المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرضا عن الله


عصام مشعل
16-10-2007, 09:42 PM
وأنا أقرأ في القرآن الكريم استوقفني قول الله تعالى

رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ

في سورة المائدة الآية رقم ( 119 )

قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

وسورة التوبة الآية رقم ( 100 )

وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ

رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ

وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

وسورة المجادلة الآية رقم ( 22 )

وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ

أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

وسورة البَيْنة الآية رقم ( 8 )

جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ

ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ

لما استوقفني هذا النص القُرآني قُلت لنفسي

أنه من السهل عليً أن أستوعِب قوله الله تعالى (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )

ولكن

كيف أستوعب قول الله تعالى ( وَرَضُوا عَنْهُ)

فالرِضا يكون من الله سبحانه وتعالى علينا

فكيف يكون الرضا منا عن الله ؟

سؤالاً أرهقني البحث في الإجابة عنه

فسألت من سألت من أهل الذِكر .. وقرأت ما قرأت من تفسيرات

وفهمت أن تفسير قوله تعالى ( رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )

أن المولى عز وجل إذا رَضِيَ عن عبدٍ من عِباده يَسَرَ له حاله في الدنيا

فيرزُقه من حيث لا يحتسب ويُشفيه من مرضه

ويَتقَبَل أعماله ويُسَخِر له القلوب وغير ذلك من أحوال الحياة الدنيا

قال الشاعر

إذا رضى المحبوب صح لك الوصل

أما تفسير قوله الله تعالى ( وَرَضُوا عَنْهُ ) فيمكن أن أُلَخِصَه في جُملَة واحدة

وهي ( الرضا بقضاء الله) فنصبر على البلاء ..

فقد يكون الصبر على البلاء مُراً وقد يكون حُلواً وقد يكون عِشقاً

فأما عن الصبر المُر على البلاء

فمعناه أن أصبِر لقِلَة حيلتي على ما أصابني ولا أقول مثلاً ... طيب أنا ها عمل إيه

أو ( ما باليد حيلة ) أو ( أدي ألله وادي حِكمته )

فالصبر هنا يتَفَجَر مرارة في نفس الإنسان ولكنه يُمسِك لسانه عن الخطأ

فينتظر على صبره لتحقيق أحد أمرين ..

إما ( أجراً ) وإما ( بُشرى )

يقول تعالى

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ

قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ

فإذا اجتمع كل الناس ضِد هذا الشخص

فإنه يلجأ إلى قول الله تعالى

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ

فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ

وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

وهذا النوع من الصبر على البلاء يُسمى ( صبر الرضاء )

وليس فيه مرارة في النفس ومع هذا الصبر يكون التسليم بقضاء الله

فالإنسان لا يجد صعوبة في تًقَبُله ويشعر براحه في صدره

ولَذّة في الإذعان لقضاء الله وهو مؤمن بأن الخِيرَة فيما اختاره الله

أما قِمة الصبر على البلاء أو الابتلاء

فيكون في الذين إذا أصابتهم مُصيبة يفرحون بها لثقتَهم أنها اختبار من الله تعالى

وأن هذا الاختبار ماهو إلا رحمة لهم من الله ويعلمون أن مصيبتهم هذه

فيها ما لا يعلمون وهم لا ينتظرون خيراً من ذلك

بل أنهم يعتقدون أن الخير موجود في المُصيبة نفسها ...

وهؤلاء هم الذين يرضون عن الله تعالى

ويُسمى هذا النوع من الصبر ( صبر الراضين عن الله )

أي الراضين بقضاء الله تعالى

والراضين عن الله أو بقضاء الله يينظرون إلى ( البلاء )

على أنه قد يكون بلاء للانتقام وهذا النوع من البلاء لا يُنزِلَه الله تعالى على المؤمنين

بل على أعدائه والكافرين به وهذا البلاء لا يمنَع العقوبة في الآخرة

يقول تعالى

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ

لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ويقول تعالى

فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ

وينظرون إليه أيضاً على أنه قد يكون

قد يكون ابتلاء ( كَفَارَة )

بمعنى أن الله تعالى يُنزِل البلاء على المؤمنين لمحو سيئاتهم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

حُمى ليلة كَفارة سنة

وكَلمة ( كَفارَة ) نقولها لأي مريض عند زيارتنا له

وكأننا نقول له إن الله تعالى ابتلاك بمرضك هذا ليمحو عنك سيئة من سيئاتك فاصبر

وينظرون إليه أيضاً على أنه قد يكون

بلاء لرفع الدرجات ...

وهذا النوع من البلاء يُصاب به الخواص من المؤمنين

الصالحين أهل الطاعة المُقرَبين إلى المولى عز وجل

وهؤلاء لا يبتليهم الله تعالى انتقاماً منهم أو ليمحو عنهم خطيئة أو سيئة

بل يبتليهم لرفع درجاتهم عنده سبحانه وتعالى

ولنا المثل في ذلك

من قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع أخيه بنيامين

عندما وضع يوسف سقاية الملك في حمولة أخيه ثم نادى منادياً عن ضياع السقاية ..

فراحوا يُفتشون في أمتعة الموجودين خاصة أخوة سيدنا يوسف ..

ثم استخرج سيدنا يوسف السقاية بيده من رحل أخوه بنيامين ..

وحسب مفهوم الناس وإدراكهم المحدود ...

فإن هذا يعتبر فضيحة لبنيامين الذي ظهر على أنه ( سارِق ولِص)

في حين أنه لم يسرق ولم يقرب السقاية ...

وهذا ما يعلمه سيدنا يوسف عليه السلام والملك

ولكن هذا الابتلاء الذي ابتُليَ به بنيامين

كانت الحكمة منه رفع درجة بنيامين عند الله تعالى

لقوله تعالى

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ

ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ

إلى قوله تعالى

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ

إلى قوله تعالى

كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ

نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ

فبنيامين لم يُبتلى انتقاماً ولا محواً لِسيئة وإنما ابتُليَ رفعاً لدرجه

وهناك نوع من الابتلاء لا يُبتلى به أهل الخطايا من المؤمنين

ولا الذين خلو من السيئات ولا يُبتلى به الكُفار

وإنما يُبتلى به خاصة الأنبياء ويُسمى ( ابتلاء المحبة )

وقد ابتُليَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف

فما حدث له صلى الله عليه وسلم يوم الطائف لم يكن انتقاما ( حاشا لله )

ولم يكن لمحو سيئة (حاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم )

ولم يكن رفعاً لدرجه فليست هناك درجة أعلى من درجة النبي ليُرفَع إليها

وابتلاء المحبة .. بمعنى أن الله تعالى إذا أحب عبداً ابتلاه

قال تعالى

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا
وقال تعالى

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا

وهذا هو مفهوم الرِضا عن الله عند أهل الرِضا الذين يفهمون ابتلاء الله لهم

ولغيرهم فيؤمنون بقضاء الله

وعليه

فالصبر عندهم ليس مُراً لأنهم يستمتعون بقضاء الله تعالى

ويشعرون بخصوصيتهم عند الله إذا ابتلاهم بما لم يبتلي به غيرهم

لأن الله تعالى أعطاهم من الدعم ما لم يُعطيه لأحدٍ غيرهم

فالمؤمن يُبتَلى على قَدْر دينه

أو كما قيل

على قدر أهل العزم تأتى العزائم

وعلى قَدْر الكِرام تأتى المكارم

أتمنى أن أكون قد وُفِقت في الشرح

فما أقوله يحتمل الخطأ قبل الصواب

د. نجلاء طمان
20-10-2007, 11:10 PM
بقى أن نفرق بين الابتلاء والبلاء

وبين الابتلاء والعقوبة

ونناقش الدعاء ومسبباته ونتائجه..


وعودة

دمت مفكرا مثابرا

د. نجلاء طمان

يُمنى سالم
21-10-2007, 02:45 AM
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنة ومايقرب اليها من قول وعمل

رائع سيدي القدير هذا المقال الطيب...

جزاك الله خيراً

عصام مشعل
21-10-2007, 10:41 AM
بقى أن نفرق بين الابتلاء والبلاء

وبين الابتلاء والعقوبة

ونناقش الدعاء ومسبباته ونتائجه..


وعودة

دمت مفكرا مثابرا

د. نجلاء طمان

أهلاً بالأديبة والمُفكرة الكبيرة د. نجلاء

وتشرفني عودتكم .. وإن شاء الله نناقش ما تفضلتي بذكره

دُمتِ بخير ...

عصام مشعل
21-10-2007, 10:44 AM
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنة ومايقرب اليها من قول وعمل

رائع سيدي القدير هذا المقال الطيب...

جزاك الله خيراً

جزاك الله خيراً أختي الفاضلة أستاذة يمنى

وجعلنا الله وإياكِ من صالح الدُعاء

مع خالص التحية والتقدير