محمد معمري
05-02-2009, 06:35 PM
العبور أو الاستشهاد
لم أتجاوز آنذاك الثمانية عشرة سنة من عمري، كانت أفكاري تمر عبر السواحل العريضة لذاكرتي، وترسو في ميناء رفاهية الأحلام البعيدة...
أمام تلك الأحلام وقفت صحبة أصدقائي الثلاثة في ليلة مليئة بالخيال نخطط لعبور جهنمي نحو حياة الرفاهية التي توجد خلف البحر... تقرر العبور في يوم معلوم...
منذ هذا اليوم وأنا أعيش في أوهام ذات بعد وحماقات ومجازفة:
«إي والله، تذكرت إني في حاجة إلى المال!.. ».
أركب سيارتي الفخمة.. أقف أمام "الشباك الأوتوماتيكي".. أسحب مبلغا كبيرا من المال..: «في هذا الحي الراقي سوف أبني لأسرتي منزلا كبيرا.. أجهز لأبي متجرا بالمواد الغذائية كي يستعين بمدخوله المالي على مصاريف إخواني.. وسوف أبني كذلك "ﭭيلا" على شط البحر، تكون فيها حديقة مليئة بالزهور الجميلة حيث أستريح لأشرب كأس شاي مع زوجتي وأطفالي .«…
بعيدا عن هذا الحلم الدافئ، أركب سيارتي الوهمية مرة أخرى صحبة الأصدقاء والصديقات وآخذ الطريق نحو أجمل شاطئ في طنجة، لا، بل أغادير.. تارة أناوش نفسي، وتارة أتشاور مع أصدقائي: أي شاطئ يحلو لكم؟..
كم كانت أمي تحركني بين الفينة والأخرى:
- أي بني، تبدو لي غير عادي في هذه الآونة الأخيرة، ما بك يا ولدي؟!
- إني على أحسن ما يرام أماه! وسأكون أفضل بكثير متى مسحت خريطة الفقر من ذاكرتي..
أمه المسكينة لا تنصحه سوى بالصبر حتى تأتي ساعة الفرج...
حلت ليلة العبور.. وفي قارب الموت ركبت مع مجموعة تفوق الستين فردا.. في سكون الليل ووسط البحر والظلام المرعب، كنت أناوش نفسي:
« لئن عبرنا أقول أن اليخت أوصلني، والبخت تسامى بي إلى أعلى مكان من الرفاهية والسعادة التي طالما وأنا أحلم بها في اليقظة والنوم...».
بينما أنا هكذا حتى توسط القارب البحر فإذا بالربان يقلب القارب وتسلل عوما نحو مكان معلوم حيث ينتظره شركاؤه...
لم ينج من الضحايا سوى أنا الذي بتت علقا كالعلقة في خشبة القارب، والخوف يمزق أحشائي، وأنا أدعو الرحمن لينجيني من الغرق... حتى أنقذتني البحرية في الصباح الباكر في حالة مزرية، فاشلا مسترخيا، كدت أن أموت بالخوف والبرد القارس الذي غير لون لحمي إلى اللون الأزرق.. ليلة مرت علي كأنها ألف سنة من العذاب الفريد من نوعه، لا أحد يتقدم لنجدتي.. بين الفينة والأخرى تصعد جثة بجانبي فتزيدني رعبا على رعب، وتارة أسمع صوت الدلافين وهي تقفز وتغطس بقوة في الماء.. كنت لا أدري أهي دلافين أم سمك القرش؟ كل صوت يرعبني.. كل موجة تلتطم بي، تجعل حلقي يجف ويزداد نبض قلبي...
عدت إلى البيت وأنا أحادث نفسي المرهقة:
« الآن أدركت أنه يجب علي أن أخدم وطني ومن أجل وطني.. لماذا أنكرت وطني هكذا؟ لماذا أنكرت طهارته، وكبده... لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لا لا لا - صرخت بأعلى صوت - سامحني يا وطني سأخدمك حتى الموت ولو بجر العربة».
بقلم: محمد معمري
لم أتجاوز آنذاك الثمانية عشرة سنة من عمري، كانت أفكاري تمر عبر السواحل العريضة لذاكرتي، وترسو في ميناء رفاهية الأحلام البعيدة...
أمام تلك الأحلام وقفت صحبة أصدقائي الثلاثة في ليلة مليئة بالخيال نخطط لعبور جهنمي نحو حياة الرفاهية التي توجد خلف البحر... تقرر العبور في يوم معلوم...
منذ هذا اليوم وأنا أعيش في أوهام ذات بعد وحماقات ومجازفة:
«إي والله، تذكرت إني في حاجة إلى المال!.. ».
أركب سيارتي الفخمة.. أقف أمام "الشباك الأوتوماتيكي".. أسحب مبلغا كبيرا من المال..: «في هذا الحي الراقي سوف أبني لأسرتي منزلا كبيرا.. أجهز لأبي متجرا بالمواد الغذائية كي يستعين بمدخوله المالي على مصاريف إخواني.. وسوف أبني كذلك "ﭭيلا" على شط البحر، تكون فيها حديقة مليئة بالزهور الجميلة حيث أستريح لأشرب كأس شاي مع زوجتي وأطفالي .«…
بعيدا عن هذا الحلم الدافئ، أركب سيارتي الوهمية مرة أخرى صحبة الأصدقاء والصديقات وآخذ الطريق نحو أجمل شاطئ في طنجة، لا، بل أغادير.. تارة أناوش نفسي، وتارة أتشاور مع أصدقائي: أي شاطئ يحلو لكم؟..
كم كانت أمي تحركني بين الفينة والأخرى:
- أي بني، تبدو لي غير عادي في هذه الآونة الأخيرة، ما بك يا ولدي؟!
- إني على أحسن ما يرام أماه! وسأكون أفضل بكثير متى مسحت خريطة الفقر من ذاكرتي..
أمه المسكينة لا تنصحه سوى بالصبر حتى تأتي ساعة الفرج...
حلت ليلة العبور.. وفي قارب الموت ركبت مع مجموعة تفوق الستين فردا.. في سكون الليل ووسط البحر والظلام المرعب، كنت أناوش نفسي:
« لئن عبرنا أقول أن اليخت أوصلني، والبخت تسامى بي إلى أعلى مكان من الرفاهية والسعادة التي طالما وأنا أحلم بها في اليقظة والنوم...».
بينما أنا هكذا حتى توسط القارب البحر فإذا بالربان يقلب القارب وتسلل عوما نحو مكان معلوم حيث ينتظره شركاؤه...
لم ينج من الضحايا سوى أنا الذي بتت علقا كالعلقة في خشبة القارب، والخوف يمزق أحشائي، وأنا أدعو الرحمن لينجيني من الغرق... حتى أنقذتني البحرية في الصباح الباكر في حالة مزرية، فاشلا مسترخيا، كدت أن أموت بالخوف والبرد القارس الذي غير لون لحمي إلى اللون الأزرق.. ليلة مرت علي كأنها ألف سنة من العذاب الفريد من نوعه، لا أحد يتقدم لنجدتي.. بين الفينة والأخرى تصعد جثة بجانبي فتزيدني رعبا على رعب، وتارة أسمع صوت الدلافين وهي تقفز وتغطس بقوة في الماء.. كنت لا أدري أهي دلافين أم سمك القرش؟ كل صوت يرعبني.. كل موجة تلتطم بي، تجعل حلقي يجف ويزداد نبض قلبي...
عدت إلى البيت وأنا أحادث نفسي المرهقة:
« الآن أدركت أنه يجب علي أن أخدم وطني ومن أجل وطني.. لماذا أنكرت وطني هكذا؟ لماذا أنكرت طهارته، وكبده... لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لا لا لا - صرخت بأعلى صوت - سامحني يا وطني سأخدمك حتى الموت ولو بجر العربة».
بقلم: محمد معمري