عصام مشعل
22-10-2007, 12:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى
وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم
وحتى نعرف ماهو الخُلُق يجب أن نُفَرِق أولاً الفرق بين (الخُلُق ) و( التَخَلُق )
لأن الخُلُق شيء والتَخَلُق شيء آخر
فإذا كان العِلم بوجه عام غايته إسعاد البشر ومن أجل هذا أسهر العلماء ليلهم وأعملوا
فكرهم في محاولة لتحقيق رفاهية وسعادة الإنسان ..
فهذا عالِم ينقطع في معمله ليتعرف على ميكروب يسبب مرضاً للإنسان ويعمل جاهداً
على التوصُل إلى مايقضي على هذا الميكروب ؛ وآلاف العلماء يلتقي هدفهم وإن تعددت
وسائلهم إلا أن هدفهم واحد وهو سعادة البشر ..
إن أفهام الناس تختلف في معنى السعادة فمنهم من يراها في الثروة
ومنهم من يراها في الجاه والمنصب ؛ منهم من يراها في الشُهرة وذيوع الصيت
ومنهم من يراها في إرضاء الله تعالى ؛ مهما اختلفت وجهات النظر في السعادة
فستظل هي الغاية التي يبحث عنها الجميع وهي التي لا يصح أن تكون سؤالاً
فلا يُعقَل أن تسأل شخصاً وتقول له لماذا تحب أن تكون سعيداً ؟
ولكن ماذا تفيد صحة الأبدان وتوفير الطعام وامتلاء الخزائن بالأموال إن ضاعت الأخلاق.
الأخلاق سلوك ؛ وبتعريف الأخلاق سترتسم في الأذهان صورة ولو بوجه ما عن الأخلاق
فما هي الأخلاق
كلمة خُلُق ( بضم الخاء واللام ) أو ( بضم الخاء وسكون اللام ) تُجمَع على ( أخلاق )
فالأول كـ ( عُنُق وأعناق ) والثاني كـ ( كصُلْب وأصلاب )
وقد وردت كلمة خلُق في القرآن الكريم والسنة المطهرة قال تعالى وإنك لعلى خُلُق عظيم
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ مَكارِمَ الأخلاق )
أما التخلُق فهو تكلُف إظهار ما ليس بالفطرة
فتكلُف بذل المال للمحتاج وتكلُف عدم رد الإساءة لا يعتبر حلم ولا كرم من صاحبها لأن
التخلُق في الإسلام مذموم ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يشير إلى ذلك
حيث قال
( من تَخَلَق للناس بما يعلم الله أنه ليس من خُلُقه شانه الله )
وبعد هذا التعريف ومستعيناً بالله تعالى أبدأ حديثي عن الأخلاق
يقول النبي علية الصلاة والسلام
أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقاً ؛ وخياركم خياركم لنسائهم
فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقا لأن كمال الإيمان يوجب حُسن الخُلُق والإحسان إلى كل
إنسان ؛ وخياركم خياركم لنسائهم لأنهن محل الرحمة لضعفهن ..
وإذا ما تأملنا نصوص القرآن الكريم نجد أن تزكية النفس قُدِمَت على تُعَلُم العلوم الشرعية
يقول تعالى
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
ويقول تعالى
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
ويقول تعالى
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي اْلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
فتزكية النفس أولاً ثم تَعَلُم الكتاب والسنة
ويقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
وهنا قدّم تعليم الكتاب والسُنة على التزكية لأن تزكية النفس بدايتها ونهايتها التوحيد
والتزكية شيء زائد على العِلم لأن العلم يُعطي القواعد والبيان لكل شيء
أما التزكية فهي تطبيق هذا العِلم على النفس البشرية بأمراضها وأغراضها بمعرفة الطب
وأساليبه ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا )
وكل عبادة تحمل في جوهرها قيمة أخلاقية يجب أن تنعكس على سلوك المسلم المؤدي لها
وأن تكون واضحة راسخة في شخصيته وتعاملاته مع الآخرين و فيما يُخَططه لنفسه من أُطُر
يحرص على الالتزام بها ولا يحيد عنها
إن العبادة علاقة بين العبد وربه ؛ أما السلوك فهو علاقة بينك وبين الناس ولابد أن
تنعكس علاقة العبد بربه على علاقته مع الناس فيُحسِن هذه العلاقة ويُهذبها وإلا فما معنى
أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهما لا يظهران إلا في التعامل مع الناس
وقد رَسَخ الإسلام كل القِيَم النبيلة لتكون سائدة في المجتمع إلا أن هذه القِيَم لم يعد لها
وجود على الإطلاق وهذا مؤشر لانهيار المجتمع إن لم يكن قد انهار بالفعل فصَدَقَت مقولة
الإمام محمد عبده
( إن في بلاد المسلمين إسلاماً بلا مسلمين ) وفي ( الغرب مسلمين بلا إسلام )
وهذه للدلالة على انعدام الأخلاق في بلادنا فتَجِد من يُصلي ويصوم ويجتهد في ذلك،
وفي المقابل تخرج زوجته سافرة أو لا يهتم بمتابعة أبنائه وبناته فيخرجوا ويدخلوا كيفما شاءوا
الفضل في حُسن الخُلُق
تعددت النصوص في الحَث على الخُلق وفضله والتَحَلي به
جاء رجُل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله
إن فلانة يُذكَر من كثرة صلاتها وصيامها وصَدَقَتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها
قال هي في النار ؛ قال الرجُل ؛ يا رسول الله فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها
وإنها تصَدّق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في الجنة
والأثوار جمع ( ثور) وهو القطعة من الأقط والأقط هو ( اللبن المجفف)
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
إن رجلا لم يعمل خيراً قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله خذ ما تيسر، واترك ما عسر،
وتجاوز لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا فلما هلك قال الله عز وجل له هل عملت خيرا قط ؟
قال: لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته ليتقاضى قلت له خُذ ما تيسر واترك
ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا ؛ قال الله تعالى ـ قد تجاوزت عنك ـ
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت من هذا؟
قالوا حارثة بن النعمان قال كذلكم البر كذلكم البر
وكان حارثة بن النعمان أبرّ الناس بأمه وقوله صلى الله عليه وسلم كذلكم البر تنبيه إلى البِر
وأن حارثة نال تلك الدرجة بسبب البِر ؛ وحُسن الخُلق ليس مع البشر فقط بل يمتد لينال الحيوان
فإحسانك إلى الحيوان قد يكون سبباً لدخولك الجنة...
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حارـ يطيف ببئرـ قد أدلع لسانه من العطش ـ فنزعت له بموقها
فغُفر لها. ؛ و( موقها ) يعني ( خُفَها )
وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم
أن رجلا رأى كلباً يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه
فشكر الله له فأدخله الجنة
وقوله يأكل الثرى أي ( يلعق التراب الندي )
ومعنى الحديث أن الكلب أخذ يلعق التراب من شدة العطش فأخذ الرجل يملأ له خُفَه بالماء
حتى ارتوى وشبع فأثنى عليه فجزاه الله تعالى بأن أدخَلَه الجنة
ويقول صلى الله عليه وسلم...
ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حُسن الخُُلُق
وإن صاحب حُسُن الخُلُق ليبلغ به درجة صاحب الصوم و الصلاة
ويقول صلى الله عليه وسلم...
لا تُحَقَرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق
ويقول صلى الله عليه وسلم
دخلت امرأة النار في هِرَة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت
ويقول صلى الله عليه وسلم ( من يُحرَم الرِفق يُحرَم الخير)
وفي رواية أخرى
إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه
أو كما قال
لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه
أو ( عليك بالرفق )
فالعنف إذن ضد الرِفق لأن الرِفق يُوجِد الخيرات
ولما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت ( كان خلقه القرآن ) أي أنه صلى
الله عليه وسلم كان يُطَبِق كل ما جاء به القرآن الكريم من أوامر ونواهي ويعمل بما جاء فيه
من أحكام ولذلك كان قوله صلى الله عليه وسلم مطابقاً لفعله ..
وكان إذا آذاه قومه قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
وعن أبي سعيد الخدري قال:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له:
أُحرّج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك ! تدري من تكلم؟ قال:إني أطلب حقي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس،
فقال لها:إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك. فقالت:
نعم بأبي أنت يا رسول الله! قال فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال:أوفيت أوفى الله لك.
فقال: أولئك خيار الناس، إنه لا قُدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع
( أي: من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه ).
وعن أنس رضي الله عنه، قال
ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال فجاءه رجل، فأعطاه
غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة
كل هذه المواقف تنبئك كيف كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلم في تعاملاته من الناس.
وهذا ما وعاه الصحابة رضوان الله عليهم جيداً فمضوا على طريقه، فشيدوا حضارة ظلت تحكم
العالم دهرا طويلا . فالإسلام ديننا والحمد لله ونبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم منا
وصحابته الكرام منا فعلينا أن نتعَلَم منه صلى الله عليه وسلم ولنا في رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسوة حسنة والذي وُصِفَ بأن ( خُلُقَه القرآن )..
فمن أين استمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقَه ؟
ومن أين استمد صحابة رسول الله
رضوان الله عليهم خُلُقَهم ؟ وهم كانوا من عُتاة الجاهليه قبل الدخول إلى الإسلام
إنه القرآن الكريم الذي يسمو بالأخلاق ؛ وبسمو الأخلاق نبلغ الآفاق
فعلينا بالقرآن الكريم وسُنة المصطفى صلى الله عليه وسلم
قال تعالى
وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم
وحتى نعرف ماهو الخُلُق يجب أن نُفَرِق أولاً الفرق بين (الخُلُق ) و( التَخَلُق )
لأن الخُلُق شيء والتَخَلُق شيء آخر
فإذا كان العِلم بوجه عام غايته إسعاد البشر ومن أجل هذا أسهر العلماء ليلهم وأعملوا
فكرهم في محاولة لتحقيق رفاهية وسعادة الإنسان ..
فهذا عالِم ينقطع في معمله ليتعرف على ميكروب يسبب مرضاً للإنسان ويعمل جاهداً
على التوصُل إلى مايقضي على هذا الميكروب ؛ وآلاف العلماء يلتقي هدفهم وإن تعددت
وسائلهم إلا أن هدفهم واحد وهو سعادة البشر ..
إن أفهام الناس تختلف في معنى السعادة فمنهم من يراها في الثروة
ومنهم من يراها في الجاه والمنصب ؛ منهم من يراها في الشُهرة وذيوع الصيت
ومنهم من يراها في إرضاء الله تعالى ؛ مهما اختلفت وجهات النظر في السعادة
فستظل هي الغاية التي يبحث عنها الجميع وهي التي لا يصح أن تكون سؤالاً
فلا يُعقَل أن تسأل شخصاً وتقول له لماذا تحب أن تكون سعيداً ؟
ولكن ماذا تفيد صحة الأبدان وتوفير الطعام وامتلاء الخزائن بالأموال إن ضاعت الأخلاق.
الأخلاق سلوك ؛ وبتعريف الأخلاق سترتسم في الأذهان صورة ولو بوجه ما عن الأخلاق
فما هي الأخلاق
كلمة خُلُق ( بضم الخاء واللام ) أو ( بضم الخاء وسكون اللام ) تُجمَع على ( أخلاق )
فالأول كـ ( عُنُق وأعناق ) والثاني كـ ( كصُلْب وأصلاب )
وقد وردت كلمة خلُق في القرآن الكريم والسنة المطهرة قال تعالى وإنك لعلى خُلُق عظيم
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ مَكارِمَ الأخلاق )
أما التخلُق فهو تكلُف إظهار ما ليس بالفطرة
فتكلُف بذل المال للمحتاج وتكلُف عدم رد الإساءة لا يعتبر حلم ولا كرم من صاحبها لأن
التخلُق في الإسلام مذموم ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يشير إلى ذلك
حيث قال
( من تَخَلَق للناس بما يعلم الله أنه ليس من خُلُقه شانه الله )
وبعد هذا التعريف ومستعيناً بالله تعالى أبدأ حديثي عن الأخلاق
يقول النبي علية الصلاة والسلام
أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقاً ؛ وخياركم خياركم لنسائهم
فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقا لأن كمال الإيمان يوجب حُسن الخُلُق والإحسان إلى كل
إنسان ؛ وخياركم خياركم لنسائهم لأنهن محل الرحمة لضعفهن ..
وإذا ما تأملنا نصوص القرآن الكريم نجد أن تزكية النفس قُدِمَت على تُعَلُم العلوم الشرعية
يقول تعالى
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
ويقول تعالى
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
ويقول تعالى
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي اْلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
فتزكية النفس أولاً ثم تَعَلُم الكتاب والسنة
ويقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
وهنا قدّم تعليم الكتاب والسُنة على التزكية لأن تزكية النفس بدايتها ونهايتها التوحيد
والتزكية شيء زائد على العِلم لأن العلم يُعطي القواعد والبيان لكل شيء
أما التزكية فهي تطبيق هذا العِلم على النفس البشرية بأمراضها وأغراضها بمعرفة الطب
وأساليبه ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا )
وكل عبادة تحمل في جوهرها قيمة أخلاقية يجب أن تنعكس على سلوك المسلم المؤدي لها
وأن تكون واضحة راسخة في شخصيته وتعاملاته مع الآخرين و فيما يُخَططه لنفسه من أُطُر
يحرص على الالتزام بها ولا يحيد عنها
إن العبادة علاقة بين العبد وربه ؛ أما السلوك فهو علاقة بينك وبين الناس ولابد أن
تنعكس علاقة العبد بربه على علاقته مع الناس فيُحسِن هذه العلاقة ويُهذبها وإلا فما معنى
أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهما لا يظهران إلا في التعامل مع الناس
وقد رَسَخ الإسلام كل القِيَم النبيلة لتكون سائدة في المجتمع إلا أن هذه القِيَم لم يعد لها
وجود على الإطلاق وهذا مؤشر لانهيار المجتمع إن لم يكن قد انهار بالفعل فصَدَقَت مقولة
الإمام محمد عبده
( إن في بلاد المسلمين إسلاماً بلا مسلمين ) وفي ( الغرب مسلمين بلا إسلام )
وهذه للدلالة على انعدام الأخلاق في بلادنا فتَجِد من يُصلي ويصوم ويجتهد في ذلك،
وفي المقابل تخرج زوجته سافرة أو لا يهتم بمتابعة أبنائه وبناته فيخرجوا ويدخلوا كيفما شاءوا
الفضل في حُسن الخُلُق
تعددت النصوص في الحَث على الخُلق وفضله والتَحَلي به
جاء رجُل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله
إن فلانة يُذكَر من كثرة صلاتها وصيامها وصَدَقَتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها
قال هي في النار ؛ قال الرجُل ؛ يا رسول الله فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها
وإنها تصَدّق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في الجنة
والأثوار جمع ( ثور) وهو القطعة من الأقط والأقط هو ( اللبن المجفف)
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
إن رجلا لم يعمل خيراً قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله خذ ما تيسر، واترك ما عسر،
وتجاوز لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا فلما هلك قال الله عز وجل له هل عملت خيرا قط ؟
قال: لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته ليتقاضى قلت له خُذ ما تيسر واترك
ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا ؛ قال الله تعالى ـ قد تجاوزت عنك ـ
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت من هذا؟
قالوا حارثة بن النعمان قال كذلكم البر كذلكم البر
وكان حارثة بن النعمان أبرّ الناس بأمه وقوله صلى الله عليه وسلم كذلكم البر تنبيه إلى البِر
وأن حارثة نال تلك الدرجة بسبب البِر ؛ وحُسن الخُلق ليس مع البشر فقط بل يمتد لينال الحيوان
فإحسانك إلى الحيوان قد يكون سبباً لدخولك الجنة...
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حارـ يطيف ببئرـ قد أدلع لسانه من العطش ـ فنزعت له بموقها
فغُفر لها. ؛ و( موقها ) يعني ( خُفَها )
وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم
أن رجلا رأى كلباً يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه
فشكر الله له فأدخله الجنة
وقوله يأكل الثرى أي ( يلعق التراب الندي )
ومعنى الحديث أن الكلب أخذ يلعق التراب من شدة العطش فأخذ الرجل يملأ له خُفَه بالماء
حتى ارتوى وشبع فأثنى عليه فجزاه الله تعالى بأن أدخَلَه الجنة
ويقول صلى الله عليه وسلم...
ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حُسن الخُُلُق
وإن صاحب حُسُن الخُلُق ليبلغ به درجة صاحب الصوم و الصلاة
ويقول صلى الله عليه وسلم...
لا تُحَقَرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق
ويقول صلى الله عليه وسلم
دخلت امرأة النار في هِرَة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت
ويقول صلى الله عليه وسلم ( من يُحرَم الرِفق يُحرَم الخير)
وفي رواية أخرى
إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه
أو كما قال
لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه
أو ( عليك بالرفق )
فالعنف إذن ضد الرِفق لأن الرِفق يُوجِد الخيرات
ولما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت ( كان خلقه القرآن ) أي أنه صلى
الله عليه وسلم كان يُطَبِق كل ما جاء به القرآن الكريم من أوامر ونواهي ويعمل بما جاء فيه
من أحكام ولذلك كان قوله صلى الله عليه وسلم مطابقاً لفعله ..
وكان إذا آذاه قومه قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
وعن أبي سعيد الخدري قال:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له:
أُحرّج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك ! تدري من تكلم؟ قال:إني أطلب حقي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس،
فقال لها:إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك. فقالت:
نعم بأبي أنت يا رسول الله! قال فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال:أوفيت أوفى الله لك.
فقال: أولئك خيار الناس، إنه لا قُدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع
( أي: من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه ).
وعن أنس رضي الله عنه، قال
ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال فجاءه رجل، فأعطاه
غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة
كل هذه المواقف تنبئك كيف كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلم في تعاملاته من الناس.
وهذا ما وعاه الصحابة رضوان الله عليهم جيداً فمضوا على طريقه، فشيدوا حضارة ظلت تحكم
العالم دهرا طويلا . فالإسلام ديننا والحمد لله ونبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم منا
وصحابته الكرام منا فعلينا أن نتعَلَم منه صلى الله عليه وسلم ولنا في رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسوة حسنة والذي وُصِفَ بأن ( خُلُقَه القرآن )..
فمن أين استمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقَه ؟
ومن أين استمد صحابة رسول الله
رضوان الله عليهم خُلُقَهم ؟ وهم كانوا من عُتاة الجاهليه قبل الدخول إلى الإسلام
إنه القرآن الكريم الذي يسمو بالأخلاق ؛ وبسمو الأخلاق نبلغ الآفاق
فعلينا بالقرآن الكريم وسُنة المصطفى صلى الله عليه وسلم