المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجوع


خليل حلاوجي
04-10-2007, 02:23 AM
الجوع
من مدرسة رمضان أنه يعلمنا الجوع كي ... لا نجوع

قيل أن مشكلات الحيوان تبدأ عندما يجوع وأما مشكلات الإنسان فتبدأ عندما يشبع ، والفرق واضح بين الجوع وبين الفقر ، فليس كل فقير جائع ولا كل غني شبعان ، فإذا كان الفقر اليوم هو ألوف من ملايين البشر فان الجوع هو البشر أجمعهم فمن جائع بطنه إلى جائعة جمجمته إلى جياع الغاية والمصير فوق هذه الأرض .وأخطر أشكال الفقر ليس فقر الجيب أو المعدة بل فقر العقل فلو سلبني الله تعالى كل النعم وأبقى لي العقل لا أملك طعاماً ولا مسكناً ولا قدرة للحلم والأمل فسيعينني عقلي بعد ذلك على تجاوز كل تلك المحن ويساعدني على التوثب والانطلاق نحو التخمة من كل ما حرمت منه لأنه سيمنع عني اليأس والإحباط والغضب . وفي القرآن تنبيه لخطر اجتماعي جسيم حين لا يكون الإنسان بخيلا ً فحسب بل إنه يأمر غيره بالبخل وهنا سنشاهد مجتمعا ً بخيلا ً وفقيرا ً من الفضل والنعم قال تعالى :{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ }النساء37أما الحديث الشريف الذي وصف أحب خلق الله لله تعالى وهم الفقراء الكرماء فيحفزنا لنكون فقراء ، وأن نكون شرفاء في زمن تتغير فيه معايير الشرف حتى لتكاد تصبح عقوبة لحاملها .ومخطئ هو نابليون حين قال: إن الشعوب كالأفاعي تزحف على معدتها لأنه يفترض أن ما يهم الشعوب الجوع لا الحرية والحقيقة أنها تصبر على الجوع ولا تصبر على الظلم . والله تكفل برزق كل جائع في كونه المدهش {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6ولكنه ينتظر من المستعبدين التغيير فلم يولد الإنسان ليكون جائعا بل حرا ً قال تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }الأنفال53 وهكذا فإن معالجة الجوع لا تبدأ من عند الله اللهم إلا أن ننصت لأمر الله وهو يقول :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }الملك15ومخطئ من يربط هذه الأيام بين الجوع والإرهاب يقول أنيس منصور : { وإذا كان كارل ماركس قد قال: كما تأكل تكون، فإنني أقول: كما لا تجد تكون. فمن الممكن أن يأكل الفقير وأن يعيش ولكن مشكلة الفقير ليس ما يجده أمامه وإنما ذلك الذي يتكدس أمام الأغنياء وما زاد عنهم يرمونه للكلاب! }
وقرن القرآن بين الجوع والخوف في آيتين جليلتين ليخبرنا عن مثلث: (العدل ـ الأمن ـ الحريات) قال تعالى : {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }النحل112
وقال تعالى :{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155
والكفر بنعم الله هي إغفال حمد الله وشكره على نعمه فيبدأ الإنسان بظلم لنفسه حينما يمنحه الله النعم ثم يشكر وهو يعبد غيره – جل في علاه – ويتبع هذا الظلم إغفال شكر الناس بعضهم بعضا ً واستبدال التسخير بالظلم فيبيع الإنسان دنياه بدنيا غيره أو الأفجع أن يبيع الإنسان آخرته بدنيا غيره فيكون عبدا ً له من دون الله ينفذ له مراده
واختصر القرآن المسألة في آية على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي أوتي الحجة حين خاطب المشركين : {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }الأنعام82 فهاهو الظلم ولـّـد الخوف ووحده العدل من يمنحنا الأمن الاجتماعي ومعيار ذلك نستطيع قياسه عبر تفشي الجوع .
وقديما ً سألني أحد الأحبة عن مهنة المثقف فقلت له : إشباع الجياع .ورغم أن المثقفين لا تتاح لهم في الغالب مخاطبة الناس إلا بلسان الناس وهم يقتفون آثر الأنبياء لأنهم ورثتهم قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ }إبراهيم4 ولسان المثقف اليوم لا ينطق في نادي الجماهير مع وسائل الإعلام النافذة والرسمية فهم معزولون عن المتلقين الجادين ، وأما باقي عامة الناس فقد شغلتهم ( الصورة ) الإعلامية والمثقف قد يفشل في إشباع جياع الفكر حين يندمجون مع السلطة السياسية فيشاركونها الظلم بل ويحاربون يريدون استمرار الأوضاع . ومن المثقفين من رفض رفضاً قاطعاً انصياعه للسلطة، بل وتربَّص بـها يرجوا زوالها ، لكنه لا يملك رؤية بديلة سوى شعارات وعنتريات لا تغني من جوع ولا تؤمن من خوف . إن استمرا تدفق الجياع الفكريين يدفع الأوطان اليوم إلى مزيد من تبديد الطاقة وإهدار الجهد وتمديد أمد العجز والتخلف...
وحين نام عمر تحت شجرة ورأسه على صخرة بدون حراسة؛ فبسبب العدل؛ واستحق على ذلك لقب الفاروق.. ويحكى أن رجلاً ذهب إلى عمر بن الخطاب فقال له: يا عمر الخير جزيت الجنة ..اكس بنياتي وأمهن وكن لنا من الزمان جنة .. اقسم بالله لتفعلنَ.. فقال له عمر: وإذا لم أفعل يكون ماذا؟ فأجابه: تكون عن حالي لتسألن يوم تكون الأعطيات هنة وموقف المسؤول بينهن إما إلى نار وإما جنة! من أجل ذلك كان عمر يحمل هما ً على مستوى هموم جماهيره وعاش الناس في زمنه لا يعرفون طعما ً للجوع .
والله تعالى إمتنّ على قبيلة قريش وذكر خبرها في قرآنه المجيد كونه قد أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف في حين خاطب الفرد المسلم ونهاه عن قتل أولاده بإفقاره قال تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً }الإسراء31ورغم أني أرى في هذه الآية إشارة إلى قادة دول الأمة الإسلامية الذين يأمرهم الله بعدم قتل شعوبهم بإرهاقهم والمبالغة بأخذ الضرائب منهم ، وهنا فإن الله تعالى يقرن ذاته العلية بنا نحن البشر في مسؤولية إشباع الراعي لرعيته أيا ً كان رئيسا ً للدولة أو ربا ً للأسرة فقال نحن نرزقهم وإياكم .
ومخطئ من ظن أن القرآن ذكر آيات تمدح الفقر قال تعالى:وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ }النساء6
كما يظن البعض أن صورة الرسول وهو يربط الحجر والحجرين هي صورته الغالبة والحقيقة أنه عليه الصلاة والسلام مر بظروف كما يمر أغلبنا كان الجوع رفيقه ولكن الأغلب الأعم أنه كان يأكل أطيب الطعام وأنه يحب من الشاة زندها فلا يدعو إلا إلى ترك ظاهرتي البخل والإسراف في آن واحد وهم يخطئون في تفسير حديث الرسول عليه الصلاة والسلام حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا سليمان بن داود أنبأنا سعيد عن الجريري قال سمعت أبا نضرة يحدث عن شتير بن نهار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال -يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم قال وتلا وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون. والحقيقة أن الرسول وصف الفقراء الذين تحروا العفاف وطلبوا كامل جهدهم في التخلص من الفقر فما وجدوا غيره فصبروا على فروضه وقسوته .

محمد إبراهيم الحريري
04-10-2007, 02:35 AM
أهلا بأخي أبي إيناس
شرف للمنتدى أن تكون فيه ، والشرف يحملنا إلى شرفة الندى ترحيبا بك .
حروفك تتسع المؤق لقراءة ما بين سطورها ، وتنحنى عليها أكتاف البيان لرؤية ما خفي منها خلف سور قصدها
هي سمة الأدب ألا يصرح بكل شيء ، بل يترك للقارئ نصيب الفكر .
تمثلها معانيك خير مثل ، هادفة الكلمات هنا ، ليس الجوع مجرد كلمة تبعث الطوى بين الضلوع والحزن بالعيون
تحية لك أخي
أديب وربي

يُمنى سالم
04-10-2007, 05:20 AM
الفاضل خليل حلاوجي

جميل أن يجمعنا درب آخر سيدي..

أهنئك على هذه المقالة الرائعة..

دم بخير

ريمه الخاني
06-10-2007, 03:42 PM
فليس كل فقير جائع ولا كل غني شبعان



ولسان المثقف اليوم لا ينطق في نادي الجماهير مع وسائل الإعلام النافذة والرسمية فهم معزولون عن المتلقين الجادين ،




والحقيقة أن الرسول وصف الفقراء الذين تحروا العفاف وطلبوا كامل جهدهم في التخلص من الفقر فما وجدوا غيره فصبروا على فروضه وقسوته

ومازلنا ننهل من بحار أفكارك أستاذنا
دمت معطاءا

خليل حلاوجي
07-10-2007, 01:03 AM
أهلا بأخي أبي إيناس
شرف للمنتدى أن تكون فيه ، والشرف يحملنا إلى شرفة الندى ترحيبا بك .
حروفك تتسع المؤق لقراءة ما بين سطورها ، وتنحنى عليها أكتاف البيان لرؤية ما خفي منها خلف سور قصدها
هي سمة الأدب ألا يصرح بكل شيء ، بل يترك للقارئ نصيب الفكر .
تمثلها معانيك خير مثل ، هادفة الكلمات هنا ، ليس الجوع مجرد كلمة تبعث الطوى بين الضلوع والحزن بالعيون
تحية لك أخي
أديب وربي

أستاذي النجيب : وددت أن أطرح بمقالي هذا فلسفة الجوع وفق المنهج الإسلامي ..

بورك مرورك العطر ...

د. نجلاء طمان
07-10-2007, 07:13 AM
مبدع أنت, وعودة للحوار

دمت خليلا

عروس الأروقة

مروة عبدالله
08-10-2007, 12:59 AM
الجوع .. في شهرنا الفضيل .. ولكننا لا نجوع

هذا فضل الله علينا

الأديب خليل الحلاوجي

أعجبني مقالك الجميل والمشوق

دمت معطاءاً

محبتي

د. حسان محمد الشناوي
10-10-2007, 09:02 PM
أبا إيناس

المفكر القدير

أ . خليل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وضعت ميسم فكرك على جرح نازف فينا نحن العرب والمسلمين ؛ ورحت تكشف مواطن الخطأ

في التصوات والمفاهيم ؛ فلله أنت من مفكر مبدع .

وليتنا ندرك أن الفقر الذي يغلفه العفاف هو الغنى الكامل ، حتى ولم يكن لدى الواحد منا غير

قوت يومه ؛ لأنه حينئذ سيكون قد حاز الدنيا بحذافيرها .

وأحسب أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ربط الحجر أو الحجرين لم يكن ذلك منه

وقوعا تحت طائلة ظروف يمر بها وهو الذي قال عن نفسه :

" إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ... " .

بل كان ذلك تعميقا لثقة المؤمن في ربه ، ويقينه بنصره الآتي وفرجه القريب ، وليس أدل على

ذلم من قوله ( صلوات الله وسلامه عليه ) في غزوة الخندق وهو يضرب الصخرة بمعوله بعد

أن عجز كثير من الصحابة على تكسيرها :

"فتحت لي خزائن كسرى ... فتحت لي المدائن ..." .

ليس الفقر عيبا حين يكون الحلال هو أساس الحياة .

بل العيب أن يكون الفقر وصمة في جبين الأمة حين يكثر أغنياؤها ، ويصبح فقراؤها مفتقدين

لقيمات تقمن أصلابهم .

وليت الناس يدركون أن المثقف هو مطعهم الطعام الذي يحفظ عليهم حياتهم .

أحسنت أستاذنا الكبير أيما إحسان بهذا الطرح الذي يؤم صوب النور ؛ ليكشف معالم الحياة

الصحيحة ؛ فجزاك الله خير الجزاء .

*****
واسمح لي بمناكشات لغوية راجعة إلى ما لا يكاد يفلت منها من يتعامل مع لوحة المفاتيح في

جهاز الحاسوب :


-فليس كل فقير جائع ( جائعا ؛ لأنها خبر ليس )

- فإذا كان الفقر اليوم هو ألوف ( ألوفا ؛ لكونها خبرا كقوله تعالى : " إن كان هذا هو الحقَّ )

والكفر بنعم الله هي ( هو ؛ لأن الكفر مذكر )

أحمد الرشيدي
10-10-2007, 11:41 PM
الحبيب الخليل

هذا دأبك أيها الأديب المتفكر بكل ما هو حوله يرى ببصيرة - أسأل الله أن يسددها دوما - ترنو إلى المعرفة والفهم والحقيقة ، ثم يعمل بجد واجتهاد ...

نعم أيها الأستاذ الكبير " من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا ".

بارك الله بك ، وفيك ، ولك يا ابن الموصل ، وأمنك دنيا وآخرة

جوتيار تمر
11-10-2007, 03:02 AM
ابو ايناس..................

في عقلك/ ما يكفي لان يتغذى منه الكثيرين...................

دمت بخير
محبتي لك
جوتيار

خليل حلاوجي
23-12-2007, 11:14 AM
لدينا جوع كامن ... لانشعر به بكل أسف

هو الجوع المعرفي :


لا يصدق بعضنا أن الذباب وهو سيد المزعجين لنا والناقل للمرض أن يستخدم سلاحاً في يد الأطباء لمقارعة أمراض مستعصية؛

فهو الأمر الغريب الذي نسمعه الآن، بعد أن طبق بنجاح في ألمانيا وبريطانيا وكندا وأمريكا.

ولكنه يبقى في بلداننا ... الذباب الذي جناحخ له مرض والآخر شفاء


أخي الحبيب :


نحن لا نزال نسير في النصوص
والله يريدنا أن نسير في الأرض وهي مع الكون ... قرآن آخر ... نحن عنه غافلين .


لاحرب بيني وبينكم .... أقصد السلام عليكم .


خليل حلاوجي .