حسين الهنداوي
09-05-2008, 10:03 PM
بوصلة اليراع و رونق الحب
في نص السلام عليك للأديبة : حوراء آل بورنو
الدراسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم
وَ السَّلامُ عَلَيْكَ !
أَصَابَنِي اليّومَ الرّافِعيُّ بِسّهمٍ فِي مُخِ العَظْمةِ التي تَسْتندُ عَلى أَثَافِيهَا الثّلاثةِ .. أَصَابَ مُخَ قَلّمِي ، وَ جَحدتْ عَينِي الوّقِيعةَ .
دَونَ أَنْ يَدرِي المُحِبّ يَتَحولُ فِيهِ المَسْلوبُ إِلى سَالبٍ ؛ يُسْلبُ لُبّهُ وَ يَشْردُ فِكْرهُ وَ تَهْربُ بَناتُ أَفْكَارِهِ العَذْرَاواتِ لتُلاقِحَ فِكْرَ المَحْبوبِ وِ فِكَرِهُ .. ، وَ البِكْرُ مِنْهَا صَفَحَاتٌ بِيضٌ مُشْرَبَةٌ بِحُمرة وَهَجُهَا الحُبّ وِ الحُبّ وِ لا شَيءَ غَير الحُبّ . حَتى إِذَا كَانتْ الحُروفُ وَلاّدَةً انْقلَبَ السّحِرُ عَلى السّاحِرِ وَ سَلبَ المُحِبّ عُصَارَةَ الحَياةِ مِن المَحْبوبِ لِيسْقَي بِهَا جُذُورَ مَعَانِيهِ .
هَكَذا كُنْتُ وَ الرَافِعيُّ ؛ سَلَبنِي لُبّي وَ شَردَ فِكْرِي إِلَيهِ وَ هَرَبتْ كُلُّ بَناتِ أَفْكَارِي نَحْوَ أَفْكَارِهِ ... فَكَتَبتنِي مَعَانِيَهُ صَفَحاتٍ بَيضَاءَ مُشْرَبَةٍ بِحُمرَةٍ كَيْفَ يَشَاءُ بِكُلِّ حُبّ وَ حُبّ وَ لا شَيء غَير الحُبّ .
اليّوم عَلِمتُ أَنّ المَعْشُوقَ قِطْعَةُ أَلَمٍ يَكْسُوهَا السّكَرُ ، وَ حَلاوَةُ الرّافِعيّ ذَابَتْ فِي فَمِي لَذِيذَةً .. لَذِيذَةً ، وَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَتْنِي كُلّ تِلكَ اللَّذَةِ حَلاوَةَ الصِياغَةِ وَ طَلاوَةَ العِبارَةِ أَفقْتُ فِي لَحْظَةٍ عَلى مَرَارَةِ الألَمِ أَنِّي أَسْلِبُ عُصَارَةَ فِكْرِهِ لأسْقِيّ جُذُورَ المعَانِي عِنْدِي .
و آه مَنْ أَلمٍ سَقَانِيهِ الرَافِعيّ .. وَ آه مِنْ أَلمٍ سَقَانِيهِ الرّافِعيّ !
وَ أَنْكَرَتْنِي كُلّ جَوَارِحِي ؛ فُؤَادِي وَ عَيْنِي وَ كَادَتْ أَصَابِعِي .
أَتَهْجُرِينَ الرّافِعِي يَا ابنَةَ قَلَمِهِ ؟ هُتَافٌ مَلأَ القَلبُ بِهِ مَسَامِعِي ، وَ ضَجَتْ بِهِ نَبَضَاتُ رُوحِهِ .. وَيْحَ نَفْسٍ تَهْجُرُ حِبّهَا وَ وَاهٍ عَلى رُوحٍ تُفَارِقُ صِنْوَهَا !
وَ حَارَ الدّمْعُ فِي تِلكَ الجُفُونِ فَمَا أَقْسَاهَا عَلى صَاحِبَتِهَا ، وَ وَالله إِنّي لَظَننتُ أَنّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ صَلّدِ الأرْضِ صَلةً وَ قَرَابَةً فَلا هِي ابْتَلعتْ مَاءهَا وَ لا هِي شَقتْ لهَا الأخَادِيدَ ؛ فَأَسِيلٌ هِي .. وَ لا هِي أَشْرَقتْ شَمْسُ السّكِينةِ عَليهَا فَجَفتْ .
نَعمْ أَهْجُرُهُ يَا كُلّ عِبارَاتِي المَأسُورَةَ فِي رِقّ " وَحْيّ القَلَمِ " ، وَ أَظْعَنُ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ يَا كُلّ مَعَانِيّ المُتَجَمِلَة بِـ " أَورَاقِ الوّرْدِ " ، وَ أُغَادِرُكِ يَا أَفْكَارِيّ المتَسَاقِطَة مِنْ " رَسَائِلِ الأحْزَانِ " ، وَ سَأجَفْفُ كُلّ مِاءٍ أَمْطَرَتْنِيهِ جُمَلَ " السّحَابِ الأحْمَرِ " ... ، نَعمْ ؛ أَنَا أَهْجُرُهُ .
وَ سَأغَيّرُ دَفّةَ قَلَمِي نَحْوَ فِكْرٍ لا يَعْرِفُ عَن الرّافِعِيّ غَيرَ أَصَالَتِهِ ، وَ سَأدِيرُ بَوصَلَةَ اليّرَاعَةِ نَحْوَ قَلْبٍ لا يَعِي مِنْ حُبّ الرّافِعِيّ إلا أَنّهُ سَلا حَبِيبَتَهُ ، وَ سَألملِمُ أَورَاقِي وَ أجْمَعُهَا حَتَى يَأتِي الخَرِيفُ القَادِمُ فَيَخْلَعَ عَلَيهَا مَنْ فُضُولِ مَعَانِيِهِ مَا سَكَنَ فِي نَفْسِي وَ اسْتَقَرَ مَعَ كُلّ وَرَقَةٍ لَفَظَتْهَا شَجَرَتُهَا .
فَمتى وَجَدْتُكِ يَا حُرُوفِي تَسْتَرِقِينَ النّظَرَ إِلى رَفِيقَاتٍ بَيْنَ طَياتِ صَفَحَاتٍ صَفْرَاءَ تَقَادَمَ عَهْدُهَا ، وَ دَفَعَكِ الحَنِينُ إِلى جَدَاولٍ رَقْرَاقةٍ سَقَتْ زَهْرَكِ أَزْمِنةً فَاعْلَمِي أَنّكِ مَوءُودَةٌ !
أَنْتِ جَمِيلَةٌ بِلا زِينَةٍ رَافِعِيةٍ ، وَ بَهِيةُ الطّلَةِ وَ إِنْ كَسَاكِ الذّبُولُ وَ لَكِنّ أَثَرَكِ فِيّ صَنَعَ لَكِ تِلكَ المَنِزلَةَ فِي نَفْسِي ؛ ذَابِلَةٌ .. ذَابِلَةٌ لَكِنّكِ أَنَا وَحْدِي دُونَ الرّافِعِي .
وَ ذُبُولكِ يَصْنَعُ مِنْ المعَانِي فِي كُلّ مَرَةٍ مَا لا يَصْنَعهُ فِي أَيّ مَرَةٍ ، فَهِي اللّذَةُ التي لا تَعْرِفَ اللّحَمَ وَ لا تَشْتَهيِهِ وَ لَكِنّهَا اللّذَةُ التي تَعْرِفُ الرّوحَ وَ تَشْتَهيِهِا ، فَيَتَلَونُ الخَرِيفُ بَيْنَ يَديِكِ بِكُلّ أَلُوانِ الرّبِيعِ ، وَ أَنْتِ الذّابِلَةُ !
يَا حُرُوفِي ! لا تَنْتَظِرِي الرِيّ مِنْ نَبْعِهِ ؛ فَمَا المَاءُ مِنْهَ إَلا مَسُ ظَاهِرٍ ، فَأَنْتِ الذّاوِيةُ ! وَ ثِقِي أَنّ البَاطِنَ رَيّانٌ وَ جُذُوركِ تَمْتَدُ إِلى أَعْمَاقِ القَلْبِ فَتِشْرَبُ مِنْهُ عُصَارَةَ لُبِّهِ وَ تَصَعَدُ بِهَا إَلى الأعَالِي لتَكُونِي صُورَةً مِنْ صُورِ الحُبِّ .
وَ يَا بَعْضَ مَعَانِي نَفْسَي ! ثِقِي أَنّكِ تَلْبَسِينَ عَارِيّةً وَ أَنْتِ بِهَا عَارِيّةٌ ؛ وَ لا بُدَ لِلعَارِيّةِ أَنْ تُسْتَردَ ، فَتَزَيَنِي بِبَيِانِي وَ إِنْ تَقَزّمَ أَمَامَ عِمْلاقِ البَيانِ وَ تَواضَعَ بَيْنَ يَدَيّ صَاحِبِ " إَعْجَازِ القُرآنِ " !
وَ خُذِي يَا صُورَةً مِنْ صُورِ رُوحِي كُلّ حِسْي ؛ يَصْبِغُكِ بِألوَانِ الطّيفِ تَارَةً وَ بِلونِ الضّياءِ تَارَةً وَ رُبَمَا بِلونِ شَقَائِقِ النّعْمَانِ دَائِمَاً .
وَ وَدْعِي مَعِي يَا بَعْضَ أَنْفَاسِي رَفِيْقَ البَلاغَةِ وَ صَاحِبَ الفّصَاحَةِ وَ الفّيلَسُوفَ العَظِيمَ ، وَ اكْتُبِي يَا كَلِمَاتِي إِلَيْهِ : ... وَ السَّلامُ عَلَيْكَ .
الدراسة النقدية
حينما تتحول الكلمات إلى جرار من الأحزان و حينما تصبح العبارات أثواب عروس نابضة بالشوق و الحب تتحول الطبيعة إلى معزوفة إنسانية يسكنها الفرح و يعبر من تلابيبها نهر السعادة باحثاً عن مصب في بحيرة تسجد أسماكها أمام نسمات الهواء الدافئة 0
الخاطرة الموسومة بعنوان ( السلام عليك ) و التي هي في الأصل رسالة إلى وحي الإنسان الذي يبحث عن السعادة و لكنه لا يجد لها سبيلاً 0
قد يكون ( لا وعي ) الأديب يكتب كلمات تلبس ثياب الفرح و لكنها تخفي قلباً مليئاً بالأحزان الواعدة الأحزان الصانعة لمعنى الحياة الحقيقي فالأدب معدنه الألم و هذا لا يعني أن يكون الأديب حزيناً متألماً حتى ينثر لنا كلماته الواعدة بالسعادة و لكنه بوعيه الحقيقي يستطيع أن يحول الألم إلى فرح أبدي و الرافعي بحد ذاته لم يخلوا من نبضات الألم الذي عكسه على كل الكتاب من بعده فهو متألم لحالة أمته يبحث عن حلول ليجعلها سعيدة سلاحه في ذلك الحب و لا شيء غير الحب و أديبتنا المرموقة حوراء آل بورنو صورة أخرى من صور الأدباء الباحثين عن المكانة السامقة و التي اتخذت الأدب حصاناً لها يطير بجناحين من نور و يسبح فوق غيوم المحبة باحثاً عن الخلود الأدبي كما هو حال أبوينا أدم و حواء و نحن ما زلنا معها و معهم نبحث عن الخلود الذي لا ندري مخ طعمه فقطعة السكر التي يكسوها الألم هي عصارة فكرة اتخذتها الكاتبة من حلاوة الرافعي و التي لا تعدو أن تكون ألماً انسانياً يبحث عن فم يتذوق لذيذ طعمه ((اليّوم عَلِمتُ أَنّ المَعْشُوقَ قِطْعَةُ أَلَمٍ يَكْسُوهَا السّكَرُ ، وَ حَلاوَةُ الرّافِعيّ ذَابَتْ فِي فَمِي لَذِيذَةً .. لَذِيذَةً ، وَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَتْنِي كُلّ تِلكَ اللَّذَةِ حَلاوَةَ الصِياغَةِ وَ طَلاوَةَ العِبارَةِ أَفقْتُ فِي لَحْظَةٍ عَلى مَرَارَةِ الألَمِ أَنِّي أَسْلِبُ عُصَارَةَ فِكْرِهِ لأسْقِيّ جُذُورَ المعَانِي عِنْدِي . )) و إذا سبرنا مكنونات النص الذي بين أيدينا بمعزل عن نفسية صاحبة النص فإننا نجد حيرة عظيمة تسكن حروفه فالدموع حارة محتارة في أجفان حروف النص و ما أقساها كما تقول الكاتبة على صاحبتها و هي ما زالت تملأ الأرض 000 و لا تستطيع الشمس أن تجفف هذه الدموع ((وَ حَارَ الدّمْعُ فِي تِلكَ الجُفُونِ فَمَا أَقْسَاهَا عَلى صَاحِبَتِهَا ، وَ وَالله إِنّي لَظَننتُ أَنّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ صَلّدِ الأرْضِ صَلةً وَ قَرَابَةً فَلا هِي ابْتَلعتْ مَاءهَا وَ لا هِي شَقتْ لهَا الأخَادِيدَ ؛ فَأَسِيلٌ هِي .. وَ لا هِي أَشْرَقتْ شَمْسُ السّكِينةِ عَليهَا فَجَفتْ . ))
و الكاتبة ما زالت تعيش بين دفقات حروف الرافعي في ( وحي القلم و رسائل الأحزان و السحاب الأحمر ) و إذا كان لا مناص لها من الإعجاب بالرافعي فإنها لا بد أن تخرج من شخصيته لترسم شخصية حوراء آل بورنو الحقيقية و تضع بصماتها على كل حرف من حروف كلماتها ليكون النص عندها قطعة من كبدها تسقيه دماً قانياً من وريدها و تعطيه سحراً رائعاً من روحها و تضفي عليه غلا لة من مشيتها الأدبية و هذا هو ما يتوخاه كل أديب 0
و المتفحص لجماليات السياق النصي عند الأديبة يجد انسياباً في رقة الكلمات و دفقاً في معانيها و سمواً في صياغتها و لا يستطيع أحد أن يقول إلا ما يحمله النص من ثياب جميلة و معاني لطيفة و لكن الأديب ذا الشخصية المستقلة لا بد له أن يؤطر على لوحة الطبيعة أبعاد شخصيته بعيداً عن الآخرين ((وَ سَأغَيّرُ دَفّةَ قَلَمِي نَحْوَ فِكْرٍ لا يَعْرِفُ عَن الرّافِعِيّ غَيرَ أَصَالَتِهِ ، وَ سَأدِيرُ بَوصَلَةَ اليّرَاعَةِ نَحْوَ قَلْبٍ لا يَعِي مِنْ حُبّ الرّافِعِيّ إلا أَنّهُ سَلا حَبِيبَتَهُ ، وَ سَألملِمُ أَورَاقِي وَ أجْمَعُهَا حَتَى يَأتِي الخَرِيفُ القَادِمُ فَيَخْلَعَ عَلَيهَا مَنْ فُضُولِ مَعَانِيِهِ مَا سَكَنَ فِي نَفْسِي وَ اسْتَقَرَ مَعَ كُلّ وَرَقَةٍ لَفَظَتْهَا )) و نحن نؤكد على قولها ( سأدير بوصلة اليراع نحو قلب لا يعي من حب الرافعي إلا أنه سلا حبيبته ) لنبين جمالية الصياغة و حسن المعنى و لنذكر أن الكلمة أو القلم بوصلة توجه المجتمع و الناس نحو المحبة و الخير حقا إن بين مدارات الطيف و ضياء الحروف تعيش الصورة الحية تختزل اللون لتعيد الأنفاس صفحات بيضاء نتلمسها في القلوب و ندركها في العيون و تتحرك في نبضات عروقنا
لتتلا قح بنات أفكارنا 000 و بين البلاغة و الفصاحة التي تمتلكها الكاتبة خيط العبور إلى دفقات قلب توسم اللذة على شفاه خريفه برغم كل ما يعتريها من ذبول
(( وَ ذُبُولكِ يَصْنَعُ مِنْ المعَانِي فِي كُلّ مَرَةٍ مَا لا يَصْنَعهُ فِي أَيّ مَرَةٍ ، فَهِي اللّذَةُ التي لا تَعْرِفَ اللّحَمَ وَ لا تَشْتَهيِهِ وَ لَكِنّهَا اللّذَةُ التي تَعْرِفُ الرّوحَ وَ تَشْتَهيِهِا ، فَيَتَلَونُ الخَرِيفُ بَيْنَ يَديِكِ بِكُلّ أَلُوانِ الرّبِيعِ ، وَ أَنْتِ الذّابِلَةُ !
يَا حُرُوفِي ! لا تَنْتَظِرِي الرِيّ مِنْ نَبْعِهِ ؛ فَمَا المَاءُ مِنْهَ إَلا مَسُ ظَاهِرٍ ، فَأَنْتِ الذّاوِيةُ ! وَ ثِقِي أَنّ البَاطِنَ رَيّانٌ وَ جُذُوركِ تَمْتَدُ إِلى أَعْمَاقِ القَلْبِ فَتِشْرَبُ مِنْهُ عُصَارَةَ لُبِّهِ وَ تَصَعَدُ بِهَا إَلى الأعَالِي لتَكُونِي صُورَةً مِنْ صُورِ الحُبِّ . ))
و تبقى عصارة القلب تستقي ماء رونقها من بئر عميقة لا قرار لها ولا اتساع
في نص السلام عليك للأديبة : حوراء آل بورنو
الدراسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم
وَ السَّلامُ عَلَيْكَ !
أَصَابَنِي اليّومَ الرّافِعيُّ بِسّهمٍ فِي مُخِ العَظْمةِ التي تَسْتندُ عَلى أَثَافِيهَا الثّلاثةِ .. أَصَابَ مُخَ قَلّمِي ، وَ جَحدتْ عَينِي الوّقِيعةَ .
دَونَ أَنْ يَدرِي المُحِبّ يَتَحولُ فِيهِ المَسْلوبُ إِلى سَالبٍ ؛ يُسْلبُ لُبّهُ وَ يَشْردُ فِكْرهُ وَ تَهْربُ بَناتُ أَفْكَارِهِ العَذْرَاواتِ لتُلاقِحَ فِكْرَ المَحْبوبِ وِ فِكَرِهُ .. ، وَ البِكْرُ مِنْهَا صَفَحَاتٌ بِيضٌ مُشْرَبَةٌ بِحُمرة وَهَجُهَا الحُبّ وِ الحُبّ وِ لا شَيءَ غَير الحُبّ . حَتى إِذَا كَانتْ الحُروفُ وَلاّدَةً انْقلَبَ السّحِرُ عَلى السّاحِرِ وَ سَلبَ المُحِبّ عُصَارَةَ الحَياةِ مِن المَحْبوبِ لِيسْقَي بِهَا جُذُورَ مَعَانِيهِ .
هَكَذا كُنْتُ وَ الرَافِعيُّ ؛ سَلَبنِي لُبّي وَ شَردَ فِكْرِي إِلَيهِ وَ هَرَبتْ كُلُّ بَناتِ أَفْكَارِي نَحْوَ أَفْكَارِهِ ... فَكَتَبتنِي مَعَانِيَهُ صَفَحاتٍ بَيضَاءَ مُشْرَبَةٍ بِحُمرَةٍ كَيْفَ يَشَاءُ بِكُلِّ حُبّ وَ حُبّ وَ لا شَيء غَير الحُبّ .
اليّوم عَلِمتُ أَنّ المَعْشُوقَ قِطْعَةُ أَلَمٍ يَكْسُوهَا السّكَرُ ، وَ حَلاوَةُ الرّافِعيّ ذَابَتْ فِي فَمِي لَذِيذَةً .. لَذِيذَةً ، وَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَتْنِي كُلّ تِلكَ اللَّذَةِ حَلاوَةَ الصِياغَةِ وَ طَلاوَةَ العِبارَةِ أَفقْتُ فِي لَحْظَةٍ عَلى مَرَارَةِ الألَمِ أَنِّي أَسْلِبُ عُصَارَةَ فِكْرِهِ لأسْقِيّ جُذُورَ المعَانِي عِنْدِي .
و آه مَنْ أَلمٍ سَقَانِيهِ الرَافِعيّ .. وَ آه مِنْ أَلمٍ سَقَانِيهِ الرّافِعيّ !
وَ أَنْكَرَتْنِي كُلّ جَوَارِحِي ؛ فُؤَادِي وَ عَيْنِي وَ كَادَتْ أَصَابِعِي .
أَتَهْجُرِينَ الرّافِعِي يَا ابنَةَ قَلَمِهِ ؟ هُتَافٌ مَلأَ القَلبُ بِهِ مَسَامِعِي ، وَ ضَجَتْ بِهِ نَبَضَاتُ رُوحِهِ .. وَيْحَ نَفْسٍ تَهْجُرُ حِبّهَا وَ وَاهٍ عَلى رُوحٍ تُفَارِقُ صِنْوَهَا !
وَ حَارَ الدّمْعُ فِي تِلكَ الجُفُونِ فَمَا أَقْسَاهَا عَلى صَاحِبَتِهَا ، وَ وَالله إِنّي لَظَننتُ أَنّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ صَلّدِ الأرْضِ صَلةً وَ قَرَابَةً فَلا هِي ابْتَلعتْ مَاءهَا وَ لا هِي شَقتْ لهَا الأخَادِيدَ ؛ فَأَسِيلٌ هِي .. وَ لا هِي أَشْرَقتْ شَمْسُ السّكِينةِ عَليهَا فَجَفتْ .
نَعمْ أَهْجُرُهُ يَا كُلّ عِبارَاتِي المَأسُورَةَ فِي رِقّ " وَحْيّ القَلَمِ " ، وَ أَظْعَنُ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ يَا كُلّ مَعَانِيّ المُتَجَمِلَة بِـ " أَورَاقِ الوّرْدِ " ، وَ أُغَادِرُكِ يَا أَفْكَارِيّ المتَسَاقِطَة مِنْ " رَسَائِلِ الأحْزَانِ " ، وَ سَأجَفْفُ كُلّ مِاءٍ أَمْطَرَتْنِيهِ جُمَلَ " السّحَابِ الأحْمَرِ " ... ، نَعمْ ؛ أَنَا أَهْجُرُهُ .
وَ سَأغَيّرُ دَفّةَ قَلَمِي نَحْوَ فِكْرٍ لا يَعْرِفُ عَن الرّافِعِيّ غَيرَ أَصَالَتِهِ ، وَ سَأدِيرُ بَوصَلَةَ اليّرَاعَةِ نَحْوَ قَلْبٍ لا يَعِي مِنْ حُبّ الرّافِعِيّ إلا أَنّهُ سَلا حَبِيبَتَهُ ، وَ سَألملِمُ أَورَاقِي وَ أجْمَعُهَا حَتَى يَأتِي الخَرِيفُ القَادِمُ فَيَخْلَعَ عَلَيهَا مَنْ فُضُولِ مَعَانِيِهِ مَا سَكَنَ فِي نَفْسِي وَ اسْتَقَرَ مَعَ كُلّ وَرَقَةٍ لَفَظَتْهَا شَجَرَتُهَا .
فَمتى وَجَدْتُكِ يَا حُرُوفِي تَسْتَرِقِينَ النّظَرَ إِلى رَفِيقَاتٍ بَيْنَ طَياتِ صَفَحَاتٍ صَفْرَاءَ تَقَادَمَ عَهْدُهَا ، وَ دَفَعَكِ الحَنِينُ إِلى جَدَاولٍ رَقْرَاقةٍ سَقَتْ زَهْرَكِ أَزْمِنةً فَاعْلَمِي أَنّكِ مَوءُودَةٌ !
أَنْتِ جَمِيلَةٌ بِلا زِينَةٍ رَافِعِيةٍ ، وَ بَهِيةُ الطّلَةِ وَ إِنْ كَسَاكِ الذّبُولُ وَ لَكِنّ أَثَرَكِ فِيّ صَنَعَ لَكِ تِلكَ المَنِزلَةَ فِي نَفْسِي ؛ ذَابِلَةٌ .. ذَابِلَةٌ لَكِنّكِ أَنَا وَحْدِي دُونَ الرّافِعِي .
وَ ذُبُولكِ يَصْنَعُ مِنْ المعَانِي فِي كُلّ مَرَةٍ مَا لا يَصْنَعهُ فِي أَيّ مَرَةٍ ، فَهِي اللّذَةُ التي لا تَعْرِفَ اللّحَمَ وَ لا تَشْتَهيِهِ وَ لَكِنّهَا اللّذَةُ التي تَعْرِفُ الرّوحَ وَ تَشْتَهيِهِا ، فَيَتَلَونُ الخَرِيفُ بَيْنَ يَديِكِ بِكُلّ أَلُوانِ الرّبِيعِ ، وَ أَنْتِ الذّابِلَةُ !
يَا حُرُوفِي ! لا تَنْتَظِرِي الرِيّ مِنْ نَبْعِهِ ؛ فَمَا المَاءُ مِنْهَ إَلا مَسُ ظَاهِرٍ ، فَأَنْتِ الذّاوِيةُ ! وَ ثِقِي أَنّ البَاطِنَ رَيّانٌ وَ جُذُوركِ تَمْتَدُ إِلى أَعْمَاقِ القَلْبِ فَتِشْرَبُ مِنْهُ عُصَارَةَ لُبِّهِ وَ تَصَعَدُ بِهَا إَلى الأعَالِي لتَكُونِي صُورَةً مِنْ صُورِ الحُبِّ .
وَ يَا بَعْضَ مَعَانِي نَفْسَي ! ثِقِي أَنّكِ تَلْبَسِينَ عَارِيّةً وَ أَنْتِ بِهَا عَارِيّةٌ ؛ وَ لا بُدَ لِلعَارِيّةِ أَنْ تُسْتَردَ ، فَتَزَيَنِي بِبَيِانِي وَ إِنْ تَقَزّمَ أَمَامَ عِمْلاقِ البَيانِ وَ تَواضَعَ بَيْنَ يَدَيّ صَاحِبِ " إَعْجَازِ القُرآنِ " !
وَ خُذِي يَا صُورَةً مِنْ صُورِ رُوحِي كُلّ حِسْي ؛ يَصْبِغُكِ بِألوَانِ الطّيفِ تَارَةً وَ بِلونِ الضّياءِ تَارَةً وَ رُبَمَا بِلونِ شَقَائِقِ النّعْمَانِ دَائِمَاً .
وَ وَدْعِي مَعِي يَا بَعْضَ أَنْفَاسِي رَفِيْقَ البَلاغَةِ وَ صَاحِبَ الفّصَاحَةِ وَ الفّيلَسُوفَ العَظِيمَ ، وَ اكْتُبِي يَا كَلِمَاتِي إِلَيْهِ : ... وَ السَّلامُ عَلَيْكَ .
الدراسة النقدية
حينما تتحول الكلمات إلى جرار من الأحزان و حينما تصبح العبارات أثواب عروس نابضة بالشوق و الحب تتحول الطبيعة إلى معزوفة إنسانية يسكنها الفرح و يعبر من تلابيبها نهر السعادة باحثاً عن مصب في بحيرة تسجد أسماكها أمام نسمات الهواء الدافئة 0
الخاطرة الموسومة بعنوان ( السلام عليك ) و التي هي في الأصل رسالة إلى وحي الإنسان الذي يبحث عن السعادة و لكنه لا يجد لها سبيلاً 0
قد يكون ( لا وعي ) الأديب يكتب كلمات تلبس ثياب الفرح و لكنها تخفي قلباً مليئاً بالأحزان الواعدة الأحزان الصانعة لمعنى الحياة الحقيقي فالأدب معدنه الألم و هذا لا يعني أن يكون الأديب حزيناً متألماً حتى ينثر لنا كلماته الواعدة بالسعادة و لكنه بوعيه الحقيقي يستطيع أن يحول الألم إلى فرح أبدي و الرافعي بحد ذاته لم يخلوا من نبضات الألم الذي عكسه على كل الكتاب من بعده فهو متألم لحالة أمته يبحث عن حلول ليجعلها سعيدة سلاحه في ذلك الحب و لا شيء غير الحب و أديبتنا المرموقة حوراء آل بورنو صورة أخرى من صور الأدباء الباحثين عن المكانة السامقة و التي اتخذت الأدب حصاناً لها يطير بجناحين من نور و يسبح فوق غيوم المحبة باحثاً عن الخلود الأدبي كما هو حال أبوينا أدم و حواء و نحن ما زلنا معها و معهم نبحث عن الخلود الذي لا ندري مخ طعمه فقطعة السكر التي يكسوها الألم هي عصارة فكرة اتخذتها الكاتبة من حلاوة الرافعي و التي لا تعدو أن تكون ألماً انسانياً يبحث عن فم يتذوق لذيذ طعمه ((اليّوم عَلِمتُ أَنّ المَعْشُوقَ قِطْعَةُ أَلَمٍ يَكْسُوهَا السّكَرُ ، وَ حَلاوَةُ الرّافِعيّ ذَابَتْ فِي فَمِي لَذِيذَةً .. لَذِيذَةً ، وَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَتْنِي كُلّ تِلكَ اللَّذَةِ حَلاوَةَ الصِياغَةِ وَ طَلاوَةَ العِبارَةِ أَفقْتُ فِي لَحْظَةٍ عَلى مَرَارَةِ الألَمِ أَنِّي أَسْلِبُ عُصَارَةَ فِكْرِهِ لأسْقِيّ جُذُورَ المعَانِي عِنْدِي . )) و إذا سبرنا مكنونات النص الذي بين أيدينا بمعزل عن نفسية صاحبة النص فإننا نجد حيرة عظيمة تسكن حروفه فالدموع حارة محتارة في أجفان حروف النص و ما أقساها كما تقول الكاتبة على صاحبتها و هي ما زالت تملأ الأرض 000 و لا تستطيع الشمس أن تجفف هذه الدموع ((وَ حَارَ الدّمْعُ فِي تِلكَ الجُفُونِ فَمَا أَقْسَاهَا عَلى صَاحِبَتِهَا ، وَ وَالله إِنّي لَظَننتُ أَنّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ صَلّدِ الأرْضِ صَلةً وَ قَرَابَةً فَلا هِي ابْتَلعتْ مَاءهَا وَ لا هِي شَقتْ لهَا الأخَادِيدَ ؛ فَأَسِيلٌ هِي .. وَ لا هِي أَشْرَقتْ شَمْسُ السّكِينةِ عَليهَا فَجَفتْ . ))
و الكاتبة ما زالت تعيش بين دفقات حروف الرافعي في ( وحي القلم و رسائل الأحزان و السحاب الأحمر ) و إذا كان لا مناص لها من الإعجاب بالرافعي فإنها لا بد أن تخرج من شخصيته لترسم شخصية حوراء آل بورنو الحقيقية و تضع بصماتها على كل حرف من حروف كلماتها ليكون النص عندها قطعة من كبدها تسقيه دماً قانياً من وريدها و تعطيه سحراً رائعاً من روحها و تضفي عليه غلا لة من مشيتها الأدبية و هذا هو ما يتوخاه كل أديب 0
و المتفحص لجماليات السياق النصي عند الأديبة يجد انسياباً في رقة الكلمات و دفقاً في معانيها و سمواً في صياغتها و لا يستطيع أحد أن يقول إلا ما يحمله النص من ثياب جميلة و معاني لطيفة و لكن الأديب ذا الشخصية المستقلة لا بد له أن يؤطر على لوحة الطبيعة أبعاد شخصيته بعيداً عن الآخرين ((وَ سَأغَيّرُ دَفّةَ قَلَمِي نَحْوَ فِكْرٍ لا يَعْرِفُ عَن الرّافِعِيّ غَيرَ أَصَالَتِهِ ، وَ سَأدِيرُ بَوصَلَةَ اليّرَاعَةِ نَحْوَ قَلْبٍ لا يَعِي مِنْ حُبّ الرّافِعِيّ إلا أَنّهُ سَلا حَبِيبَتَهُ ، وَ سَألملِمُ أَورَاقِي وَ أجْمَعُهَا حَتَى يَأتِي الخَرِيفُ القَادِمُ فَيَخْلَعَ عَلَيهَا مَنْ فُضُولِ مَعَانِيِهِ مَا سَكَنَ فِي نَفْسِي وَ اسْتَقَرَ مَعَ كُلّ وَرَقَةٍ لَفَظَتْهَا )) و نحن نؤكد على قولها ( سأدير بوصلة اليراع نحو قلب لا يعي من حب الرافعي إلا أنه سلا حبيبته ) لنبين جمالية الصياغة و حسن المعنى و لنذكر أن الكلمة أو القلم بوصلة توجه المجتمع و الناس نحو المحبة و الخير حقا إن بين مدارات الطيف و ضياء الحروف تعيش الصورة الحية تختزل اللون لتعيد الأنفاس صفحات بيضاء نتلمسها في القلوب و ندركها في العيون و تتحرك في نبضات عروقنا
لتتلا قح بنات أفكارنا 000 و بين البلاغة و الفصاحة التي تمتلكها الكاتبة خيط العبور إلى دفقات قلب توسم اللذة على شفاه خريفه برغم كل ما يعتريها من ذبول
(( وَ ذُبُولكِ يَصْنَعُ مِنْ المعَانِي فِي كُلّ مَرَةٍ مَا لا يَصْنَعهُ فِي أَيّ مَرَةٍ ، فَهِي اللّذَةُ التي لا تَعْرِفَ اللّحَمَ وَ لا تَشْتَهيِهِ وَ لَكِنّهَا اللّذَةُ التي تَعْرِفُ الرّوحَ وَ تَشْتَهيِهِا ، فَيَتَلَونُ الخَرِيفُ بَيْنَ يَديِكِ بِكُلّ أَلُوانِ الرّبِيعِ ، وَ أَنْتِ الذّابِلَةُ !
يَا حُرُوفِي ! لا تَنْتَظِرِي الرِيّ مِنْ نَبْعِهِ ؛ فَمَا المَاءُ مِنْهَ إَلا مَسُ ظَاهِرٍ ، فَأَنْتِ الذّاوِيةُ ! وَ ثِقِي أَنّ البَاطِنَ رَيّانٌ وَ جُذُوركِ تَمْتَدُ إِلى أَعْمَاقِ القَلْبِ فَتِشْرَبُ مِنْهُ عُصَارَةَ لُبِّهِ وَ تَصَعَدُ بِهَا إَلى الأعَالِي لتَكُونِي صُورَةً مِنْ صُورِ الحُبِّ . ))
و تبقى عصارة القلب تستقي ماء رونقها من بئر عميقة لا قرار لها ولا اتساع