مشاهدة النسخة كاملة : كتابٌ فارغٌ،أم رؤوسٌ مُفْرَغةٌ؟!
اليـسار مُـحَمَّـدْ
08-09-2008, 04:11 AM
-1-
...ها أنا أنظُرُ في هذه الكتب و إلى هذه المكتبة،وهذه الغرفة،و بيني و بينَ نفسي أبتَسِمُ قليلاً، ثمَّ أواري ابتسامتي الساذجة البريئة،قد يَستحضرني البعض في مخيلته -بدافع الفضول- ثم يسأل: و ما المضحك فيما تصف؟،إيهٍ يا رفاق..هذه الكتب هي الصديق الذي شهد مغامرات حياتي، و هي أيضاً الروتين المؤنس لي في خضم هذا الروتين المنتشر كفيروسٍ في أجواء المُدُن،لذلكَ أجد في النَظَرِ إليها بعضَ العزاء،و لكن..عزاءٌ لأيِّ شيء؟،حسناً يا سادة العزاء يكونُ في الموتى و المصائبُ الثقال،كأن يأتي أحد الأحياء و يصافِحُ الحيَّ المُبتلى بميّتٍ،و يقولُ له مُتمنياً:لكَ العمر المديد،البقية في حياتك..و غيرها من الكلمات المُنمَّقة التي يحاول المُعزي من خلالها أن يخفف من وطأةِ الحزنِ على المُستقبل.
سينظرُ قارئٌ نظرةً شزراً،ثم يقول ويلاهُ أيّها الثرثار ما أكثر كلامك الذي لو حذفناهُ لما بقي من كلامك شيء!،هاتِ الزبدةَ و أبقي الرغو لك،و لكنني أعطيتك الزبدة منذ البداية،فخذها ولكن دعنا نتذوقُ شيئاً من الرغوة،التي من شأنها أن تخفف عنا عناء أيّامنا إن أحسنا استطعامها.
و لنرجع إلى العزاء،و مغامرات الكتاب معي،لقد كانت علاقتنا سريّةٌ للغاية، كحبيبين يخشى كل منهما العيون الواشية،حيثُ كنت أنطوي في غرفتي لساعاتٍ طوال و أنا أغازلُ هذه الحبيبة و هي تغازلني،إلا أنهُ من الظاهر أنَّ قصة الغرام الرومانسية هذه كانت تسيرُ على مبدأ "برنارد شو" في مسرحية (الإنسان و السوبر مان) على لسان "تانر" إذ يقول بناءً على خبرتي في الحياة:"إن العاطفة الفكرية،و الأخلاقية هي العاطفة الحقيقية الوحيدة في هذا العالم...ثم يصيح..ولتذهب باقي العواطف إلى الشيطان مصطحبةً معها كل المغريات المثيرة..إن ميلاد تلك العاطفة الفكرية هو الذي يجعل من الطفل رجلاً"،و الأكثر دلالةً على ذلك ما وجدتهُ من تأييدٍ لدى إرك بنتلي حينَ يقولُ:"عاطفية الفكرلا تضيق الخناق على حياة المشاعر في الفن، بل قد تزيد في عمقها و رحابتها"،يبدو أنَّها ذات العلاقة الغرامية التي أتكلم عنها بيني و بين الكتاب.
الآن في هذه اللحظة سيأتي قارئٌ من بعيد و هو ينادي: لولا أنَّ بينكما علاقةٌ دنّسها الشيطان لما تواريتما خلفَ الكواليس،إنّك عبثاً تجدفُ في عقولنا،دعنا من أحاديثك هذه.
و لكن مهلاً..لا تقاطعوني،و أنت أيها الحانق اهدأ قليلاً فالمسألة أعقد من هذا بكثير،فحينَ كنت أخالِطُ المجتمعَ هنا و أتكلمُ، لا أجِدُ من يفهمني،و لكنني كنتُ أفهمُ عليهم، فاللغة التي أتقنها مغايرةٌ تماماً لما يتقنه المجتمع من حولي،أتَذكرُ ذاك الزمن الذي كنت فيهِ طفلاً و كنتُ أحاول الحديث في أمورٍ تتعلقُ في المجتمع و الأخلاق،أو حينَ كنتُ أخوضُ في السياسة،و حقيقة الوطن المسلوب أو الشعب المعصور،أو الوطن المنهوب مُخلفاً في غيابه شعباً كاملاً يقف في عراء الغربة من المحيط إلى الخليج، مستشهداً بقولِ أديبٍ بارع،أو كاتب حذق ينشبُ سهامه فتصيب صمَّام الفؤاد،فيهتز صميمه،حينها كنتُ أجدُ مارداً يقفُ أمامي يتموجُ صوتهُ الهازئ بينَ طيّاتِ نكستي: و ما شأنك أنت في هذه الأمور؟..عيبٌ عليك يا ولد..و من طَلبَ رأيك؟..أين والدك؟ قل له أن يحضر إلى المدرسة فوراً (وذلك لقصةٍ سياسية كتبتها في المرحلة الإبتدائية)..قرأ صفحةً من كتابٍ فظنَّ أنه قادرٌ على الحديث..إخرس يا ولد فللجدران آذانٌ تسمعُ ما يدور في خاطر الأبكم!،لذ بالصمت ولا تتفلسف(و لم أكن أعرف حينها معنى الفلسفة) ناهيك عن ضحكات أقراني الهازئة: إنّهُ يقرأ كتباً،إنّهُ يحفظُ شعراً،آه يا صاحبنا ألا تعرف من هي فلانة؟، إنها عاهرة اشتهرت في المدينة كاملةً،و أنت لا تعرفها يا لسذاجتك،ما زلتَ أبيضَ القلب!،أنت في الصف السادس ابتدائي ولا تعرف فلانة!!.
لأجل هذا أيُّها الحانق و جدتُ الحقيقة المُرّة في ذاكَ الوقت تصرخ بي:لا مكانَ لأمثالكَ هنا،و رغمَ ذلك كانت العلاقة أقوى من أن تُهزَّ فتساقط طلعها،غير أنّ هذه العلاقة بقيت من أعمق الخصوصيات لأعوامٍ طوال،فلم تخرج من غرفتي الصغيرة،و التي كانت تصغر كل يومٍ عن ذي قبل بكتابٍ يملأ آفاقها.
و الجدير بالضحك أنني كطفلٍ قررتُ أن أثبتَ لأقراني أنني الأفضل في الإنحراف،لكي يعلموا جميعاً أنني لستُ عاجزاً عن سبر أغوار الحياة التي يعيشونها،ففي الصف السابع بدأت مأساة التدخين لدي،وذات الأستاذ الذي طلبَ مني أن أحضر والدي لأجل قصتي التي تبشرُ بكارثةٍ سياسية في عمق البيت و المدرسة!،هو ذاته الذي استدعى والدي بعدَ ان ألقى القبضَ عليَّ متلبساً في المكتبة،الخالية من كل شيء سواي وصديقي -الذي وفرت له ملاذاً ليدخن معي- و الكتب الرازحة على الرفوف تتنشق أغبرة النسيان،وهكذا قد خنت ثقة الأستاذ بي، الذي كان يسلمني مفاتيح المكتبة و يسمح لي بالقراءة بها،حيث لم يكن هناك نشاط مكتبي واضح المعالم في المدرسة، و لم يكن هناك مطالعون كثر،كنت منكباً على كتابٍ،أمجُّ من سيجارتي أنفاسها الخانقة لطفولتي،وقد كنتُ أقلدُ الكبار الذين يقرأون الكتب و يمعنون النظر بها وهم ينفثونَ دخانَ سجائرهم إشارةً عن انهماكهم في القراءة،و ذات الصفعة على عنقي يومَ القصة قد تكررت يوم السيجارة اللعينة،وذات الغضب و الحنق في عينيه و هو يجرني من أذني كالشاة إلى المدير يوم القصة معلناً بهذا ولائه للاشيء- حيثُ لم يعلم بهذه القصة أحدٌ أغلبَ الظن-و أعلن مكرراً ذاك الولاء الحقيقي لقانون التدريس بذات الطريقة حينَ كومني أمام المدير و طُلبَ وليّ أمري.
نَعم..عشتُ بشكلين أحدهما قبيحٌ لديّ، لكنه مُرْضٍ للمجتمع الذي يحب الصامت في كل كلمةٍ يقولها،و أحدهما قبيحٌ للمجتمع، متألقٌ في ناظري كحبيبة ذات جسدٍ أهيف يتمايل بينَ جفني و هي تقول لي هيتَ لك، أتوارى به في غرفتي خلفَ الأبواب،إلا أنّ دماغك حينَ يبتلع كتاباً يأبى إلا أن يهضمه،و الهضم يعني أن تستخدم خلاياك ما تجمع من هذه العصارة،وهكذا ينمو العقل كنمو الجسد بغذاءٍ يبدأ من صدر الأم، و ينتهي إلى صدر الأرض!، لذلك لم يكن يصعب على ضليعٍ أن يكتشفَ سر الفتى -و الذي هو طفولتي- إذا أمعن النظر بكلماته إذا أسهب في الحديث ناسياً نفسه بعض الأحيان.
و الآنَ أيها الحانق ينبغي أن تعرف أنَّ علاقتي بمهجة عقلي أطهر من أن يدنسها شيطان،و على ذكر مهجة عقلي وطالما أنك أيها القارئ قد أخذت الزبدة منذ البداية دعني أضع لك تحليةً،فهذه العبارة و أقصد مهجة عقلي لها معنىً يشفُّ في روحي عن ادراكٍ عميق لما أنا عليهِ في كل لحظةٍ من لحظات حياتي،هكذا ينتابني الشعور و إن بدا في هذه العبارة نوعٌ من الزهو و المفاخرة،أذكُرُ أنني قد أعجبتُ بفتاةٍ تكبرني سناً و هي ليست عربية،و قبل الخوض في التحلية أعلم أنَّ البعض سيقف منتصباً فاتلاً شاربيه- إن كان من ذوي الشارب- شامتاً بأفكاري و تداعيها بهذه القصة،و لكن أية أفكار؟،إنها تلك الأفكار التي أجوب الأقطار العربية لأجلها حافي القدمين أجرُّ صليبَ عذابي لأجلها،و هي: أن الأمة التي لا تسيرُ و راء نفسها ستنشطر مخرجةً من عمقها لا شيء بحجم السماوات و الأرض،و لكن عليكَ أن تعلم بأني أرى تلك المرأة كأدب شكسبير الانجليزي،و كفلسفة فردرك نيتشة الألماني،و دستويفسكي الروسي،كرواية الأم للأديب مكسيم غوركي الروسي،و إدجار آلان بو الأمريكي،و آرثر ميلر الأمريكي،و باولو كويلو البرازيلي،غابريل غارسيا ماركيز،و جابريل مرسيل الفرنسي ..و فرويد، و أفلاطون،و سوفكليس،و دانتي،دونَ ان أنكِرَ جبروت ابن خلدونَ وفضله في مقدمته،ومكانة ابن رشدٍ وعلمه و فلسفته و ترجماته، وحكمة المتنبي،و أبا تمام،و شاعرية البحتري،و تقديري لأبي العلاء المعري،وطربي لأبي نواسٍ و كؤوسه،و حبي لبدر شاكر السياب،وغرقي بعوالم أبي القاسم الشابي،وملكوت جبران خليل جبران،و تقديري لمصطفى صادق الرافعي،و هيبة العقاد في نفسي،و احترامي لأدونيس،و أسفي على موت محمود درويش.
إذن لستُ أراها كأغنيةٍ غربية تعتمد على المشاهد البصرية لأجسادٍ عاريةٍ من كل شيء إلا إضاءة الكامرة المصورة،و على رقصاتٍ بلا إيقاع تسمعُ تحت نقر أقدامِ مؤديها صوتَ نعش الفن يتشظى أسَفاً على المعنى الذي آلت إليه روحُ الفن في الإنسان،و حتماً لستُ أراها راقصة تعري في ملهىً ليلي تجأرُ بين نهديها امرأة القرن الحادي و العشرين مأسورةً لا تملك أمر نفسها تحت ثقل الدولار الذي حرر البشر!،و يقيناً لست أعتقد بأنّي أعجبتُ بها لأنها تعبر عن الحياة الحضارية التي تمثلت لدى بعض المنبهرين بالغرب بالموضات و الصرعات المُصدَّرة إلينا عبر أفلامهم قبل شركاتهم الاستثمارية!،و لا بلسانهم الذي ينطقونَ بهِ.. قل لهم لغتهم و لي لغتي!.
نعم لهم لغتهم ولهم حضارتهم، و لي حضارتي و لغتي،و دون التباكي عليها أو التغني بأمجادها الزائلة،لا بد من القول أنها حضارةٌ أبهرت العالم ذات جيل،و حينَ فشل إنسانُ هذه الحضارة ضيع ملكاً لم ينبغِ لأحدٍ من قبله..بكل اختصار:ضيَّعَ ملكاً لم يُحافظ عليه كالرجال،و بكى عليهِ كالنساء.
إذن لم يكن إعجابي و الذي بلغ حدوداً بعيدة،إعجاباً شكلياً،و لكنه كانَ جوهرياً،لم تكن ذات جمالٍ باهرٍ،غيرَ أنّها عبرت عن معنى الإنسان المُتجلي على عرش وجدانها، تعبيراً دقيقاً في معاملتها للبشر الذين يحيطون بها،كانت بكل بساطة تخاطبُ الإنسان الذي فينا!، رغمَ ما رانَ عليهِ من صروف الدهر و إشكالياته،كانَ الفارقُ في الحضارة بيني وبينها يمتدُّ كجسرٍ يقرِّبُ بينَ إنسانين كلٌ منهما يقفُ على شفير وادٍ و ينظر إلى الآخر،كنا ننظر إلى من حولنا على حواف الوادي و نسمعهم يصرخون،و يضجونَ بالصراخ الذي تبتلعه ظلمات الوادي،غير أننا لم نصرخ كمثلهم،لأنَّ الفارق الذي بيننا قد طُوِّعَ بإرادتنا ليكونَ السبيل الأمثل ليصل كلٌ منا إلى الآخر،ثم يعودُ محملاً بنفحات هذا الآخر مستثمراً هذه النفحات في سبيل الذات التي تصبو إلى الرقيّ،لتكونَ لؤلؤةً بارقةً في نسيج ثوبٍ يعبر عن أناقة أمة،منقِّحاً أخطائهُ بمرآة الآخر،جالباً الجديد الذي من شأنهِ أن يكونَ نواةً لحضارةٍ أجدد،تماماً كما فعل العرب من قديمٍ حينَ أمعنوا في الحضارات السابقة،فأخذوا ما أصاب به الغير،ثم من خلاله استخرجوا حضارةً لا تضاهيها حضارة،ودحضوا أباطيل لم تكن من الصوابِ بمكانة،ثم كانوا مدرسة العصر و الإنسان الجديد!.
كلُّ هذا الكلام حول هذه الفتاة لأجل أن أقول عبارةً من باب الزهوِّ كنت قد قلتها لها: أحلامي هي نبيذُ عقلي!،و الآنَ دعني أردُّ على ما تبادرَ لذهنِ البعض من أسئلة: و ما علاقة هذا بالكتاب،و العزاء،و المصائب..إلخ؟، لماذا تبتعد بنا إلى البعيد؟،و ما شأننا نحنُ بنبيذ عقلك؟؛ لم العجلة أيّها الكريم؟،سأجيبكَ فلا تكن عجولاً،و ما ابتعدت بكَ ذراعاً واحداً عن الموضوع،فكم من بعيدٍ أقربُ من كل بداية!؟.
اليـسار مُـحَمَّـدْ
08-09-2008, 04:12 AM
أعودُ الآنَ إلى غرفتي حيثُ الكتب متناثرة فوق الأريكة،و تحت الأريكة،و على الرفوف و على الأرض،تائهةٌ في صخبِ الحوار الدائر بين أقلامي و أوراقي المجاورة لهذه الكتب.
و قد حدثَ أن شنَّت أسرتي حملة إصلاحٍ في البيت، تتمثل بطلاء الجدران من جديد،و كانت غرفتي معزولةً عن البيت، خارجَ تنظيمِ حملة الإصلاح،و بما أنني ثوريٌ يكره الحملات الإصلاحية، و الحركات الإصلاحية،و كتبي تمقتُ الإصلاح بقدر ما علاها من تشققاتٍ و إرهاقٍ وهي تتمرّدُ بينَ يدي و في عقلي،و تغلي كالماء في خلاياي،فكانت غرفتي الأبعد عن مضمون الإصلاح،و تأكيداً على نظرية الصدفة جاءَ أحد الزوار، و هو زميلُ أخي،كانَ بحاجةٍ لبعضِ المواد الدراسية التي تغيَّب عنها،فرأى أن يضعَ هذا الزميل -الذي اقتحمَ البيتَ من غير موعدٍ- في غرفتي،غيرَ أنّهُ حينَ دخل الغرفة انقضَّ على الكتب،الخاصة بي، و بدأ بتفحصها-حسب ما روى أخي-و أمعانِ التدقيق بها،فسرعانَ ما قال له أخي:هذه الكتب لأخي وليست لي،فهذه غرفته،نحن في المنزل نقيمُ حفلةً صاخبة من الإصلاحات و لم يبقَ من غرفة سوى هذه لاستقبال الضيوف بها،فأرجو منك المعذرة،غيرَ أنّهُ لم يعبأ كثيراً بما قاله أخي،و راح يلتفت إلى الحائط و ما عليه من كتابات رسمتها رغم رداءة خطي،و رسوماتٍ تعبر عن حضارةٍ طويلة العمر أقيمت بينَ هذه الجدران،ثم انطلقَ مُنَظِّراً: يبدو أنَّ صاحبَ هذه الغرفة زنديقٌ ملحدٌ،كافرٌ جاحد!.
كنتُ قد سمعتُ هذه الكلمات و التي بحد ذاتها كانت كمثل اسطوانةٍ يوميةٍ في حياتي،كنت مقبلاً على الغرفةِ بعدَ أن أنهيتُ دوامي الجامعي،فسمعتُ هذه الغمغمات المتفايضة من صاحبنا هذا،فسعلتُ متصنعاً،ثم دخلت الغرفة،فأنبأهُ أخي بأني صاحبُ هذه الغرفة، فسلمت عليهِ مبتسماً،ثم بدأ يحومُ حولَ نقاشٍ أرادهُ،فراحَ يعبثُ بالكتب أمامي،فأمسكَ كتاباً وقال لي:إنها كتب ملاحدة،و قد كنتُ أصغي إليهِ مظهراً اهتمامي بما يقول،إلى أن أمسكَ كتاب "العلم الجذل" لفردرك نيتشة،فقال يبدو أنك مغرمٌ بهذا الكاتب،لمحتُ اسمه على الكثر من الكتب لديك،ملقاةً على الأرضِ بعد اجهادٍ طويلٍ لها!،ثم ألقى الكتاب و قال: زنادقة يفسدونَ أفكار شبابنا،ثم راحَ يمرُّ بيدهِ على مؤلفات كارل ماركس،و جان جاك رسو،و يقول: هزلت بسوطٍ هادئ،ثم أمسكَ بكتاب حوارٌ مع الشيوعية تحتَ أقبية السجون و مؤلفهُ هو عبد الحليم خفاجي،ألقى الكتاب جنباً وقال كفرٌ مبين!!، ثم أمسكَ بكتاب مترجم للأديب مكسيم غوركي و هي رواية الأم،و قال:يبدو أنه جميل..لم أتمالك نفسي المزدحمة بدغدغة الكلمات الطائشة التي يلقيها هذا الشاب،فانفجرتُ ضاحكاً،خارجاً عن إطار هدوئي الذي احتواني،لطالما كنت مؤمناً أنَّ أيَّ زمانٍ و مكانٍ تفقد فيهما رزانتك و هدوئكَ،فهذا يعني الشؤم المرتسم في محيط البلاهة..يال كلماته الرنانة،كيف انقلبت على جهله؟!
يتبع.
سحر الليالي
08-09-2008, 04:25 AM
:
وأنا سأنتظر البقية بـ نفاذ صبر يا [ نهار]..
لأن ما أتيت به يستحق أن يقرأ.
/
تقبل خالص تقديري وتراتيل ورد
اليـسار مُـحَمَّـدْ
09-09-2008, 01:19 AM
:
وأنا سأنتظر البقية بـ نفاذ صبر يا [ نهار]..
لأن ما أتيت به يستحق أن يقرأ.
/
تقبل خالص تقديري وتراتيل ورد
سحر الليالي..شكراً لك على هذا التشجيع و أتمنى فعلاً أن يستحق القراءة فهي تجربة للكتابة ببساطة في موضوع لا أدري كيف وجدتني في بحره!
و تقبلي خالص احترامي وتقديري
اليـسار مُـحَمَّـدْ
09-09-2008, 01:23 AM
... أعتقدُ أنَّ وليام شكسبير قد تأثَرَ ببعض أفكارِ أبي العلاء المعرّي،ففي مسرحية "هاملت" : نجدُ شكسبير يشيرُ إلى ضرورة توقف النسل،فكما نعلم أنَّ هاملت الشاب شخصيةٌ أخلاقيةٌ،لم يكن مصدر نبلهِ الوراثة،بل كانَ أوسعَ من ذلك،فهو مثقفٌ،و ذو نفسٍ مهذبةٍ،إلا أنّ المأساة تلخصت بتواجد رجل أخلاقي في مجتمع لا أخلاقي،فكانَ أن طفَحَ كيلهُ و ارتأى أن مجتمعاً كهذا فناءه خيرٌ من بقائه،الذي يجلبُ الكوارثَ و يخلق المظالم و الظلمات، في حين أنَّ أبا العلاء المعري كثيراً ما نجدُ في أشعارهِ و رسائلهِ،و أقوالهِ ما يوازي بيته:
فليتَ حوَّاء عقيماً غدت...لا تلد الناسَ و لا تحبلُ
هذه مجموعةٌ من الأفكار التي تتبادرُ إلى ذهني،أثناء تواجدي في موقفٍ كموقف صاحبنا،تخطفني هنيهةً،ثمّ تعيدني شاحبَ الوجه،مربدّ العاطفة حول هذه الحياة،و إرضاءً لفضولكَ أيها القارئ الكريم، و لكي لا أخلقَ نقصاً في النص فلا بد من ذكر السبب الذي أضحكني: فالكتاب الأول-حوارٌ مع الشيوعية تحت أقبية السجون- يُظاهر الدين على الشيوعية،و الثاني -رواية الأم- هو تلخيصٌ مُساندٌ للعمل الثوري الإشتراكي في روسيا إبان الحكم القيصري.
و في هذا الصدد أودُّ ان أتحدَث قليلاً حولَ رواية الأم،و قبلَ أن يخرجَ لي أحدهم من بينِ الصفحات ويقبضني من عنقي صائحاً:ها قد ظهرتَ على حقيقتك،أنتَ تروجُ للعمل الإشتراكي الشيوعي في حروفك المتراصة هذه.
فأقولُ له: أنا ملحِدٌ بآلهة هذا الشاب منذُ زمنٍ بعيد،و لكن كما ورد على لسان هيجل:"إذا لم يكن الله موجوداً،فعلينا أن نخلقَ إلهاً"،و بهذا فلي إلهٌ، و لكي تعرفَ إلهي فلا بدَّ ان تعرفَ بمن ألحدت من الآلهة..
في رواية الأم يبدأ الناسُ الذين تقطعت بهم سُبلُ الحياة،تحت نواجذ الآلة، برشقِ بطل الرواية "بول" و رفاقهِ بتهم الزندقة و الكفر،و لكن رفيقهُ "ربين" كانَ واضحاً حينَ أعلنَ:بأنّهُ لن يعبدَ إلهاً يُستخدمُ كعصا الترهيب،و التأديب،و الابتزاز،لن يعبدَ إلهاً يستخدمُ ثوباً للزينةِ و تُخفى تحت رقة اللاد الذي نسجَ منهُ خطيئة فجة،هو لن يعبدَ رباً من التمر الخالص،متى ما جاعَ العبدُ في خلواتِ النفس انقضَّ عليه وأكلهُ بنهم و نغمٍ شديدين،لن أعبدَ إلهاً يمنعني أن أرى الشيء الآخر خشيةً من فضح عورتهِ بهذا الشيء،هذا هو لسان حالهم.
فعندما يقدمُ هذا الشاب على رشقي بالزندقة -كما فعل غيره- لأجل أنني نظرتُ إلى الشيء الآخر،فيقيناً أن معلمهُ حذَّرهُ من فعلةٍ كفعلتي،إنَّ هذه الكتب كشجر الجنة،بعضها ما تستلذُّ بهِ،و بعضها ما يكشفُ عورتكَ فتبينُ للناظرين،فتخصفُ من ورق الجنة ما تواري بهِ عورتك!.
نحنُ إرادةٌ إلهية،غيرَ أنَّ المشعوذينَ يمزجونَ من مساحيق الجهل،و الجشع و التفرُّدِ:إكسير العبودية،ثم ينصبون التماثيلَ الإلهية على هيئةِ شيطانهم و ينحتونَ المحاريب من وقبِ هذا الشيطان!.
لن يفهمَ الإنسان هذه اللوحة التشكيلية للحياة،و الرموز المبعثرة بينَ ألوانها،إن لم يخض في غمارها،و إنَّ غمارها فسيحٌ لا حدودَ له،فالحاضرُ نتيجةٌ ضمنيةٌ للماضي،و الماضي مخاضٌ للمستقبل،قل لي: كم من الأخطاء اقترفت،أقولُ لكَ :كم من الصواب عرفت،قل لي كم من الصحارى ذرعت،أقول لك كم من الواحات نزلت،أنبئني كم المعابد قد دخلت،أخبرك كم من الملل هجرت،و كم من الآلهة قد تعثَّرتَ بها فانكَسَرَتْ هي،أو أنت سقطت،قل لي قدرَ ما رأيت،أقول لك قدرَ ما سَتُرى!.
أيُّها الوقح القميئ..(هذا صوتٌ من بعيد يعربد) أتدعونا لنقترف الخطأ لكي نعرف الصواب؟،إنك حتماً داعيةٌ على باب الجحيم،إنَّ أمثالك يُجربوِّنَ: نتيجةَ خرقِ السفينة و هي في عرض البحر!.
آه..هنا تكمن العقدة لديكَ إذاً؟،أنت تخافُ من الموت،تخاف أن تغرقَ في عرض البحر،أنتَ لا تُجيدُ السباحةَ في لجج البحار،فدعني في البداية أعطيكَ درساً في السباحة،ثمَّ أتابع،إنك حينَ تقفُ على الشاطئ،تجدُ البحر يرمي إليكَ بأذيالهِ،التي قد لا تجاوزُ أخمصَ قدميك،و كأنَّما هو يستفزكَ،و أنتَ تنظرُ إلى الشمس وهي تنطوي مع الأفق،تتساءلُ واكتئابٌ يضوعُ من حشرجة الأسئلة:أينَ ذهبتِ يا شمسَ التجلّي،أينَ ذَهَبت أهدابك المسبلةِ على جسدي الراعشِ بدفئك؟،إلى أين تمضونَ يا صغارَ البحر،تخلقون بي هذا الشعور المتلاطم بينَ حواجز نفسي،ثمَّ تمضون،ابقوا معي.
يا رفيقي إنَّ البحر يبتلع الزمان،كما يبتلع الزمان الواقفين بتيّاره،و أنتَ على الشاطئ تجهلُ الوجهَ الآخرالذي ترنو إليهِ الشمس دائلةً بينك و بينه،و بما أننا في درس السباحة،أذكر حينَ كنت في الثالثة عشر من عمري،أنني ذهبت مع صديقي إلى بحيرةٍ يسبح البعض بها،و إلى ذاك الحين كنت أحفظ الوصايا المقدسة لأمي: حذار من الماء،إنَّهُ يشربُ البشر،كما هم يشربونَ قطراته،يا ولدي تلك هي حقيقةُ الشيء:منهُ و إليه!،لكنَّ صديقي غواصٌ ماهر رغم أنهُ بعمري،و أغراني بأنَّ الماء ليس عميقاً، و أنني سأتلعم السباحة إذا كسرت الحاجز الذي بيني وبينه،سوى ذلك سيمرُّ الماء من فوق خوفي الآسن ذات يوم،كاسراً هذا الحاجز جارياً إليّ،فألقيتُ نفسي في البحيرة،وإذ بي في أعماقها أتشبثُ بقطرات الماء،عبثاً..أتشبثُ بما يعلق بي!،و نزل ورائي أحدُ المنقذينَ و أخرجني من الماء، وكان الجمعُ من حولي يضحكون،غضبت من هذه الخدعة،إنَّ الماء كما قالت أمي:يشربُ البشر،و أنَّبني ضميري في مخالفة وصيةِ أمي التي لم تطء الماء من قبل!.
و لكن يا صاحبي..لو كنتَ في البحر،في مركبٍ ربّانهُ ثملٌ يترنحُ مع موج البحر الهدّار،أو في مركبٍ عفا الزمانُ عليهِ، تسبر أغوار المحيطات،بهذه السفن،آملاً أن ترى الوجه الآخر للشاطئ،الذي تستلقي عليه الشمس بعدَ تَعبِ نهارها!،لو كنتَ في خضمِّ البحر،و أخطأ الربان،أو رفيقٌ لك،فأغرق السفينة،لو كنتَ في البحر واهتاجَ البحر لخطيئةٍ ما، لو كنتَ في البحر الذي أنتَ فيهِ الآن!،غارقٌ لا تملك إلا ذراعيك،أليسَ من الأفضل أن تجيد هذه السباحة؟،لن تجدَ من يعلمك السباحة في عرض البحر،البحر أوسع أن يكونَ مدرسةً ابتدائية، البحرُ خضمٌ مائجٌ إما أن يشربكَ،او أن تمرَّ بهِ بحنكة السمك الصغير،و بجبروت القرش.
هذا ما تعلمته،فأجبرني على السباحة المُرْهِقة،إنَّكَ لن ترىالجزرَ الغنّاءَ إذا انقلبت السفينة في عرض البحر،و لكن قل لي كم مرَّنتَ نفسكَ على السباحة،أقول لك كم ستجتاز بذراعك من البحر،قل كم من الشواطئ انطلقت منها،أقول لك كم من الشواطئ سوفَ ترسو عليها.
إنَّ الخطأ شيءٌ خارجٌ عن إرادتنا الإلهية،أما الخطيئة فهي تدنيسٌ للإرادة الإلهية بنا،و الإنسان كتائهٍ في بلادٍ ليست له،فما لا تعرفه فهو ليسَ لك،فأنّا لك أن تقول لي ما خلف البحار،و أنت خلفها!؟.
يسيرُ هذا الإنسان في دروبهِ،فيتشكفُ أنَّهُ قد وصلَ إلى منحدرٍ يهفو إلى وادٍ سحيق،فيعلم أنَّهُ قد أخطأ بدربه،فيعودُ باحثاً عن طريقٍ غيرها،في كلّ طريقٍ يكتشفُ هذا الإنسان حكمةً يعلقها على جدران الحياة حتى يموت و هو في دربه إلى النهاية،فيأتي من بعده فيقرأ هذه اللافتات و يكمل ما بقي من الدرب.
يتبع في -2-
سحر الليالي
09-09-2008, 04:00 AM
:
وأتابع بـ شغف ..
وأراني تربعت هنا ...
اكمل أيها الفاضل وكلي هنا منصته.
http://smiles.al-wed.com/smiles/13/bloem_04.gif
اليـسار مُـحَمَّـدْ
14-09-2008, 01:53 AM
مسرورٌ بمتابعتك يا سحر الليالي لحروفٍ أنثرها،آملاً أن تصلَ غايتها،و أن أصل غايتي معها،ألا وهي أن أقول كلمةً دونَ تكلفٍ او عناء!.
دمتِ بخير
اليـسار مُـحَمَّـدْ
14-09-2008, 01:58 AM
-2-
...لقد دخلتُ الجامعة بعدَ مغامراتٍ متحفةٍ بالإثارة،و التشتت الفكري،و التجاذب الفكري أيضاً،بل و الصراع الفكري،ناهيكَ عن صراعات المُراهقة،ونزواتي الصبيانية،و أكادُ أجزمُ بأنني لم أفوِّت جماعةً إلا و كان لي معها سجالٌ و مدٌّ و جزرٌ،و انخراطٌ سطحي في أغلبهِ،غيرَ أنني كنت مؤمناً بشيءٍ واحدٍ يجمعني بهم جميعاً: أنَّ من طبيعة النفس البشرية إذا وجدت نفسها في حيز الاختلافات: أن تسعى للرقي بذاتها، و هذا لإظهار تميِّز المُختلف لديها،و هذه الفكرة بنظري تتمثّل بالكلِّ و الواحد منه على حدٍ سواء،و لكن ليس بمحاولة كسر الآخر،و لا محاولة تحجيم الآخر، في إطارٍ من صنيع أفكارها المتفردة، بل على العكس بمحاولة استيعاب الآخر،كإنسان،و منافسته، فيما تشتركُ به الإنسانية من علاقات،وكل ذلك بطبيعته سيؤدي إلى الرقي بالجنس البشري،و إلى التحضر،و التقدم،سوى ذلك من تصادمات: فمن شأنها أن تخلق تراجعاً و لو بعد حين؛ لذلك كانَ من الصعبِ أن يحتاز شخصٌ مثلي على الأعداء.
و في فترةِ المُراهقة تضطربُ النفس التي تحاول الإنفلات من الشرنقة التي تمنطقت فيها،و ذلكَ للخروجِ إلى حقل الحياة،و اكتشاف المغزى الحقيقي الكامن بهدوء بينَ أفواف الزهر،لذلك تجد المراهق يتنقل بين زهرةٍ و زهرةٍ،بشكلٍ غيرَ مبرَّرٍ لمن غفِلَ عن التركيبة المعقدة لهذا الكائن البدائيّ،و قد لا يَسعني أن أتحدَّثَ بتوسّعٍ حول مراهقتي بالتحديد،فمنها الطريف،و منها ما أن أتذكّره حتى يحمرّ وجهي خجلاً ، أو أن أمتعظ لشيءٍ مبهمٍ في نفسي وقد تمثّلَ في موقفٍ ما،غيرَ أنّ المُراهق يدنو إلى الأزهار ليَجسَّ النبضَ في أوصالها،و كثيرون هُمُ الذينَ نهشتهم أشواكُ الورود فارتدوا على عقبهم،و قد خذلتهم التجربة،و كثيرونَ هم الذينَ لم يصلوا إلى زهرةٍ واحدةٍ،لأنّ أحدهم قرر بإرادته أنَّهُ حارسٌ على الحياة،و كثيرونَ هم الذين وجدوا لذتهم في هشمِ الزهور،أو قطفها و إهدائها لنزواتهم،حتى تجفَّ في قفارِ هذه النفس التي ما زالت تخلو من معناها الحقيقي،فالمعنى يُكتَسَبُ،فقل لي: هل الآلةُ حَمَلت معناها قبلَ وجودها؟،أم أنّها حملت صفاتها التي بمجموعها مثلت المعنى الحقيقي؟،و ليسَ المعنى سوى دليلٍ على المغزى.
الكائنُ البشريّ يكتسبُ معنى الإنسان اكتساباً،و قد يكتَسِبُ معنى الحيوان،و الحشرة،و الشيطان،و الملاك،و هذا كلهُ مقتصِرٌ على الظروف التي نشأ بها هذا الكائن،بعيداً عن نظريات الشذوذ،فالشذوذ لا يُعبر إلا عن الواحد،فالواحد من الكلّ قد يشذّ،و لكن ليس سهلاً أن يشذُّ الكلُّ،فقد يظهر في بَلَدٍ ما نابغةٌ لا يُضاهى ،فهل معنى هذا أنّ البلد بما حوى لا يخرج إلا مثل هذا الصنف؟.
لذلك لو أخذنا نظرية "دارون" من باب المجاز،و هي :أنَّ أصل الإنسان قردٌ قد تطوّرَ ضمن ظروفٍ مُساعدة؟،هذا المجاز يعني: أن نذهبَ إلى الغابات و حدائق الحيوان،ثمّ نحنو على القرد و نقول لهُ: آه أيها المسكين لو أدركتَ مسيرة التطور،و لم تتعنت لرأيك،لكنت اليوم مثلنا.
- بحقِّ ما آمنتَ بهِ خلصنا،ما شأن هذا بالكتاب،و المراهقة،و الجامعة؟. أعتقد بأنكم تعرفون هذا الصوت جيداً أليسَ كذلك؟
لا تشغل بالك لقد انتهيت من التنظيرالأوّلي،والآن لنعد إلى الجامعة حيثُ المُسمى يحمل معناه،فتجدُ ضروباً من الناس،و أفكاراً شتى،وثقافاتٍ مختلفة،و أحلاماً تتقلب بينَ الأجفان،و نحنُ معشَرَ الشباب-ولفظُ شباب يشتملُ على المؤنثّ قبل المذكر- المعنى الجوهري الحاضرِ في مثوله بينَ الماضي و المستقبل،هذا ما ينبغي أن يكون،في الحالة الطبيعية لعجلة الحياة، و لكن إذا تبيّنَ أن الماضي أرجى من الحاضِر،فالأسف كلّ الأسف على المستقبل،فأن يكونَ أصل الإنسان-مجازاً- قرداً فهذا أمرٌ فيه قولٌ،و لكن أن يكونَ أصل القرد إنساناً،لعمري إنّها لمدعاةٌ لأن يُلطِّخَ المرءُ وجههُ باللبن!.
الطبيعةُ واضِحةٌ أمامَ نفسها،غيرَ أنّ ما يعتريها من كوارثٍ يستدعي الوقوف عليه،و التنقيب عن أسبابه،فسلّم التطور سامقٌ،و لا نرى إنساناً يصعدهُ دونَ إرادتهِ،فالإرادةُ أداةٌ لا بدَّ منها لتطويع الصعاب،فأن ترى الصاعدينَ على السلمِ: فهذا أمرٌ بديهيّ،فالإنسان إرادة،و لكن أن ترى أحدهم يهبطُ عن السُلَّم!،مع العلم بأنّ الهبوط غير السقوط،السقوط عملية قتلٍ و اغتيال، أو خطأٌ في موضع القدم،أما الهبوط فهي عملية سلبٍ واحتيال، فأن تسقطَ كتلةٌ عن رأس الهرم،فليسَ لها إلا أن تعيدَ جمعَ أشلائها و تعيد الكرّة، و لكن من يهبطُ عن السلم درجةً درجة: فلا يمكن أن يُمثّلَ هذا الفعل إرادةً حُرّة،لأنّ هذا الأمر خارجٌ عن نواميس الطبيعة،إنما قد يكونُ مخطوفاً،أو مغشياً عليهِ، يسيرُ كما الدميةِ تحركها خيوطٌ خافية على الناظرين،قد أتقبّل فكرة أنَّ القرد ضاقَ بحياتهِ،فقرر التمرّدَ عليها،و الخروج من حُلَّتهِ القديمة إلى حلةٍ حديثة تمثلُ رُقيّاً يوفّرُ له مكانةً أعلى في سُلّم الحياة،و لكن لا يمكن أن يكون هذا الإنسان المتحوّلِ إلى قرد ضاقَ بحياته،فقرر التمرّد عليها بهذا الشكل،و لكن ربما قد مُسِخَ،و المسخ يحتاجُ إلى قدرةٍ تفوقُ قدرةَ هذا الإنسان المتحول إلى قرد،فأيُّ قوةٍ هذه القادرة على سلب الإرادة؟.
...(في الجامعة)...
.... يسيرونَ جموعاً،و فُرادى،و تلمَحهم في كلِّ مكانٍ، غيرَ أنّكَ إذا سألتهم: إلى أين المُضيّ؟،ألفيتهم بلا جوابٍ يسيرون،لا يملكونَ سؤالاً محدداً،و بهذا لم يمتلكوا الجواب،فقط هكذا هو الأمر:يسيرون،و يغيبونَ عن نظركَ مع انحناءات الطرق،ثم يرجعونَ في التفافةٍ لا يُبررها سوى بذخُ الطرقات.
تنسربُ على مُحيَّاهم ظلال القناطر،تُخمِدُ فيهم اشراقةَ الشمسِ، التي ما تفتأ تشرقُ من مشرقها،غيرَ أنَّ أحداً منهم لا يدركُ الأمرَ حقيقةً واضحةً،الشمسُ تشرقُ،و لكن لم يعد أمرُ الشروقِ ذا أهميةٍ،لدى هؤلاء الذينَ اعتادوا أمرَ الحياةِ في مجاريها القديمة.
و الغبَشُ أشبه برذاذٍ يتقاطرُ من غوامض الأشياء المكدّسة في أطرافِ حياتهم،و الجسدُ الضاحي هو ذروةُ المسيرةِ التي يخطونها،و بهذا الجسد يكون اكتمال الحياة، فالمشهدُ يوافقُ لعبةً عبثية: و هي إكمال النقص بالطرف الآخر،إنَّ المسألة لا تعدو أن تكونَ ملء حيّزٍ يحتاجُ إلى من يملأهُ، لتكتمل التحفة الفنية في مظاهرها،مَرضاةً خادعة لمرآةِ الحياة،التي تحتاجُها الحياة لرؤيةِ وجهها المتكامل،مصقولاً بهذه الكائنات،لتكمل دورة عقاربها!.
تفترُّ الشفاه،حاسرةً عن بسمةٍ تَمُضُّها حقيقةٌ تعتور في ما لا يفهمه السائرون،و هذا هو الإنفصال الماثل بينَ الجسد و روحهِ،كأسوار مُعتَقلٍ تُباعدُ الأسيرَعن نظرتهِ المارقة خلسةً عبر الكوى.
إنَّ الوضوحَ مُتناغمٌ مع إيقاعِ الطبيعة!،و هذا ما يُضفي إليهِ الشرعيَّة،التي تمكِّنهُ من رتقِ الهوَّة بينهُ و بينَ العالمِ الآخر،فقد تتشابهُ التضاريس،بل وقد تتمازجُ الأجواء إلى درجةِ التوحّد،فيشعرُ الغريبُ أنّهُ في الوطن.
و لكن أيّ عشَّاقٍ لا يقدرون على التمايز؟،تضاريسُ الأجسادِ المُتشابهة،و هذا التناغمُ الذي يُعبِّرُ في داخلهِ عن معنى التنافر،قادِرٌ على خلقِ الفوضى،فوضى الأحاسيس الناصلة،المنبثقة من التباس الكينونة على الحواس.
إنَّ العالمَ الآخر هو الفصل بينَ الظاهر و الباطن،فقد يكونُ ظاهر الشيء يمثل الجحيم،إلا أنَّ باطنه الجنّة،و العكس صحيح،هذه الفكرة بحدِّ ذاتها تجسدُ عالم الميتافيزيقية،الذي يُعلّقُ المعذبون آمالهم عليه،و هو نفسه الذي اختلط على المُخدَّرين،و هو ذاته الذي ينفيه المُخدِّرُ عن خاطرة المُخدَّر،لتنشأ الفكرة العبثية ذات الشعار:عبثاً..عبثاً كنا وما زلنا!.
و رائحةُ الأفيونِ عابقةٌ، تستدرجُ الناشقَ للمروجِ الممتدّةِ في أخيلةٍ عطشى،و للموتِ سكرةٌ تُجزِعُ آلهة المسرح،خشيةً من رفعِ الستارِ المنسدل على معنى الحياة،فيظهرها عاريةً أمام الجماهيرِ المندمجةِ معَ أدءِ نجومها الدائرينَ في أفلاكها.
في المسرحِ تبدأ الدراما في حياكةِ نفسها، تحت الأضواء، الخاطفةِ لمآقي الناظرينِ، من خلل العتمة المائلة على وجوههم في طمأنينةِ تثبُ في جذَلٍ يستسيغُ بهاءَ التمثال،و هدوء الأوصال،التي ترتعُ بها،كشعورٍ يسري من حيثُ لا تدري بهِ لأعصاب.
...(فصولٌ من المسرحية)...
-الفصل الضائع-
...هنا في هذا الفصل أشفي غليلكم من المراهقة التي طفقت أنظّرُ فيها،هذا هو الفصل الذي ضاعَ على خشبةِ المسرح،غيرَ أنّهُ أضاعَ الفاقدينَ لمعناه،في البيت حيثُ تبدأ أحداثهُ متسارعةً مع دقات الساعة،و تنجلي باستقرار الأردة في دم المراهقين،التي تتغذى على أحاسيسهم المرهفةِ نحو..جَسَدٍ يُغمدونَ رؤوسهم بهِ،هروباً من حقيقةٍ، كانت سبباً لهذا الوأد.
-أفصح بالقول،لعمري مللت المكوثَ معك..ماذا تريد أن تقول؟
لا أريدُ ان أقول،بل أريد أن أشيرَ وكفى،أريدُ الإشارة إلى هؤلاء الذينَ خرجوا من بيوتهم،بعدَ أن تمَّ حذفهم عن لائحة المدعوّينَ- و أي لائحةٍ تقصد؟ - أقصدُ لائحةَ الوجود،من لم يكن موجوداً في بيته،لن يكونَ موجوداً على هذه اللائحة.
هؤلاء حينَ يدخلونَ أبواب الحياة،يدخلونها بسلامٍ آمنين،يقتفونَ آثارَ السابقين،إلى أن يصلوا حفرةً عميقةً، يضجعونَ بها،و كأنَّ شيئاً لم يكن!.
هكذا هم يُعرّفون الرأيّ: كفرٌ يودي بصاحبهِ إلى جحيم العقل المزدحم بحطَبِ القضايا التي تقظ أنفاسه الخابية،و الثقة بعظمة الذات:استعلاءٌ على خالقها،الذي ينادي عليهم عبرَ آثاره المنتهيةِ إلى هوّةِ الفناء.
ما يُضحكني:أنّ أوّلَ ما يتعلّمهُ المراهقُ هو الاستجابة الجسدية،فهو يومي برأسه طاعةً،هذا الرأس غير قابلٍ للإستدارة حولَ ما يُملا عليه،ثمّ الاستجابة الجسدية:للمشاعر التي تتغذى على هذا الجسد،دونَ الوقوف عليها،و التأمل بها،منتهجاً في سبيلها نهجَ عبدٍ جاءَ موعدُ تفريغ أحمالهِ التي أعيت شَبَقه!.
فيصبحُ كتلةً متماسكة الأعضاء،قادرةً على تأديةِ أغراضها الوظيفية،طالما أنّ لها طاقةً تُستمدُّ عبر أنابيب تُدارُ بأكفٍ لها السطوة عليها.
إذن هكذا هم يدخلونَ الأبواب،و لكن أليست الحياة منهم؟،فكيف يبحثون عن الحياة؟،كيفَ للنهرِ الجاري،أن يطلبَ من بحيرةٍ راكدةٍ أن ترفدهُ بالماء؟،فحينَ يغيضُ النهر: تُشَلُّ تياراتهُ المغدقة على البحيرات،فلا يقدرُ على حمل قطراته الباقية،و تشحبُ البحيرات،و تضمُرُ في مائها الآسن.
...الفصل العنصري...
...لم تزل الجدرانُ الشاهقةُ ترفعُ،و تمتدُّ كأفاعٍ تتلوّى حول خواصرِ العبيد،الذينَ بدورهم يستديرونَ بها بتسارعٍ من شأنهِ أن يعزل الجسَدَ عن الجاذبية،و بهذا لا تتماسكُ الكتل،بل تترامى في مداراتٍ لكلّ مدارٍ منها مركزٌ تطوف حولهُ.
فرعونُ شغفٌ بالجدران،و العبيدُ تحتَ سياطِ الصوت اللافحِ يزحفون،و على مناكبهم طوبة يحملونها ثم يلقونها بينهم،يرفعونَ الجدرَ التي من شأنها أن تحمي فرعونَ من العدوّ،أصبحت الصحراءُ مقفلةً عليهم،غيرَ أنّ باباً واحداً ما زالَ منفتحاً على جحيمهم!،الذي يزفرُ بحممٍ جرّاءَ تنفّس الصعداء من الهواء المتسكّعِ بينَ بينهم.
و حينَ تختنقُ الأنفاسُ،و تضيقُ الجدران،و تبتعدُ المسافاتُ: تلهثُ الأصواتُ في كلالة تستصرخُ الجدران،و في الفضاء السماويّ تتعالى ملحمةُ الأصداء،و تتهاوى شظاياها على الرؤوس كأنّما الدنيا تمطر القطران على الرؤوس.
ثمّ يشيع الوباء ويضربُ الموتُ طوق العزلةِ،و رايات النصر ترفرفُ فوق كلّ ساريةٍ!،و تنعقُ الغربان نشيدَ السلام،إنه نشيدها الوطنيّ الذي تخشعُ الجدرانُ لصوتهِ متصدّعةً،حتى تتساقطُ فوقَ الخاشعينَ في جبروتِهم الممتدّ بينَ أربعة جدران.
فالويلُ لمن جعل من وطنهِ غُرَفاً يحتشدُ بواحدةٍ منها،مغلقاً أبوابها في وجهِ الوطن!،مُعتلياً عرشاً تجمعت أوصالهُ من ركام الجسد،لتحرسهُ عاصفةُ كانت قد بعثرت هذا الجسد.
يتبع مع الفصول الأخرى..و الخاتمة :)
مؤيد غازي الناصر
14-09-2008, 04:24 AM
نهار
أحييك و دررك التي نثرتها في سماء الحرف نجوما نزقة مجراتها
اليـسار مُـحَمَّـدْ
24-09-2008, 01:40 AM
نهار
أحييك و دررك التي نثرتها في سماء الحرف نجوما نزقة مجراتها
شكراً أيها الكريم مؤيد غازي الناصر ولك ولحضورك كل الاحترام التقدير
دمت سالماً
أهداب الليالي
19-12-2008, 03:30 AM
عندما نكتبنا فإننا نكتب عمرا رسمه القدر على كف حزن أو جبهة فرح
أديبنا المبدع أ. نهـار ، سأكمل القراءة و أتابع
فلـ يعانق الغيـم تحليقًـا
للتثبيت
خالص الود و التقدير
http://3n8aa.jeeran.com/BigRose.gif
أهداب
ريم بدر الدين
22-12-2008, 08:49 PM
عندما بدأت بالقراءة هنا كنت بين الفينة و الأخرى أعود لأتأكد هل أنا أقرأ نفسي ؟
سيرة ذاتية غنية جدا بمعالم ثقافية واضحة ميزت جيلا معينا
أكاد أجزم يا نهار أننا من فئة عمرية واحدة
متابعة لهذا النبض
تحياتي لك
اليـسار مُـحَمَّـدْ
26-12-2008, 03:01 AM
عندما نكتبنا فإننا نكتب عمرا رسمه القدر على كف حزن أو جبهة فرح
أديبنا المبدع أ. نهـار ، سأكمل القراءة و أتابع
فلـ يعانق الغيـم تحليقًـا
للتثبيت
خالص الود و التقدير
http://3n8aa.jeeran.com/bigrose.gif
أهداب
الأستاذة أهداب الليالي..نــعم إننا نكتبنا،و ننطقنا،في كلِّ حرفٍ ..ينطق به القلم أو اللسان و في كل مرةٍ نكتبنا نكتب ناحيةً من نواحينا..
أهلاً بكِ في هذه الصفحة المتواضعة..
اليـسار مُـحَمَّـدْ
26-12-2008, 03:06 AM
عندما بدأت بالقراءة هنا كنت بين الفينة و الأخرى أعود لأتأكد هل أنا أقرأ نفسي ؟
سيرة ذاتية غنية جدا بمعالم ثقافية واضحة ميزت جيلا معينا
أكاد أجزم يا نهار أننا من فئة عمرية واحدة
متابعة لهذا النبض
تحياتي لك
ربما نقرأ أنفسنا في سطور غيرنا..ربما و ليسَ يقيناً..يكون السبب في أننا أبناء أمـةٍ واحدة تعرضت لذات ظروف الموت و الحياة.
ربمات نكون من ذات الفئة العمرية،،،و إن لم نكن كذلك ،فإن هذا عائدٌ إلى أنَّ الزمان في بعض الأحيان يختصر البعض منا فيجبر هذا البعض على اختصار الزمان.
سررت بتواجدك أستاذة ريم بدر الدين.
**ملاحظة: وجدت أنَّ طرح ما تبقّى من النص دفعةً واحدة قد يسبب الملل نـظراً لطوله،لذا سأطرحه على عدة مراحل،من يرى غير ذلك فأنا مستعد لطرحه دفعة واحده.
**ملاحظة أخرى:حينَ أعدت قراءة النصوص السابقة، تبيَّن أنّ هنالك نقص،في بعض السطور،إضافة إلى الكثير من الأخطاء،لقد كتبت الموضوع على ورق ثم طبعته،و أثناء نقله إلى المتصفّح حصل ما حصل فاعذروني.
اليـسار مُـحَمَّـدْ
26-12-2008, 03:22 AM
...فصل الكِـتاب الفارغْ...
...حينَ أدركتُ بعض الحقائق في جامعتي،وهي حقائقٌ تمَّ استنتاجها من خلالِ الأثَرِ الذي تركَـهُ الماضي على رمال الحاضر،و حينَ أيقنتُ أنَّ أيَّ كتابٍ يُسطَّرُ على هذه البسيطةِ يعتبَرُ حقاً شرعياً لي،و ليست هذه الفكرة تنبثقُ من مبدأ:كلُّ من عليها لي،إنما هي على الأغلب من مبدأ:كلّ ما ظهر عليها فهو حقيقة. أقول إدراكُ الحقائق الأوَّلية أوصلني إلى حقيقةٍ نهائيّة وهي أنَّ الحقيقة ليست حكراً لأحد.
الخيرُ حقيقة و الشر حقيقة،اليمينُ حقيقة و اليسار حقيقة،الشرق حقيقة و الغرب حقيقة،الإرهابُ حقيقة و الترهيب حقيقة،فرعونُ حقيقة و العبدُ حقيقة،أنا حقيقة و ظلي حقيقة،أنْ أطالع الكتب بمختلف ألوانها حقيقة،و أن يستسخف البعضُ عملي هذا حقيقة. كلّ هذا كان تمهيداً لمسألة صراع الحقائق،التي يقاسُ بها الأطولُ عمراً و الأبقى من هذه الحقائق.
نعودُ إلى الجامعة،حيثُ أغادرُ منزلي لا أحملُ سوى كتابٍ و أوراق للتغطية،أما الكتاب فعليكَ أن تجزمَ بأنّهُ لا يمتُّ إلى مساقاتي المطلوبة بصلة،و الأوراق تستخدمُ للتمويه،حيثُ أجلسُ في أبعدِ ركـنٍ عن المـُحاضِر ثمَّ أفتـَحُ الكتاب و أبدء بقراءةِ التراتيل!،و إذا اقتربَ مني استخدمت الأوراق لتغطية الكتاب و التظاهر بأنني أدون ملاحظاته القيّمة في المحاضرة،و لكن بشكلٍ عام تبدأ حفلة القراءة عندي في اللحظة الأولى من صعودي إلى الحافلة،فذاك أفضلُ من مراقبة خلفية الرؤوس،التي تصطف أمامي،أو من مراقبة ذات الطريق اليومي الروتيني الذي لم يتغيّر منذ العصر الذي دخلتُ به الجامعة،و تنتهي بشكلٍ مؤقَّت حينَ أتسكعُ في الجامعة..إلا أنَّ هذا غير دقيق،فكلّ ما في الحياة كتابٌ،بعضهُ مغلقٌ،و آخر مستغلقٌ،و بعضه مفتوحٌ،و لربما قراءة ما حولنا تجدي كما تجدي قراءة ما بينَ أيدينا،أو أنها تكمله،فليسَ من حقنا أن نغضّ أبصارنا عن الناس،و عن الجمادات و الكائنات المحيطة بمختلفها،لأنَّ ذلك يعني أن نغلق أعيننا و نسير ،لا نرى شيئاً و لا ندرك شيئاً مما يدورُ حولنا.
-و حضرتكَ تريدنا أن نعمل عمل الرادارات اللاقطة،و نبدأ بمطاردة كل ما يدبّ على هذه الأرض أليس كذلك ؟
لا..ليسَ كذلك،كل ما أريدهُ هو أن نعلمَ ممن حولنا حقيقتنا،و حقيقتهم،و أن نعرفَ أين نحن بوجودهم،و أين هم بوجودنا،كيف نكون إذا لم يكونوا على ما هم عليه،و كيف يكونون إذا لم نكن على ما نحن عليه،كيف نكتمل بهم-أو ننقص، أوكيف ننقص بدونهم-أو نزيد، و كيف هم كذلك ينقصون بدوننا -أو يزيدون، وكيف يكتملونَ بنا أو ينقصون.
دعوني أحدثكم عن أثَرِ رحلةٍ قمتُ بها مع أحـَدِ الفلاسفة و المـُفكِّرين،ثمَّ نرجـِعُ إلى الطـَريق الذي كنَّا بهِ من قبل،و اسمُ هذه الرحلة:
..فردرك نيتشة..
قبْلَ أن أبدء عليَّ أن أذكِّركم بأنني لا أطرحُ هنا مـُناظَرَةً فكريّة،إنَّما أسردُ وقائعاً حصلت في الماضي البعيد و القريب،و لستُ أهدف فيها إلى طرحِ سيرةٍ ذاتيّة،لأنني أجزِمُ لكم أنَّ شاباً مثلي ليسَ في سيرتهِ الذاتيّة ما يدعوكم لتبذير أوقاتكم في متابعتها،و لكنني أستخدم هذه الوقائع لطرحِ فكرةٍ يستخلصها القارئ بنفسهِ،هي أفكارٌ أطرحها بينَ السُّطور،دونَ التعرض لفِكرِ غيري، إلا إن كان بيني و بين هذا الفكر واقعةٌ حصلت قد تنفعني في السرد.
...حـينَ امتطيتُ صهوة أحرف هذا المـُفكِّر و هاجرت معهُ في رحلةٍ نحو العمق،نـَبَـذَني الرِّفاق،و حوربت بقبضةٍ من حديد،تُلوِّحُ فوقَ أضلاعِ فكري،محاوِلةً هـَشْمَ آرائي،و ادعى البعضُ أنني أسيرُ على نهجهِ،و غيرهم ادعى أنني جعلتُ منه إلهَ أفكاري،و أنني قدَّستهُ،كما قدّسهُ أفرادُ الحركةِ الصهيونية،و المـُجدِّدونَ من اليهود الذينَ يرونَ أنَّ الفكر "النيتشي" هو سبيلهم الأمثَلْ ،و أنَّ أفكارهُ ترسِمُ نهجاً جديداً للديانة اليهودية تحت مسمى "اليهودية النيتشية"،دون أن تغيّرَ بالمعتقد اليهودي المنبَثِقِ من ظلمات العصور الوسطى،و قد أطلقوا عليَّ لـقَب اليهوديّ.
إنّ صاحبنا نيتشة هو من الفلاسفة الذينَ اهتموا بالفرديّة بكلِّ مضامينها،و هو لا يتناسَبُ بطبيعة الحال مع الرفاق،و إنَّ التفوُّق لدى نيتشة مـُبررٌ كافٍ لأن تجعلَ من جماجـِمِ الضعفاءِ دَرَجاً ترتقي بهِ سلَّمَ التطوُّر،و ما دامت المسيرة هي نحو التطوُّر،فلا حقَّ لأحَدٍ سوى الأقوياء في البقاء،فهم الذينَ يستطيعون بلوغَ مراتب التطوّر،و لو كانَ ذلك على حساب البسطاء.
هكـَذا يُفَسَّرُ نيتشة،حينما يتكلَّم "زاردشتْ"،و لكنَّ أحدَهم لم ينتَقِد محق شخصيَّة الفرد،بذريعة أنَّ المجتمع هو الجوهر،المجتمع الذي هو مجموعة من الأفراد!!.
الآنَ أسألُ نفسي:هل أصبَحتُ تابعاً لفردرك نيتشة؟،هل تبنيتُ فِكْرَهُ؟،هل كلّما قرأ المرءُ كـِتاباً لبى نداء الأفكار بهِ بشكلٍ متفِقٍ مـعَ هذه الأفكار؟،و هل كل ما يأتي بهِ المرءُ يُرَدُّ عليه،غيرَ مقبولٍ منه لا بالجزء و لا بالكل؟،هذا السؤالُ الأخير أسألهُ لكلِّ الذينَ ينظرونَ إلى نصف الكأسِ الفارغ،و يتناسونَ النصفَ الآخر،و أسألهُ لهؤلاء الذينَ يعتقدونَ أنَّ للقمر وجهٌ واحِدٌ فقط.
دعوني أردُّ على أحـَدِ الرفاق،و ما زلتُ أنعتهُ بالرَّفيق،و الشهيد الذي ماتَ في سبيل قضيَّة عادلةٍ،و لكنني لا أقدِّسُ أَحَداً،و هذا لا يعني أنني لا أحتـَرِمُ أحـَداً،و لكنْ من يعتَقِدُ بأنَّهُ يصيبُ و لا يخطئ فقد أخطأ!،و أقول للرَّفيق:هل و جود الـ"سوبر مان" أو لنقل الإنسان الخارق في المجتمع يعني أنَّ هذا الإنسان هو شوفيني ينبغي اجتثاثه من المجتمع؟،و هل سَعيُ هذا الإنسان و اجتهادهُ ليكونَ خارقاً -من حيث المبدء- يضمه لقائمة الشوفينية،و هل وجودُ أمـَّةٍ متفوِّقةٍ على الأرض يجعل منها أمـَّةً شوفينية؟،أليسَ ماركس هو بحدِّ ذاتهِ الذي أشارَ إلى أنَّ الجماهير تحتاج لمن يقودها نحو الثورة، أو لنقل لمن يقلِّبُ الحطَبَ فتستعِرَ النار؟،هذا الإنسان الذي يـُقلِّبُ الحطب الملتهب في صدور الجماهير بماذا يوصف؟،و الأمـَّةُ التي تستطيعُ أن تبني نموذجاً للحضارة،تقتدي بهِ سائر الأمم،أو يكون تقدُّمها دافعاً لأنْ تنافسها أمَّـةٌ أخرى في التقدُّمِ و التحضُّر،ماذا تسمى؟.
عزيزي ..قـد أخطأ "نيتشة" حينَ أرادَ التفوُّق للفرد المـُهَيأ بطبيعتهِ لهذا التفوُّق،مـستخفَّاً بالضعفاء،الذينَ أثبتوا عبرَ التاريخ أنـَّهم رحمُ الثورة،و إنَّ تبني اليهود للفكر النيتشيّ،هو ناتجٌ عن هذا الخطأ الذي هو من أصل الديانة اليهودية،فالإمبرياليّة ذاتُ أصلٍ يهوديّ كما أنتَ أشرت،و كما تشهدُ هذه العبارة:" شـعبُ الله المختار"،و لستُ في سبيل المـُقارنة بينَ رأيِّ " نيتشة" المـُجْتَهِد، وديانةٍ لا أعترفُ بها سوى في قائمة الإرهاب و التبجُّح والوقاحة،فمن كانَ نبيُّهُ الطالع من صدر كتابه سفّاحاً ،و إلهه المعتلي لحرف تعاليمهم سكيرٌ يعاقر دماءَ عبيده،لا مـَجالَ لهُ أن يدخل في حوارٍ فكريّ إنسانيّ،و لكنكم قد أخطأتم أيضاً،حينَ ألغيتم الفرد،وجعلتموهُ مادَةً هـُلاميَّةً لا تحملُ معناها الذي يـُميِّزها،حيثُ أصبحَ الفردُ "شيئاً" من مجموعة أشياء **.
أيُّها الرفيق أعطني فرْصَـةً اليوم كي أحاورَ جـُزْءَاً من هذه الأخطاء،ما رأيـُكَ بـهذه المقولة: "هل كـُلُّ روما تـساوي موتَ رجلٍ صالحٍ في سبيلها"؟،عبارةٌ التقطتها أذني أثناءَ مـُشاهدتي لأحـَدِ الأفلام التاريخيّة، لقائدٍ مـُخْلـِصٍ و مـُخلِّصٍ لروما من حكم القيصر الدكتاتور الذي استغلَّ غوغائيّـة العوام،وجهلهم الذي عشعشَ في ضعفهم،و للصدفة كنتُ قبلها ببضعةِ أيّامٍ مـُنشغل الفكر حول مسألة الفرديّة،و أثناءَ تـَفكُّري بـهـذهِ العبارة خـطَرَ ببالي حديثٌ نبويٌّ ذو دلالةٍ قريبةٍ من هذا المعنى و هو بمعناهُ يقول:"لو وضعَ إيمانُ أبو بكرٍ بكفَّة،و إيمانُ الأمـَّةِ بكفَّةٍ لرجحت كفة أبي بكر"،و نجِدُ أنَّ الديانةَ المسيحيَّةَ تـُشيرُ بحادِثَةِ الصلب إلى يسوع-الفرد- الذي جـَعَلَ من دَمـِهِ قُرباناً يطهِّرُ البشريَّةَ به،و نداءهُ للإنسان بأن يجرَّ صليبهُ و يسير في الدروب الموحشة،لقد استشهَدَ بـهِ أدباءكم حتى مكسيم غوركي المُـبارَك من قبل لينين استشهدَ باليسوع الفرد مـُباعـِداً بينَ شخص اليسوع وتمثالـِهِ الذهبي المنصوب على أبواب الكنيسة القديمةِ التي يرتادها الجياع،و نَجِدُ في الأساطير القديمةِ قيمةَ الفرد الإله،و قيمةَ الفرد الجبَّار.
إنني أتساءلُ اليوم،هل يمكنُ لمـُجتَمَعٍ أن يتفوَّقَ بمجموعهِ،دونَ أن يحتوي هذا المَجْموعُ على أفرادٍ مـُتفوِّقين؟،و هل يتحسَّنُ المجهود الجماعي إذا تراجـَعَ المجهود الفرديّ؟،و إنَّكَ حـَتماً تقرُّ معي بأنَّ فرداً طالحاً قد يدمِّرُ أمـَّةً،و قد لا يتمكنُ من إصلاحها عشرةُ أفرادٍ صالحين،و العكسُ صحيح.
و هـُنا شيءٌ للتوضيح،إنني لا أخاطبكَ الآنَ - يا رفيق -كمفكِّرٍ ينتمي لتيّارٍ مـُعيَّن ، بل أخاطبُ واقعَ العالم التائهِ بينكَ و بينَ "نيتشة" ،أخاطبُ واقع الشعوب التي عايشتـُها بـمُختلفِ آرائها و أفكارها،و التي أعيشُ معها أيامي هذه..فأرجو أن تكونَ حاضراً طيلةَ الفصول القادمـة لتكتمل رحلة السعي بينك وبين "نيتشة".
......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
**قد يعتقد البعض أنني في النصّ أُظْـهِرُ لوناً من العـُنصريّة ضد الديانة اليهوديّة،و لكنني هنا أخصُّ فئةً من اليهود، و هم هؤلاء الذينَ أتوْ الديار مـُستعمرين باسم التوراة و التلمود،و أرباب الإمبرياليّةِ على هذه الأرض،الـذين اعتقدوا بمبادئ نيتشة التي لا تعبأ بجماجم الضعفاء في سبيل التفوق و تحقيق الغاية،و التي هي على رأي الكاتب الصهيوني أخاد جام:تتطابق مع الأيديولوجيا اليهوديّة،و الـذينَ جعلوا من التوراة روحاً لمبادئ الحركة الصهيونيّة،أمثال بن غوريون الذي يقول:"الجيش اليهودي هو خير مـُفسِّرٍ للتوراة"،و لستُ أقًِصدُ اليهود الذين وقفوا في بعض أنحاء العالم رافضين للإستعمار،و رافضين الزيف الذي أضيف إلى التوراة،إنـَّهم يريدون في كلِّ جيلٍ موسى،و لكن ليسَ موسى الذي ذكر في القرآن و الإنجيل بما أنـّها كتبٌ سماويّة،بـل موسى السَّفاح الذي جعلوه بـطَلَ مؤلّفاتهم التي أطلقوا عليها إسم التوراة.
اليـسار مُـحَمَّـدْ
26-12-2008, 03:26 AM
...نعودُ و نكملُ فصلَ الكتاب الفارغ،و أتلو عليكم الآنَ ما تيسَّرَ لي من مشهـَدِ :
"أنا و هم"
...عندما نكونُ أنا و "هم" داخـِلَ قاعاتِ التدريس،أجلس في أبعد ما يكون عن المُحاضِر،و أفتح الكتاب لأكمل القراءة،و أضع بعض الأوراق بجواري تحسّباً من اكتشاف أمري إذا اقترب المدرس مني ورأى الكتاب الذي بين يدي،و بهذا أتظاهر بأنني أكتب وراءه ما يمليهِ علينا من شرائح العرض،وهكذا يعتقدُ بأنني أعيرهُ كل انتباهي،و أنني أقدّس العلم الغزير الفائضِ علينا من بحره الذي لا ينضب إلا بانتهاء هذه الشرائح.
شرائح العرض الإلكترونية-أو الورقيّة- هذه لها سرٌّ إبداعي،فكلّ شريحة من هذه الشرائح تحتوي على بضعِ سطور،هذه السطور قد تلخص مجموعة صفحات لكتاب المساق،في الواقع لقد كشفَ مدرّسو الجامعات مدى زيف و جهل مؤلفي الكتب،فالكتاب الذي تؤلـِّـفه أكثر من ألف صفحة أصبح من الممكن عرضه ملخصاً بمئة صفحة صغيرة،على قدر كف اليد،وهكذا فإنّ ما جاء بهِ المؤلف من تسع مئة صفحة هو مجرد حواشي، أو ثرثرة،حيث كما تعلمون أنّ مؤلف الكتاب هو شخص ثرثار يريد أن يغرق العالم بكلماته التي لا محل لها،يريد أن يظهر لنا كم يعرف،يريد أن يقول لنا: أنا العلم و العلم أنا،لقد أمضى طوال حياتهِ و هو يعتصر خلايا دماغه قطرةً فقطرةً في هذا الكتاب ليظهر لنا ما سبق ويقول لنا ما قال!،لقد فضحتهُ هذه الشرائح فأخرجت لنا بمفهومية مدرسينا الكرام الزبدة،و أبقت الرغوَ داخل الكتاب المغلق،و الأجمل من ذلك أن أجدَ من يهزأ بهذا المؤلف عندَ قراءة هذا النص و يمجدّ المدرسين، مؤكداً لي فشلَ فُكاهتي!.
إني لا أعترف بفضل الجامعة عليّ،ماذا أعطتني هذه الجامعة؟،و لكي أكون أكثر مصداقيـّة،ماذا أعطتني كلّ جامعةٍ دخلتها؟. في أول مرحلةٍ من مراحلِ النطق لي قُطِعَ لساني،و مسألة قطع اللسان هذه مبنيةٌ للمجهول ليسَ لأنّ القاطع مجهول، فالأداة معلومة و هي المقص، والفاعل معروفٌ و هو "هم"،هم تتيح لك أن تسرح بخيالك لأي مكانٍ تريده،من نظام الجامعة،إلى كوادرها،إلى أشباه الطلاب الذين يطوفون في حرمها حجيجاً يتمسحون في أذيالها.
قُطِعَ لساني حينَ أدركتُ حقيقة المكان الذي أتواجد فيه،أو لـأكن أكثر دقةً و أقول:حينَ ظننت أنني أدركتُ حقيقة المكان الذي أتواجدُ فيه،محيطٌ يمتلأُ بالأزهار اليافعة،و لكن ماذا سينفعني وقد سبقتني إليهِ الفصول وطافت بهِ؟،ظننت أنني وجدت المكان الذي أستطيع أن أزهرَ بهِ،أن أعبَقَ بهِ كبقيةِ الأزهار التي تراءت لي كذلك،إلا أنَّني كبقيةِ أمثالي لا أعدو أن أكونَ واهِماً،فالحقلُ ممتلئٌ بالغرقدِ يا رفاق،فيالخيبةٍ ترزحُ تحتَ وقرها الآمال،الحقيقةُ التي تصوَّرَتْها براءةُ الرفاق من قبلي،وغباءُ أمثالي الذينَ أصرّوا أنَّهُ لا بدَّ من وجودِ سبيلٍ لخلق حديقةٍ غنَّاء في هذا المحيط،هي ذاتها الحقيقةُ التي يفترشها الغرقدُ ويربو في حناياها!.
نعم..إَّنني لا أعترف بفضل جامعةٍ عليّ،لكنني أستثني من كلِّ جامعةٍ مبنىً واحد فقط لا غير،ألا وهو مكتبة الجامعة،في مكتبةِ الجامعة أستطيع الحصول على أيّ كتابٍ أريده،و لا أخشى إذا تأخرتُ على أحد الكتب التي أنوي قراءتها أن أفقد هذا الكتاب إذا استعاره غيري..إنَّ المكتبة تبقى تنعم بالهدوء طوال الفصل،إلا من بعض القـُرَّاء،و قليلٍ من الأدعياء الذين يطلقون عى أنفسهم اسم :العشاق-وما عشقهم إلا كعشب الربيع ينتظرُ صيفاً قادماً- الذين يلوذون بظلها من الخارج إلى الداخل هروباً من لهيب الصيف،أو هروباً من زمهرير الشتاء،أو لأنَّ أشجارَ الجامعة قدِ امتلأت بالعشاق،و لم يعد لهم مكانٌ بينَ هذه الأشجار،و لكن كما هو الحال يتوافد المؤمنون - و فقط - من الحجاج أقصد الطلاب إلى المكتبة بشكلٍ موسميّ وذلك في فترة الإمتحانات.
و دعني أسخر من طلبتنا الأعزاء قليلاً..و قبلَ أن تقول لي:الساخر الحقيقيّ هو الذي يسخرُ من نفسهِ،سأقولُ لك:إنني لستُ ساخراً حقيقياً ، بل تستطيع أن تعتبرني كالنائحاتِ على القبور،و إن لم يعجبك لفظُ "أسْخـَر" فسأقول: دعني أولول على طلبتنا الأعزاء:
لستُ أدري هل الجامعة صرحٌ علميّ، أم بنكُ علاماتٍ مركزيّ؟،لـقد أصبحت العلامة-و التي لا تمثّل أكثر من رموز رقميّة لا تحمل معناها- غايـَة،وبهذا فهي تـُبرِّرُ أيَّ وسيلة،و هي مبدأٌ يكتمل خطَّ سيرهِ حتى الحفرة السوداء. في الجامعةِ يأتي الطالبُ محمولاً على نعش القلق يُشيّعهُ الطموحُ لبلوغ درجة النجاة من جحيم الفشل حينَ يواجه أسرته بنتيجة راسب،أو بلوغِ أعلى الدرجات لما لها من هيبةٍ حينَ يأتي رفاقَه و أهلَهُ ملوّحاً من بعيدٍ منادياً:هاؤم اقراؤوا كتابي،إني ظننتُ أني ملاقٍ حسابي،فهو في فرحةٍ عارمةٍ، لا يبررها سوى شخطةُ قلمٍ من مدرسٍ غير موثوقٍ لا بنزاهته العلمية ولا بنزاهته الخُلقية و لا بمكانتهِ الأكاديمية.
و من أينَ قررتُ لنفسي بالحكم على مدى الثقة بهذا المدرس؟،لأنّ الأجيال تسيرُ على هذا النهجِ منذُ عقودٍ،و علينا أن نغضَّ البصر عن الحالات الفرديّة في الوقتِ الحاضر،و كثيراً ما طلبتُ منكم غضَّ البصر عن الحالة الفرديّة، و لكن لن نهملها طويلاً، بل سنركز عليها في فصل: "الفارس الذي لا يشقُّ له غبار".
المنهاجُ دليلٌ على المنهج،و الدراسة كالحياة التي وصفتها لكم،لها خطٌ لا يوصِلُ إلا إلى سُبـل الفناء،صندوقٌ من بضعِ مناهج تُجرّبُ على الطلبة،أما الطالب فهو ليسَ باحثاً بطبيعته،إنما هو متلقٍ،يلقّنُ تلقيناً،و ما عليهِ سوى حفظ ما يُلقى عليه من فتات العلم،ثم سردهِ أثناء الإمتحان و شطبهِ من الذاكرة،و لن نتحدثَ عن الحالات الخاصة،المتمثلة بالمحسوبية،و لا بتلك الحالات التي تتمثل بأن يبيع مدرسٌ في الجامعة كل المثل التربوية و الخلقية،و أن يبيع الأخضر و اليابس لمجردِ دخول فاتنةٍ عليهِ وإغلاق الباب خلفها!،و إن كانت هذه الحالات الخاصة:كالمحسوبية و الواسطة و القربى و المنزلة الاجتماعية و السلطويّة والفتنة الأنثوية تشكل مع بعضها حالة عامة،و إن لم تكن توازي الوضع الطبيعي للخطأ كوجود مدرس نزيه لكنه في غير مكانه الذي يناسبه،و لولا المال لما وصلَ لدرجة علمية وأكاديمية عالية حين هاجر أو بقي و أكمل تعليمه في الخارج أو في الداخل، حيثُ ما دام الدولارُ موجوداً فكلّ شيء يهون قبالته،أقول إن لم تكن تلك الحالات-من الفساد- توازي الوضع الطبيعي للخطأ فهي تفوقهُ.
تفوقهُ..لأنّ الفسادَ يستديرُ في حلقةٍ مغلقةٍ،فنحنُ في زمن الجريمة المُبرّرة،و الخطيئة المموهةِ،لقد جاءَ الزمانُ الذي تتحدُ فيه الخطيئة مع المخطئ،فلا يميزُ الناظر بينهما،و لقد جاء الزمانُ الذي يستترُ فيهِ العيبُ بخرقة الجهل المنسوجةِ من الأنظار،ليصبِحَ من السمات المُـميِّزة للمجتمع و بكل فخر.
إننا في زمن المؤامرة و المتآمرُ بيننا، و نحنُ أداتهُ،وكثيراً ما كنا نحنُ المؤامرة،و المتآمر و الأداة،نحنُ الجريمة و العقاب،نحنُ الضحية و الجاني،هذا ملخص زماننا.
تفوقهُ..لأنّ تلقينَ الإنسان يلغي الجزء الموكل بالتفكير لدى العقل،هذه المؤامرة محبوكة من الألف إلى الياء،فأجيالٌ تفيضُ في مجرىً لا تحيدُ عن جنبيهِ طرفة عين،و مـعلومةٌ لم يعد أساسها البحثُ،و طالبٌ لم يعد لديه جزءٌ يفكر به،لأنّهُ استغلّ طاقتهُ في التلقي المستمر، و طوالَ حياتهِ لم يعطَ فرصةً ليبحثَ،حيثُ أنَّ كلّ ضائعٍ لهُ بديلٌ عندَ شيخ طريقتهِ!،لذلك لم تعد تجدُ بينَ الطلبة من يرفع ناظريه عن الشرائح الإلكترونية و الورقيّة التي لَخصت لهُ ما لا يُلخّص،فكيف لهذا الطالب أن يرفع رأسهُ لينظرَ حولهُ،ترى لو فعل هذا هل سيرى أبعد من أنفهِ؟،هل سيسبر بناظريه مسافةً تمتدُّ من المحيط إلى الخليج؟؟!.
اليـسار مُـحَمَّـدْ
27-12-2008, 03:07 AM
"الكلماتُ العـاريـَة"
"قد تحدَّثتُ بـلغةٍ أخرى عن هذه الحالة تحتَ عنوان: ثرثار القبور،إلا أنني أجدُ أنَّ إسقاط هذه الحالة من هذا النص،يعني نقصاً واضحاً في الفكرة."
...تتشابه الأشياء حين تفقد معناها،و كـذلك الكلمات إذْ تتساوى في ميزان اللاوعي إذا ما فقدت معانيها،لقد أصبَـحت الكلماتُ كراقصات التعرّي،تخلعُ معناها عاريةً،و تتبرّجُ للجمهور،و لكن تنقصها الأصباغُ لتخفي أثر شفاهِ القراءِ من قبل جمهورها الجديد،فهي تتراقصُ على الأفواهُ و التي تلوكُ الحروف كما تلوكُ فتاةٌ على قارعَةِ رصيفٍ مُظلمٍ "علكةً"،ثـمَّ تُمجَّها من فمها المُتهادي ذات اليمين وذات الشمال،بعدَ انتهاءِ مدلولها العهريّ.
الآنَ أتـكَلّمُ عن الفراغ،فكـَـلِمَةٌ تلقيها في هذا المدى الفسيح،ثـمَّ تجلسُ على صخرةٍ مسنداً ذقنكَ بذراعكَ،و كاـما سمعتَ صوتاً،أو كلما ضحكت عليكَ تهيُّئاتك فاعتقدت أنّكَ سمعتَ رجعَ صوتك،تُبيَّنَ لك أنَّ المسافة الفاصلة بين صوتكَ و نهايةُ هذا الفراغ،تـقاسُ بالزمن.
سألني أحَدُ الرفاق:ماذا تعني كلمة "فراغ" بالنسبة لك؟،و إلى ماذا ترمزُ بها في كتاباتك؟،كنتُ أُحدِّقُ في هذا السؤال المباغت في كل مرةٍ يتكررُ بها،ثم أرمي بصري بعيداً،و ألتفُ من حول نفسي، باسطاً ذراعيَّ كصقرٍ يجوبُ الفضاء، وكأنّما هذا الذي أُسألُ عنهُ،يمرُّ من حولي خاطفاً شرودي،إذ يتكررُ بأثوابٍ مختلفة،بل إنّهُ يتشحُ ألواناً عدة،يمرُّ من كل جانبٍ،كانَ يهزأ بنا نحن الذينَ نتساءل عنه،بقدر ما كنا نتهكم لرؤيتهِ،و كأنَّهُ حتميٌّ إلا أننا نحنُ الغرباء.
كنتُ أقول وصوتي يرتعشُ لهبَّةٍ باردةٍ خفية:دوماً أجدني في وسطٍ فسيح،ليسَ له شكلٌ و لا مساحة،بقدرِ ما يمتلكُ من ضغطٍ شديدٍ غير محسوسٍ أو ملموسٍ،إلا أنّه لا يفتأُ يضغطُ عليَّ حتى أنفجر به، أو أنصهر به،إنّ الفراغ يدنو كيوم الدينونة،و يبتعدُ بنا كما تبتعدِ الساعات من الأيام،و هو شيءٌ يُحاطُ بكَ ،فتمكثُ فـيـهِ أسيراً،إني لو حصرتُ لهُ معنىً واحِداً لما كانَ فراغاً يارفيقي!.
فـراغٌ و كلماتٌ تلقى بـهِ فتضيعُ في هذا القفار ،" تحبو الحروفُ بهِ و معناها يتيهُ بغربةٍ مستوحشاً"،أرضٌ بوارٌ تمتدُّ زمناً من عمرٍ ينتهي بك،أولستُ صادقاً حينَ أقول : "ما أصعبَ الكلمات إنْ ...قيلت بغير زمانها"، "ما أصعب الكلمات إنْ...حطت بغير مكانها".
كـم كانَ العربُ في قديم الزمان يخشونَ شاعراً إن هـَجـَا قـَـتـَل،و إن مـدَحَ رفعَ مقامَ الممدوح،و إن استجار بشعره أُجير،و اليوم أصبـَحَ الكلامُ بضاعةً رخيصةً تباعُ في الأسواق،فوقَ المنابر تـجِدُ الكلمات تتسابق خارجةً من تجويفٍ فارغٍ،إلى الفراغ عبر طريقٍ اسطوانيّ من الأذن إلى الأذن.
اليومَ أصبحَ الكلامُ كلاماً،تـَجِدُكَ تـُخاطِبُ الجموع،و لكن عبـَثاً،و مالسب يا تـُرى؟،بـكلِّ بساطةٍ أنَّ الكلامَ لا يحملُ معناهُ عندَ المُسَقبِل،أو أنَّ اللغة فارغةٌ من ألسنةٍ تحملها.
عنْدَما أسيرُ في الأسواق و أنْظـُرُ إلى اللافتات،و أتأمَّلُ في أسماءِ المـحلات التجارية التي لاتنمُّ أنني في أرضٍ عربيّة،أكـتَشِفُ السرَّ الخطير،عندما أقفُ بينَ الزملاء و أسمعُ اللغة التي يتحدَّثونَ بها أدركُ عمقَ السرّ الخطير،أعندما أتسللُ عبر أحلام السُّفهاء،و أكتشفُ بأنَّهم لا يحلمونَ إلا بما تعرضهُ لـهم شاشاتُ التلفزة من زيفٍ يـُسمى الحضارة،أكتشفُ قوة السرِّ الخطير،عندما أقفُ بينَ مئة طالب و أقول :
" قبل الحديثِ عن دراما الفكر،أجدُ الضرورة في الحديث عن الفكرِ ،و أهميته، و لو بشيءٍ يسير،و ذلك لتبيانِ أهمية هذه الدراما ومكانتها بين الدرامات الأخرى. و الفكر منظومة من الأفكار و المعتقدات و الرؤى التي يتبناها الإنسان،وذلك على الصعيد الإنساني و الإجتماعي و السياسي،و الإقتصادي و العلمي..إلخ.و يفترض بالفكر السليم أن يكونَ وسيلة تطويرية، و تحررية،ذلك أن حامل الفكر و النظرية التي تحتوي هذا الفكر يهدف إلى تطبيقه خدمة للذات و المجتمع و الإنسان،كما أنه يُمَكِّن لهذا الإنسان من التحرر من الأوضاع و الظروف التي تعيق تقدمه ورقيه بطريقة منهجية سليمة بعيداً عن العشوائية و التخبط،لذلك كانت العلاقة بين الفكر و الشعوب علاقة بقاء و وجود فكما يقول ديكارت:" أنا أفكر إذاً انا موجودْ"،فخلو العقل من فكر يمنهج مسيرة تطور صاحبه ورقيه،يؤدي بالضرورة إلى التخبط وحالة من الضياع و الإغتراب عن الحياة نتيجة لعدم فهمها من منظورٍ محدد،لذلك كانت الشعوب تبحث دوماً عن فكر تتبناه ينظم لها حياتها،و يعطيها رؤية أفضل للمستقبل".
.
.
"وبعدَ هذا الحديث حولَ المسرح الفكري يمكنني إسقاط ما جاء و مابقي بشكلٍ مباشر على دراما الفكر في المسرح العربي، وذلك كمحاولة لتسليط الضوء على قدرة هذا النمط على محاورة ثقافتنا،و من ناحية أخرى إظهار مدى أهمية هذا المسرح في الوطن العربي في خضم الواقع الحالي وما تعانيه الدراما العربية من محاولة للتغريب،و ما يعانيه الإنسان العربي من تشوش فكري، وضياع لعقول شبابنا، بل واستئصال الكثير منها عبر أدوات التجهيل المناسبة و منها الدراما الهدَّامة،أو التي لا تسمن ولا تغني من جوع،مما أدى إلى فقدان الشباب العربي لهويته العروبية،وعجزه عن حمل فكره الذي يوائم حضارته العربية متقدماً بعروبته مرتقياً بها ،و أيضاً الغزو الثقافي الذي لم يهدف حتى لإيجاد ثقافة بديلة بقدر ما خلق أزمة جهل وضيق أفق ثقافي لدى الشباب العربي،مما جعل الشاب العربي يسير على أرض عربيةٍ وعلى أرض وطنه غريباً عنها!".
.
.
"و في الختام أعتقدُ أن أفضل طريقة لإيصال صورة المسرح الاجتماعي و الفكري العربي من خلال طرح مشاهد من هذا المسرح..الذي ارتاده أمثال: (توفيق الحكيم-الأيدي الناعمة)،(جمهورية فرحات-يوسف ادريس)،(ميخائيل رومان)،(محمد الماغوط)..إلخ:
دراما شقة للايجار -فتحي رضوان قدمها المسرح القومي عام 1961و هي تمثل أحلام المؤلف في الوصول إلى مستوى اجتماعي حر صادق و من مشاهدها:
-"نحن نعيش في مجتمع مقلوب.إنه مجتمع يسير على رأسه،و يفكر بقدميه،فالرؤوس في مجتمعنا هي الأحذية، أو بمثابة الأحذية و الأقدام هي من تفكر...وفي مقطع آخر..أما الذين يعملون من الصباح إلى المساء.أما الذين يكدحون..ويتقلبون على الجمر،جمر الجوع و القلق و الخوف من المستقبل،و الخوف من القانون،و من الحكومة،ومن الأقوياء و الأغنياء،هؤلاء الذين يصنعون لنا ثيابنا وطعامنا هؤلاء لا يجدون ما يأكلونه..في هذا المجتمع تختنق ضمائرٌ تود لو تبقى حية، و تموت كفايات كان ممكنا أن تورق و تزدهر".
-و من دراما الفكر الساخط دراما (ميخائيل رومان) أورد أحد المشاهد في مسرحية الدخان على لسان حمدي:"اتجوز و أجرلك أودتين،و خلف عيال،واشحت وربيهم،نافق واكذب وجامل واضحك على النكتة حتى لو بايخة،استلف جنيه وابعث لرئيسك ورد لما تموت امه،او لما يخلف عيل او تيجيه علاوة او درجة...ثم في مقطع آخر..القضية قضية انسان.استعباد الأفيون واستعباد اللذة للانسان،استعباد القوة للانسان،لازم ألاقي هدف".
و أخيراً مسرحية (خارج السرب-محمد الماغوط )..حين يقف عاطف بطل المسرحية الذي مثل جسد القضية الهزيل بعد أن حاولت جولييت تصفيته بادعاء حبه ثم تسميمه لانهاء ملفه و تطبيع مسرح النخبة الذي -عبَّرَ لزمنٍ طويل عن عراقة الفن العربي،و إن كانت تقصد القضيّة الفلسطينية- مع الغرباء فيقول قبل اسدال الستار:..وثورة الفكر و الفن والعلوم،والفلسفة و الفلك و الرياضيات،و الثورة الروسية و الثورة الفرنسية وثورة سبارتاكوس وهم؟..وموسيقى بيتهوفن،واوبرا فاغنر وقصائد لوركا وأراغون وعيون الزا وهم؟،والتراث و المعاصرة و المتنبي والمنفلوطي،ويوسف وهبي ويوسف الخال ومجلة شعر،والناقد والآداب والأديب والمعارك الأدبية وهدير المطابع وهم؟..والتاريخ و الجغرافيا وجبال الصوان،وبعلبك أنا شمعة على دراجك،و يا حرية يا طفلة وحشية،وشوارع القدس العتيقة والحديثة وفيروز والرحابنة واطفال الحجارة وكهول الحجارة وأزهار غوغان،وسنابل فان كوخ وملائكة روفائيل،و الربيع والخريف وكل الفصول والحضارات والفنون والاطفال والعصافير والفراشات في هذا العالم وهم؟..وما عاد في هذا العالم من حقيقة غير اسرائيل و البترول؟!"**.
عِـنْدَما أقولُ هذا الكلام،و أجـدُ فتاةً من بعيدٍ كلّما نظرت إلى جهتها تغمزني،و أخرى تلمزني،و أخرى تشيرُ بأصبعها على هاتفها النقَّال،حينها أيضاً أدركُ السرَّ الخطير،وعـندَما يقفُ أحدهم للمناقشة و إذ بهِ يقول:اللغة الانجليزية لغة العصر،فلماذا لا نتخاطب باللغة الإنجليزيّة،أدرك السرَّ الخطير،و عـندما أخرجُ من القاعة فيلحقني أحَد الزملاء و يقولُ لي:
Hey man..you are the best!!-
- شكراً.. هـلْ لديكَ ملاحظات حول الموضوع؟
-ها..لا..أعجبني "تنكيسك" لأحدِّ الشُبان الذينَ أكرههم،لكنَّ الشباب من حولي كانوا يتحدَّثونَ حولَ مـُباريات الأندية الأوروبيّة و لم أستطع التركيز معك.
الآن أيضاً أعرفُ السرّ،عندما يقول أحـدهم،لماذا تـُكلِّفُ نفسك هكذا،لا شيءَ يستحق،و أعرفُ أيضاً أنَّ من بينِ المئة طالب لم يخرج سوى زميل واحد يقولُ لي في نهاية الفصل:إننا مـختطفونَ من ثقافتنا،فماذا نفعل؟.
- اذهب و اقرأ،ثمَّ تفكَّرْ بكلِّ ما هو حولك،و كل حرفٍ قرأته،ثم اصنع رأيك،و لا تخف من السقوط،و لا من ظلمات الضياع الذي سيكتنفك في رحلة العودة إليك..
-أقرأ..إنني لا أحبُّ القراءة،فأعطني أنتَ خلاصةَ آراءك، و إني أثِقُ برأيك.
-يا صاحبي هذا أيضاً يسمى : خطف،فاحذر من التلقين،و لكني مـستَعِدٌ لمحاورتك حولَ الأفكار التي تـصِلُ إليها،إن كنتُ أمتلك خلفيّةً حول الموضوع،أو على الأقل التفكر بها معك.
- ليسَ لديَّ وقتٌ للقراءة،فالجامعة تشغلنا
-بماذا تشغلك الجامعة،بالقراءة؟
-لا و لكن كما تعلم الحياة الجامعية ملهاة!!!.
-حسناً..أراكَ في أحـَدِ الملاهي..أقصد في إحدى المـُحاضرات.
عـندما أتفكَّرُ بالشباب الأوروبيّ الذي لا يملك الكثير من المقوِّمات الوحدويَّة،إلا أنهم كانوا يسيرون نحو الحدود الفاصلة بينهم وبين الدول المجاورة لتكسير الحدود،و هاقد تحقق الحلم،و أصبحت "فرنسا" و "بريطانيا" تنضمان لذات الإتحاد،في حين أنَّ وطناً يمتدُّ من المحيط إلى الخليج،له ذات العمق التاريخي،و البعد الاستراتيجي،له ذات اللسان،وذات الوجدان،و ذات الروح،وطناً يـُكمل نفسَهُ بنفسهِ،يترامى على سطحِ ماء العين كأشلاء زورق مكسور.
و لكنُّهُ وطنٌ أفْـصَحُ مافيه هو ما همست به لنفسي ذات يوم: ما أفصح الموتَ في إعراب حنجرتي...إنْ بُحتُ،أو صحتُ في أركانِ حيطاني.
غرباءٌ نحنُ عن هذا الوطن،نتساءل فيه:أنحنُ نحن؟،لا طعمَ لنا،بلا لونٍ يـُعرّفُ بنا،و ليسَ لنا رائحةٌ يقتفيها الزمان...
- صوت من بعيد..أعتقد أنه الرفيق الميت..أوليسَ هذا بالشيء الجميل،أمـةٌ متساوية،ليس هنالك فوارق تباعدها عن بعضها البعض؟.
-أراكَ في الحلقة القادمة يا رفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** مقتطفات من تقرير قدَّمتهُ حول دراما الفكر،في مساق جامعي.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub