مشاهدة النسخة كاملة : يوم من أيام فاطنة (5-6-7-8-9-10)
هشام آدم
18-03-2008, 12:42 PM
يوم من أيام فاطنة
(الحلقة الخامسة)
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
ترتدي الحاجة فاطنة ثوبها الأسود المنقط بدوائر بيضاء صغيرة، وتبحث تحت لحاف السرير عن محفظتها اليدوية. تقف أمام مرآة الكومدينو، وتضفي بعض اللمسات الأخيرة على شعرها كي لا يظهر من تحت الثوب المنسدل على رأسها. تضع المشط جانباً ثم تخرج أسوارها الذهبية الثمانية من علبة كريم "بِرِيل" قديمة، تضعها على ساعديها بالتساوي أربعة أسوار في كل ساعد، ثم تفتح إحدى أدراج الكومدينو لتخرج طرحة قديمة بلون غامق مربوطة بعقدة سميكة، تفتح العقدة بعناية وتضع قاعدة القماشة على كفها الأيسر وتُبعد العقدة بيدها اليمنى، مجموعة من الأقراط والخواتم الذهبية من بينها خاتم جنيه وسوار ثعبان و"احفظ مالك"*، تحتفظ بها الحاجة فاطنة في قلب الطرحة القديمة. تُخرج خاتم الجنية وتعيد عقد الطرحة مرةً أخرى. تفتح شنطتها اليدوية لتجدها خاوية إلاّ من بعض الجنيهات المقطوعة، ودبوس شعر، وروشتة قديمة، وعلبة إسبرين بها حبتين فقط. تنتقل إلى الدولاب وتفتح الضرفة الخاصة بها، مجموعة من الثياب على إحدى الأرفف وتحت الثياب ورقة جريدة مفروشة، ترفع الحاج فاطنة الثياب والجريدة لتجد مجموعة من الأوراق المالية فئة الخمسمائة جنيه، تأخذها وتضعها في الشنطة.
تخرج من غرفة النوم بعد أن ارتدت حذاءها "دكتور شول*" الأسود، والحاجة فاطنة لا تزال تتذكر ذلك اليوم الذي اشترى فيه عوض الزين "دكتور شول" لها وهما في مِصر لتلِد وجدي هناك بطلبٍ من "مَلْكَة" خالة الزين التي انتقلت مع ابنتها ابتسام لتدرس الجامعة هناك. وكلما رأت "دكتور شول" تذكرت قاهرة المُعِز، وحواري إمبابة الضيّقة، وبيوت شُبرا الُموحية بالدفء، وأصوات الباعة ورنين أجراس الدراجات، وطقطقت الرجال وهم يلعبون "عشرة طاولة" في "قهوة السماحي" وعبد الحليم حافظ من مسجّل نفس القهوة، وأصوات كثيرة تتذكرها الحاجة فاطنة كلّما ارتدت "دكتور شول": أصوات النساء والرجال والأطفال وسنابك خيل الحناطير، أبواق التكاسي "العباسية - مصر الجديدة" بائعة الكوشري وهي تنادي "أرّب ع الكوشري اللي هُوّا"، سوق الأناتيك والمشربية "صباحَك فُل يا باشا، صباحِك إشطة يا هانم"، والنساء الواقفات على البلكونات وأحاديث الهواء الطلق أمام الناس وأصوات العابرين. وصوت تنفيض الغبار عن السجاديد بالمنفضة الخُوص، رائحة عِرق السوس، وشَعر البنات، وكُوز الضُرة، ضريح السيدة زينب، وميدان التحرير، والشمس التي لا تحرق بقدر ما تُداعب الوجوه والأسحنة، صوت الطُروماي والبيانولا. كل هذه الذكريات التي ما زال "دكتور شول" يحتفظ بها في ورقة صغيرة مكتوب عليها "صُنع في مصر".
تخرج الحاجة فاطنة بعد أن وضعت قليلاً من المحلبية* في باطن قدمها لتضفي لمعة على الحناء التي في قدميها، لزوم إخفاء الشقوق. تتأبط الحاجة فاطنة شنطتها اليدوية، وتتفحص أركان البيت قبل أن تُغادر، تصيح وهي في المطبخ:
* يا وجدي، الغدا في المطبخ .. كان أخوانك جُو*.
تمد رأسها على الغرفة التي بها وجدي، لتجده غارقاً في النوم، فتخرج في صمت، تقف في وسط الحوش وتنادي على جارتها عزيزة لترافقها:
- يالله يالله أنا مارقة.
وتتجه إلى باب المنزل. الشارع كالعادة في مثل هذا الوقت، يعج بالعابرين، النساء اللواتي يحملن القُفف متجهات إلى سوق الخُضار، سيدة عائدة من سوق الفحم الذي يبعد شارعين عن بيت الحاجة فاطنة، مدرسة البنات الابتدائية على ناصية الشارع، ثلاث أولاد وبنتين يلعبون السِيجا أمام بيت هَمّد النَظُورجي، أصوات أطفال آخرين في الجانب القصي من الميدان تتعالى: "سَكّج .. بَكّج .. سَكّج .. بَكّج*". وشجرة نَبَق* كبيرة تتدلى من بيت فريال الحنّانة تاركةً ظلاً ينام تحته كلبٌ عجوز بجوار مزيرة* قديمة. السماء مُلبّدة بالغيوم، تنظر الحاجة فاطنة إلى السماء وتغمغم "الله يستر" تخرج عزيزة بنت مريوم وينطلقان سوياً.
في الجامع يقف الشيخ عبد القيوم بعد صلاة العصر، يتلو بعض الأذكار والدعوات بأن يُخفف الله فيضان هذا العام، ويؤمّن المصلون من ورائه ثم يختم حديثه بأنه عليهم ألا ينتظروا دعم الحكومة التي لم تُرسل حتى الآن ولا شوّال رمل واحد، بل لم تمر سيارة حكومية بشارع الحي منذ فجر اليوم. أحدهم قام وقال:
* يا جماعة لازم نشوف لينا حل غير موضوع الشواويل دي. الشواويل دي زي الغربال جوّاها رمل يعني ممكن الموية تخش فيها وتمرق من الناحية التانية. أنا بقول لو نشوف لينا زنكي ولا خشب ولا أي حاجة تانية.
وبدأ رجال الحي يتداولون هذا الموضوع، وكل واحدٍ فيهم يدلي بدلوه فيه وأرغوا وأزبدوا. وكان عوض الزين في هذا كله مستمعاً جيّداً، فهو ينصت حتى إذا قرّر الجميع أمراً، كان أول المبادرين. في هذه الأثناء كان "مُزمل" ولد عوض الزين، قد عاد إلى المنزل حاملاً مسّجلاً في يده، ليجد المنزل خالياً إلى من وجدي وقطته التي فضلّت النوم تحت شجرة الحناء.
دخل غرفته وحمل بعض الملابس ثم أتجه إلى الحمام، وضع الثياب ثم بدأ بتنظيف حوض الحمام من الماء المتسخ، وبعد أن أكمل حمامه دخل المطبخ وتناول غداءه فيه. ثم جلس في الفرندة ووضع جهاز التسجيل أمامه وبدأ في فكّه وإصلاحه. مُزمل الذي التحق بالمعهد الفني منذ سنتين يعشق فك وتصليح الأدوات الكهربائية. يُحضر معه بعض الأدوات ليقوم بإصلاحها في المنزل مقابل أجر رمزي. كما أن أهل الحي بلا استثناء رجالاً ونساءً يحضرون له أدواتهم المُعطّلة ليصلحها لهم: مكوة، مسجل، فيديو، تلفزيون، ووكمان. حتى أن الحاج "عبد المطلب" أحضر له في مرّة ساعة منبه جلبها مع من أرض الحجاز عندما ذهب إلى هناك للحج. وميزة هذه الساعة المنبهة أنها تؤذن وقت صلاة الفجر، ولكنها تعطلّت فجأة بعدما وقعت منه على الأرض، ولم تعد تؤذن عند صلاة الفجر كعادتها. فقام مُزمّل بإصلاحها وأعادها له. وفي اليوم التالي، جاء الحاج عبد المطلب، يشكو من أن صوت المؤذن في الساعة لم يعد جميلاً مثلما كان سابقاً، فقال له عوض الزين مُداعباً:
* بيكون وجدي ختّ* ليك مؤذن سوداني بدل المؤذن السعودي يا عبد المطلب.
بعض سكان الحي ينادي مُزمّل بالـ( باشمهندس ). وهو نسخة بالكربون من أبيه حتى في طِباعه، على عكس إخوته الذين أخذوا الكثير من أُمهم الحاجة فاطنة.
______________
الهوامش:
* احفظ مالك: هو نوع من الأساور الذهبية غالية الثمن، وتسمى أحفظ مالك لأنها عندما تباع، فإنها تباع بنفس قيمتها، وبذلك لا تضيع قيمتها.
* دكتور شول: هو نوع من الصنادل أو "شبشب" نسائي كان يأتي من مصر ويباع في السودان، كانت النساء السودانيات في فترة زمنية ما يستخدمنه بكثرة لأنه مريح في اللبس وعملي جداً.
* المحلبية: زيت عطري نسائي تستخدمه النساء مع الحناء لتثيبت اللون .. غالبية النساء يمسحن ما تبقى في أيديهن من زيت في مسح أطرافهن.
* جُو : أي أتوا أو حضروا وهو من الفعل ( جاء )
* سكّج بكّج : لعبة يلعبها أطفال السودان، عبارة عن عصا صغيرة توضع في حفرة يحفرها الأطفال في الأرض بصورة عامودية مع إمالة العصا إلى جانب ما .. يقف أحد الصبية وبيده عصا أطول ، ويقول "سكج بكج .. سكج بكج" ثم يضرب العصا الصغير التي في الحفرة بالعصا التي معه فتقفز ، وعندما تقفز إلى الأعلى يضربها بالعصا التي معه ويرمي بها بعيداً .. ( هذه اللعبة أشبه بلعبة الكراكيت تقريباً ) وهي من الألعاب الشعبية القديمة التي اندثرت الآن.
* النبق : ثمر حلو المذاق .. يسميه الخليجيون بالعِبري
* مزيرة: هو مجمع للأزيار .. ومفرده زير.
* ختّ : أي وضع
هشام آدم
18-03-2008, 12:54 PM
يوم من أيام فاطنة
( الحلقة السادسة )
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
في الجانب الآخر يخرج الرجال من الجامع متجهين صوب البحر، يحملون أدواتهم وقد اتفقوا على جمع ما يتيّسر لهم من شواويل وأكياس، ومن ثمّ يعبئونها بالرمل. وقف عوض الزين وخلع جلابيته البنية وعلّقها على شجرة شوكية قريبة، أوثق ربط التِكّة* ثم نزل إلى القيف حاملاً جرّافته وبدأ في العمل بكُل جِد. دبّت الحركة والنشاط في تلك المنطقة، وهناك بعض الأطفال الذين جنّدهم آبائهم لخدمة الرجال العاملين في المتراس فقد قام بعضهم بإحضار حافظات المياه الباردة، ويقوم هؤلاء الأطفال بإمداد الرجال بالماء عند الطلب. وكلّما فرغت حافظة أسرع أحدهم لملئها مرةً أخرى من أقرب منزل. ساهم سُكان الحي بما يستطيعون فمن استطاع جلب شواويل، فعل. وبعضهم جلب أكياس ضخمة، وبعضهم لم يجد إلاّ أكياس المخدات، بينما جلب البعض الآخر قطع قماش كبيرة. استمر العمل في بناء المتراس حتى بعد المغرب. حتى أصيب الرجال بالإنهاك والتعب. فقرروا العودة وإكمال العمل غداً صباحاً.
كان عوض الزين ذو الجسم النحيل، قد أصابه ما أصابه من إرهاق وتعب، وبرزت عروقه الخضراء في ساعديه وجبينه. كان العرق يتصبب منه بغزارة، فوضع جلابيته على كتفه واتجه إلى البيت ممسكاً حذاءه بيده بعد أن اتسخ بالطين. جرّ عوض الزين سلك باب منزله، ليجد مُزّمل وأخاه إبراهيم قد أخرجا السرائر إلى الحوش، وما أن شاهداه حتى نهضا جالسين. سلّم عليهما ثمّ سأل عن "الصادق" فأخبراه أنه جاء وخرج إلى الفرن. أعطى جلابيته إلى إبراهيم لكي يُعلّقها على حمار ملابس غرفة نومه، ورمى بحذائه جوار شجرة الحناء، حمل البنبر ودخل الحمام حتى يُزيل ما علق بقدميه من طين:
- يآبا* .. أجيب ليك صابون؟
* هنا في صابون.
- دي بروة* يابوي. أجيب ليك واحدة كاملة؟
* لا لا .. دي كفاية. ... إنتَ أُمك لسه* ما جات؟
- لا لسه ما جات.
صمت عوض الزين وهو منهمك في غسيل قدميه بعناية، ثم خرج ليجلس إلى أقرب سرير في الحوش. كان إبراهيم في هذه الأثناء قد عاد بعد أن علّق جلابية والده.
* وإنت يا إبراهيم ما مشيت مع أخوك الصادق ليه؟
- هو قال حيمشي بالعَجَلة* وحيجي راجع سريع.
* صليتو المغرب ؟
( كلهم بصوتٍ واحد )
- آآآي.
* وين وجدي؟ لسه نايم؟
- وجدي عند الجيران.
* أمشي ناديهو يا إبراهيم، قول ليهو أبوك دايرك.
وبينما انطلق إبراهيم إلى باب المنزل، نهض عوض الزين متكئاً على كتف مزمل قائلاً له:
- تعال يا مُزمّل شوف لي الرادي* ده مالو، صوتو بيشخشخ.
جلس عوض الزين وابنه مزمل في الحوش بعد أن نزع مزمل غطاء مذياع والده العتيق، وبدأ بتفحص أجزاءه الداخلية وهو يقول:
- إنتا يا أبوي، الرادي ده ما بقى قديم، اشتري ليك واحد جديد.
* آ ولدي الرادي ده بتاع جِدّك
- أوكي .. ما تبيعو، سيبو واشتري واحد تاني
* إنتا بس قول ما بتعرف تصلّحو بس. خلي الحركات بتاعتك دي. مُش كفاية خرّبتَ النبّاه* بتاع عمّك الحاج عبد المُطلّب؟
يضحك مزمّل وهو يقول:
- والله عشان كلامك ده ياأبوي أنا أخرّبو ليك، أخليهو ما يتكلّم زاتو*.
يضحك الجميع. ويتمدد عوض الزين على السرير، بينما ينهمك مُزمّل في إصلاح المذياع. يرفع عوض الزين رأسه إلى السماء وهي مُلبّدة بالغيوم وضوء طيّارة يبدو من بعيد.
* آآآآخ يا ولدي، عارف أول مرّة ركبت فيها الطيّارة أنا وأُمّك كان متين*؟
- متين؟
* قبل 17 سنة لمّا مشينا مصر لي حبوبتك* مَلْكة إنتا كان عندك أربع سنوات وكتها. حبوبتك حلفت علي ستين يمين إلاّ نجي مصر علشان أُمك تلِد هناك.
- والله يا أبوي أنا ما متزكر حاجة كولو كولو*... إنتو ما قعدتو هناك كتير ... مُش؟
* لا .. لا .. رجعنا بعد الأربعين* طوالي. لكين اللي قال إنو مصر أُم الدنيا ما كضّب*. ده حتّى النيل بتاعا ما زي نيلنا ده. ما عارف ليه أنحنا بس اللي خريفنا ده بيهيّج النيل.
- بيكون عشان السد العالي يا أبوي.
( مُقاطعاً له )
* بسسسسس، أيوا كده.. كده يا دووب* صوت الرادي بقا واضح، الله يديك العافية.
- بس علشان تعرف ولدك ده بمشهندس قدر الدنيا. إنتا داير ليك سلك كهربا يا أبوي، الرادي ده ما بنفع معاهو حُجار البطارية.
* حسي إنتا بتفهم أكتر من الخوّاجات؟ وبعدين هي وينا الكهربا زاتا؟ خادم الفكِي* مجبور على الصلاة. كدي بس شوف لي إذاعة أمدرمان.
في هذه الأثناء يدخل إبراهيم وأخوه وجدي، يجلس وجدي بجوار والده المُمدد على السرير، بينما جلس إبراهيم بجوار مُزمّل. ينحني وجدي على أبيه ويقبّله في رأسه. يدفعه عوض الزين برفق ويلكزه في كتفه: ( يا بكّاش .. يا أونطجي ) جلس الجميع يتسامرون ويضحكون على نور حوش جارتهم عزيزة المُنعكس عليهم، إذ لم يكن لديهم نور في الحوش. وكان عوض الزين كلّما سنحت له الفرصة يُحدث أبنائه عن مِصر وجمال مِصر، وطيبة أهلها، وكان يُحدثهم كثيراً عن خالته مَلْكة كثيراً ويحكي لهم كيف أنها كانت تُحبه وكأنه ابنها. وكيف أنها توسلّت إلى أمه "وقية" كي تسمح لها بتربيته في بيتها مع ابنتها الوحيدة "ابتسام". وكيف أنها - عندما كان صغيراً - مزّقت ثيابها لتسد به جرحه عندما وقع عن ظهر الحِمار وسقط على فخذه فوق زجاجة مسكورة، ما زال أثر الجُرح في فخذ عوض الزين ظاهراً حتى اليوم.
وبينما كان عوض الزين يُحدث أبنائه مّزمل وإبراهيم ووجدي عن ذكرياته مع فاطنة في مصر وعن ذكريات طفولته، انسحب سلك الباب، فُتح قليلاً ثم ظهرت دراجة ثم دخل الصادق ممسكاً بالدرّاجة من الخلف، وفي يده الأخرى سَبَت* بلاستيكي وضع فيه الخبز. سلّم الصادق على الجميع، أغلق الباب وراءه، أرخى دراجته على الجدار، وتقدّم إلى مصطبة* الفرندة ووضع سبت الخبز عليها وسحب بنبراً وجلس عليه.
- كيفك يا أبوي.
* الحمُد لي الله .. جبت العيش؟
- آآي ..
* الله يديك العافية يا ولدي.
- الله يعافيك يآبا . . . شنو؟ سامع ناس الحِلّة بيتكلموا قالوا دايرين تعلموا ترس للبحر.
* آآي .. اشتغلنا فيهو الليلة وبكرة إن شاء الله حنكمّل.
- يآبا عليك الله* إنتَ بتجي من الشُغل تعبان، خلي واحد من الأولاد ديل يمشي يشتغل مع الرجال. وأنا والله لو ما الامتحانات بتاعتي دي كان نزلت معاهم كمان.
* ليه؟ وأنا مالي، مكسّح*؟ ياود إنتا قايل أبوك ده عجّز وله شنو؟
- لا بس قُلتا ...
قاطعة الزين:
* ياولدي العندو في البحر لازم يشتغِل فيهو*. بُكرة البحر ده كان رَمَح* بيشيلنا كُلنا.
__________________
الهوامش:
* التِكّة : حبل قماشي يربطه الرجال على السراويل
* يآبا: بمعنى ( يا أبي ) أو ( أبي )
* بروة : الصابون عندما يوشك على الانتهاء فيكون صغيراً جداً
* لسه : أي ( ليس بعد ) وتنطقها بعض القبائل بحرف العين ( لسع )
* العَجَلَة : هي الدراجة
* الرادي: هو الراديو .. ويحذف بعض السودانيون الواو للتخفيف
* النبّاه : أي المنبه وهو يقصد بها ( الساعة المنبه )
* زاتو : هنا يقصد بها ( أبداً )
* متين : أي ( متى )
* حبوبتك : الحبوبة هي الجدّة .. وفي السودان يعتبرون خال أو خالة أحد الوالدين بمثابة الجد أو الجدة
* كولو كولو : بمعنى ( بتاتاً البتة ) وقد تكتب هكذا ( كلّه كلّه )
* الأربعين : هي عدّة النفساء
* كَضّب : أيّ كذّب .. والكِضب هو ( الكَذِب )
* يادوب : بمعنى ( الآن فقط ) أو ( للتو ) وبعض القبائل تنطقها ( ياداب)
* الفَكِي : هو الشيخ أو الإمام (خادم الفكي مجبور على الصلاة) مثل يُضرب عندما تضطر إلى فعل وأنت مجبر أو مكره بدافع أقوى منك.
* سَبَت : شيء مثل الكيس ولكنه من البلاستيك
* مصطبة : هي العتبة المرتفعة
* عليك الله : بمعنى ( استحلفك بالله )
* مكسّح : أي مُعاق أو مُقعد من ( الكُساح )
* العندو في البحر: الجملة بمعنى ( المتضرر من البحر ) وتستخدم هذه الصيغة بمعنى ( أن المتضرر من الشيء هو من يتوجب عليه أن يفعل شيئاً ) وهي تقابل المثل المصري ( اليدو في الموية )
* رَمَحَ : أي فاض
سحر الليالي
19-03-2008, 01:13 AM
جميل جميل يا [ هشام] ..اكمل فـ قلة هم من يكتبون بــ هكذا شفافية !
وإني هنا من المتابعين .
دمت بـ كل الخير
لك تقديري وتراتيل ورد
هشام آدم
19-03-2008, 10:54 AM
الأخت : سحر الليالي
لك التحية على المتابعة ، ونحن نوشك أن نصل إلى نهاية هذه القصة
أتمنى أن تنالي المتعة القرائية التي تنشدينها هنا ، وحتى آخر الحلقات
لك مني كل الود والتقدير
هشام آدم
19-03-2008, 11:10 AM
يوم من أيام فاطنة
( الحلقة السابعة )
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
أحس الجميع وهم في سمرهم هذا برذاذ يُعلن عن مطرٍ قادم فنهضوا. قام عوض الزين - الذي كان مُمدداً على ظهره - مُتثاقلاً وهو يقول:
* شكلو* في مطَرَة قوية جاية.
حمل مُزمّل مذياع والده ووضعه فوق الشفانيرة في الركن القصي من الفرندة ثم عاد إلى الحوش، ليحمل مع بقية اخوته لحافات* الأسِرّة. بينما حمل وجدي سَبَت العيش* ودخل به مُسرعاً إلى المطبخ. وقف عوض الزين داخل الفرندة وهو ينظر إلى أولاده وهم يحملون الفُرش تارةً، وإلى باب المنزل تارةً أخرى. لقد كان قلبُه مُعلّقاً على رتاج الباب. كان يُفكر في الحاجة فاطنة التي لم تعد حتى الآن. انتبه الصادق إلى ذلك فسأل والده:
- مالك يآبا؟
* شكلو حنصلي العِشا في البيت.
قبل ساعة من ذلك، كانت الحاجة فاطنة في بيت محاسن بت المبروك ومعها جارتها عزيزة تجلسان بجوار بعضهما في مرتبة وضعت على الأرض، بينما ترقد محاسن على سريرها، ومجموعة من النساء في أرجاء الغرفة. بخور التيمان* يملأ أرجاء المكان حتى بهتت إضاءة الغرفة كثيراً، بعضهن انصرفن في الحديث عن سعر الذهب الذي غلا فجأةً بعد حرب الخليج، وأُخريات يتحدثن عن تغيّر "شروق" بعد عودتها من دبي، فهي أول مرة تخرج فيها من البلد، بعد أن تزوجت من أحد المغتربين العاملين هناك، وكيف أنها أصبحت تزدري الناس، ولا تُحب الحديث مع نساء الحِلّة، والذهب الذي رأتهُ لأول مرة في حياتها أصبح ساعداها ينوءان به من كثرته، وكيف أن وزنها قد زاد عمّا كان عليه قبل سفرها، وكان النسوة يتحدثن عما صرّحت به "شروق" نفسها عن نيتها استئجار منزل في امتداد ناصر5:
* عاد لاكين* كان شُفتي* شروق بعد جات راجعة؟
- آآآي .. عاد ما لاكين المَرَة نِظفَت جِنِس* نظافة!
* نظافة شنو يا بت أمي9، دي كريمات سااااااي. ما شفتي الدهب* الفي يدينا؟ ولا الكٍردان الفي صدُرَا، إن شاء الله دهب الرماد يا يُمّا*.
- جم! هو كان شُفتي التياب الجابتا معاها ، كان تستغربي. جاكوار شنو، ومرسيدس شنو، وتايتنك شنو*...
* هو أصلو راجِلا ده لمّا فيها وين*؟ ما قالوا كان مغترب ليهو حداشر سنة!!
- بَرِي* .. ما عارفة. لاكين بيقولوا شافا في شريط عِرس*. عاد إنتي غبيانة* عن المُغتربين ديل؟
* هو عِرس منو لاكين يا ربي؟
- بيكون عِرس ناس الرضيّة، ما تتزكري. شروق كانت حااااااااضرة.
* عاد لاكين ما طِغّت* وشافت رُوحا*. فوق شنو* ما تعرفي. بقت زي "ود دبرك*" ما بتقعُد في الواطا*
- آآي لاكين ما عملت ليها جضيمات* تحلفي تقولي لِقيمات*!
* ووب علينا* أنحنا ديل!!
وبعض النسوة جلسن صامتات لا يُشاركن في أي حديث، مثل الحاجة فاطنة التي كانت تكتفي ببعض الجُمل المُقتضبة عن تربية الأولاد وصعوبته، والخريف واستعداداته. امرأة واحدة فقط كانت تجلس بجوار محاسن في سريرها المفروش بملاية وردية مُزركشة بالمُخمل، هي "فوزية العطّار" جارة محاسن وزوجة أخيها في ذات الوقت. كانت تجلس بجوارها ممسكة بيدها، وتُمدها بأوراق مناديل الكيلنيكس كلما شعرت أنها بحاجة إليها، بينما كانت عزيزة تتحدث مع أخريات يجلسن إلى جوارها عن "تماضر" كيف بدت في حفل زفافها، وكيف أن الحِنّة التي كانت تضعها على يدها قدّ أخفت تلك الوحمة، وكيف أن مكياجها قد غيّر الكثير من ملامحها، وفستان زفافها "السَمَكَة" المُزركش بالتِرتِر، والذي كلّف الشيء الفلاني. وفجأة تلكز الحاجة فاطنة جارتها عزيزة وتهمس لها:
- مش نقوم؟
* آآي والله، أنحنا اتأخرنا شديد.
- أَرَح*!!
تقف الحاجة فاطنة معتمدة على يديها ترفع مؤخرتها أولاً ثم تستقيم في وقفتها، تلتفت إلى محاسن التي كانت تتكلم سراً مع فوزية، فتقول لها:
- أها يا محاسن يا أختي، إن شاء الله بالعوض اللي يِفرِّح وما يترِّح*.
* شنو يا جماعة، ما لسّة بدري.
- بدري وين يا بت أمي، إنتي ماك عارفة المشوار جبّدة* كيفن*؟ يالله بس نلقى مواصلات.
* والله بدري يا حاجة فاطنة، ياخي ما تقعدو تتعشّوا معانا عليكم الله.
- إنشاء الله مرّة تانية.
* والله ما قصّرتو. الله يديكم العافية.
- الله يعافيكِ يا بت أمي. .. أها عوّافي
* الله يعافيكِ.
تغادر الحاجة فاطنة وبرفقتها عزيزة، وما تزال بعض النسوة منهمكات في أحاديثهن الجانبية. تمر الحاجة فاطنة في طريقها إلى الباب بالفرندة حيث يتمدد "إلياس" زوج محاسن بجواره طاولة صغيرة عليها حُقّة تُمباك* وبجانبه علبة نيدو مملوءة بالرمل:
* أها، نفوتكم بي عافية يا حاج إلياس، معوّضين إن شاء الله.
ينهض "إلياس" الذي لم يكن منتبهاً:
- شنو ياجماعة، ما لسّة بدري
يمد "إلياس" يده للمصافحة، فتلف الحاجة فاطنة كفّها بطرف ثوبها وتصافحه
* يادوب نِلحّق على المواصلات.
- ما بتقصّروا والله. كيف أخونا عوض الزين؟
* بي خير والله.
- بالله بلّغيهو تحياتنا.
* يوصل إن شاء الله.
تخرج الحاجة فاطنة وعزيزة إلى الشارع ويقطعان مسافة طويلة مشياً على الأقدام حتى وصلتا إلى الشارع الرئيسي. تقف الحاجة فاطنة وهي تنظر عبّر الشارع، لا توجد سيارة عابرة في مثل هذا الوقت. بدأت الحاجة فاطنة وعزيزة تتحدثان عمّا دار في بيت محاسن من أحداث وأحاديث متفرقة. وفي تلك الأثناء بدأت الحاجة فاطنة تشعر بقطرات المطر وهي تتساقط على وجهها.
- سجمنا يا عزيزة، الدُنيا بقت تمّطر.
* تمطّر؟ ( مدّت يدها لتختبر المطر ) آآي والله بقِت تمطّر.
- يا الله الزين بيكون رجع وله لسّه؟
* يتهيأ لي الرُجال ديل بيكونوا انتهوا من المُتراس ده من بدري؟
- سجمي . . . والأولاد؟
* يا زولة ما تشفقي*. إن شاء الله كلّهم بي خير. المهم المطرة الطاقّة* فوقنا دي، وأنحنا في نُص الشارع. كافي البلى لا مضلة لا راكوبة شان الواحد يضّارى* بيها.
______________
الهوامش:
* شكلو : بمعنى ( يبدو )
* لحافات : اللحاف هو المرتبة التي توضع فوق السرير
* العيش : هو الخبز
* بخور التيمان: نوع من البخور تعتقد به نساء السودان بأنه يزيل العين والحسد
* امتداد ناصر: من الأحياء الراقية في الخرطوم
* عاد لاكين : لاكين هنا بمعنى (لكن) و(عاد لكن) تأتي بمعنى ( أما وإن ... ) أو ( لو .... )
* شُفتي: من الشوف وهو الرؤية والمعنى ( لو رأيتِ ..... )
* جِنِس : نقول ( نظيفة جنس نظافة ) ( جميلة جنس جمال ) ( طويلة جنس طول ) وهو للتوكيد فقط
* بت أمي: كلمة تستخدمها النساء مع بعضهن .. وهي تريد بها أن تقول ( يا أختي ) وبالتأكيد فلا يُشترط أن تكون ثمة صلة قرابة بينهما
* الدهب : هو الذهب
* دهب الرماد يا يٌمّا : هي تدعو عليها ألا تنتفع بذهبها ، وأن يتحول ذهبها إلى رماد.
* الجاكور والمرسيدس والتايتنك: هي موديلات ثياب سودانية (للنساء)
* لمّا فيها وين: بمعنى أين عثر عليها .. أو أين رأها ..
* بَري : كلمة تقولها النساء دائماً .. وهي تأتي بمعنى استنكاري .. فتقول ( هل رأيتِ فلان؟ ) فتجيب الأخرى ( بَري ) أي : لا لم أره .. وهي تقصد به الاستنكار عن ( كيف لي أن أراه! )
* عِرس : العرس في اللهجة السودانية المحكية بكسر العين والراء وليس كما في باقي البلدان العربية. حفل الزواج ، ويقوم السودانيون بتصور حفلات الزفاف على شريط فيديو ويتم تناقله بين أبناء المنطقة الواحدة ... ( بعض المغتربين يعتمدون في اختيارهم لزوجاتهم على ما يرونه من فتيات في هذه الحفلات وخصوصاً أولئك الذين لم يزوروا السودان منذ فترة طويلة )
* غبيانة : أي مغيّبة أو لا علم لها بـ......
* طِغت: أي تكبّرت وهي مشتقة من الفعل الثلاثي (طغى) أيّ تكبّر وتجبّر
* شافت روحا : تعطي نفس معنى ( تكبرت ) ولكنها تعطي معنى (زادت عجباً بنفسها) ونقول (شايف روحو) أيّ (ازداد عجباً بنفسه) والروح هنا مقصود بها النفس.
* فوق شنو: سؤال استنكاري معناه ( على ماذا ؟ ) أو ( على أي شيء؟ ) والمعنى على ماذا تتكبر هذه السيدة؟
* ود دبرك: حيوان معروف بسرعته ويُقال أنه (ابن عرس)
* الواطا : أي الأرض وتكتب في أحيانٍ كثيرة بالهاء المربوطة هكذا (الواطه)
* جضيمات: وأحياناً (جضوم) وهي الخدود إذا اكتنزت وانتفخت
* لقيمات : هي اللقمة ( لقمة القاضي )
* ووب علينا: (ووب علينا) أو (ووب عليّ) هي عبارات تقال للتهويل وقد تأتي بمعنى (ويحنا) أو (ويحي)
* أَرَح : أي ( هيا بنا )
* العوض اللي يفرّح وما يترّح: دعوة بالعوض في الولد الذي يكون قرة عين لوالديه والترح من الأتراح
* جبّدة: أي بعيد
* كيفن: هي نفسها ( كيف ) والمعنى في الجملة ( ألا ترين "كيف" أو "كم" هو بعيد هذا المشوار؟)
* حقّة التمباك: الحقة، بضم الحاء والتشديد على القاف هي علبة صغيرة يوضع فيها التمباك، والتمباك مادة مفتّرة كالقات.
* تشفقي : الشفقة هي القلق ( ما تشفقي ) أي ( لا تقلقي )
* يضّارى : أي يختبئ ويحتمي من شيء ما
هشام آدم
19-03-2008, 11:22 AM
يوم من أيام فاطنة
( الحلقة الثامنة )
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
مرّت أقل من ساعة والحاجة فاطنة وجارتها عزيزة واقفتان في انتظار أي عربة تُقلّهما، وما زال الرذاذ يتساقط على المكان، عاكساً لوناً أكثر درامية على الموقف بشكل عام، ورائحة التراب والماء أصبحت هي القاسم المشترك بين فاطنة وعزيزة. كان الشارع مُظلماً إلاّ من الأضواء القليلة القادمة من بعض بيوت الحِلّة. في الجانب الآخر من الشارع صهريج* مياه كبير لا يكاد يظهر بألوانه الحقيقية بفعل العتمة. وعربة كارو من غير حمارها واقفة بإهمال في إحدى جنبات الشارع بجوار عامود كهرباء. أصوات كلاب نابحة من جميع الأركان تقريباً، بينما اختفى المارة تماماً.
هناك هواء بارد خفيف يهب بين فترة والأخرى يجعل الحاجة فاطنة وعزيزة يُعيدان لف ثيابهما في كل مرّة. المكان كلّه مُصاب بالرطوبة والابتلال. لدرجة أن الحاجة فاطنة لفّت حقيبتها اليدوية الصغيرة بطرف ثوبها بشكل جيّد، حتى لا يصيبه البلل. وفجأة تظهر أنوار عربة قادمة من بعيد. فتنفرج أسارير الحاجة فاطنة وعزيزة، ويبدأن في تجهيز نفسيهما للخروج من هذه الحِلّة المقطوعة. ولكن وقبل أن تصل السيارة إلى مكانهما، تنحرف لتدخل إلى إحدى الشوارع الجانبية.
تبدأ الحاجة فاطنة بالتوتر وتبحث عن شيء ما لتجلس عليه، بينما ظلّت عزيزة واقفة في مكانها، وتارةً كانت تقف في منتصف شارع الزلط لتستكشف العربات القادمة من بعيد واضعةً يديها الاثنتين على خاصرتها، ولكن بدون جدوى. كان الصمت والحركات التي تدل على التوتر هما اللغتان الوحيدتان اللتان كانتا الحاجة فاطنة وعزيزة يتكلمان بهما طيلة فترة انتظارهما. وبعد قليل تقترب سيارة أخرى تظهر أنوارها من بعيد، تصرخ عزيزة لتُبشّر فاطنة التي لم تقم من مكانها هذه المرّة حتى تتأكد. وقفت السيارة أمام عزيزة التي بدأت تأشّر بكلتا يديها. إنها سيارة نقل خاصة "بوكس كبينة" موديل 79م. وهي المواصلات "غير الرسمية" في هذه المنطقة. وكما يقول المثل: "المُضطر يركب البوكس."
يُفتح الباب الأمامي تخرج منها فتاتان في ربيع العمر، إحداهما تُخاطب عزيزة وتقول لها:
- تعالي يا خالتي أركبي بي قِدِام عشان المَطَرَة*.
* بارك الله فيكي يا بنتي.
تصرخ عزيزة وهي تنادي للحاجة فاطنة
- أرح يا فاطنة اتحركي سريع.
تركض الحاجة فاطنة بعرجتها وهي تحمل ما تهدّل من ثيابها وهي جالسة بين جنبيها وتركب السيارة، بينما ركبت الشابتان في الخلف مع بقية الراكبين. في منتصف حوض السيارة الخلفي يقف شاب صغير لم يتجاوز السابعة عشر من عمره يحمل في يده حصى صغيرة يضرب بها إحدى جنبات السيارة في إشارة إلى جاهزية السيارة للوقوف أو الانطلاق. يضرب الفتى بحصاه على حديد السيارة وهو يقول:
- أرح ياااا ...*
تنطلق السيارة بهما بعد أن تنفست الحاجة فاطنة وعزيزة الصُعداء. ورغم أن السيارة كانت تتوقف كثيراً لحمل أو إنزال الرُكاب، إلاّ أن ذلك كان أفضل - لدى فاطنة وعزيزة - من الوقوف في العراء تحت رذاذ المطر الذي لا يتوقف.
في هذه الأثناء، راح عوض الزين وأبنائه - بعد أن أغلقوا باب الفرندة - يؤدون صلاة العَشاء جماعةً. أمسك عوض الزين سبحته وجلس في تسابيحه وأذكاره وهو ما زال جالساً على برش الصلاة. بينما دخل الصادق إلى الغرفة يُراجع دروسه استعداداً لامتحان الغد، هدوء غريب يلف المكان، تتخلّله أصوات تساقط الرذاذ فوق زنك* المنزل، وصوت تسابيح عوض الزين، وزاد على هذين الصوتين، صوتٌ آخر جديد أقلقَ وجدي كثيراً، ألا وهو صوت قِطّته التي حُبست في الخارج فراحت تموء بصوتها. فتح لها وجدي باب الفرندة، فدخلت مسرعة واختفت تحت إحدى الأسرّة. بدأت القطة بتحريك جسمها مُحاولة تنشيف نفسها بينما بدا وجدي متأثراً لأنه نساها في الخارج في هذا المطر.
- إنتا عارف الله حيسألك من الكديسة دي يا وجدي؟
* والله يا أبوي كنتا قايلها* جوّا*
- ياخي إنتا أصلاً مالك ومال الكدايس!!
في هذه الأثناء، بدأ المطر بالهطول بغزارة، بدأت سقف البيت الزنكي يُسرّب الماء من أماكن مُتفرّقة، أسرع إبراهيم ومُزمّل لوضع بعض الأواني تحت الأسقف التي تُرشح الماء، فزاد صوتٌ جديد على الأصوات التي كانت تقطع صمت تلك الأمسية المطرية، بينما سمع عوض الزين صوت أبواق سيارة بالخارج. إنها سيارة ترحيل البنك ولا شك. أخذ عوض الزين قطعة من الكرتون جعلها فوق رأسه، وخرج إلى الحوش، فتح الباب فإذا بحافلة الترحيل واقفة وبداخلها "الشفيع" سائق الحافلة:
* السلام عليكم.
- وعليكم السلام.. كيفك يا الشفيع؟
* الحمد لله، مالك ما لابس يا زول؟
- عليك الله ما شايف المطرة دي؟
* شنو يعني، ما مشي الشغل؟
- والله يا الشفيع ياخوي، شكلي ما حقدري أمشي وأسيب الأولاد ديل براهم كده. المطرة دي شكلها ما مُطمّن.
* يا زول الله في، وبعدين شُغلك أولى.
- لا والله يا الشفيع، أولادي أولى لي.
* يعني ما ماشي.
- لالا الليلة ما حأقدر أمشي.
* خلاص سَمِح*، ما مشكلة. حَمُر* على "الفاتح البِعِيو* بشوفو كان بيقدر يِسِد مكانك الليلة.
- آآي مُرّ عليهو وشوف. أنا والله ما حأقدر أمرُق الليلة.
* ماشي.
- طيب أنزل أشرب ليك شاي ولا كركدي* سُخُن يدفي ليك بطنك.
* لالا أعفيني عليك الله، إنتا عارف السُواقة في المطرة دي، يا الله ويامين* نصل.
- يا زول الله معاك.
* يالله مع السلامة.
- مع السلامة.
تنطلق الحافلة بتثاقل، بينما يحلقها الكلب العجوز الذي ينام تحت مزيرة "فريال" الحنّانة، وهو ينبح فيها بشدّة، وما هي إلاّ مسافة قصيرة ويصمت الكلب ثم يعود ليلف جسمه وينام في مكانه تحت المزيرة المفضّلة لديه. يدخل عوض الزين إلى البيت وهو يقفز من بُقعة إلى أخرى، متحاشياً الماء الذي بدأ بالتجمّع داخل الحوش. يفتح باب الفرندة ويضع الكرتونة جانباً. ثم يجلس على إحدى الأسرة. ينادي إبراهيم قائلاً:
- إبراهيم يا ولدي عليك الله حضّر لمبة الجاز .. حسي الكهربا تقوم تقطع.
ينهض إبراهيم، ويدخل إلى غرفة نوم عوض الزين والحاجة فاطنة - هو يعرف مكان لمبة الجاز - يحملها ويبدأ في تجهيزها ثم يضعها على إحدى الطاولات في الفرندة ويضع بالقُرب منها علبة الكبريت "أبو شُعلة":
* على فِكرة يا أبوي، الجاز قرّب يكمل*.
- لا حولة الله، أُمّك كانت كلّمتني الليلة العصُر. بس نسيت! الفي دي ما بيكفي؟
* لا بيكفي إن شاء الله. بس كان كِمِل إلاّ نملها تاني.
- كان قضّانا باقي الليل ده، بكرة يحلّلها الحلال.
_____________
الهوامش:
* صهريج: الصهريج هو الخزان
* المَطَرَة : أي المطر عندما يبدأ بالهطول
* أرح ياااااا : الكمساري يقول هذه الجملة دائماً وبنفس هذه الطريقة وهي إشارة للانطلاق
* زنك : بيوت الفقراء في غالبها مسقوفة بالزنك في السودان لا سيما في الخرطوم
* كنتا قايلها: أو (كنتا قايلا) تعني كنت أحسبها أو كنتُ أظنها
* جوّا : أي (بالداخل)
* سَمِح : حسناً
* حَمُر : من المرور .. وتعني ( سوف أمُر على .... )
* البعيو : البعيو هو القصير وتحديداً الشخص القصير
* كركدي : مشروب شعبي يشرب إما ساخناً أو بارداً وهو معروف في مصر أيضاً
* يا الله ويامين : أي بصعوبة أو بشق الأنفس
* يكمل : أي ينتهي
هشام آدم
22-03-2008, 09:58 AM
يوم من أيام فاطنة
( الحلقة التاسعة )
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
في غمرة صمت الجالسين، وأصوات المطر الذي بدأ يهطل بغزارة على زنك البيت، وأصوات قطرات الماء المتساقطة من "مِرِقْ" السقف على الأواني، وصوت تسابيح عوض الزين، فُتح باب المنزل، ودخلت الحاجة فاطنة بطريقة سريعة وأغلقت الباب ورائها، وهي تُغطي رأسها بكيس نايلون. التفت الجميع بمن فيهم قِطّة وجدي للحاجة فاطنة وهي تدخل المنزل، شعر عوض الزين بالارتياح لاكتمال عدد أسرته الصغيرة، كما أحس وجدي بالسعادة كذلك. قِطّته فقط هي التي كانت تُحس بالخوف لرؤيتها، فاختفت تحت السرير. قـام وجدي ليفتح الباب لأمه التي انغرس حذاؤها "دكتور شول" في الوحل، ولم تستطع إخراجه فآثرت خلعه، والدخول سريعاً إلى داخل الفرندة.
خلعت الحاجة فاطنة الفردة الثانية من حذائها وبدأت تمسح قدميها في قطعة الشوال التي كانت على مدخل الفرندة. مسكت وجدي وقبّلته وسلّمت على الجميع وهي تخلع عنها ثوبها المُبلّل تماماً.
* شنو يا فاطنة؟ وين لغاية حسي.
- أسكُت يا الزين، والله برّه* في جِنس مَطَرة!
* بالغتي لاكين، ما قَدُر ده*.
- وإنتا مالك ما مشيت الشُغل؟
* أمشي كيف وأنا ما عارف ليكي دَرِب؟
- ليه مالي، شافعة* بطِش*؟ بعدين مشيت، لقيت ليك النسوان ديل كِده5 عند محاسن، التقول* عندها سِماية* بس. لا حول الله....... إنتو الصادق وين؟
* قاعد يقرا جوّا ... المهم محاسن كيف حسي؟
- نصييييحة*، ما عندها عوجة. إلياس بيسلّم عليك بالمناسبة.
* الله يسلّمك ويسلّمو. والله طوّلتَ منو.
- أها وإنتا حتعمل شنو في الشُغل ده.
* ما حمشي.
- وكان خصموا عليك؟
* ما أنا كلّمت "الشفيع" يمشي لي "الفاتح البِعيو" وكان ما لِقاهو، بشوف لي أورنيك9 وخلاص.
- سمح كان كِدا ... آ يا أولاد جهّزوا لمّبة الجاز سريع.
* هديييييك*، جاهزة.
- أها قبل ما أنسى، جبتا لينا الجاز يا الزين؟
* لا والله نسيت يافطوم.
- سجمنا ده كان كِمِل نشوف كيفن باقي الليل ده؟
* بيكفّي إن شاء الله. إنتي بس أقُعدي، وخُتِّ الرحمن في قلبك*.
جلست الحاجة فاطنة وهي تتفقد البيت بنظراتها المتجولة السريعة وكأنها تبحث عن شيء ناقص عليها أن تفعله.
- ختيتوا* الفُنطاس* بتاع الموية بره عشان يتملي؟
* فُنطاس شنو يا ولية. ده وقتو؟
- الموية البتقطع يوماتي دي يا الزين؟
نهض إبراهيم مُسرعاً وخرج من الباب الآخر الخلفي للفرندة، فتح غِطاء الفُنطاس وعاد بسرعة.
- خلاص يا أمي مرقتا ليكي الـفُنطاس بره.
* فااااااالح.
- فالح!!!!!
ويضحك الجميع، والحاجة فاطنة تكتفي بابتسامات خجولة، فهي لا تعرف سبباً لضحكهم. يستمر المطر في الهطول وتزداد غزارة المطر حتى امتلأت الأواني التي وضعها إبراهيم ومُزمّل. بدأ القلق يتسرب إلى قلوب الجميع بمن فيهم عوض الزين نفسه. وساد صمتٌ مُطبق على المكان. أخذ وجدي وإبراهيم ومُزمّل بتفريغ الأواني الممتلئة وسكبها في الحوش ومن ثم وضعها مرةً أخرى. ولكن بدأ سقف البيت كلّه بالتسريب من جميع الاتجاهات.
وفجأة انقطعت الكهرباء، مما جعل الصادق يخرج من غرفته. أصبح البيت مُظلماً لدرجة شديدة. بينما بدأ البعض في الإنصات لتعويض عدم الرؤية.
* ده منو ده؟
- ده أنا ما لِك يا ولية؟
* ماشي وين في الظُلومّة* دي يا راجل، ما تقعُد قَبَلك*؟
- دقيقة ... ماشي أولّع لمبّة الجاز.
وفجأة يسمع الجميع صوت صراخ قِطّة وجدي
- اللللله يصُرفِك ... عليك الله ده وقتِك؟
( فاطنة وهي مُبتسمة )
* ما قلنا ليكم الكديسة دي أرموها برّة.
بدأ عوض الزين في تحسس طريقه في الظلام الدامس، فيرتطم مرّة بقدم السرير، ومرّة بقدم أحد أبنائه حتى وصل إلى الطاولة التي وُضعت عليها لمبة الجاز. تحسّس عوض الزين بيديه الطاولة، حتى وجد علبة الكبريت، أشعل عوداً ولكنه انطفأ قبل أن ينجح في إشعال لمبة الجاز، فحاول مرة ثانية وثالث، ونجح في الرابعة، أخفض اللهب قليلاً حتى لا يستهلك كمية كبيرة من الجاز. وبدأ المكان يُنير إنارة خافتة تَمَكَّن منها الجميع رؤية بعضهم البعض. بينما تركت تلك الإضاءة الخافتة الخجولة ظلاً عِملاقاً لعوض الزين على الجدار وهو يعود بتثاقل إلى سريره. أصبح المكان مخيفاً بتلك الإضاءة الخافتة وتلك الظِلال الكبيرة. دقّق عوض الزين في المكان فوجد قَطّة وجدي وهي على إحدى زوايا الفرندة تلعق ذيلها الذي وطأهُ في الظلام. كان عوض الزين ينظر كأنه يريد أن يرى مدى الإنجاز الذي حقّقه بعبوره حتى هنا في تلك العتمة. ثم بدأ في العودة إلى سريره. كان وجدي ينظر من خلال لهب لمّبة الجاز المتراقصة إلى غزارة المطر في الخارج فصاح قائلاً:
- دييييشك* .. والله في جِنِس مطرة يا جماعة.
بدأ الأخوة في النظر من وراء اللهب وهُم يحوقلون. والتفت الصادق إلى والده وهو يقول:
* دي أقوى من بتاعت السنة الفاتت يا أبوي.
وتلتفت فاطنة على عوض الزين وكأنها تذكرت شيئاً:
- إنتو كنتو انتهيتو من المتراس يا الزين؟
* لسه كان باقي فيهو شويّة شُغُل.
- قدر الفي، ما بيتحمّل لو الليلة بس؟
* والله ما أظِن يا فطّوم. الله يستُر بس.
- الله يستُر.
بعد مُدّة، نهض عوض الزين واقترب من لمبة الجاز وبدأ يُدقق النظر في ساعته اليدوية من طراز "رادو" القديمة، إنها الساعة الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل. لقد استمر المطر في الهطول منذ أكثر من أربع ساعات متواصلة. وما زال الجميع مستيقظون، فلم يستطع أحد النوم في هذا الجو الماطِر، إلاّ قِطّة وجدي التي استقر بها المقام في تلك الزاوية النائية عن الأقدام، بل أنها لفّت ذيلها حولها جيداً. نظرت الحاجة فاطنة إلى عوض الزين وهي تقول:
* مالك يا الزين؟
- المطرة دي كتيرة شديد. أكتر من أربع ساعات ونص. المتراس ما حيتحمّل.
* يا راجل خُتّ الرحمن في قلبك.
عاد عوض الزين إلى سريره وذهنه مُنصرف تماماً إلى المتراس الذي قام بجهودٍ وعونٍ ذاتي من أبناء الحي، ولم يكتمل بناءه. إنه يعلم تماماً أن المتراس لن يستطيع الصمود في وجه المدّ البحري الذي سوف ينجم عن هذه العاصفة المطرية. ولكنه لم يكن قادراً على تحديد تأثير العاصفة على البحر بصورة دقيقة. وقف فجأة وألقى نظرة إلى الحوش، ليجد أن الماء قد ملأ الحوش بالكامل ورأى بأم عينيه الماء وهو يجري جداول في فناء منزله الجالوصي الصغير. وما هَاَلَهُ أن المياه كانت تجري بسرعة كبيرة نحو جدران البيت، وليس في اتجاه باب الشارع. فازداد قلقه كثيراً، حاول أن يرى من خلال نافذة الفرندة ما يجري في جدار الفرندة الخارجي، ولكنه لم يستطع الرؤية فالظلام كان حالكاً في الخارج، ونور لهب الفانوس بالكاد يُضيء جزءاً صغيراً من الفرندة. كانت الحاجة فاطنة تُراقب عوض الزين بقلق، فهي تعرف أن زوجها لا يقلق من فراغ، ولا يُبين قلقه إلاّ إذا كان هناك أمر يستحق القلق فعلاً، ولكنها كانت تُحاول أن تتمالك أعصابها وألا تنطق بكلمة واحدة، بيد أنها لم تستطع أن تظل مُمددة على السرير، فنهضت واستقامت في جلستها وبدأت تنظر إلى أبنائها واحداً تلو الآخر. وتنظر إلى أركان البيت كمن ينتظر أن يخرج من بين أحشاء زوايا الجالوص شبحٌ ما.
___________
الهوامش:
* بَـرّة : أي بالخارج أو في الخارج
* ما قَـدُر ده : أي ليس إلى هذا الحد
* شافعة: المؤنث من كلمة "شافع" والشافع هو الطفل الصغير
* بطش: بكسر الطاء هو الضياع والتيه وحرف الباء هنا يقوم مقام سين سوف والكلمة الأصلية هي (طشَّ) بالتشديد على حرف الشين
* التقول : بمعنى ( كأن ) أو ( كأنما )
* سماية : السماية هي العقيقة أو السُبوع
* نصيحة : أي بخير ولا بأس عليها ..
* هديك : إسم إشارة للبعيد .. بمعنى ( تلك هي )
* خت الرحمن في قلبك : أي لا تقلق ولا تجزع وكن مؤمناً بالله
* ختيتوا: بالتشديد على التاء الأول : بمعنى وضعتوا ، وأصل الكلمة هي (ختَّ) أي وضع.
* الفنطاس : وعاء كبير من البلاستيك يستخدم في تخزين الماء للاستخدامات المنزلية
* ظلمّة : أي عتمة وسواد وهي من الظلام
* قَبّلك :بفتح جميع الحروف: القاف والباء واللام وتسكين الكاف، أي في مكانك
* ديشك: لفظة للتهويل تعادل ( لا حولااااا ) في بعض اللهجات العربية المحكية الأخرى
هشام آدم
25-03-2008, 11:35 AM
يوم من أيام فاطنة
( الحلقة الأخيرة )
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/521khartoum_woman.jpg
لم يكن هناك ما يُمكن القيام به. إن الوقت متأخر من الليل، وهذا المطر الغاضب في الخارج لا يرحم الاثنتا عشرة عيناً المشدوهة والمترقبة شيئاً ما. والبرق الخاطف الذي كان يُتيح - في كثير من الأحيان - لعوض الزين أن يرى في لمحة خاطفة بعضاً من تأثير جداول المياه المتدفقة على حائط البرندة الخارجي. الصمت هو الكلام الوحيد الذي كان مصلوباً على أفواه الجميع، وبعض النظرات الخائفة التي لا تعرف طريقها في هذا الضوء الخافت المُوحي بمزيدٍ من الخوف.
وفجأة صُعق الجميع عندما سمعوا صوت جلبة عالية من مصدر قريب جداً. في البدء لم يعرفوا بالتحديد مصدر الصوت، ولكنه بدا قريباً جداً لدرجة جعلت عوض الزين وأبناءه الأربع للنهوض والإسراع لتفحّص مؤخرة المنزل، بينما وقفت الحاجة فاطنة في مكانها وهي تنظر إلى حيث جهة الصوت. كان الظلام حالكاً لدرجة لا تُمكنها من رؤية شيء، ولكنها لم تجرؤ على أن تتحرك شبراً واحداً من مكانها. فتح عوض الزين باب الفرندة الخلفي وخرج حافياً فوجد نفسه في بركة من الوحل والماء يتدفق سريعاً داخل البيت، فأغلق باب الفرندة وراءه ومنع أبناءه من ملاحقته طالباً إياهم البقاء في أماكنهم. تقدّم تجاه مصدر الصوت رويداً حتى ارتطمت قدماه النحيلتان بكومة طينية كبيرة فاستعان بيديه لمعرفته. وعندما عرِف، كان غير قادرٍ على أن يُصدّق ما اكتشفه. وفجأة سمع صرخة نسائية قادمة من مكانٍ ما غير بعيد:
* ووب علي!!*
عندها فقط، أسرع عوض الزين ودخل الفرندة، تقترب منه فاطنة بتلك العرجة المتثاقلة يكاد قلبها يفرّ من بين أضلاعها ومن بين خرزات السبحة التي تُعلّقها على صدرها.
- في شنو يا الزين؟ الكواريك* دي شنو؟
* حيطة* البيت وقعت يا فاطنة.
- ووب علينا. ووب عليينا.
* يا وليه ده ما وقتو. لمّوا البتقدروا عليهو من عفش البيت. لازم نطلع من البيت حسّي.
لم تستطع فاطنة الحركة للوهلة الأولى، بينما أسرع عوض الزين وأبناءه - كلٌ منهم في اتجاه - لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه. دخل عوض الزين غرفة نومه وبدأ في تحسّس المكان بيديه وهو يرتطم بكل ما أمامه عرقه يتصبب من تحت طاقيته، لم يكن يعرف تحديداً سبباً لهذا العرق في هذا الجو القرس، ربما لم يكن عرقاً ربما كان ماءً نازلاً على وجهه من إحدى مُرُوق السقف. ولكنه لم يكن يأبه كثيراً لنفسه، كان يُريد أن يُنقذ أسرته بأقصى سرعة، كان يعلم أن عامل الوقت في غاية الأهمية، وأنه بقدر ما أسرع بقدر ما كان أفضل له. رفع يديه وأنزل حقيبة الحديد، وفي هذه الأثناء دخلت الحاجة فاطنة تتهادى، وهي تغمغم بكلمةٍ واحدة فقط:
- يا لطيف .. يا لطيف .. يا لطيف .. يا لطيف.
بدأ عوض الزين والحاجة فاطنة بحمل ما تمكّنا من إيجاده في الظلام من ملابس وذهب وأوراق مهمة: شهادات ميلاد، جوازات سفر، أوراق جنسية، شهادات تطعيم، شهادة البحث* الخاصة بالبيت. وفي الغرفة المُجاورة، راح الأخوة الأربع يلهثون في حمل ما يستطيعون حمله من كتب مدرسية وملابس وأحذية بينما حمل مُزمّل الأدوات الكهربائية الخاصة به ووضعوها في حقائب. وفي الخارج بدأت أصوات الصراخ تتعالى مُختلطة بصوت الرعد خالقةً جواً إضافياً من الرُعب والهلع. وفجأة سمع الجميع صوت طرق شديد على باب المنزل، وصوت عزيزة تصيح بعلو صوتها:
- يا فاطنة .. أمرقوا البحر غرّق البيوت.
ركض وجدي إلى الباب حافياً وحتى دون أن يحتمي بشيء، لقد كان الأمر أصعب بكثير من أن يتبلل شعره السَبيبي*، أو تتبل ملابسه. فتح الباب فإذا بشبح عزيزة في الظلام وهي تضع على رأسها حَلّة كبيرة وتقول وهي تلهث:
* وين أُمّك يا وجدي؟
- أمي جوّه ...
* كلّمها أمرقوا سريع البحر غرّق بيوت الحّلّة الورا كُلّها.
ترك وجدي الباب مفتوحاً وركض مُعفّراً قدميه في الوحل الذي ملأ الحوش تماماً. وقف عند مدخل الفرندة وهو يلهث :
- قالوا البحر غرّق بيوت الحِلّة الورا.
وقف الجميع وهم يستمعون إلى وجدي بكل خوف، قلوبهم على حناجرهم وأعينهم لا تعرف طريقها للرمش. وقتها رفع عوض الزين حقيبة الحديد على كتفه ممسكاً بها بيديه الاثنتين وهو يقول:
* خلاص أرح يا جماعة. شلتو حاجاتكم؟
فرد الجميع : "أيوه" تحرّك الجميع خارجين من الفرندة وهم يحملون على رؤوسهم وأكتافهم الحقائب والكراتين والأكياس التي امتلأت بما استطاعوا حمله من أغراض. كان الصادق هو آخر الخارجين، فالتفت إليه عوض الزين وهو يقول:
- آ الصادق، جيب الرادي معاك. ما تنساهو.
عندها تذكر وجدي أن قِطّته ما زالت بالداخل، فعاد وبدأ يبحث عنها:
* بِس بِس .. سَتو سَتو*
أخرجت القطة رأسها، فحملها بيده ووضعها داخل قميصه. خرج الجميع من المنزل. كان الشارع سيلاً من المياه المتدفقة حتى كادت الحاجة فاطنة تسقط على الأرض، لولا أن تداركها إبراهيم فسندها. كان سُكان الحي كلهم قد تركوا بيوتهم وغادروها وهم يُرددون جُملة واحدة "لا حول ولا قوة إلاّ بالله".
انطلق الجميع إلى الشارع الرئيسي وعبروا الشارع إلى الجهة الأخرى. وقفوا هناك وكلهم يلهجون إلى الله بالضَراعة أن يتوقف المطر. ولكن المطر لم يتوقف كان يهطل بغزارة وكأنه لن يهطل بعد اليوم أبداً. واختلطت أصوات الرجال والنساء وبكاء الأطفال بأصوات الرعد وتساقط المطر على بركة المياه التي خلّفها المطر. وظلّوا واقفين في انتظار أن ينجدهم أحد، ولكن دون جدوى. وفي الصباح توقف المطر ولكن لم تُشرق الشمس أبداً وظلّت السماء مُلبّدة بالغيوم، كأنها تقبض بين طياتها ابتسامات الأطفال وأمنيات الأمهات ودعوات الرجال التي لم تفتأ تشقُ عباب البحر الذي أكل البيوت ولَفَظَ عِظِامها خشباً وأعوادَ خيزران.
وقفت الجموع وهي ترى الحي وقد أصبح جزءً من البحر وبعض الأعمدة والأشجار التي ظلّت واقفةً كشواهِد القبور. وبدت على سطح المياه قطع متناثرة: خشب الدواليب، ملابس الأطفال، سفنجات، عِلب فارغة، وفقاعات وزبد بحري، وكأن البحر يسخر منهم جميعاً فيمدّ لسانه لهم. بعض الأطفال راح يلعب بأطراف ثوب البحر، ويركلونه بأقدامهم الصغيرة، بينما وقف الرجال يتشاورون أحياناً ويتشاجرون أحياناً. كانت الحاجة فاطنة في كل هذا تجلس على الأرض واضعةً ثوبها ويديها فوق رأسها، إنها المرة الأولى التي تبكي فيها الحاجة فاطنة بصدق منذ توفي والدها قبل أربعة أعوام. وسالت دموعها مُنسابة على إحدى تجاويف شُلوخها. إنه الكبرياء عندما ينكسر دخل المرء، فينكسر معه طعم كل شيء. وفجأة تنهض الحاجة فاطنة كمن تذكّر شيئاً ما، نهضت كغير عادتها، فلما تعتمد على يديها ولم ترفع مؤخرتها - كما تفعل في كل مرة -، بل اتكأت على مصطبة كانت تجلس إلى جوارها ونهضت، ولم تلتفت إلى أحد. سارت حافية - كما خرجت من بيتها ليلاً - مُتجهةً ناحية البحر، لم ينتبه إليها أحد، كان كل واحدٍ ينعى نفسه ما أصابه وما أصاب بيته، ولكنها كانت تعرف أن بيتها لا يزال هناك. إنها تعرف مكانه دون أن تكون هناك شوارع ولا علامات؛ فقلبها الذي ما زال يطفو هناك في نقطةٍ ما على البحر حيث تذكرت صورتها وصورة عوض الزين. يا إلهي، كيف لم تتذكر أن تأخذه معها؟ كيف هان عليها أن تترك ذكرياتها المُصوّرة تغرق أمام عينيها بل كيف تغرق القرية نفسها وهي التي علّمت آلاف الرجال والنساء والأطفال السباحة!
انطلقت الحاجة فاطنة بعرجتها تطأ في كل خطوة - بكل قوتها - على الماء وتقدّمت ولم تلتفت إلى الوراء، رفع عوض الزين رأسه عندما صرخ الناس:
* يا حاجة فاطنة .. يا حاجة فاطنة. يا عوض الزين قوم ألحق مَرَتك.
انطلق عوض الزين نحوها يناديها بأعلى صوته، ولكنها لم ترُدّ عليه. وصل الماء منتصف جسمها وهي ما تزال في إصرارها على المُضي قُدماً. حتّى أمسك بها عوض الزين من الخلف:
- آآآ وليه جنّيتي؟؟ ماشة وين؟
* خليني يا الزين .. خليني.
- آآآ وليه مالك؟ ماشة وين إنتي؟ الناس قاعدة تعاين* لينا.
* قُلتْ لك خليني يا الزين. أنا بعرف أعوم.
- آآآ مَرَة إنتِ ماك نصيحة؟ ماشة وين بس وريني.
* الصورة يا الزين.. الصورة.
- صورة شنو؟ كدي قولي بسم الله.
* صورة عِرسنا يا الزين، نسيتا فوق الكومدينو.
- يا مرة صورة شنو تعالى مارقة الله يرضى عليك.
في هذه الأثناء إنطلق أبناء عوض الزين وراء أبيهم وخاضوا البحر ومعهم ثُلّة من شباب الحي:
* أُمي ...
- يا حاجة فاطنة ...
التفتت الحاجة فاطنة وراءها فرأت الصادق وإبراهيم ومُزمّل ووجدي ففاضت عيناها بالدمع، وهي واقفة وسط الماء، يحمل الماء جلابيتها فوق السطح وهي تُمسك بعوض الزين وتروح في فضاءات من البكاء المُر. لم تكن الصورة بالنسبة للحاجة فاطنة مُجرد صورة، أو مجرد ذكريات قديمة جميلة. بل كان بالنسبة إليها أكثر من ذلك. لقد أيقنت الحاجة فاطنة للحظة أنه يتوجب عليها أن تموت غرقاً داخل بيتها المدون بالمياه، على أن تجلس القرفصاء وهي تحوقل. وقفت عزيزة على آخر طرفٍ للماء وهي تنظر إلى ذلك المشهد العائلي وعينيها تُرقرقان بالدمع. لقد كانت تعلم ما تعنيه الصورة لفاطنة تماماً، وكانت تعرف ما يعنيه لها بيتها.
كانت فاطنة تبكي على الصورة وعلى الحوش وعلى شجرة الحناء التي هي بعُمر أكبر أولادها، وعلى مشلعيب المطبخ، وعلى الصينية الصفيح، وعلى دجاجاتها السبع، وعلى عالم كامل تركته وراءها يغرق في موجٍ لا يرحم ولا يعرف معنىً للتعب ولا الجُهد. كانت الحاجة فاطنة تبكي وتضرب بكفيّها على خدها وهي تقول: "سجم خشمك* يا فاطنة، سجم خشمك". ولأول مرة يبكي عوض الزين!!!!!
____________
الهوامش:
* ووب عليّ: هي لفظة تعني الدعوة بالويل والثبور تقابل ( يا ويلي )
* الكواريك: مفردها (كوراك) وهي الصياح والعويل
* حيطة : أي جدار
* شهادة البحث: هو صك ملكية المنزل
* سبيبي : أي ناعم
* سَتّو سَتّو : لفظة تقال للنداء على القطط
* تعاين : أي تنظر
* سجم خشمي: دعوة بالويل والثبور وهي نفسها (سجمي) وتعني (ويلي)
سحر الليالي
25-03-2008, 10:44 PM
الفاضل المبدع [ هشام آدم]
أتعلم أخي سأقبع هنا وسأعاود قراءة القصة من الحلقة الأولى الي الأخيرة .
أتعلم لم : لاستمتع من جديد بـ القراءة
سلمت ودمت مبدعا
http://smiles.al-wed.com/smiles/13/bloem_04.gif
لك خالص تقديري وتراتيل ورد
هشام آدم
26-03-2008, 09:18 AM
الفاضل المبدع [ هشام آدم]
أتعلم أخي سأقبع هنا وسأعاود قراءة القصة من الحلقة الأولى الي الأخيرة .
أتعلم لم : لاستمتع من جديد بـ القراءة
سلمت ودمت مبدعا
http://smiles.al-wed.com/smiles/13/bloem_04.gif
لك خالص تقديري وتراتيل ورد
الأخت : سحر الليالي
أنا سعيد بأن هذا النص قد نال إعجابك بهذا القدر، وأتمنى أن تجدي في القراءة الثانية متعة إضافية لاسيما بعد تعرفتِ على معالم اللهجة السودانية ، وبالتأكيد فسوف تكون
القراءة الثانية (دون الرجوع للهامش) أمراً أقل إزعاجاً بالنسبة إليك .
لك التحية وكل التقدير
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub