي عن فهم موقعي في حضرتها، ودعتها لأنصرف من دائرتها، تبسمت بسمة خفيفة،ثم نادتني باسمي المستعار، قالت: لقد قرأت في السطر الأول، حبيبتي...!!! هل أنا حبيبتك...!!!؟؟؟ هل تحب أن تهيم على روابي العشاق...؟؟؟
انصهرت العينان في سكرهما السرمدي، واستسلمت القلوب لوابل النشوة الأبدي، جنود نظراتها الفاترة تخدرني، تنسيني أنني أسير حضرتها، لم أفهم من إمبراطورية مدلولاتها إلا إشارات تفضي بي إلى قاع غير ذي قرار، ورموزا تنسل من وراء من هذه الدوال، تملأ قلبي فيضا ونورا، لم أر نفسي موجودا بين الموجودات، بل في كوني طليق شريد، أو سراب نسمة تنفذ في أعماق الكون، وتهيم في مملكة الأرواح، فضاء بديع يرتسم على دلماء خيالي، وأفكار جميلة من الوجد تحييها في مقابر أوراقي، سكنت لها هزات روحي، وهمدت منها شرايين الدم في جسمي، وأنا انتظر ساعة الحسم، وأرقب عنفوان كلامها الجريء، سألتني عن العز الضائع بين ثنايا العمائم، والإباء التائه بين طوايا التمائم، سؤال كالصاعقة، لم أجد له جوابا، لم أع الموقف جيدا ، ولم أجدسوى صدى أفكار ترقص في قعر محبرتي، تتخيلني أمر بباروكة شعرها الفاحم، أراه منسرحا على جيدها، انحدر بهدوء إلى تفاصيل جسمها، وحين انعطف جنبا إلى مدار قوامها الممشوق، أرى ذلك الوجه الصبوح تتقاسمه ألوان ناصعة، وتخترقه أصناف عديدة من الفتنة، فهل سأطوي بكلماتي محاسنها، وأسرد بخفقاتي مظاهر جمالها...؟؟؟ لا أظن الأمر سهلا في ساعة يحتسي فيه فؤادي حشاشة روحي...
في هذه العرصة، وهي جالسة على كرسيها، تأمر بأوامرها الغرورة، والنهار قد ارتحل في عمق الوادي، والغروب قد ألقى ستر هموده على المكان، فاضت غروب الدموع، وتدفقت معنات الروح، أحاول أن أتفلت من يدها، تلتفت جهة اليمين والشمال، لم أعثر على بعد من أبعادي، أضع يدي بين يدي صور الكون المترائية لي، تدوسني بالهروب من بين عيني، فتتمدد أناملي حبائل للاستنجاد، وتنساب لمحات فكري تسكنه النصير والمعين، لم ألق أليفا في زمن تبلدت فيه نياط الحب في شبح الإنسان، آهٍ...!!! آهٍ...!!! لقدتركتني آهاتي لسطو حبالي، وضجيج مرافئي، أتلو سورة بعد سورة، أرددها مع الكون الهجين، أخال صوتي شعاعا ينطلق من أنانيتي، أقول: لن ارجع، وبين هذه العوادي، حضرة، سكر، فناء، صحو، استيقظ على أنس النسيم يعانق وشم قلبي في أفق الخيال، ويناجي في عيني بحور الآمال، وأنا بين يديها صريع تلهمني الأحداق في موكب الشموع، أرسف في غلي، أجر هَمّاً أصاب القلب بطعنة نجلاء، وأهان الروح بسهم مريش...تقول لي في صلف، توهمني بالخروج من الآسار، أتمنى أن لا تنسى انك أسير محظوظ...!!! صوب نظرك من وراء القضبان، وتأمل الوجوه الشاحبة، والهمم الكسلانة، وانظر إلى هذه الأوراق اليابسة بفلتات الخوالج الماجنة، والجذوع اليابسة من محل الأرواح الكاسدة، وابحث عن سبب خمودها في هذه الرحاب...!!! إنك أسير محظوظ، كررتُها على صدى نغمات الحزن المستشري في روحي منذ أول ولادة ولدتها في هذا الكون العجيب، ثم يهجم الرجاء، ويستسلم الرعديد، والقيان في رقص حفيف، والسكر البريء قد نال من لب النفوس ، شحوب وهزال، وسهر وضنى، وبثور من سوائم الماضي، ثم تجود بعفو الوصال الشفيف، فتمسكني مرة أخرى بهدب من خيالها، وتقتبستني في صور الوجود الواقفة بحضرتها، وكأنها تغمسني في أعباء الروح، و تدسني في أوحال الظل القادم من شظايا القلب الغريب، وفي صمت رهيب أقف في حضرتها خطيبا، أعب كؤوسا ثرة من الجنون، قلت لها: سيدتي تبحث عني بين دروب العدم، وحين صادفتني في مطرح النزف، جرتني إلى عالم طهرها الجميل، وآوتني إلى رفيف سدرة الخلد، سكرة، ونشوة، والأرواح تتلاصق، والجوارح تعف، والبسمات تتلاحم، وحين أدركتْ أنني غائب في حضرتها، سجنتني في زنزانة غرورها المتعمد، وضغطت على جرداء الأمل الجميل، جارتها الأقدار في استهزائها حين ساقت إلي بؤسا، وحملت إلي طقوس الشقاء...!!!فأنا استميحها على غفلتي، ولن ترى بعد اليوم مني إلا حضورا وفناء...!!!
وحي الملاك...!!!
أعيش في زنزانة من عاج، تقف سعتها كسم الخياط، وفضاؤها ملبد كالأفق الغائم، تجرفني فيها أفكاري بسيلها العنيد، توقفني في مباحث الهموم، ترطمني بصخور ضفتي الخيال، ترميني كالزبد على شاطئ الأمل، أواجه هديره كل صباح، تمور تيارات يمه الهادر، يصطادني فيه الغَرور، و يقتنصني فيه المارد الخدوع، يقول بلسانه الجهور، أمكث هنا منتظرا حتى تعود، وطنت نفسي على التجلد في مأساة التيه، أظنني سأعيش هنا أياما معدودات، استعددت للقائها بعد الرجوع، أنفث على صدري زفرات حرى، وأشدو في قفصي كالطائر الآمل للحرية، تنزوي بي الأيام إلى خال من السنين، أبحث عن سرداب يعيش في ركن قصي من مغارات البؤس، أجلس حانيا بآمالي، أواجه استنطاق مخافر الأحزان، و أجيب عن سؤال مخابر الآلام، تزمجر تجاربها من أعماق الزنازن، يخبرني عليل الروح عن الجرح الذي أهداه إليه هدوء الصحراء، وسكون الواحات، يكشف لي عن جدوال تسقيها غدران اليأس الهامي بلا انقطاع.... ينزح بي لاعجها إلى عرش مدفون في آجام القلب، انظر في عرسها الوهمي، أتذكر ربع الحبيب قبل أن يطل علي في صبحي رسوما وأطلال، وحين عادت من الميقات، أهانتني بالنسيان، وأهملتني للظنون، انظر في المرآة مرة أخرى، أراها تتدلى بين أطباق السماء، تشحذ عزمي بإكليل من النبض، تجلس جذلانة وراء الشباك، تنسبك في أصواتها أعاصير الأمل، تخرج ومضة من نافذة الأحلام، تكلمني المرآة بالإيماء، تلمسني بهدب من أناملها، ترسم على عنقي قبلة الوداع، فأغيب في مقام المحو والزوال، وأتشظى بين ذرات الفناء، أسبح في لجة الأشواق، وأهيم في نادي العشاق، تخاطبني بنفور يرِد علي بلهيب البلايا، وترمقني بعبارات تستفزني، ونظرات تبتلعني، ترشفتني كذرات الأوكسجين، رأيتها فراشة ترفرف حول الأرواح، وردة ترسل الشذى إلى الأكوان، ملهمة تلقي في قلبي صبرا وإيمانا، مربتة على جرحي براحة طرية، مشاهد يحنو بها قلبي في يوم البعاد، أسمع لها في صدري أنينا وزحيرا...
أقول لها: يا قمري التائه في رحبة فؤادي، يا ولوعة تشتاق عزف روحي، أنت سادية ترتوي منك الشهوة بلعاب الألم، ثم تضحك في غورها بصوت حفيف، ثم يسود المكان جو من الصمت الرهيب، و لحظات من الترقب المهين، ترفع رجليها تمشي على بساط بؤسي، في رقصة تتناسق فيها الأرداف، وتنسجم فيها مقاييس الفتنة، ذات سوية، ورقص مميل، و الكون يطلق صوتا نديا تحية للسيدة المصونة صاحبة هذا الفناء، موسيقى صامتة تداعب نسمات الليل، وحركات متغنجة تلتهم العقول، وبسمات خافتة تدور بين القلوب، وعيون فواتر ترنو إلى يوم اللقاء،
ويستمر الحفل ساعات، تحمله هبات الأثير صلاة على روح قيس وليلى، وقداسا على جسدي رميو وجوليت، يعمِّدان بأغنية الحب السجد في محراب العشق، ويجربان أذيال السراب في كنيسة المهد، مفاهيم مستعصية على الحل، وبكاء على الأجداث، وحين يربو خداعها، أتنهد بزفرة، أبكي بلوعة، أموت فجأة، أتأخر إلى الوراء لئلا أصير فحمة في ضغطة مغناطيسها الكهربائي، وصليل القيد يفسد سكون النشوة، ويعترض بيني وبين رؤية الألواح، لوحة كالفسيفساء، تدندن بانتهاء عهدي، وتبشرني بانتحار أحلامي، وعند هذه المنصة، وأنا اخرج ذرة من مسام القيد، استسلم لهذا الوجد الذي اصهرني علقمابين الصاب والعنب، واركع في منتجع كبرها مستعطفا بصدى ما تمليه علي لحظات الزمن المخبوء بين أدراج التاريخ القديم، انهدت آخر شرفة من هذا البناء، تخرج الطيور من أوكارها، والخيول من حظيرتها، والأسماك من سجنها، حرية حرية حرية، هذه أنشودة العهد القديم، ويتسلل خيط من رماد إلى رحابها ليعلن زمن التحرر، فهل سيستمر الحب...؟؟؟
أنشدت في مقامها،
هذه النافذة...تبتل بالندى كل صباح...بدونها لن أر الضوء...لن أر الكون رحيبا...لن أحس بأنني حزين...لن أسمد لصوت الطيور...تزقزق على المئذنة ...تلك الحبارى عنيدة... لاتفتر...تضمخ فضائي بالألم...تلبس المكان شجرة الحزن...تسقيها شلالات الهم...تغني معزوفة الأسف...مضرج بالصراخ بدونك يا نافذتي...جداول يابسة... يركض فيها الطفل...يرقص فيها الكناري...يشعر بالحنين... التاريخ يضمه...يد خشنة تدفعه...يعربد في الدروب...يشق جدار الحضرة...يرقص على نغم النسيان...ينتشي بغيبته...سكر يعيده إنسانا....يلحظ الكون هباء...يعود إلى أوكاره...يستعيد الذكرى...ينشد خلاص اليفوعة...يتمنى أن يعيش بحلم الطفولة...
طرقت عليها باب عرينها، أحمل إليها رسالة من قلبي، سمعت حسيسها وهي تنظر إلي من وراء الأحراج، تكلمني بكلام رقيق، ولحن شفيق، يُلْهِب نياط القلب، و يُغيب الإحساس، ويُفني الشهادة، عدت إلى الوراء، تذكرها يوم أن رأيتها بمحطة القطار، تركب أمواج السرعة، تتأبط دفعات الرياح، تذكرتها حين جلست إلى جنبي في عنان السماء، ورعد الطائرة يرسل أصواتا مجلجلة تمتص آذاننا، وتغتصب هدوء معراجنا، تذكرتها حين سألتني عن الحافلة التي ستسافر إلى فضاء جبل العلم لزيارة سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش، تذكرتها مترنحة في جذبة صوفية، تهذي بالألف الفاعلة، وشين الشهود، تستدبر الوجود في ومضة الحروف، وشعاع المعاني، وفيض المباني، تذكرتها تتدرج في بهاء رمزيتها ترومني، وتندفع بقوة ومضاتها تقودني،تذكرتها توحي إلي خطراتها أنها تختزلني من ذرات الوجود، وترسمني كتلة من الضباب المتجعد، تبث سمومها في خيالي، وتنكأ بقلبي شجاجا دامعة، ثوان معدودة، والعمر مريع، وضعت الرسالة بين يديها، أبلغتها بعجزي عن فهم موقعي في حضرتها، ودعتها لأنصرف من دائرتها، تبسمت بسمة خفيفة،ثم نادتني باسمي المستعار، قالت: لقد قرأت في السطر الأول، حبيبتي...!!! هل أنا حبيبتك...!!!؟؟؟ هل تحب أن تهيم على روابي العشاق...؟؟؟
انصهرت العينان في سكرهما السرمدي، واستسلمت القلوب لوابل النشوة الأبدي، جنود نظراتها الفاترة تخدرني، تنسيني أنني أسير حضرتها، لم أفهم من إمبراطورية مدلولاتها إلا إشارات تفضي بي إلى قاع غير ذي قرار، ورموزا تنسل من وراء من هذه الدوال، تملأ قلبي فيضا ونورا، لم أر نفسي موجودا بين الموجودات، بل في كوني طليق شريد، أو سراب نسمة تنفذ في أعماق الكون، وتهيم في مملكة الأرواح، فضاء بديع يرتسم على دلماء خيالي، وأفكار جميلة من الوجد تحييها في مقابر أوراقي، سكنت لها هزات روحي، وهمدت منها شرايين الدم في جسمي، وأنا انتظر ساعة الحسم، وأرقب عنفوان كلامها الجريء، سألتني عن العز الضائع بين ثنايا العمائم، والإباء التائه بين طوايا التمائم، سؤال كالصاعقة، لم أجد له جوابا، لم أع الموقف جيدا ، ولم أجدسوى صدى أفكار ترقص في قعر محبرتي، تتخيلني أمر بباروكة شعرها الفاحم، أراه منسرحا على جيدها، انحدر بهدوء إلى تفاصيل جسمها، وحين انعطف جنبا إلى مدار قوامها الممشوق، أرى ذلك الوجه الصبوح تتقاسمه ألوان ناصعة، وتخترقه أصناف عديدة من الفتنة، فهل سأطوي بكلماتي محاسنها، وأسرد بخفقاتي مظاهر جمالها...؟؟؟ لا أظن الأمر سهلا في ساعة يحتسي فيه فؤادي حشاشة روحي...
في هذه العرصة، وهي جالسة على كرسيها، تأمر بأوامرها الغرورة، والنهار قد ارتحل في عمق الوادي، والغروب قد ألقى ستر هموده على المكان، فاضت غروب الدموع، وتدفقت معنات الروح، أحاول أن أتفلت من يدها، تلتفت جهة اليمين والشمال، لم أعثر على بعد من أبعادي، أضع يدي بين يدي صور الكون المترائية لي، تدوسني بالهروب من بين عيني، فتتمدد أناملي حبائل للاستنجاد، وتنساب لمحات فكري تسكنه النصير والمعين، لم ألق أليفا في زمن تبلدت فيه نياط الحب في شبح الإنسان، آهٍ...!!! آهٍ...!!! لقدتركتني آهاتي لسطو حبالي، وضجيج مرافئي، أتلو سورة بعد سورة، أرددها مع الكون الهجين، أخال صوتي شعاعا ينطلق من أنانيتي، أقول: لن ارجع، وبين هذه العوادي، حضرة، سكر، فناء، صحو، استيقظ على أنس النسيم يعانق وشم قلبي في أفق الخيال، ويناجي في عيني بحور الآمال، وأنا بين يديها صريع تلهمني الأحداق في موكب الشموع، أرسف في غلي، أجر هَمّاً أصاب القلب بطعنة نجلاء، وأهان الروح بسهم مريش...تقول لي في صلف، توهمني بالخروج من الآسار، أتمنى أن لا تنسى انك أسير محظوظ...!!! صوب نظرك من وراء القضبان، وتأمل الوجوه الشاحبة، والهمم الكسلانة، وانظر إلى هذه الأوراق اليابسة بفلتات الخوالج الماجنة، والجذوع اليابسة من محل الأرواح الكاسدة، وابحث عن سبب خمودها في هذه الرحاب...!!! إنك أسير محظوظ، كررتُها على صدى نغمات الحزن المستشري في روحي منذ أول ولادة ولدتها في هذا الكون العجيب، ثم يهجم الرجاء، ويستسلم الرعديد، والقيان في رقص حفيف، والسكر البريء قد نال من لب النفوس ، شحوب وهزال، وسهر وضنى، وبثور من سوائم الماضي، ثم تجود بعفو الوصال الشفيف، فتمسكني مرة أخرى بهدب من خيالها، وتقتبستني في صور الوجود الواقفة بحضرتها، وكأنها تغمسني في أعباء الروح، و تدسني في أوحال الظل القادم من شظايا القلب الغريب، وفي صمت رهيب أقف في حضرتها خطيبا، أعب كؤوسا ثرة من الجنون، قلت لها: سيدتي تبحث عني بين دروب العدم، وحين صادفتني في مطرح النزف، جرتني إلى عالم طهرها الجميل، وآوتني إلى رفيف سدرة الخلد، سكرة، ونشوة، والأرواح تتلاصق، والجوارح تعف، والبسمات تتلاحم، وحين أدركتْ أنني غائب في حضرتها، سجنتني في زنزانة غرورها المتعمد، وضغطت على جرداء الأمل الجميل، جارتها الأقدار في استهزائها حين ساقت إلي بؤسا، وحملت إلي طقوس الشقاء...!!!فأنا استميحها على غفلتي، ولن ترى بعد اليوم مني إلا حضورا وفناء...!!!
وحي الملاك...!!!
أعيش في زنزانة من عاج، تقف سعتها كسم الخياط، وفضاؤها ملبد كالأفق الغائم، تجرفني فيها أفكاري بسيلها العنيد، توقفني في مباحث الهموم، ترطمني بصخور ضفتي الخيال، ترميني كالزبد على شاطئ الأمل، أواجه هديره كل صباح، تمور تيارات يمه الهادر، يصطادني فيه الغَرور، و يقتنصني فيه المارد الخدوع، يقول بلسانه الجهور، أمكث هنا منتظرا حتى تعود، وطنت نفسي على التجلد في مأساة التيه، أظنني سأعيش هنا أياما معدودات، استعددت للقائها بعد الرجوع، أنفث على صدري زفرات حرى، وأشدو في قفصي كالطائر الآمل للحرية، تنزوي بي الأيام إلى خال من السنين، أبحث عن سرداب يعيش في ركن قصي من مغارات البؤس، أجلس حانيا بآمالي، أواجه استنطاق مخافر الأحزان، و أجيب عن سؤال مخابر الآلام، تزمجر تجاربها من أعماق الزنازن، يخبرني عليل الروح عن الجرح الذي أهداه إليه هدوء الصحراء، وسكون الواحات، يكشف لي عن جدوال تسقيها غدران اليأس الهامي بلا انقطاع.... ينزح بي لاعجها إلى عرش مدفون في آجام القلب، انظر في عرسها الوهمي، أتذكر ربع الحبيب قبل أن يطل علي في صبحي رسوما وأطلال، وحين عادت من الميقات، أهانتني بالنسيان، وأهملتني للظنون، انظر في المرآة مرة أخرى، أراها تتدلى بين أطباق السماء، تشحذ عزمي بإكليل من النبض، تجلس جذلانة وراء الشباك، تنسبك في أصواتها أعاصير الأمل، تخرج ومضة من نافذة الأحلام، تكلمني المرآة بالإيماء، تلمسني بهدب من أناملها، ترسم على عنقي قبلة الوداع، فأغيب في مقام المحو والزوال، وأتشظى بين ذرات الفناء، أسبح في لجة الأشواق، وأهيم في نادي العشاق، تخاطبني بنفور يرِد علي بلهيب البلايا، وترمقني بعبارات تستفزني، ونظرات تبتلعني، ترشفتني كذرات الأوكسجين، رأيتها فراشة ترفرف حول الأرواح، وردة ترسل الشذى إلى الأكوان، ملهمة تلقي في قلبي صبرا وإيمانا، مربتة على جرحي براحة طرية، مشاهد يحنو بها قلبي في يوم البعاد، أسمع لها في صدري أنينا وزحيرا...
أقول لها: يا قمري التائه في رحبة فؤادي، يا ولوعة تشتاق عزف روحي، أنت سادية ترتوي منك الشهوة بلعاب الألم، ثم تضحك في غورها بصوت حفيف، ثم يسود المكان جو من الصمت الرهيب، و لحظات من الترقب المهين، ترفع رجليها تمشي على بساط بؤسي، في رقصة تتناسق فيها الأرداف، وتنسجم فيها مقاييس الفتنة، ذات سوية، ورقص مميل، و الكون يطلق صوتا نديا تحية للسيدة المصونة صاحبة هذا الفناء، موسيقى صامتة تداعب نسمات الليل، وحركات متغنجة تلتهم العقول، وبسمات خافتة تدور بين القلوب، وعيون فواتر ترنو إلى يوم اللقاء،
ويستمر الحفل ساعات، تحمله هبات الأثير صلاة على روح قيس وليلى، وقداسا على جسدي رميو وجوليت، يعمِّدان بأغنية الحب السجد في محراب العشق، ويجربان أذيال السراب في كنيسة المهد، مفاهيم مستعصية على الحل، وبكاء على الأجداث، وحين يربو خداعها، أتنهد بزفرة، أبكي بلوعة، أموت فجأة، أتأخر إلى الوراء لئلا أصير فحمة في ضغطة مغناطيسها الكهربائي، وصليل القيد يفسد سكون النشوة، ويعترض بيني وبين رؤية الألواح، لوحة كالفسيفساء، تدندن بانتهاء عهدي، وتبشرني بانتحار أحلامي، وعند هذه المنصة، وأنا اخرج ذرة من مسام القيد، استسلم لهذا الوجد الذي اصهرني علقمابين الصاب والعنب، واركع في منتجع كبرها مستعطفا بصدى ما تمليه علي لحظات الزمن المخبوء بين أدراج التاريخ القديم، انهدت آخر شرفة من هذا البناء، تخرج الطيور من أوكارها، والخيول من حظيرتها، والأسماك من سجنها، حرية حرية حرية، هذه أنشودة العهد القديم، ويتسلل خيط من رماد إلى رحابها ليعلن زمن التحرر، فهل سيستمر الحب...؟؟؟
أنشدت في مقامها،
هذه النافذة...تبتل بالندى كل صباح...بدونها لن أر الضوء...لن أر الكون رحيبا...لن أحس بأنني حزين...لن أسمد لصوت الطيور...تزقزق على المئذنة ...تلك الحبارى عنيدة... لاتفتر...تضمخ فضائي بالألم...تلبس المكان شجرة الحزن...تسقيها شلالات الهم...تغني معزوفة الأسف...مضرج بالصراخ بدونك يا نافذتي...جداول يابسة... يركض فيها الطفل...يرقص فيها الكناري...يشعر بالحنين... التاريخ يضمه...يد خشنة تدفعه...يعربد في الدروب...يشق جدار الحضرة...يرقص على نغم النسيان...ينتشي بغيبته...سكر يعيده إنسانا....يلحظ الكون هباء...يعود إلى أوكاره...يستعيد الذكرى...ينشد خلاص اليفوعة...يتمنى أن يعيش بحلم الطفولة...