المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة وصناعة البشرية


عدنان عمر العوضات
01-11-2008, 01:50 AM
المرأة وصناعة البشرية:icon (11): مثلما هي المصانع التي تنتج الأجهزة والأدوات؛ لاستعمالها في أغراض السِّلْم والحرب، ولاستعمالها في الحياة اليومية لأصغر الأمور وأكبرها، كمصانع الأسلحة مثلاً، التي يلزمها الحديد والماء؛ والحرارة والآلات واليد العاملة، وكذلك مصانع الأقمشة كمثال آخر؛ ويلزمها القطن أو الصوف وآلات الحياكة والحلج وغير ذلك، كذلك هي صناعة البشرية..!.
فالطفل يُولَد من بطن أُمّه (مادة خام)، التي تُعتبر المادة الأولية لصناعة الإنسان العاقل والواعي والمدرك، والمحب للخير الوفي لأهله وصحبه، المعطاء السَّخي، المدافع عن ثغور وطنه فلابُدَّ من مادة أولية لِكُلّ صناعة. وإذا توفرت المادة الأولية فلابُدَّ من رأس مدبر وعقل مفكر للتخطيط والدِّراسة والتمحيص، وبدون هذه المقومات فإنَّهُ لا فائدة من توافر المادة الأولية وحدها، حتَّى ولو توفرت الآلات الصانعة.
والعقل المُدَبِّر يكون أحياناً راجحاً راشداً، لا يُقْدِم على عمل إذا لَمْ يكن قد عرف مُسبقاً ماذا يريد أن يفعل، وكيف، ولماذا..؟؟ وأحياناً يكون مثل هذا العقل عشوائياً في إقدامه على العمل، مغرورا بحيازته شهادة معينة؛ أجهد نفسه في مواصلة الدِّراسة وحفظ المعلومات وحشوها في ذهنه ليوم الامتحان حتَّى حصل عليها، وعندما يحين التطبيق العملي يبدو وكأنَّهُ غريب على الأمر، والأمر عليه غريب..!!.
وفي الصناعة البشرية، عندما يولد الطفل، يولد كما قُلنا من قبل (مادة خام)، كيفما أرادها الرَّاعي تكون، وهذا يرجع إلى نشأة الرَّاعي نفسه ومدى نجاحه في الحياة، لتنعكس إيجابيات نشأته وسلبياتها بالتالي على المولود حين يشب ويفتح عينيه على الحياة.
والرِّعاية للطفل كما هو معروف يتناوب عليها معاً الأُم والأَب، وبقدر ما يبذل الأبوان من نصائح وإرشادات للطفل بقدر ما ينشأ الطفل صالحاً في تربيته، راشداً في سلوكه، حميداً في خصاله، دمثاً في أخلاقه، مثالياً في تصرفه وأفعاله. إذاً فالأبوان هُمَا اللذان يُعلِّمان الطفل الصِّدق، والأمانة، والإخلاص، والثقة بالنَّفْس، والاعتداد، والإيثار، والوعي، وحُبّ الخير، ويزرعان في نفسه الأمل بالمستقبل، وكيفية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، معتمداً على نفسه والشهامة ملءُ رأسه، والقسط الأعظم من ذلك كله يقع على عاتق الأُم، فهي تتحمل نسبة أكبر مِمَّا يتحمله الأب، ذلك أنَّ الأُم تُعايش الطفل لحظاته الأولى من عمره، وهي اللحظات التي يبدأ الطفل فيها بالتعرف على الحياة، كما أنَّها تتفاعل معه في حياته اليومية، مُلبية رغباته، ومُعلمة إياه ما يجوز فعله وما لا يجوز، ومُرشدة إياه لحُبّ الخير وكراهية الشر والحلال والحرام، وما إلى ذلك من العادات والتقاليد والفضائل.
من هنا نقول أنَّ المرأة -وهي الأُم بطبيعة الحال- أصبحت هي الرأس المُدَبِّر والعقل المُفَكِّر في صناعة إنسان متكامل الشخصية، تتوافر فيه مقومات الرُّجولة، بعد أن كان طفلاً جاهلاً، هذا فيما إذا كانت المرأة الرَّاعية راشدة صالحة واعية، وقد تكون أحياناً غير ذلك، إذ تشعر بأنَّها امرأة كغيرها من النساء في المجتمع، وتُخطيء تصورها لنفسها ولغيرها، إذ تظن أنَّ وظيفتها هي فقط خدمة الرَّجُل خدمة جوفاء خالية من المعاني، ثُمَّ إنجاب الأطفال، ثُمَّ إرضاعهم وإطعامهم، والقيام على خدمتهم كما تخدم أباهم، وبعد ذلك تسير الأمور على غير هدى ولا بصيرة، ويُترك الطفل للشارع . . ليعود للبيت وقد تفتحت عيناه على السلبيات والشر، فتصبح عنده غريزة وطبعاً.
والحال هكذا، فإنَّ الأمر يتطلب وكضرورة ملحة في مجتمعنا إعداد المرأة على أعلى قدر من المستويات التربوية الصالحة، لتكون امرأة صالحة مُفَكِّرة مُدَبِّرة، ترفل في ثياب العِلْم النَّيِّر والخلق القويم، تَحفّ بجنباتها أنوار الإيمان والطَّهارة، لتكون أمينة على صناعتها وهديتها للمجتمع، ولتكون صناعتها متقنة بفنون الأخلاق والفضائل، وصدق الذي قال:
(وراء كل رجل عظيم امرأة)
على أن لا نُغْفِل في هذا المجال دور الرَّجُل في البيت، من حيث: التربية، وتوفير اللازم، وحماية الأُسرة، ذلك أنَّهُ يبقى هو رجل البيت ورمز الأسرة، والمُعلِّم الأول قبل أن يلتحق الطفل بالروضة والمدرسة ويتخرج إلى مسرح الحياة.

بقلم: الأديب والمفكر الأردني الراحل: عمر عبيد العوضات
كتاب: (حدث معي... تحت ظلال الزيتون) - فصل: ذات العقل الرشيد
هذه المقالة نشرها عمر عبيد العوضات في صحيفة صوت الشعب
الأردنية السابقة في مطلع ثمانينات القرن الماضي.

حورية الجنوب
19-11-2008, 12:22 AM
جزى الله الكاتب والناقل
كل خير