المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموت الطارئ


هشام آدم
12-05-2008, 06:23 PM
في انتظار اللحظة التي لا تخطئها البصيرة، وقفت "شاهيناز" قبالة النافذة المطلّة على حديقة المنزل. ثمة شجيرات صغيرة وقطة تدفن برازها بالرمل، ولعبة بلاستيكية متكسّرة، وكيس نايلوني ينساب بين الحشائش تتقاذفه نسمات هواء خريفية ساخنة. المنظر يبدو في عينيها باهتاً وكئيباً، رغم أنّها لم تكن تمعن النظر فيما تراه، كانت عيناها تنظران إلى الداخل عبر شريط الذاكرة السينمائية: مائدة طعام طويلة، وأشخاص مهندمون وأصوات اصطكاك الكؤوس والملاعق، وجرس الباب الذي يشبه جرس الكنائس، وضحكات رجل كث الشوارب يتصدّر مائدة الطعام المستطيلة، ونحنحات نساء أرستقراطيات، وصوت خافت لشابٍ وسيم: "فليكن حفل الزفاف بعد غدٍ إذن!" يتراجم الجالسون الكلام والاتفاق، بينما تجلس في زاويةٍ ما من المشهد السينمائي دون أن تشاركهم الحديث.

"شاهيناز" أصيبت بالصدمة مرّتين: فمرّة عندما عقدوا الاتفاق، ومرّة عندما اكتشفت أنّها طرف في هذا الاتفاق الذي لم يُسمح لها بالمشاركة فيه. الأمور تسير بسرعة غريبة عندما لا نريد حدوثها، ظنّت أنّ ما يحدث أمامها كابوس مزعج، أو مزحة كمزحات العم "فاروق جيلي" الثقيلة، فمنذ أن تعاقد من الجيش، لم يستطع أن يكيّف نفسه مع الوضع المدني الجديد. ربما أحسّ أن معاملته القاسية آخر خيط عسكري يتشبث به، لقد كان يعشق الحياة العسكرية أكثر من عشقه لزوجته "فريال ضوّ البيت" على كل حال!

يومان فقط، وكان كل شيء جاهز، وجدت نفسها داخل فستان زفاف أبيض ثقيل، كان ثقل الفستان مناسباً تماماً لحالتها المزاجية العكرة، وشعرت بوخز أسلاكه على جسدها وكأنّ ثوب زفافها ثوب تعذيب صيني قديم من أواخر القرن السادس عشر. قبّلتها والدتها، وتركت على خديّها بقايا أحمر الشفاه، وقبّلها والدها، وترك لها وخز شعيرات لحيته الأرستقراطية الخفيفة، وقبّلها أخوها الأصغر، فترك لها لزوجة عصير المانجو، الوحيد الذي لم يقبّلها هو "الفاتح بشرى" زوجها الطارئ.

جلست، مندهشة وهي تشاهد طقوس البُطان*، تقافز الفتية من أمامها، وتجرّدهم من الملابس، عرقهم أجسادهم السمراء الذي لمع تحت أضواء الحفل الصاخب لمعاناً مزعجاً ومقززاً. تجرّدوا من ملابسهم، ووقفوا صفاً أمام الجلاّد، وحين امتشق الفاتح البشرى سوطه وشمّر عن ساعديه، رأت فيه جلاداً بلا رحمة. كان الحضور يحسبون عدد السياط بصوتٍ عالٍ (واحد .. اتنين .. تلاتة ..) وتسيل الدماء على الظهور والأكتاف. شعرت شاهيناز بالغثيان، والرغبة في التقيؤ، ولكنها لم تفعل.

انتهى الزفاف، وها هي تقف الآن في غرفة نومها الطارئة أيضاً، تنظر من خلال نافذتها إلى حديقة المنزل الخارجية في انتظار العريس الذي انشغل بتوديع المدعوين. لم تستطع أن تتخلّص من تلك المشاهد الدموية، وفكّرت كثيراً في الألم الذي ينتظرها على فراش الزوجية القابع وراءها كالمقصلة. نظرت إليه طويلاً، فرأيت نباتاتٍ مفترسة، وحشائش سامة نابتة على أطرافه المخملية، كل شيء في المكان يُوحي بعدوانية الجنس والألم، والألوان الحمراء كبقع الجدري تملئ المكان، قالت: "لون الرغبة، أم لون الألم؟" لم تكن تشعر بتلك الرغبة الباردة المُدغدغة التي تشعر بها الفتيات في لحظاتٍ كهذه ، كانت تشعر بالخوف، والألم يعتصر ما بين فخذيها، وكأنها تنتظر النحر من ذلك المكان. لعنت للفرعون في سرها .. ثم أغمضت عينيها ونامت في سريرها في انتظار الموت الطارئ.
___________
* البطان: من العادات السودانية القديمة التي ما تزال موجودة في بعض المناطق. هذه العادة تخص القبائل السودانية ذات الأصول العربية. وتقتضي العادة أن يُمسك العريس سوطاً من جلد البقر وأن يجلد من يتبرع للجلد من أصدقائه ومحبيه أو أيّ شخص آخر. يقوم هذا المتبرّع بنزع ملابسه العلوية ويتلقى ما يقدر على تحمّله من الأسواط ويكون هذا المشهد أمام جمع من النساء والفتيات، ويُقال أنّ هذه العادة جاءت من بعض القبائل العربية (الشوايقة) تحديداً وترجع أصول هذه العادة إلى تقليد بدء العمل به بعد الحملة التركية على السودان والتي استهدفت تلك المناطق. ويُقال أنّ رجال القبائل الشايقية فرّت من أمام الجيش التركي، تاركةً النساء وراءها. ومنذ ذلك الحين والرجال يجلدون أنفسهم أمام النساء في حركة تعبيرية عن اعتذارهم لهن لتخاذلهم. وتطورت هذه العادة وأصبحت مدعاة للمفاخرة وإظهاراً للرجولة.

ريم بدر الدين
12-05-2008, 10:27 PM
مذهولة يا هشام
إلى أن أشفى من الذهول
أعود
تحياتي لك

يُمنى سالم
13-05-2008, 02:27 AM
أستاذ/ هشام آدم

حضور أول وحجز مقعد

تحيتي

هشام آدم
13-05-2008, 04:28 PM
الأستاذتين والصديقتين : ريم بدر الدين و يمنى سالم

لكما تحياتي الخالصة والكاملة ... وسعيد بمروركما من هنا ، وفي انتظار عودتكما مجدداً

كل الود والتقدير

يُمنى سالم
14-05-2008, 11:44 AM
هو مجتمعنا يا هشام بكل ما يحمله من تقاليد غريبة وعادات سيئة.
طقوس المجتمع السوداني غريبة بعض الشيء فيما يخص الزواج، وما يسبقه ما يليه، وما ألمحت إليه بين أسطر السرد هنا معاناة حقيقية للعوائل التي ما زالت تتمسك بهذا النوع من التقاليد، والتي قد تبدأ منذ ولادة الفتاة، ولا تنتهي فقط عند الزواج بل ما تتركه من رواسب شتى تؤثر على حياتها فيما بعد ناهيك عن بعض القسوة رغم أن ذلك كله يأتي بمبررات كما أسلفت.
فلا يكون الحفاظ على الفتاة بوأد حقها في الحياة، ولا يكون الإعتذار بجلد النفس.
ولكنه كما قلت لك، مجتمعنا ملزومون به وملزومٌ بنا.

أستاذ هشام

ولأني عشت طويلاً بجوار أحبتي من السودان أدرك معنى ما تكتب وتقول، وأحمد الله على تلك الجيرة الطيبة لأنها فتحت آفاق استيعاب أخرى.

تحية تليق بك

هشام آدم
14-05-2008, 01:01 PM
الأخت : يمنى سالم

في الوقت الذي أصرّ فيه على مناداتك بالـ(الأخت) تصرين على مناداتي بالـ(أستاذ) ولا أدري من قال لك بأنني أستاذ أو أستحق هذا اللقب. (خلي البساط أحمدي)

غرابة العادات السودانية أخت يُمنى في اعتقادي نابع من تأثر العديد من القبائل بالثقافة الأفريقية أو الزنجية في كثير من الطقوس. وربما لعب دور التصوّف والطرق الصوفية والمتأصل في الثقافة السودانية دوره في خلق العديد من هذه العادات والتقاليد والطقوس الغريبة. السودان كدولة كبيرة وشاسعة يضم العديد من القبائل التي بدورها تألفت وتكونت من مختلف المناطق الأفريقية: الحبشة وغينيا وتشاد ويوغندا ومصر أو النوبة بالتحديد، كما أنّ هنالك قبائل سودانية ذات أصول تركية وبربرية، وكذلك المناطق العربية: اليمن والجزيرة العربية أو الحجاز بالتحديد. هذا التعدد خلق نوعاً من الثراء الثقافي وفي ذات الوقت فإنه خلق نوع من ضياع الهوية التي ما زال السودان يعاني منه حتى اليوم فنحن غير قادرون على تحديد ما إذا كنا أفارقة خلّص أم عرباً. رغم أنّ هنالك العديد من القبائل التي تطمئن تماماً إلى كونها عربية خالصة إلا أنّه لا يمكن الجزم بذلك أبداً لاسيما إذا عرفنا أنّ اللغة العربية والعرب دخلوا السودان عن طريق حملات الجيوش الإسلامية التي كانت بقيادة عبد الله بن أبي السرح وتم التزاوج بين بعض العرب الذين استقروا في بعض المناطق السودانية لاسيما في وجود أجواء صالحة للزراعة والتجارة عبر استخدام مياه البحر الأحمر من ناحية، واستغلال الحدود الأريترية (الحبشة).

ربما وفدت إلينا عادة الختان من مصر عن طريق القبائل النوبية أو عن طريق القبائل العربية التي كانت تعرف أنواعاً محددة من الختان وأياً كانت التخمينات فإن القبائل الأفريقية لم تعرف الختان سواء للإناث أو الذكور. والكلام عن الختان الآن ينحصر في ختان الإناث بشكل أكثر تحديداً لأنه ثبت إحداثه لأضرار جسيمة سواء عضوية أو نفسية بينما لا يجد أحد ضيراً في ختان الذكور لأنه لا توجد إحصائيات تقرر حصول ضرر ناتج عن الختان بالنسبة للذكور. ومعظم القبائل العربية التي تصر على أمر الختان فهي توعز ذلك إلى نصوص دينية مختلف حولها الأمر الذي جعل أمر الختان مدعوماً بداعم شرعي وتقليدي. ومن الصعوبة بمجال عزيزتي يُمنى مقاومة العادات والتقاليد ويصبح الأمر أكثر صعوبة عندما ترتبط هذه العادات بالدين. وهذا هو تحديداً ما يحدث في السودان ، فمناهضة ختان الإناث يقابل برفض صارم وقاطع لاسيما من قِبل كبار السن الذين يمكن أن نسمّيهم بكهنة العادات والتقاليد وحراسها الأمينين، وهم إذ يفعلون ذلك فإنما يفعلونه من منطلق الحفاظ على هذه العادات بغض النظر عما إذا كانت سيئة أم حميدة. ومن الصعب طبعاً إقناعهم بعكس ما يعتقدونه. ورغم أنّ هنالك العديد من منظمات المجتمع المدني تشن حرباً شعواء على هذه العادة وعلى غيرها من العادات البائدة إلا أنّ هنالك تياراً قوياً يدافع عن هذه العادات بضراوة الأمر الذي يهدد مستقبل العديد من الإناث في هذه المنطقة.

حاولت في هذه القصة أن أسلّط الضوء على مسألة قهر الرجل للمرأة بذكر بعض مناحي هذا القهر بشكل مباشر أو غير مباشر ، وأتمنى أن أكون نجحت في ذلك .. سعيد بعودتك مجدداً للنص وأتمنى أن يكون قد نال إعجابك

لك مني كل التحية والتقدير