انورخميس
30-07-2008, 05:43 PM
_نظرية النسق الواحد_
كان لى صديقا فى مرحلة الدراسة الثانوية يرى فى نفسه الفلسفة ونرى فيه نحن اصدقائه
الجنون.. كانت له آراء غريبة بل لا ابالغ اذا قلت انها آراء شاذة..كان يقول عن نفسه انه
عبقرى رغم تأخره الدراسى الواضح وحينما كنا نسأله فى ذلك يبرر قائلا انه فيلسوف
عبقرى بالمولد شاء القدر ان يولد فى مجتمع متخلف ذا نظام تعليمى لا يصلح لصقل
عقول الافذاذ من امثاله لذا فهو يعتمد فى صقله على كتب لاتمت بصلة للمواد الدراسية
التى كنا ندرسهابما فيها مادة الفلسفة.. نجحنا نحن واجتزنا المرحلة الثانوية الى الجامعة ورسب هو..وظل يرسب الى ان فصل من التعليم..بعدها ظل التلاقى على فترات علمت خلالهاان ابوه قد مات
وترك له تجارته حيث كان هو الابن الوحيد له فآلت اليه اداراة اموال ابيه ولاحتياجه للاستقرار تزوج..الا انه اخبرنى فى احدى المرات انه لا يجدنفسه فى التجارة ..وبأن بداخله
اشياء يريد ان يخرجها للعالم ولن تخرج الا بالكتابة..بعد ذلك عرفت انه قام ببيع المحلات التجارية التى يملكها وتفرغ للتأليف00 لذلك قاطعته امه وعائلته متهمين اياه بالجنون..لكن
ذلك لم يفت فى عضده.. فنشر بعض الكتب والروايات الفكرية لكنها باءت جميعا بالفشل
لغرابة اسلوبها مكلفة اياه خسائر كبيرة لتحمله تكاليف طبعها ونشرها.. رغم ذلك لم يتوقف
..الف كتبا فى الفلسفة رغم ان معلوماته عن ارسطو او افلاطون لا تتعدى معلوماتى عن
كم يبلغ قطر عين الذبابة ان كان لها عين..بالمناسبة هل تعرفون من هو ارسطو او افلاطون .. لا؟!.. لا يهم .. المهم انى حينما سألته فى ذلك اجابنى بأنه تعمد ذلك مخبرا اياى ان الفلسفة انواع وانه قد اضاف اليها نوعا جديدا الا وهو"الفلسفة الفطرية" اى التى
توجد فى الانسان بالفطرة..ففى داخل كل طبقا لقوله فيلسوفا ولكن لأن القدرات العقلية تختلف فلا يدرك معظم الناس كنه الفيلسوف بداخلهم مما يؤدى الى موت الاخير.. اما من
هم قدراتهم العقلية فذة كأمثاله فهم فقط من يستطيعون اكتشاف الفيلسوف بداخلهم وتنميته والاخذ بيده..فيصيرون فلاسفة عظام ..واولئك قلة..واضاف ان فلسفته تلك تعطيه افضلية على من سبقوه من الفلاسفة فهم كانت آرائهم الفلسفية نابعة من تتلمذهم على يد بعضهم.. اما هو فلا استاذ له..لذلك ففلسفته فريدة متفردة ..مجنون كما قلت لكم فى البداية.. مرت خلال ذلك سنوات تخرجت انا خلالها وعملت بمؤهلى وتزوجت وانجبت
وظل تلاقينا على فترات ..علمت انه لم ينجب بعد وعندما عرض نفسه على طبيب اخبره
ان زوجته عقيمة ولا امل فى شفائها.. فرح ويا للغرابة حيث يعتبر الابناءوهمومهم التى تقع على كواهل الآباء عائق سيعوقه عن الابداع لذلك احتفظ بزوجته وظل على ابداعه فظل يكتب وينشرويبوء ما ينشره بالفشل الى ان تآكلت امواله ..ملت زوجته ذلك فطلبت منه ان يتوقف عن هذا الهراء ويستثمر ما تبقى من اموال فى احد المشروعات التى تدر دخلا..فطلقها ..لا تتعجبوا نعم طلقها بمنتهى البساطة..عندما فرغت من حديثها معه كان رده هكذا" انت طالق " وعندما عاتبته على ذلك اجابنى بأن الزوجة
التى لا تقتنع بزوجها وبعبقريته وهى اقرب الناس له غير جديرة بالاحتفاظ بها .. فقلت له بأنها على حق ..فكل مؤلفاته لم تلق نجاحا بل على العكس تستنزف اموالا مما يؤدى الى الفقر والعوز
..فأجابنى بأنه اذا كانت مؤلفاته لم تلق نجاحا فليس هذا عيبا فيه وانما يرجع هذا الى ان المجتمع لم يصل بعدالى درجة الوعى التى تمكنه من فهم مؤلفاته الثمينة..لذلك فهو يؤلف للتاريخ ..فعندما يصل المجتمع لدرجة الوعى اللازمة سيقام له تمثال يخلد اسمه ..طلبت منه على الاقل ان يبحث عمن ينشر له..استبعد ذلك بقوله ان ناشرى هذا الزمن لا يهتمون الا بالربح فيتجهون الى نشر الكتب الاستهلاكية الخالية من الفكر الابداعى الراقى ..ورغم انى لم افهم ماهى "الكتب الاستهلاكية" الا انى لم اجد سوى الصمت جوابا له..كان صديقى اثناء ذلك قد اقترب فعلا من حافة الفقر لكنه لم يكترث كثيرا ..فظل يؤلف وينشر ويفشل الى ان جاء يوم لم يعد معه سوى ما يؤمن له الطعام بالكاد.. اضطر ان يبحث عمن ينشر له..بحث كثيرا ولكنه لم يلق قبولا من اى دار نشر ..الا انه فى النهاية وجد ناشرا قبل ان ينشر له له احد مؤلفاته بعد ان تعهد للناشر بأن يردكل تكاليف نشر وتوزيع الكتاب ان لم يلق نجاحا..وللعجب فقد نجح الكتاب واحدث ضجة كبرى وكان حديث الاوساط الادبية وطبعت منه عشرات الطبعات ..فعاد على الناشر وصديقى بأرباحا طائلة ..بل انه ترجم لعدة لغات هذا الكتاب كان يتضمن نظرية فلسفية فى مسائل مثل
الحياة والموت والبعث والحساب والالوهية..تلك النظرية اسماها نظرية "النسق الواحد"..تريدون معرفة مضمونها؟ ..وهو كذلك..تلك النظرية كما فهمتها تتلخص فى معالجة عدد من المسائل كما قلت اولها:
البعث:
وينطلق من عدة مسلمات
_ الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق من جديدفى مدة زمنية تسمى النهار تطول صيفا وتقصر شتاء..
_القمر يكون اول الشهر العربى هلالا ثم بدرا فى منتصفه ثم محاقا فى آخره ثم يعود هلالا فى اول الشهر وهكذا.. فى مدة زمنية قوامها 29.25
_ السنة تبدأ ثم تنتهى ثم تبدأ من جديد فى دورة تستغرق 365يوما ..
كل تلك الاشياء تبدأ ثم تنتهى ثم تبدأ من جديد فى نسق واحد متكرر.. وتسير الحياة البشرية على ذات النسق.. بدأت ثم ستنتهى ثم ستبدأ من جديد فيما يسمى "البعث" فى دورة زمنية تسمى التاريخ البشرى ..لا يعلم احد على وجه الدقة متى بدأت تلك الدورة او متى ستنتهى..
ثانيها :
الحساب والجزاء:
_ صاحب العمل يحاسب العامل اذا اصاب يثيبه واذا اخطأ يخصم من اجره
_ على ذات المنوال فالاستاذ له سلطة المحاسبة على تلاميذه ..وقس على هذا الكثير ..هذا المنوال اوالنسق الواحد لسلطة رب العمل على عماله والاب على ابنائه والاستاذ على تلاميذه ..تنطبق علي اعمال الانسان فى حياته ..فيحاسب اذا عمل خيرا فيثاب وااذا عمل شرا فيعاقب وهذا هو التفسير الوحيد طبقا لرأيهالذى يعلج تفشى الظلم والجور من القوى على الضعيف فى عالم البشر ...فاذا لم يكن هناك حساب فان الظالم سيفلت بظلمه وهذا غير جائز ..فالسعى الى العدل فطرة ولد بها الانسان ..فأذا لم يكن هناك حساب يحقق العدل كانت الحياة عبث بلا قيمة ..وهذا غير ممكن ..لأن كل شئ فى الحياة له قيمة مادية كانت او معنوية..فيستحيل ان تكون الحياة ذاتها بلا قيمة..وتلك الفكرة تدعم فكرة "البعث" السابقة ..فلا حساب ولا جزاء اذا لم يكن هناك بعث..
اما المسألة الثالثة والاخيرة فهى "الالوهية":
ويقول فى ذلك ان اثبات ان هناك اله يسد نقصا يشوب المنظومة التى تحوى المسألتين السابقتين ..
فلو اثبتناان هناك بعث ..فمن سيبعث؟..واذا اتفقنا ان كل انسان سيحاسب ..فمن يملك سلطة الحساب؟..
تجيب النظرية على ذلك بأن الاله الخالق هو من يملك سلطة البعث والحساب ..ولأثبات وجود اله خالق تنطلق النظرية من عدة مسلمات بشرية:
_ لا يوجد صنع بلا صانع ..هذه مسلمة اتفق عليها البشر جميعا ..
_لا يوجد عبد بلا سيد..فما يجعل العبد عبدا هو ان له سيد يملكه..
_ لا يوجد كتاب دون مؤلف..
تلك الامثلة ذات النسق الواحد تدل بذاتها على وجود الله..فالكون بما فيه هو "صنع" لا يمكن وجوده بلا صانع صنعه..هذا الصانع هو الله..والبشر حين ينكرون وجود هذا الصانع فهم يناقضون انفسهم وينكرون مسلمة هم اقروا بها فى حياتهم..
ايضا اذا لم يكن هناك عبد بلا سيد وهذا هو ما اتفق عليه البشر..فإن انكار بعضهم لعبوديتهم لله هو جحود يثير الدهشة..فما احلوه لأنفسهم باستعباد بعضهم لبعض..ينكروه على خالقهم ..ولا يقدح فى ذلك انتهاء العبودية رسميا..فهى الآن تمارس بين البشر بطرق اخرى..
كذلك ينطبق مثل الكتاب والمؤلف على تلك المسألة فالكون هو الكتاب والله هو المؤلف لهذا الكتاب فإن كان المؤلف مجهولا للقراءفهو معروف لنفسه ..وجهل القراء به او إنكارهم لوجوده لاينفى وجوده الفعلى..اما من يتسائل قائلا"اذا كان لا يوجد صنع بلا صانع ..وان الله صنع الكون..فمن صنع الله؟..اى من خلقه ..ترد النظرية على ذلك بأن التساؤل عمن خلق الله وهو الخالق ..بداية خطأ..لأنه سؤال يجعل الخالق مخلوقا ..مما يجعل كلتيهما متساويتان فى الدلالة
وهذا غير جائز لغة حتى.. فالخالق اعلى من المخلوق ومن المستحيل ان يتساويان ..حتى وان سلمنا ان لله خالقا فيوقعنا هذا فى حيرة ..لماذا اختارت القوة التى خلقت الله ان تخلقه ويتولى هو خلق الكون..اى لماذا لم تقم تلك القوة بالمهمة كاملة ..لماذا اتخذت خالقا آخر هى خلقته وسيطا
لخلق الكون ..تخلص النظرية الى ان الله يستحيل ان يكون مخلوقا لأنه خالق والصفة المميزة
للخالق هى "التفرد" اى ان يكون فريدا واحدا احد.. كما اجمل الله فى قوله " قل هو الله احد# الله الصمد# لم يلد ولم يولد# ولم يكن له كفوا احد" تلك الايات تحمل لنا ذلك الامر البديهى الذى اراد الله ان نلتفت اليه.. ذلك الامر هو" التفرد" يكون توافره بديهيا فى الخالق ... فكما ان للمملكة
ملك واحد ..فللكون خالق واحد ..اله واحد لكن الفرق بين المملكة البشرية والمملكة الالهية .. ان الملك يرث الملك من اسلافه..اما الله فقد انشأ كونه لنفسه فلم يرثه من احد ..ولن يورثه لأحد ..لأنه حى لا يموت ..لكن الهوى البشرى هو الذى يجعل البعض يسفسطون فى مسلمات
بإعمال العقل يتضح انها بديهيات ..هذه كانت النظرية يا سادة ..افهمتم شئ؟..
كان لى صديقا فى مرحلة الدراسة الثانوية يرى فى نفسه الفلسفة ونرى فيه نحن اصدقائه
الجنون.. كانت له آراء غريبة بل لا ابالغ اذا قلت انها آراء شاذة..كان يقول عن نفسه انه
عبقرى رغم تأخره الدراسى الواضح وحينما كنا نسأله فى ذلك يبرر قائلا انه فيلسوف
عبقرى بالمولد شاء القدر ان يولد فى مجتمع متخلف ذا نظام تعليمى لا يصلح لصقل
عقول الافذاذ من امثاله لذا فهو يعتمد فى صقله على كتب لاتمت بصلة للمواد الدراسية
التى كنا ندرسهابما فيها مادة الفلسفة.. نجحنا نحن واجتزنا المرحلة الثانوية الى الجامعة ورسب هو..وظل يرسب الى ان فصل من التعليم..بعدها ظل التلاقى على فترات علمت خلالهاان ابوه قد مات
وترك له تجارته حيث كان هو الابن الوحيد له فآلت اليه اداراة اموال ابيه ولاحتياجه للاستقرار تزوج..الا انه اخبرنى فى احدى المرات انه لا يجدنفسه فى التجارة ..وبأن بداخله
اشياء يريد ان يخرجها للعالم ولن تخرج الا بالكتابة..بعد ذلك عرفت انه قام ببيع المحلات التجارية التى يملكها وتفرغ للتأليف00 لذلك قاطعته امه وعائلته متهمين اياه بالجنون..لكن
ذلك لم يفت فى عضده.. فنشر بعض الكتب والروايات الفكرية لكنها باءت جميعا بالفشل
لغرابة اسلوبها مكلفة اياه خسائر كبيرة لتحمله تكاليف طبعها ونشرها.. رغم ذلك لم يتوقف
..الف كتبا فى الفلسفة رغم ان معلوماته عن ارسطو او افلاطون لا تتعدى معلوماتى عن
كم يبلغ قطر عين الذبابة ان كان لها عين..بالمناسبة هل تعرفون من هو ارسطو او افلاطون .. لا؟!.. لا يهم .. المهم انى حينما سألته فى ذلك اجابنى بأنه تعمد ذلك مخبرا اياى ان الفلسفة انواع وانه قد اضاف اليها نوعا جديدا الا وهو"الفلسفة الفطرية" اى التى
توجد فى الانسان بالفطرة..ففى داخل كل طبقا لقوله فيلسوفا ولكن لأن القدرات العقلية تختلف فلا يدرك معظم الناس كنه الفيلسوف بداخلهم مما يؤدى الى موت الاخير.. اما من
هم قدراتهم العقلية فذة كأمثاله فهم فقط من يستطيعون اكتشاف الفيلسوف بداخلهم وتنميته والاخذ بيده..فيصيرون فلاسفة عظام ..واولئك قلة..واضاف ان فلسفته تلك تعطيه افضلية على من سبقوه من الفلاسفة فهم كانت آرائهم الفلسفية نابعة من تتلمذهم على يد بعضهم.. اما هو فلا استاذ له..لذلك ففلسفته فريدة متفردة ..مجنون كما قلت لكم فى البداية.. مرت خلال ذلك سنوات تخرجت انا خلالها وعملت بمؤهلى وتزوجت وانجبت
وظل تلاقينا على فترات ..علمت انه لم ينجب بعد وعندما عرض نفسه على طبيب اخبره
ان زوجته عقيمة ولا امل فى شفائها.. فرح ويا للغرابة حيث يعتبر الابناءوهمومهم التى تقع على كواهل الآباء عائق سيعوقه عن الابداع لذلك احتفظ بزوجته وظل على ابداعه فظل يكتب وينشرويبوء ما ينشره بالفشل الى ان تآكلت امواله ..ملت زوجته ذلك فطلبت منه ان يتوقف عن هذا الهراء ويستثمر ما تبقى من اموال فى احد المشروعات التى تدر دخلا..فطلقها ..لا تتعجبوا نعم طلقها بمنتهى البساطة..عندما فرغت من حديثها معه كان رده هكذا" انت طالق " وعندما عاتبته على ذلك اجابنى بأن الزوجة
التى لا تقتنع بزوجها وبعبقريته وهى اقرب الناس له غير جديرة بالاحتفاظ بها .. فقلت له بأنها على حق ..فكل مؤلفاته لم تلق نجاحا بل على العكس تستنزف اموالا مما يؤدى الى الفقر والعوز
..فأجابنى بأنه اذا كانت مؤلفاته لم تلق نجاحا فليس هذا عيبا فيه وانما يرجع هذا الى ان المجتمع لم يصل بعدالى درجة الوعى التى تمكنه من فهم مؤلفاته الثمينة..لذلك فهو يؤلف للتاريخ ..فعندما يصل المجتمع لدرجة الوعى اللازمة سيقام له تمثال يخلد اسمه ..طلبت منه على الاقل ان يبحث عمن ينشر له..استبعد ذلك بقوله ان ناشرى هذا الزمن لا يهتمون الا بالربح فيتجهون الى نشر الكتب الاستهلاكية الخالية من الفكر الابداعى الراقى ..ورغم انى لم افهم ماهى "الكتب الاستهلاكية" الا انى لم اجد سوى الصمت جوابا له..كان صديقى اثناء ذلك قد اقترب فعلا من حافة الفقر لكنه لم يكترث كثيرا ..فظل يؤلف وينشر ويفشل الى ان جاء يوم لم يعد معه سوى ما يؤمن له الطعام بالكاد.. اضطر ان يبحث عمن ينشر له..بحث كثيرا ولكنه لم يلق قبولا من اى دار نشر ..الا انه فى النهاية وجد ناشرا قبل ان ينشر له له احد مؤلفاته بعد ان تعهد للناشر بأن يردكل تكاليف نشر وتوزيع الكتاب ان لم يلق نجاحا..وللعجب فقد نجح الكتاب واحدث ضجة كبرى وكان حديث الاوساط الادبية وطبعت منه عشرات الطبعات ..فعاد على الناشر وصديقى بأرباحا طائلة ..بل انه ترجم لعدة لغات هذا الكتاب كان يتضمن نظرية فلسفية فى مسائل مثل
الحياة والموت والبعث والحساب والالوهية..تلك النظرية اسماها نظرية "النسق الواحد"..تريدون معرفة مضمونها؟ ..وهو كذلك..تلك النظرية كما فهمتها تتلخص فى معالجة عدد من المسائل كما قلت اولها:
البعث:
وينطلق من عدة مسلمات
_ الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق من جديدفى مدة زمنية تسمى النهار تطول صيفا وتقصر شتاء..
_القمر يكون اول الشهر العربى هلالا ثم بدرا فى منتصفه ثم محاقا فى آخره ثم يعود هلالا فى اول الشهر وهكذا.. فى مدة زمنية قوامها 29.25
_ السنة تبدأ ثم تنتهى ثم تبدأ من جديد فى دورة تستغرق 365يوما ..
كل تلك الاشياء تبدأ ثم تنتهى ثم تبدأ من جديد فى نسق واحد متكرر.. وتسير الحياة البشرية على ذات النسق.. بدأت ثم ستنتهى ثم ستبدأ من جديد فيما يسمى "البعث" فى دورة زمنية تسمى التاريخ البشرى ..لا يعلم احد على وجه الدقة متى بدأت تلك الدورة او متى ستنتهى..
ثانيها :
الحساب والجزاء:
_ صاحب العمل يحاسب العامل اذا اصاب يثيبه واذا اخطأ يخصم من اجره
_ على ذات المنوال فالاستاذ له سلطة المحاسبة على تلاميذه ..وقس على هذا الكثير ..هذا المنوال اوالنسق الواحد لسلطة رب العمل على عماله والاب على ابنائه والاستاذ على تلاميذه ..تنطبق علي اعمال الانسان فى حياته ..فيحاسب اذا عمل خيرا فيثاب وااذا عمل شرا فيعاقب وهذا هو التفسير الوحيد طبقا لرأيهالذى يعلج تفشى الظلم والجور من القوى على الضعيف فى عالم البشر ...فاذا لم يكن هناك حساب فان الظالم سيفلت بظلمه وهذا غير جائز ..فالسعى الى العدل فطرة ولد بها الانسان ..فأذا لم يكن هناك حساب يحقق العدل كانت الحياة عبث بلا قيمة ..وهذا غير ممكن ..لأن كل شئ فى الحياة له قيمة مادية كانت او معنوية..فيستحيل ان تكون الحياة ذاتها بلا قيمة..وتلك الفكرة تدعم فكرة "البعث" السابقة ..فلا حساب ولا جزاء اذا لم يكن هناك بعث..
اما المسألة الثالثة والاخيرة فهى "الالوهية":
ويقول فى ذلك ان اثبات ان هناك اله يسد نقصا يشوب المنظومة التى تحوى المسألتين السابقتين ..
فلو اثبتناان هناك بعث ..فمن سيبعث؟..واذا اتفقنا ان كل انسان سيحاسب ..فمن يملك سلطة الحساب؟..
تجيب النظرية على ذلك بأن الاله الخالق هو من يملك سلطة البعث والحساب ..ولأثبات وجود اله خالق تنطلق النظرية من عدة مسلمات بشرية:
_ لا يوجد صنع بلا صانع ..هذه مسلمة اتفق عليها البشر جميعا ..
_لا يوجد عبد بلا سيد..فما يجعل العبد عبدا هو ان له سيد يملكه..
_ لا يوجد كتاب دون مؤلف..
تلك الامثلة ذات النسق الواحد تدل بذاتها على وجود الله..فالكون بما فيه هو "صنع" لا يمكن وجوده بلا صانع صنعه..هذا الصانع هو الله..والبشر حين ينكرون وجود هذا الصانع فهم يناقضون انفسهم وينكرون مسلمة هم اقروا بها فى حياتهم..
ايضا اذا لم يكن هناك عبد بلا سيد وهذا هو ما اتفق عليه البشر..فإن انكار بعضهم لعبوديتهم لله هو جحود يثير الدهشة..فما احلوه لأنفسهم باستعباد بعضهم لبعض..ينكروه على خالقهم ..ولا يقدح فى ذلك انتهاء العبودية رسميا..فهى الآن تمارس بين البشر بطرق اخرى..
كذلك ينطبق مثل الكتاب والمؤلف على تلك المسألة فالكون هو الكتاب والله هو المؤلف لهذا الكتاب فإن كان المؤلف مجهولا للقراءفهو معروف لنفسه ..وجهل القراء به او إنكارهم لوجوده لاينفى وجوده الفعلى..اما من يتسائل قائلا"اذا كان لا يوجد صنع بلا صانع ..وان الله صنع الكون..فمن صنع الله؟..اى من خلقه ..ترد النظرية على ذلك بأن التساؤل عمن خلق الله وهو الخالق ..بداية خطأ..لأنه سؤال يجعل الخالق مخلوقا ..مما يجعل كلتيهما متساويتان فى الدلالة
وهذا غير جائز لغة حتى.. فالخالق اعلى من المخلوق ومن المستحيل ان يتساويان ..حتى وان سلمنا ان لله خالقا فيوقعنا هذا فى حيرة ..لماذا اختارت القوة التى خلقت الله ان تخلقه ويتولى هو خلق الكون..اى لماذا لم تقم تلك القوة بالمهمة كاملة ..لماذا اتخذت خالقا آخر هى خلقته وسيطا
لخلق الكون ..تخلص النظرية الى ان الله يستحيل ان يكون مخلوقا لأنه خالق والصفة المميزة
للخالق هى "التفرد" اى ان يكون فريدا واحدا احد.. كما اجمل الله فى قوله " قل هو الله احد# الله الصمد# لم يلد ولم يولد# ولم يكن له كفوا احد" تلك الايات تحمل لنا ذلك الامر البديهى الذى اراد الله ان نلتفت اليه.. ذلك الامر هو" التفرد" يكون توافره بديهيا فى الخالق ... فكما ان للمملكة
ملك واحد ..فللكون خالق واحد ..اله واحد لكن الفرق بين المملكة البشرية والمملكة الالهية .. ان الملك يرث الملك من اسلافه..اما الله فقد انشأ كونه لنفسه فلم يرثه من احد ..ولن يورثه لأحد ..لأنه حى لا يموت ..لكن الهوى البشرى هو الذى يجعل البعض يسفسطون فى مسلمات
بإعمال العقل يتضح انها بديهيات ..هذه كانت النظرية يا سادة ..افهمتم شئ؟..