المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مساحة جرداء بين العقل و الجنون


كوثر الشريفي
04-10-2007, 04:44 PM
في مساحة جرداء بين العقل و الجنون

((الكل ينصت)) فكر في دوامة العقل المرتعدة بين أطراف خلايا اللاوعي. ((بل الآذان عليها وقر!)) تمتم بسخرية. الذباب كان هادئاً على غير عادته، يبني أعشاشه على الروؤس بسكون. التثاؤب صاحب الأفواه، و الأعين لا تدل على شيء سوى الخواء، هذا إذا لم تسدل عليها الجفون. القاعة كلها ببساطة كانت عبارة عن مقبرة، لا يُسمع فيها من صدى الأصوات سوى صوت الشاعر الجهوري. رفع رأسه بخيلاء حتى اهتزت خصلات شعره المصففة. نفض ذرات الغبار عن قميصه الحريري، ثم بدأ يشي بروائعه.
((إنني...
إنني..انتظر..))
ثم أطرق رأسه منتظراً التصفيق الحار. سرت عدوى "فليعلم الحاضر الغائب" فكان ما كان من التصفيق. رفع بعدها رأسه و كان قد بدا عليه التأثر العميق بخلجات نفسه، فأكمل هذيانه:
((إنني..أنتظر..
أن تهلي..
أنتظر ...أن تكوني)) و هطل مطر التصفيق عليه من جديد، فشعر في داخله بلذة لا تنتهي. بالتأكيد الأكوان الآن قد أرهفت سمعها لتسمع بوحه الشجي. كيف و قد غسله بقطرات مالحة؟ لقد انفعل هو بنفسه!
فجأة، انتفض صاحبنا البسيط و قد مل ثمالة العقول. اتجه بين الكراسي المحتشدة عله يصل بالممر الضيق إلى منصة الشاعر. قاوم الأجساد كلها بضراوة، لا شيء سيقف حائلاً دون وصوله. و لكن عند الأطوار، وقف السد الأمني! كل الأيدي الأمنية حاولت دفعه للخلف بعيداً عن الشاعر الولهان، عله يستطيع أن يكمل تفجر أعماقه الممزوج بما جادت عليه الكتب. ((اتركوني..!دعوني! لست من آكلي لحوم البشر!)) صرخ صاحبنا، و لكن صوته ذهب هباء منثوراً. جرى همز و لمز في القاعة. "من هذا المجنون؟ ما الذي يدعوه لفعل هذا الفعل المشين؟ ما هدفه من هذا كله؟!". قال أحدهم لصديقه هامساً: ((سمعت أنه كاتب و قد حاول النشر في الصحيفة التي يرأس تحريرها شاعرنا الرائع، و لكن تم طرده أكثر من مرة..!)).
تطفل أحدهم على الحديث قائلاً بفضول: ((لماذا تم طرده..؟)). قرب المتحدث الرأسين إليه و همس ضاحكاً بخفة: ((يقولون أنه يهتف بسقوط بعض القوى الكبيرة، و لا يعرف مصلحة الناس..))). كتموا ضحكاتهم و هم يرددون: ((عجيب!)). كان صاحبنا لا يزال يقاوم، حتى ابتسم له الحظ حينما أشار الشاعر بتركه. تحسس ذراعيه بخفة محاولاً تخفيف الألم، ثم شرع يعدل ياقة القميص الباهت و يعيد الأزرار المتباينة في أشكالها لمكانها في الثقوب. كان الشاعر في تلك الأثناء يرمقه بازدراء. لشد ما توتر، فهذه المرة الأولى التي يقابل فيها موقفاً غريباً كهذا. أخرج من جيب معطفه الأسود المخملي علبة "سيكار" ذهبية صغيرة. أخرج إحدى اللفافات ووضعها بين شفتيه اللامعتين ينتظر أن يشعلها أحدهم. و تكون ضباب من الدخان، و لكنه لم يغط ِ ملامح وجهه عن صاحبنا البسيط. رأى في وجهه الأبيض الناعم و عينيه العسليتين الكثير من الكبرياء و الأنفة. قال بعدها الشاعر ببرود: ((ماذا تريد أيها المخرب؟هه؟ قل لي؟)). شبك صاحبنا كفيه الخشنتين بهدوء، و قال رانياً إلى الشاعر برجاء:
- تعد بأن تفِ بما أسألك؟
- نعم..نعم.. فقط قني من تخريبك!
ازدرد صاحبنا ريقه و قال بجدية: ((أريدك أن تصارحني..أين تزرع شجرة الذهب و في أي مناخ؟)). وجه الشاعر حديثه للحرس بغضب: ((ما به هذا المعتوه؟! الحق علي أنني تركته! ارموا به في الخارج!)).صرخ صاحبنا برجاء: ((اسمعني..أريد فقط منك شيئاً واحداً آخر! أعدك أن لا يكون كطلبي الأول!)). كان يكررها مختطفاً فرصة للكلام. ((دعوه!)) قال الشاعر و هو يدهس الـ "سيكار" بقدمه. مرر أصابعه الشمعية على خصلات شعره بعصبية، و أخرج مرآة ليحدق فيها على نفسه. قال بضيق: ((أسرع في قول ما تريد..! حلاقي نصحني بأن لا أتوتر كثيراً حتى لا يقف شعر رأسي فتفسد التسريحة!)).
أزاح صاحبنا البحة من صوته بعد صراخه العميق، ثم قال بهدوء:
- هل لي بديوان من دواوينك..؟
- بالتأكيد..و لكن قل لي لم تحتاجه؟
- لسببين..أولهما أن أعرف إجابة سؤالي الأول، و الثاني لأقصد دار نشر غير التي تقصدها أنت!
رمى الشاعر متجاهلاً تعليق صاحبنا "المجنون" بالديوان على وجهه. أمسك به غير مصدق، ثم تصفحه قليلاً. شلت حواسه رغبة الانتقام، فشرع يقطع أوراق الديوان -ما استطاع- إلى قطع صغيرة! رمى بها على وجه الشاعر، و بصق فيه.فعادت الأيدي تجهز عليه، و عاد الشاعر للهذيان بعد أن مسح وجهه بمنديل أبيض حريري.. فعادت القاعة للتصفيق كأن لم يكن.

مأمون المغازي
04-10-2007, 07:32 PM
أديبتنا القاصة : كوثر الشريفي

تحية ترحي بكِ في الأروقة حيث الأقلام الفذة ، والفكر المستنير ، والرأي الحيادي الوسطي .

أديبتنا ،

استوقفني العنوان ( في مساحة جرداء بين العقل والجنون )

عنوان يسترعي الانتباه لعدة أسباب :

ـ العلاقة بين العقل و الجنون .
ـ الدخول إلى عالم التلقي وإبداع الأفكار وإنتاج الكلمة .
ـ العالم المختزل في إنسان .
ـ المساحة بين العقل والجنون وضيقها واتساعها بحسب الحالة والحدث .
ـ مفهوم الجنون كحالة عقلية انفلاتية ، الجنون كحالة انفلات من القانون .

سبب يخصني ، وهو عنوان بعض مقالاتي : في المنطقة الحرجة بين العقل والقلب .

فهل بالفعل أديبتنا هذه المنطقة بين العقل والجنون جرداء ؟ أم هي مثمرة ؟
وهل العالم يمكن أن يختزل في هذه المنطقة ؟

قرأت قصتك انطلاقًا من هذه التساؤلات ، فوجت أن لها سمتها ، وخصوصيتها ، على الرغم من وجود بعض العبارات الدارجة فيما يسمى بالقصة الحداثية ، وبعض الألفاظ التي لم تخدم السبك والتكثيف بقدر ما أفادت الحالة الناقلة إلى الترميز والتغريب .

لكن : تبقى هذه القصة عملاً إبداعيًا به من الإدهاش والإبهار والسيطرة على اللغة ما يجعله محفزًا للقارئ على التعامل معه من وجوه عدة ، وأثني على القاصة بما يليق بها .

محبتي واحترامي .

مأمون

محمد إبراهيم الحريري
04-10-2007, 08:10 PM
الأديبة كوثر الشريفي
تحية معشبة الشكر لك
بين قفر الجنون وربيع العقل سرت ، وعلى متكأ الخيال ألقيت عصا ترحالي ، سرحت بعالم الفلسفة حينا من الخيال ، وعلى بساط الرؤى نمت أخيلة تسرج البوح بحروف من فكر ، تجلت قصة إبداعية تقف النفس من عنوانها حائرة ولكن سرعان ما يتبدد نبض الدهشة ، وتنطلق أكف الإعجاب بما نثرت .
الجنون نعمة مهداة يراها بعض بني أديم الأرض ، فيرجعون العقل لى حالة شلل إذا لم يعصف به رعد الهذيان ، فمن خلال طبقة التماهي بالخيال تتمدد المعاني وتشرف المعاصي النفسية على كشف سرها أمام نقطة الضوء الإبداعية .
وفقك الله أيتها الأديبة
عمل يستحق عمق النظرة وراء أستار حروفه .
تقبلي تحياتي

سحر الليالي
04-10-2007, 08:32 PM
الفاضله" "كوثر":


قصة ارتسمت بــ جمال..!!

رائع ــه ..!!


سلمتـ
لك ودي وتراتيل ورد

يُمنى سالم
05-10-2007, 06:49 PM
كوثر الشريفي

معانقة أولى لجمال مختلف..

كوني بخير

محمد سامي البوهي
06-10-2007, 03:41 PM
بل نحن من نصفق لك يا صغيرتي كوثر ...

حملت القصة من عناصر التشويق ما حملت ، بل أن عنصر التشويق هو البطل الأول في إدارة النص ، وهو ما حملني على إلتهام الأحرف للوصول للنهاية .. هذه واحدة .

الحوار ...

اعتمد الحوار على نقل الحدث ، وتصوير الحالة بإيجاز متقن ، وهذا هو المطلوب من الحوار القصصي ، الإيجاز مع تداعي المعني ، وقد استخدمت الكاتبة هذه التقنية ببراعة ، وهذه كانت الثانية .

ذكرتني القصة بموقف حدث معي شخصياً ، عندما كنت أتردد على أحد نوادي الأدب بمدينتي ، فكان هناك شاعر عامية ، ويبدو أنه من أصحاب المناصب الثقافية الكبيرة ، وكان يحتفظ بالدور الاخير لإلقاء قصيدته البهية ، وبالفعل كانوا يصفقون له كلما تنفس ، لا كلما نطق ، عندما أتى على الدور لإلقاؤء قصيدتي قال لي بسخرية
- ألق علينا يا بوهي كي نتأذى ..
فلم أعبأ به ، وألقيت قصيدتي وكانت دينية ، لكني ألقيتها بطريقة حماسية لا تناسب جو القصيدة الهادىء ..
وبعد مرور الوقت جاء دوره الأخير ..
فقلتن له بسخرية وبحرقة
- أستاذ
قال لي
- نعم ؟
قلت له :
- ألق علينا شعرك كي نضحك .
فانقلبت القاعة كلها ضحكا ، وأنا أنقلبت خارج القاعة مطرودا بلا عودة ..

منك لله يا كوثر .. ذكرتيني بالذي مضى ..

تحيتي لك ..

كوثر الشريفي
11-10-2007, 06:56 AM
أديبتنا القاصة : كوثر الشريفي

تحية ترحي بكِ في الأروقة حيث الأقلام الفذة ، والفكر المستنير ، والرأي الحيادي الوسطي .

أديبتنا ،

استوقفني العنوان ( في مساحة جرداء بين العقل والجنون )

عنوان يسترعي الانتباه لعدة أسباب :

ـ العلاقة بين العقل و الجنون .
ـ الدخول إلى عالم التلقي وإبداع الأفكار وإنتاج الكلمة .
ـ العالم المختزل في إنسان .
ـ المساحة بين العقل والجنون وضيقها واتساعها بحسب الحالة والحدث .
ـ مفهوم الجنون كحالة عقلية انفلاتية ، الجنون كحالة انفلات من القانون .

سبب يخصني ، وهو عنوان بعض مقالاتي : في المنطقة الحرجة بين العقل والقلب .

فهل بالفعل أديبتنا هذه المنطقة بين العقل والجنون جرداء ؟ أم هي مثمرة ؟
وهل العالم يمكن أن يختزل في هذه المنطقة ؟

قرأت قصتك انطلاقًا من هذه التساؤلات ، فوجت أن لها سمتها ، وخصوصيتها ، على الرغم من وجود بعض العبارات الدارجة فيما يسمى بالقصة الحداثية ، وبعض الألفاظ التي لم تخدم السبك والتكثيف بقدر ما أفادت الحالة الناقلة إلى الترميز والتغريب .

لكن : تبقى هذه القصة عملاً إبداعيًا به من الإدهاش والإبهار والسيطرة على اللغة ما يجعله محفزًا للقارئ على التعامل معه من وجوه عدة ، وأثني على القاصة بما يليق بها .

محبتي واحترامي .

مأمون
الأديب الفاضل مأمون
يحب الإنسان عادة أن يلج أحد إلى عوالم ما يكتب..
و أنت ولجت بحس نقدي تغبط عليه إلى قصتي المتواضعة...
فسررت لهكذا ولوج..
و استأنست بالملاحظات..
فحسك النقدي ناضج جداً و تملك الأدوات بشكل متقن..
أهنئك على هذا..
و أشكر لك مرورك و قراءتك لنصي..

رعاك الله

كوثر الشريفي
11-10-2007, 07:01 AM
الأديبة كوثر الشريفي
تحية معشبة الشكر لك
بين قفر الجنون وربيع العقل سرت ، وعلى متكأ الخيال ألقيت عصا ترحالي ، سرحت بعالم الفلسفة حينا من الخيال ، وعلى بساط الرؤى نمت أخيلة تسرج البوح بحروف من فكر ، تجلت قصة إبداعية تقف النفس من عنوانها حائرة ولكن سرعان ما يتبدد نبض الدهشة ، وتنطلق أكف الإعجاب بما نثرت .
الجنون نعمة مهداة يراها بعض بني أديم الأرض ، فيرجعون العقل لى حالة شلل إذا لم يعصف به رعد الهذيان ، فمن خلال طبقة التماهي بالخيال تتمدد المعاني وتشرف المعاصي النفسية على كشف سرها أمام نقطة الضوء الإبداعية .
وفقك الله أيتها الأديبة
عمل يستحق عمق النظرة وراء أستار حروفه .
تقبلي تحياتي
الأديب الفاضل محمد
للجنون طقوسه الخاصة..
فهو ملاذ حين تضيق هذه الأرض بما رحبت..
و لكن شيء واحد.. العقل في نظر المجانين الحقيقيين جنون..
فالمفهوم للأسف يخضع للتبعية!
أشكر لك هذه النظرة العميقة النافذة..
و ما أرى في كلماتي من الفلسفة.. بل أراها فيكم!
شكراً مرة اخرى لمرورك و لقراءتك الواعية..

رعاك الله

كوثر الشريفي
11-10-2007, 07:03 AM
الفاضله" "كوثر":


قصة ارتسمت بــ جمال..!!

رائع ــه ..!!


سلمتـ
لك ودي وتراتيل ورد

الكريمة سحر
يسرني أن تلقى قصتي إعجابك..
فالجمال نسبي.. و ليس كل ما يراه البعض جميلاً جميل..
سلمتِ ..
و رعاكِ الله

كوثر الشريفي
11-10-2007, 07:06 AM
كوثر الشريفي

معانقة أولى لجمال مختلف..

كوني بخير

الكريمة يمنى
معانقتكِ للحروف كانت حانية..
أشكر لكِ مروركِ أيتها الكريمة..

رعاكِ الله

كوثر الشريفي
11-10-2007, 07:14 AM
بل نحن من نصفق لك يا صغيرتي كوثر ...

حملت القصة من عناصر التشويق ما حملت ، بل أن عنصر التشويق هو البطل الأول في إدارة النص ، وهو ما حملني على إلتهام الأحرف للوصول للنهاية .. هذه واحدة .

الحوار ...

اعتمد الحوار على نقل الحدث ، وتصوير الحالة بإيجاز متقن ، وهذا هو المطلوب من الحوار القصصي ، الإيجاز مع تداعي المعني ، وقد استخدمت الكاتبة هذه التقنية ببراعة ، وهذه كانت الثانية .

ذكرتني القصة بموقف حدث معي شخصياً ، عندما كنت أتردد على أحد نوادي الأدب بمدينتي ، فكان هناك شاعر عامية ، ويبدو أنه من أصحاب المناصب الثقافية الكبيرة ، وكان يحتفظ بالدور الاخير لإلقاء قصيدته البهية ، وبالفعل كانوا يصفقون له كلما تنفس ، لا كلما نطق ، عندما أتى على الدور لإلقاؤء قصيدتي قال لي بسخرية
- ألق علينا يا بوهي كي نتأذى ..
فلم أعبأ به ، وألقيت قصيدتي وكانت دينية ، لكني ألقيتها بطريقة حماسية لا تناسب جو القصيدة الهادىء ..
وبعد مرور الوقت جاء دوره الأخير ..
فقلتن له بسخرية وبحرقة
- أستاذ
قال لي
- نعم ؟
قلت له :
- ألق علينا شعرك كي نضحك .
فانقلبت القاعة كلها ضحكا ، وأنا أنقلبت خارج القاعة مطرودا بلا عودة ..

منك لله يا كوثر .. ذكرتيني بالذي مضى ..

تحيتي لك ..

الأديب القارئ محمد
أولاً: أشكر لك دعوتك لي للملتقى.. بحق ملتقى متميز من حيث الأقلام الجميلة الواعية..
ثانياً: يسرني أن أبتز ذكريات الماضي..
و ملاحظات تفيدني منك!
لا بأس عليك..الأرض تحتمل العقلاء في زمن الجنون..
أشكر لك مرورك على القصة..
رعاك الله بإذنه