المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا ينتصر الرصاص على الدم


سفيان صيام
28-01-2009, 04:15 PM
يوميات أسرة غزية تحت الحرب
الرصاص المسكوب والدم المسفوك
قول فصل ... لا ينتصر الرصاص على الدم

يوم السبت 3/1/2009 الساعة 8 مساء شنت اسرائيل هجومها البري على قطاع غزة ، بعد اسبوع من الضربات الجوية الدموية المدمرة فكانت هذه الصفحات وهي ليست توثيقا للحرب فلذلك العديد من المؤسسات الدولية والاقليمية والمحلية التي تهتم بذلك والتي تعتمد اسسا علمية دقيقة ترصد وتوثق المجزرة .
ولكن هذه الصفحات ليست الا دعوة للمشاركة الشعورية اوجهها للقارئ ليعيش بشعوره مع اسرة بسيطة اوقات الحرب . هذه الأسرة بحمد الله كانت طوال ايام الحرب بعيدة عن التماس المباشر بمواطن الخطر مع مراعاة ان الجميع كان تحت مظلة الخطر ولكن المقصود انه لم يحدث اقتحام او هجوم مباشر على مساكن الحي الذي تسكن فيه ، لا يمنع ذلك انها كانت تعيش مع كل القطاع معاناة كبيرة لا يمكن تصورها الا بعد تخيل الحياة في الحرب ، لا سيما المعاناة فيما يتعلق بالامور الانسانية والاساسية بالاضافة الى الخوف المخيم فوق رؤوس الجميع طوال الوقت .
هي دعوة للقراءة وتخيل الحياة مع هذه الأسرة ، ودعوة للتذكر أن هناك من قضوا ايام الحرب خائفين تحت انقاض بيت مهدم ، او حزينين يحتضون جريحا ينزف حتى الموت ، او مرعوبا ينظر الى اسرته التي تموت كلها امامه ويبقى هو الناجي الوحيد شاهدا على المجزرة ، أو جثة لا تجد حتى من ينقلها لبيت الموتى بعد تدمير بيوت الاحياء .

اليوم الأول
السبت 3/1/2009
بداية الهجوم
كانت الساعه تقارب الثامنة مساء ، وكنا نتابع مباراة لكرة القدم بين فريقي الاهلي والاسماعيلي المصريين _ نحن نتابع كرة القدم دائما _ ، كانت الكهربا مقطوعة وكنا نتابع المباراة بفضل مولد الكهرباء ، وبينما كانت توشك المباراة على نهايتها ، أوشك أمر اخر على بدايته ألا وهو الجزء البري من حملة الرصاص المسكوب _ اسم الحملة التي اطلقها الجيش الاسرائيلي على قطاع غزة _ شعرنا بأن هناك ما يتغير ، فجو البيت بات مكهربا مضطربا قلقا كأن الدبابات تقف خارج الابواب ، كنا قد عشنا اسبوعا تقريبا نتابع الضربات الجوية المكثفة والمركزة في كل انحاء مناطق القطاع بالقنابل الارتجاجية والقنابل ذات الوزن طن ، طائرات تقصف بواقع 24 ساعة في اليوم ، في كل مكان من القطاع ولكن رغم ضراوة القصف والضرب الجوي كنا نتعامل معه بنوع من الهدوء وعدم القلق كأننا كنا ندخرالقلق والخوف للهجوم البري وهاهو قد بدأ فاذا بالقلق والخوف والاضطراب قد خرجوا لساحة الفعل ليشملوا الجميع هنا في غزة وبالتحديد في بيتنا الصغير المتواضع الذي يضمني الى جانب زوجتي وابنائي رغد ومؤمن وابراهيم .
لم يكن من بد الا متابعة الاخبار لمعرفة ما يحدث ، التلفزيون يقول ان الجيش الاسرائيلي بدأ العملية العسكرية البرية على قطاع غزة ، ومراسلي الفضائيات يتكلمون عن بدء تحرك الدبابات والاليات العسكرية باتجاه القطاع ،
بدأت حاله من التفكير العميق والقلق الاعمق والحيرة التي لا تنضب ، ماذا نفعل وقد بدأت الحرب ؟ كنت قد جهزت نفسي لمثل هذا الاحتمال ببعض المعلبات والكاز الابيض لبابور الكاز و كيس من الدقيق للطوارئ ، فربما لا نتمكن من الخروج من المنزل لفترة طويلة ، وربما لا نجد وقتا أصلا لأكل ما وفرناه ربما تبتاغتنا القذيفة في أي لحظة اعتبارا من الآن .
نحن نسكن في منطقة تعتبر متاخمة للحدود مع ارضنا المحتلة عام 48 وقريبة من معبرين معروفين ومشهورين ايضا معبر المنطار _كارني _ و معبر نحال عوز ، ولقد كنا نتوقع ان دخول القوات الاسرائيلية لغزة ربما يكون من هذين المعبرين وبالتالي من شارعنا او من منطقتنا بمعنى اوسع ، رجعت الذاكرة بي الى السور الواقي ومخيم جنين في عام 2002 وتذكرت كيف كانت تتصرف الدبابات الاسرائيلية حينما تدخل منطقة سكنية ، فتحيلها اثرا بعد عين ، كنت اشعر انه في اي لحظة ربما يحدث ما كنت اراه وتستفز مشاعري بمجرد رؤيته .
فتحت الراديو على اذاعة اسرائيل فكان واضحا انها اعلنت بدء العملية العسكرية البرية وبدأت اشعر ان كل قلوب غزة تقف في حالة من الاضطراب والقلق والخوف ( أدركت أن أصعب من الموت انتظاره ) .
كان أولادي يشعرون بان هناك خطر محدق وحقيقي هذه المرة فرغد ذات السبع سنوات تفهم بعضا من الامور ، هي تدرك ان هناك أمرا غير عادي قد بدأ يخيم على الاوضاع ، وباتت تسأل اسئلة لا محل الان لاجابتها ، من شاكلة هل سيدخلون الينا ، هل سيقتلونا ، لماذا يهاجمونا ؟ بينما مؤمن ابن العامين ونصف فهو يكاد ينطق ببعض الحروف والكلمات شعر هو الاخر بان الامر ليس كما كان بالامس بدأ يسأل ببعض الكلمات التي تنقص نصف حروفها واكثر ، بابا هوود بمعني يهود ، ماما تاخ بمعنى طخ ، مؤمن كان يخاف بمجرد سماع صوت رصاصة واحدة ولكنه على مدار اسبوع يسمع صوت الانفجارات ولم يعد الامر مخيفا بالنسبه له . أما إبراهيم ابن تسعة شهور فلا يعنيه من الامر الا مصاصة الحليب ، وانا لا ادري ان كنا نستطيع توفيره له في الايام القادمة أم لا ؟
بعد نقاش بيني وبين ام رغد حول البقاء في شقتنا بالدور الثاني او النزول لشقة اخي بسام بالدور الارضي تقريبا قررنا البقاء في منزلنا ، وقلنا اللي كاتبه ربنا بصير ( احد صفات الشعب الفلسطيني بالعموم التوكل على الله عزوجل لدرجة تقارب من التواكل احيانا ) .
وبعد دراسة لجغرافية شقتنا قررنا النوم في الصالة الواقعة في منتصف المنزل ورفعنا طاولة التلفزيون لداخل غرفة الاولاد وفرشنا مكانها لنا وللاولاد ، الكهربا مفصولة ولكني املك راديو يعمل على الاحجار وما أن وضعت ام رغد الاولاد في الفراش حتى غلبهم النوم وناموا جميعا وبقيت اتابع الاخبار بشكل متواصل على بعض الاذاعات المحلية مثل القدس ، صوت الشعب ، صوت الاقصى .
كنت اشعر بقلق كبير نمت حتى بجاكيتي تحسبا لاي طارئ ، ورغم انني كنت استسلم للنوم دقائق الا اني سرعان ما اصحو على صوت قصف او خبر عاجل او ما شابه . وكانت ليلة قاسية لم يتوقف فيها الضرب والقصف جوي وبري وبحري ولم تتوقف الاخبار العاجلة ايضا.
كانت ليلة عصيبة واصعب ما فيها انها بداية الهجوم بمعنى انها بداية واقع جديد لما نتعايش معه لحد الان ، فنسبة كبيرة من الطمأنينة تأتي لنا من خلال القدرة على التعايش مع الخوف والقلق وهذا يحتاج لبعض الوقت لتتعايش معه .
((يتبع))

ضياء البرغوثي
28-01-2009, 04:54 PM
يوميات يروياه لنا المكرم سفيان

كثير امتنان على هذا الرفد الجميل

ود يمتد ..

يُمنى سالم
29-01-2009, 03:06 AM
أستاذ سفيان صيام

سأحجز هنا مقعداً حتى أستوعب كل تلك التفاصيل المؤلمة، لعلك تكمل

تحيتي وتقديري