حسنية تدركيت
21-10-2007, 03:54 AM
اللحظات الحاسمة
تأليف
محمد بن عبد العزيز المسند
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد .. فقد روى البخاري في صحيحه ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : نظر النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم - فقال : " من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا " فتعبه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى جُرح ، فاستعجل الموتَ ، فقال بذبابة سيفه () فوضعه بين ثديين ، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه ( أي أنه قتل نفسه ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليعمل - فيما يرى للناس - عمل أهل الجنة ، وإنه لمن أهل النار ، ويعمل - فيما يرى للناس - عمل أهل النار ، وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم " ( )
إن المؤمن حين يقرأ هذا الحديث ليشعره بقشعريرة تسري في كيانه ، يرتجف منها الجنان ، وتهتز لها سائر الجوارح والأركان كيف وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : " لن يُدخل أحداً عملُه الجنةَ " ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ بفضل وحمةٍ " ( ) فتأمل قوله : " ولا أنا " وهو القائل صلى الله عليه وسلم : " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " وقارن نفسك يا مسكين بسيد الخلق أجمعين ، عندها ستعرف حقيقة نفسك ، ومدى تفريطك في جنب الله ، وكلنا كذلك - لكنا لا نملك إلا أن نقول كما قال الأبوان عليهما السلام : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) .
وبعد : فهذه بعض القصص الواقعية لأناس خُتم لهم بخاتمة السعادة ، وآخرين خُتم لهم بالأخرى ، وهي خاتمة السوء (عياذاً بالله تعالى ) وقد دفعني إلى جمعها قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذات ك الموت " . وغفلة الكثيرين عن هذه الحقيقة العظمى ، والفاجعة الكبرى ، سائلاً المولى عز وجل أن يختم لي ولإخواني المسلمين بخاتمة السعادة ، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد سواه .
المؤلف في 1/4/1422هـ
وجاءت سكرة الموت بالحق()
كان باراً بإمه ، وبعد وفاة أبيه كان هو العائل الوحيد لأسرته .. قال على إخوته اليتامى فأحسن تربيتهم ، وملأ البيت حباً وعطفاً وحناناً .. أ؛بته أمه حباً شديداً فجعلت من إخوته خدماً له .. تقف أخته الصغرى عند الباب لاستقباله ونزع حذائه ، بينما يبتسم الجميع فرحاً بقدومه .
وتمضي الأعوام ، ويكبر الإخوة ، ويفكر عبد الله بالزوج لإكمال نصف دينه ، فيستشير والدته ، وتُسَرُّ بذلك ، وتختار له فتاة ذات مال وجمال .. لكنها تفتقر إلى الآداب الإسلامية .. غنية بمالها وجمالها ، فقيرة في دينها وخُلُقها ..
لقد نسيت تلك الأم أن الجمال الحقيقي هو جمال الروح والخُلُق .. لإجمال الصورة والمنظر ، كما نسيت وصية المصطفى صىل الله عليه وسلم ك " فاظفر بذات الدين تربت يداك " .
وتزوج عبد الله ، كلنه سرعان ما انقلب رأساً على عقب .. فقد عصّته زوجته الجميلة على أمه ، فأطاعها وعق أمه وأصبح مخلوقاً آخر فما هو بالذي كانت تعرف ..
ولم تكن زوجته الحسناء خضراء الدمن () بأحسن حال منه ، فقد كانت هي الأخرى عاقه بوالديها اللذين ربما بخلت عليهما بحساء ساخن في أيام الشتاء الباردة .
وتمضي الأيام .. وتحصل هذه الزوجة على ترقية عالية في عملها ، فتقيم احتفالاً بهذه المناسبة في أفخم فندق من فنادق المدينة دعت إليه خواص زميلاتها اللاتي يماثلنها في الثراء أو يتظاهرن بذلك .. وأردت أن يكون احتفالاً متميزاً يسمع به القاصي والداني ، فاستقدمت له فرقة موسيقية بعشرات الآلاف من الريالات .
وبعد ليلة صاخبة أُنفق فيها الكثير ، عادت إلي بيتها ، وألقت بنفسها على فراشها الوثير .. وفجأة ... صرخت بأعلى صوتها : عبد الله ...عبد الله ... النار .. النار ... تحرقني .. أحسُّ بأظافر من حديد تنهش جسمي .. وتكرر ذلك على زوجها : عبد الله .. النار .. النار .. ولم يكن زوجها يرى ناراً ، ولكنه ذهب مسرعاً وأحضر ماءً بارداً وصبه عليها ، فما زادت إلا صراخاً ، ولا النار إلا توهجاً في جسمها ، وما هي - والله بنار ، ولكنها سكرات الموت : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيدُ ) [ سورة ق : ] ( )
ولعلها كانت بداية لعذاب الآخرة جزاء ما اقترفته من معاص وآثام .
وبعد ساعة من الصراخ والعذاب والألم لفظت أنفاسها الأخيرة على فراشها الوثير مودعة هذه الدنيا على عالم النسيان . أين جاهُها الذي احتفلت من أجله ؟
أين مالها الذي أنفقته في البذخ والإسراف واللهو والغناء ؟ ..
أين جمالها الذي كانت تفخر به ؟
أين وأين وأين .. لقد انتهى كلُ ذلك ولم يبق إلا العمل ..
يا من بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته " متفق عليه .
داعية بعد الموت ()
في جمهورية رواندا الأفريقية شاء الله أن يولد مسلم جديد ... كان حياً قبل ذلك ، ولكن بجسده فقط لأنه كان نصرانياً ...أما روحه فلم تعرف إلا بعد أن أعلن إسلامه وذاق طعم الإيمان . .
ويعلم أهله بالخبر فيثورون عليه ، ويُقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، ولا عجب ، فقلوبهم قد امتلأت بالحقد الصليبي وهو يسمعون يومياً في المدرسة ، وفي الكنيسة ، أن العربي ( المسلم ) مرادف للشيطان ، مع أنهم نادراً ما يرون مسلماً !.
في المدرسة وهم صغار تتلقفتهم الكنيسة البلجيكية ، وتلقنهم أن العرب قوم متوحشون ... يُحرقون القرى ويقتلون الأبرياء ، ويسرقون النساء ، ويتركون وراءهم الأرض خراباً يباباً !! هذه المعاني كلها تؤكدها الكنيسة في كل مناسبة ... ويصل الخبر إلى شقيق هذا المسلم الجديد ، فيستشيط غضباً ، وينفجر وهو يرى أخاه يصلي واضعاً جبهته في الأرض لله رب العالمين ، وتؤتي تلك التعاليم الفاسدة ثمارها الخبيثة في صورة ثورة عارمة ، تنتهي بقتل النصراني الحاقد لأخيه المسلم وهو ساجد .
ولكن هل انتهت القصة ؟ كلا ... لقد قبض رجال الشرطة على القاتل ، بينما بقيت جثة المسلم ثلاثة أيام في تلك الأجواء الحارة لم تتغير لتكون دليلاً ملموساً وشاهداً صامتاً على عظمة هذا الدين وطهارته ، وأنه هو الدين الحق ... ويأتي عشرات النصارى ليروا جنازة المسلم التي تنظر الإذن بالدفن من طبيب الشرطة ... ويعلن العشرات منهم إسلامهم بسبب هذا المشهد ، ويستحق هذا المسلم الجديد لقب : داعية بعد الموت .
إن ربك لبالمرصاد ()
بعد أن أتم خالد دراسته الثانوية كان يحلم بما يحلم به غيره من الشباب المراهق من السفر إلى الخارج والدراسة في ديار الغرب بعيداً عن رقابة الأهل والمجتمع (! ) ، وقد شجعه والده على ذلك (!) وهيأ له كل ما يحتاجه من مستلزمات ....
وحان موعد السفر ن فودعته أمه وقبلها يتوجس خيفة ويتفطر ألماً ، وحذرته من هفوات الشباب ،ومهاوي الردى ...
بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقاً لتلك البلاد التي سمع عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته التي سافر من أجلها ...
وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خالياً قبل ذلك ، فتمكن منه الداء :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقاً إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفاً عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ... إلا في فترات متباعدة .
وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
وفي صالة الانتظار ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثاً عن ولدها الحبيب ..
ها هو خالدٌ قد أقبل ..
" أهذا هو خالدٌ ؟! " همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
نادته خالد ... خالد ...
التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحاً بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكماً : أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!
ذُهلت الأم لمقالة ابنها ، وتحولت دموع الفرح التي ذرفتها احتفالاً بقدومه ، إلى دموع حزن وأسى أسفاً على حاله ، لكنها أخفت عبرتها خلف حجابها المصون وكتمت أنفاسها الحرّى ... وهي تردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ..
ومضت الأيام ، وخالد سار في غيه وضلاله ، ينتهز كل فرصة ليسافر على تلك الديار ثم يعود وقد ازداد تعلقاً بها ، ومقتاً لدينه وأهله .
أما أمه فلم تعد تقيم له وزناً ، أو تلقى له بالاً ، فقد سقط من عينها ، وأبغضته في الله ، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. ) الآية [ المجادلة : الآية : 22]
وصارت تدعو له بالصلاح والهداية ، وربما دعت بالهلاك إن لم يهده الله ..
وجاءت ساعة الصفر ..
كانت ليلة زفاف من العروس التي اختارها لنفسه ، لكن الأجل لم يمهله ، فبينما هو يسير بسيارته الصغير ، إذا اعترضت طريقه شاحنة نقل كبيرة فلم يجد مفراً من الدخول تحتها ليتحول هو وسيارته إلى كومة من حديد ...
وبعد ساعة من الزمن وقف شرطي المرور وهو يحمل في كفيه كتلاً من اللحم والعظام ... إنه ما تبقى من خالد .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " أخرجه أحمد وغيره .
يتبع ان شاء الله
صيد الفوائد
تأليف
محمد بن عبد العزيز المسند
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد .. فقد روى البخاري في صحيحه ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : نظر النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم - فقال : " من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا " فتعبه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى جُرح ، فاستعجل الموتَ ، فقال بذبابة سيفه () فوضعه بين ثديين ، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه ( أي أنه قتل نفسه ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليعمل - فيما يرى للناس - عمل أهل الجنة ، وإنه لمن أهل النار ، ويعمل - فيما يرى للناس - عمل أهل النار ، وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم " ( )
إن المؤمن حين يقرأ هذا الحديث ليشعره بقشعريرة تسري في كيانه ، يرتجف منها الجنان ، وتهتز لها سائر الجوارح والأركان كيف وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : " لن يُدخل أحداً عملُه الجنةَ " ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ بفضل وحمةٍ " ( ) فتأمل قوله : " ولا أنا " وهو القائل صلى الله عليه وسلم : " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " وقارن نفسك يا مسكين بسيد الخلق أجمعين ، عندها ستعرف حقيقة نفسك ، ومدى تفريطك في جنب الله ، وكلنا كذلك - لكنا لا نملك إلا أن نقول كما قال الأبوان عليهما السلام : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) .
وبعد : فهذه بعض القصص الواقعية لأناس خُتم لهم بخاتمة السعادة ، وآخرين خُتم لهم بالأخرى ، وهي خاتمة السوء (عياذاً بالله تعالى ) وقد دفعني إلى جمعها قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذات ك الموت " . وغفلة الكثيرين عن هذه الحقيقة العظمى ، والفاجعة الكبرى ، سائلاً المولى عز وجل أن يختم لي ولإخواني المسلمين بخاتمة السعادة ، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد سواه .
المؤلف في 1/4/1422هـ
وجاءت سكرة الموت بالحق()
كان باراً بإمه ، وبعد وفاة أبيه كان هو العائل الوحيد لأسرته .. قال على إخوته اليتامى فأحسن تربيتهم ، وملأ البيت حباً وعطفاً وحناناً .. أ؛بته أمه حباً شديداً فجعلت من إخوته خدماً له .. تقف أخته الصغرى عند الباب لاستقباله ونزع حذائه ، بينما يبتسم الجميع فرحاً بقدومه .
وتمضي الأعوام ، ويكبر الإخوة ، ويفكر عبد الله بالزوج لإكمال نصف دينه ، فيستشير والدته ، وتُسَرُّ بذلك ، وتختار له فتاة ذات مال وجمال .. لكنها تفتقر إلى الآداب الإسلامية .. غنية بمالها وجمالها ، فقيرة في دينها وخُلُقها ..
لقد نسيت تلك الأم أن الجمال الحقيقي هو جمال الروح والخُلُق .. لإجمال الصورة والمنظر ، كما نسيت وصية المصطفى صىل الله عليه وسلم ك " فاظفر بذات الدين تربت يداك " .
وتزوج عبد الله ، كلنه سرعان ما انقلب رأساً على عقب .. فقد عصّته زوجته الجميلة على أمه ، فأطاعها وعق أمه وأصبح مخلوقاً آخر فما هو بالذي كانت تعرف ..
ولم تكن زوجته الحسناء خضراء الدمن () بأحسن حال منه ، فقد كانت هي الأخرى عاقه بوالديها اللذين ربما بخلت عليهما بحساء ساخن في أيام الشتاء الباردة .
وتمضي الأيام .. وتحصل هذه الزوجة على ترقية عالية في عملها ، فتقيم احتفالاً بهذه المناسبة في أفخم فندق من فنادق المدينة دعت إليه خواص زميلاتها اللاتي يماثلنها في الثراء أو يتظاهرن بذلك .. وأردت أن يكون احتفالاً متميزاً يسمع به القاصي والداني ، فاستقدمت له فرقة موسيقية بعشرات الآلاف من الريالات .
وبعد ليلة صاخبة أُنفق فيها الكثير ، عادت إلي بيتها ، وألقت بنفسها على فراشها الوثير .. وفجأة ... صرخت بأعلى صوتها : عبد الله ...عبد الله ... النار .. النار ... تحرقني .. أحسُّ بأظافر من حديد تنهش جسمي .. وتكرر ذلك على زوجها : عبد الله .. النار .. النار .. ولم يكن زوجها يرى ناراً ، ولكنه ذهب مسرعاً وأحضر ماءً بارداً وصبه عليها ، فما زادت إلا صراخاً ، ولا النار إلا توهجاً في جسمها ، وما هي - والله بنار ، ولكنها سكرات الموت : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيدُ ) [ سورة ق : ] ( )
ولعلها كانت بداية لعذاب الآخرة جزاء ما اقترفته من معاص وآثام .
وبعد ساعة من الصراخ والعذاب والألم لفظت أنفاسها الأخيرة على فراشها الوثير مودعة هذه الدنيا على عالم النسيان . أين جاهُها الذي احتفلت من أجله ؟
أين مالها الذي أنفقته في البذخ والإسراف واللهو والغناء ؟ ..
أين جمالها الذي كانت تفخر به ؟
أين وأين وأين .. لقد انتهى كلُ ذلك ولم يبق إلا العمل ..
يا من بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته " متفق عليه .
داعية بعد الموت ()
في جمهورية رواندا الأفريقية شاء الله أن يولد مسلم جديد ... كان حياً قبل ذلك ، ولكن بجسده فقط لأنه كان نصرانياً ...أما روحه فلم تعرف إلا بعد أن أعلن إسلامه وذاق طعم الإيمان . .
ويعلم أهله بالخبر فيثورون عليه ، ويُقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، ولا عجب ، فقلوبهم قد امتلأت بالحقد الصليبي وهو يسمعون يومياً في المدرسة ، وفي الكنيسة ، أن العربي ( المسلم ) مرادف للشيطان ، مع أنهم نادراً ما يرون مسلماً !.
في المدرسة وهم صغار تتلقفتهم الكنيسة البلجيكية ، وتلقنهم أن العرب قوم متوحشون ... يُحرقون القرى ويقتلون الأبرياء ، ويسرقون النساء ، ويتركون وراءهم الأرض خراباً يباباً !! هذه المعاني كلها تؤكدها الكنيسة في كل مناسبة ... ويصل الخبر إلى شقيق هذا المسلم الجديد ، فيستشيط غضباً ، وينفجر وهو يرى أخاه يصلي واضعاً جبهته في الأرض لله رب العالمين ، وتؤتي تلك التعاليم الفاسدة ثمارها الخبيثة في صورة ثورة عارمة ، تنتهي بقتل النصراني الحاقد لأخيه المسلم وهو ساجد .
ولكن هل انتهت القصة ؟ كلا ... لقد قبض رجال الشرطة على القاتل ، بينما بقيت جثة المسلم ثلاثة أيام في تلك الأجواء الحارة لم تتغير لتكون دليلاً ملموساً وشاهداً صامتاً على عظمة هذا الدين وطهارته ، وأنه هو الدين الحق ... ويأتي عشرات النصارى ليروا جنازة المسلم التي تنظر الإذن بالدفن من طبيب الشرطة ... ويعلن العشرات منهم إسلامهم بسبب هذا المشهد ، ويستحق هذا المسلم الجديد لقب : داعية بعد الموت .
إن ربك لبالمرصاد ()
بعد أن أتم خالد دراسته الثانوية كان يحلم بما يحلم به غيره من الشباب المراهق من السفر إلى الخارج والدراسة في ديار الغرب بعيداً عن رقابة الأهل والمجتمع (! ) ، وقد شجعه والده على ذلك (!) وهيأ له كل ما يحتاجه من مستلزمات ....
وحان موعد السفر ن فودعته أمه وقبلها يتوجس خيفة ويتفطر ألماً ، وحذرته من هفوات الشباب ،ومهاوي الردى ...
بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقاً لتلك البلاد التي سمع عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته التي سافر من أجلها ...
وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خالياً قبل ذلك ، فتمكن منه الداء :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقاً إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفاً عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ... إلا في فترات متباعدة .
وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
وفي صالة الانتظار ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثاً عن ولدها الحبيب ..
ها هو خالدٌ قد أقبل ..
" أهذا هو خالدٌ ؟! " همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
نادته خالد ... خالد ...
التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحاً بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكماً : أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!
ذُهلت الأم لمقالة ابنها ، وتحولت دموع الفرح التي ذرفتها احتفالاً بقدومه ، إلى دموع حزن وأسى أسفاً على حاله ، لكنها أخفت عبرتها خلف حجابها المصون وكتمت أنفاسها الحرّى ... وهي تردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ..
ومضت الأيام ، وخالد سار في غيه وضلاله ، ينتهز كل فرصة ليسافر على تلك الديار ثم يعود وقد ازداد تعلقاً بها ، ومقتاً لدينه وأهله .
أما أمه فلم تعد تقيم له وزناً ، أو تلقى له بالاً ، فقد سقط من عينها ، وأبغضته في الله ، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. ) الآية [ المجادلة : الآية : 22]
وصارت تدعو له بالصلاح والهداية ، وربما دعت بالهلاك إن لم يهده الله ..
وجاءت ساعة الصفر ..
كانت ليلة زفاف من العروس التي اختارها لنفسه ، لكن الأجل لم يمهله ، فبينما هو يسير بسيارته الصغير ، إذا اعترضت طريقه شاحنة نقل كبيرة فلم يجد مفراً من الدخول تحتها ليتحول هو وسيارته إلى كومة من حديد ...
وبعد ساعة من الزمن وقف شرطي المرور وهو يحمل في كفيه كتلاً من اللحم والعظام ... إنه ما تبقى من خالد .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " أخرجه أحمد وغيره .
يتبع ان شاء الله
صيد الفوائد