المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بقلبي لا بيد العرب


محمد سامي البوهي
16-01-2009, 07:53 PM
بقلبي لا بيد العرب





كنت قد قررت ألا أكتب عن تلك المجزرة التي تحدث في غزة،ربما لإحباط سكن داخلي عن مدى جدوى الكلمات،وكان سؤالاً يتناثر برأسي عن كل القصائد المقدسية التي كتبها كبار الشعراء،وصاح بها كبار المطربين لتملأ قلوبنا بالوجع،وعن كل المقالات والروايات والقصص التي صبت في قلوبنا حمم المشاعر التي لا تبعثر ساكناً حولنا،على أي الطرق وضعتنا الكلمات؟ وإلى أي مدى أخذتنا معها، فكانت كل الإجابات تؤدي إلى العدم،الذي يتقافز على سطح وجوهنا الملساء...

اليوم صباحاً كنت أتوجه إلى مدينة الكويت،وعلى طريق (الملك فيصل السريع) وجدت نفسي أسير بين الرايات العربية الفخمة المصطفة على جانبيه استعداداً لعقد القمة الاقتصادية،لا أخفيكم سرا أن أول ما خطر ببالي في تلك اللحظة،هو البحث عن راية الحبيبة مصر،وكالعادة عندما تقع أعيننا على رايات بلادنا خصوصاً لو كنا غرباء،تشعر بأن دماء أخرى تتدفق بشرايينك،وتزداد دقات قلبك،ويغمرك هذا الحنين الآسر،لكن للحظات توقفت عندما تذكرت تلك النقطة البارزة التي تتواجد في كل حرب،ربما يطلقها العدو بمهارته الحولاء،كما يطلق قذائفه،وصواريخه،فكانت النقطة هي معبر رفح،الأكثر شهرة بعملية الرصاص المسكوب،حتى فاقت شهرته كل زعماء العرب،ربما ساعتها ابتسمت كمداً لحرب علقها العرب على ثغرة،ويبدو أن حروبنا مع إسرائيل جميعها معلقة على تلك الثغرات،التي تحولها إلى حرب بلا قرار...

كم يوم مضى على تلك المحرقة التي تهتك الصمت العربي بغزة؟ عشرون يوماً،خمسون، ألف،مليون؟كم صرخة دوت من فم طفلة بريئة؟كم دمعة،كم،وكم،وكم..لا تعنيني الإحصائيات،ولا الحسابات،فلتسقط كل الأرقام إذن.. ولكن بقي رقم واحد فقط يرسمه قلبي بكل صمت يشبه تماما صمت عروبتنا المقدسة،رقم معوج،متكسر،ومتآكل،رقم يجمع رؤوسنا جميعاً ليضعها تحت المقصلة ربما تنبت من دمائنا الباردة أشجاراً تنطق بقرار واحد فقط،ينزع التاريخ الأسود من وجوهنا الممرمغة بتراب الذل...

الذل ...ترددت تلك الكلمة كثيراً بواقعي،كنت اسمعها وأنا طفل صغير عاش أحداثاً كثيرة،وأمضيت حياتي كلها على أمل سماع كلمة أخرى ترفع رأسي للسماء،لكن الآن وقد بلغ السيل الدماء،والعظام،والأشلاء،كيف سأتمادى في خداع حلمي القائم على الأمل ...

عندما حاور مراسل قناة الجزيرة،الطفلة (جميلة)،التي أصيبت بقذيفة عرجاء أفقدتها ساقيها،رأيتها مبتسمة متجاهلة القادم المفزع الذي ينتظرها،وبقلب مؤمن عكف على قراءة الدين كله عبرت عن آمالها،وطموحها بأن تصبح يوما ما صحفية تنقل الحقيقة لكل العالم وذلك على حد قولها تحديداً،فشعرت بخيبة،شعرت أن الله لم يمنحني رجلاً داخلي،بل ما بداخلي هو امرأة جبانة_فلا نامت عيني يا جميلة_ أردت ساعتها أن أجرجر تلك المرأة من شعرها و ألدها من فمي،ثم أخنقها بيدي،وأطير نحو المعبر المقدس،أحطم كل حواجزه،وأعبر نحو الداخل،لكن بعد أن أفقت على واقعي الجميل،المتخم بمرض الراحة والرفاهية،أيقنت أنني سأموت كما أنا ....

بقلبي يا سيدي الرئيس لا بيد العرب،أعاتبك،أو أنهرك،أو ماذا؟لا أعرف ماذا أقول ، لكن بالرغم ما أعانيه أنا وجيلي كله من مآسي،وتحطم،وتبعثر،وشتات في بلاد الله من أجل لقمة عيش كان بإمكانك أن تضعها بأفواهنا سائغة،إلا أنني لا أمقتك،ولا أكرهك،ربما أرفع يدي لله داعياً عليك،لكن صدقني أكره من يقول آمين،انتظرتك كثيراً بخطابك الأخير،انتظرت منك ما يريحني ويرفع رأسي للسماء وسط أنوف المتفرجين،حتى ولو مجرد كلام في كلام،لكني لم أجدك،ولم أجد ما انتظره،فبطلت كل الحجج،وأصبحت كلمات كالفكاهات تُضحك حتى الأسى...
جعلني أتنهد وأنا أنظر للرايات الملونة المصطفة على جانبي طريق (الملك فيصل السريع) استعداداً لاستقبال القمة الاقتصادية،وقد برقت بذهني فكرة مجنونة،على أثرها قررت أن أتسلل ليلا إلى هنا،وأطلي كل تلك الرايات العربية بلون أحمر قاني يداري عارنا المنشور كخيالات المآتة.

ريم بدر الدين
16-01-2009, 09:19 PM
كل راياتنا اصطبغت بلون الدم
دم العار هذه المرة
و لا من يثأر للشرف المهدور
اشكرك أخي محمد سامي البوهي
ساعدتني على قتل الجبانة في داخلي
تحياتي لك

محمد سامي البوهي
17-01-2009, 05:11 PM
الأستاذة ريم بدر الدين
تقبلي مني فائق الاحترام
لك كل الود

معتصم الحريري
20-01-2009, 01:13 PM
أخي محمد لقد تكلمت هنا بما في داخلنا تماما ...تبا للعجز الذي قيد رجولتنا وكبلنا بهذا الصمت المخزي...حقا أن الطريق إلى القدس يبدأ من عواصمنا العربية ...لن نحرر شيئا إذا لم نتحرر أولا.