المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تامر والرحلة الاستكشافية


محمد معمري
15-02-2009, 11:30 PM
تامر والرحلة الاستكشافية

انتهت السنة الدراسية.
أصبح مجال اللعب للتلاميذ بلا حدود.
هذا ما لم يرق لتامر، فاقترح على أبناء حيّه القيام برحلة استكشافية.. فوافقه الجميع.
قال أحدهم:
- لنتوكل على الله، ونذهب غدا باكرا!
أجابه تامر:
- ليس التوكل هكذا! أما سمعت بالحديث النبوي الشريف:« أعقلها وتوكل على الله »؟ لعل هذا الحديث يبين لنا إحكام العقل الذي يفسح لنا مجال التدبير في كل أعمالنا. فالبحث عن المكان المناسب الآمن لعقل الدابة، واختيار أداة العقل وكيفية العقل.. كلها آليات لإحكام العقل والتدبير؛ لنبدل الدابة بأعمالنا ونرى كيف ستدبّ أعمالنا؟
قال الجمع:
- معك الحق يا تامر، ديننا الحنيف يحثنا على هذا، فانظر ماذا ترى؟
قال تامر:
- يجب علينا أن نكوّن دائرة تتألف من لجان، ثم نبرمج رحلتنا؛ وهذا الأمر يتطلب مني يومين من العمل.
وبعد يومين اجتمع أبناء الحي.. قال تامر:
- في البداية يجب أن تكون عندنا رؤية بالإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة:
1- إلى أين نريد الذهاب؟
2- عبر أي سبيل؟
3- بأي وسائل؟
ومتى أجبنا عنها ننتقل إلى الإستراتيجية التي تعني بالوسائل المعتمدة نسلك طريق الرحلة لنصل إلى هدف الاستكشاف.
نظم تامر جميع اللجان، وبيّن لكل لجنة دورها، ولكل فرد دوره في لجنته؛ وكانت على الشكل التالي:
* لجنة المستجدات والتكوين المستمر التي تتكون من فريق التصوير، والتحرير، والمختبر...
* لجنة الاتصالات التي تتكلف بتدابير الرحلة من أكل، وشراب، ومكان الرحلة...
* اللجنة المالية التي تتكلف بجميع متطلبات جميع اللجان...
* اللجنة المنظمة التي تسهر على تنظيم الرحلة، وأوقات الصلاة، والأكل، والراحة...
وفي كل لجنة يجب أن يكون رئيسا، ومحررا والباقي مستشارين؛ ورؤساء اللجان يكوّنون لجنة مركزية تتكلف بالتنسيق بين اللجان، وإدارة الدائرة كلها.. واقترح تامر أن يُضاف مروان - أصغرهم سنا – إلى اللجنة المركزية؛ فوافق الجميع لأنهم علموا أن اختيار تامر لمروان لم يكن عبثا.
ولما علمت كل لجنة عملها، وكل فرد ما عليه وما له، اجتمعوا لتكوين رؤية الرحلة الاستكشافية، فتوحّدت كلمتهم باتفاق، وعن اقتناع وتراضي وحب عن:[ استكشاف مملكة النمل، من أجل تقديم عملهم الصيفي للمدرسة]، ثم تدارسوا، وناقشوا بينهم الوسائل المعتمدة، وتوصلوا إلى وضع منهجية البحث عن مملكة النمل في المجال الديني، والعلمي، فوزعوا المهام بينهم حسب إرادة الفرد وتطوعه بين البحث في شبكة الانترنيت، والمكتبة، والأقراص، والمجلات، والموسوعات العلمية... فعلمت كل مجموعة طريقة البحث، وكيفية البحث وقرروا أسبوعا لهذا العمل.
وبعد أسبوع اجتمعت كل اللجان وقدمت محصولها؛ مما جعلهم يتدارسون ويتناقشون بينهم حتى خرجوا بملخص شامل ثم نسخوا منه عدة نسخ ووزعوها على كل الأفراد ، وقرروا اللقاء بعد يومين.
وبعد يومين اجتمعوا ، بعد أن تكونت لدى جميع الأفراد ثقافة شاملة عن مملكة النمل، فقرروا اجتماعا من أجل تنظيم الرحلة.
وفي صبيحة انطلاق الرحلة قال تامر:
- إخواني الكرام، الآن لقد عقلنا كل أمورنا، فماذا يلزمنا الآن؟
أجاب الجميع بصوت واحد:
- نتوكل على الله.
قال تامر:
- أحسنتم، الآن نتوكل على الله، جل وعلا، في حفظنا ذهابا وإيابا، وفي إعانتنا، وفيما نسينا، وفيما جهلنا...
انطلقت الرحلة بنظام وانتظام، لو رأيتهم لحسبتهم آلات مبرمجة، كل شخص علم دوره فأتقنه.
وبينما هم في الطريق بين السهول والهضاب والوديان.. أدرك الجميع أن تامر يعلمهم كيف ينمّون قدراتهم الفردية، ويحسنون نظراتهم الباطنية للعالم، والعمل داخل جماعة يزيد في تنمية فطانتهم الذهنية، وأن كفاءة جماعة تكون أكثر من مجموع للقدرات الفردية...
قال مروان متسائلا:
- لماذا نحتاج دائما إلى من يقودنا؟
- أجابه تامر:
- انظر لهذا السرب من الحمام كيف يمشي، ألا ترى أنه على شكل هرم؟ فالحمامة الأولى هي التي تقود السرب لدرايتها بالطريق الآمن لتوصل السرب إما لمكان الأكل والشراب، أو إلى أوكارها، وشكلهم هذا من أجل كذلك تغلبهم على قوة الريح المضادة...
- قال الجميع:
- رائع منك هذا المثل يا تامر.
هكذا استمرت رحلتهم بين سؤال وجواب، بين استراحة وصلاة وأكل وشراب إلى أن وصلوا إلى وادي النمل.
جلسوا أمامه متأملين على شكل مجموعات.. وطرح تامر السؤال الأول:
- لماذا سمّى الله، جل وعلا، مسيرة النمل بالوادي؟
بدأت كل مجموعة تفكر في الجواب وأمام أعينهم وادي النمل يجري بحركتين: نمل ذاهب ونمل عائد.. ومن بين مجموعة من الأجوبة استنبطوا أن شكل حركة النمل تشبه تماما حركة ماء الوادي، وكذلك شكل التواءات مسيرة النمل تشبه التواءات الوادي؛ ولاحظوا أن النمل الذاهب يكون حاملا الأغذية، بينما النمل العائد لا يحمل شيئا فاستنبطوا أن حركة الماء تحمل كل ما سقط فوق الماء في اتجاه البحر، أما التيار فيجري عكس ماء الوادي ولا يحمل شيئا، وأن الوادي ينطلق من المنبع في اتجاه البحر، والنمل ينطلق من مكان وجود غذائه اتجاه مملكته... من هذه الزاوية استكشفوا أربع أوجه الشبه بين الوادي، ومسيرة النمل...
ثم طرح تامر السؤال الثاني:
- لماذا لا ينبت القمح، والزرع في مملكة النمل رغم وجود التربة الصالحة للزراعة، والرطوبة؟
حار الجميع في هذا السؤال! فرأوا أن يقتحموا مملكة النمل بطريقة متقنة دون تخريب.. فوجدوا حبات القمح مقسومة على أربعة، وحبات الزرع على اثنين فازدادت حيرتهم...
وبعد أن دوّنوا، وصوّروا كل شيء حتى يقول المختبر كلمته؛ رتعوا قليلا كما كان مبرمجا...
انطلقت العودة بنظام وانتظام، وهم تارة يتساءلون، وتارة يمزحون مع بعضهم إلى أن وصلوا إلى منازلهم؛ فودّع بعضهم بعضا آملين أن يرد عليهم المختبر بنتيجة البحث.
كل واحد دخل بيته من أجل الاستحمام، وتغيير بذلة الرحلة، والاستراحة من تعب الرحلة، واحتساء شربة المساء...
في الغد، اجتمعت لجنة المستجدات والتكوين المسمر وقامت بقسم حبات القمح على أربعة، وحبات الزرع على اثنين وزرعوا كل عيّنة في إناء معلوم.. فاستنتجوا أن حبة الزرع إذا قسمت على اثنين لا تنبت، وحبة القمح إذا قسمت على اثنين، أو على ثلاثة تنبت، أما إذا قسمت على أربعة فلا تنبت...
اجتمعت كل لجان الدائرة، وأعلنوا نتيجة المختبر، التي أدهشتهم وما كان إلا أن قالوا:
- سبحان الذي أوحى إلى خلقه كيف يسلك سبيله...
دونوا استكشافهم، ونسخوا الرحلة في أقراص مدمجة، ووزعت النسخ، والأقراص على كل أفراد الدائرة، واحتفظوا بالباقي...
وفي بداية السنة الدراسية، تقدمت مجموعة تامر إلى القسم الخاص بالأنشطة الثقافية العلمية وقدمت عملها الصيفي على يد مروان...
وبعد دراسة عملهم من طرف الإدارة، ما كان على السيد المدير إلا تبليغ المسؤولين، فتطورت المسألة إلى أن وصلت إلى معالي السيد وزير التعليم الذي أمر بتتويج هذه المجموعة على يده...
استعدت المدرسة في يوم معلوم لاستقبال معالي السيد الوزير الذي رافقته الصحافة وأحاطت بالحدث؛ فشاع خبر هؤلاء الأبطال...
لقد وشحهم وشجعهم ووعدهم أن الشريط سينسخ ويوزع على كل المدارس، ومدونتهم ستعدل وتطبع لتصير في السنة المقبلة ضمن المقرر... كما قام الحي بحفل بهيج، استدعوا إليه كل أطر المدرسة...
وفي الغد، اجتمعت كل اللجان بإعلان من تامر، وقال لهم:
- يجب علينا الآن أن نظيف وثيقة التقييم للتسيير لهذه الرحلة الاستكشافية؛ وثيقة تحتوي على خانات نضع فيها نقط القوة، والضعف، والفرص، والأخطار، والاحتياجات؛ هكذا إذا قمنا برحلة أخرى ما علينا سوى وضع هذه الوثيقة أمامنا حتى نتمكن من تحويل نقط الضعف، والفرص، والأخطار، والاحتياجات إلى نقط قوة، وهذا لا يعني أن الرحلة المقبلة لن تكون عندنا نقط الضعف...
انتهى الجمع، وانصرف كل واحد إلى واجباته، واحد يقول في نفسه: يا ليثني كنت مثل تامر، آخر يقول: لولا أنه ابن حيّنا وزميلنا في المدرسة لقلت أنه يدرس في كوكب الزهرة، وثالث يقول: لو يهبني الله،جل وعلا، مثل عقل تامر، ومروان قال: لابد أن أصبح يوما مثل تامر...

بقلم: محمد معمري

مأمون المغازي
18-02-2009, 01:23 PM
سرد له خطوطه ، وله رونقه ، وللغة مهارات بادية من حيث البنائية ، والتسلل برفق في الذائقة ، وحبك مميز في قصة توجيهية دافعة ، ومن الواضح فيها تركيز الكاتب على تقديم نموذج راق للطفل العربي ، أو بالأحرى يوجه طفلنا العربي إلى ما تقتضيه الفترة التي نعيشها ، والتي أزعم أننا نسينا أن نضع أبناءنا على الخط المستقيم للتعايش مع العصر منذ بداياته فصار ابننا يحتاج دهورًا ليلحق بأول الركب .

قد يأتي هنا من يرد بأن الطفل العربي يحقق النسب الأولى في الذكاء ، لكن الرد عليه بسيط جدًا يكمن في إهمالنا لهذا الذكاء وتطويعه إلى ما لا يفيد ولا يثمر .

من حيث البنائية نرى أن القاص يجيد استعمال القص وترتيب أوراقه عبر التسلسل الحدثي ليصل بنا إلى الغرض في النهاية بصورة تشويقية بارعة . إنه نمط قصصي نحتاجه جدًا بل ويجب أن نبثه إلى أبنائنا ليس للعبرة وكثرة الكلام ، بل لحثهم على البذل ، وكي لا نكون نمطيين خطابيين أقول : إذا كنا قد فشلنا لأننا حتى لم نتعامل مع قصص الأطفال منذ صغرنا فعلينا أن نوجه أبناءنا الوجهة الصحيحة وفق إمكاناتهم ووفق ما ينبغي ، وليس وفق إمكاناتنا نحن ووجهات نظرنا نحن ، فإن لم نستطع بحثنا لهم عن صنف من القصص ينميهم ، بل ونقرأها معهم لنتمكن من الفهم وتوصيلها لهم إذا احتاج الأمر ، لا أن نبسط له الحكاية على أنها للتسلية وشغل وقت الفراغ المزعوم ، وأقول المزعوم يقينًا لأن الإنسان الجاد في الحقيقة ليس لديه وقت فراغ بالمرة ما دام يؤدي فرضه ويعمل عقله .

الأستاذ الأديب : محمد معمري ،

أنت تقدم لنا ما نحتاجه من لون قصصي متنام ، وإذا كان البعض لا يتعاملون معه كثيرًا إلا أنني موقن أن هذا لأننا فقدنا الوجهة التأدبية والتعامل مع أبنائنا بالصورة اللائقة.

ليتنا نتناول هذا اللون على منحيين :
الأول : أننا آباء وقيمين على أبناء .
الثاني : أننا أطفال. فإن استطعنا أن نكتشف الأطفال فينا رأينا العمل ، ورأينا أبناءنا .
وليتنا نرى العديد من الأعمال على هذا المستوى وهذا المنحى الرائع .

أتمنى أن تقبل احترامي وتقديري

مأمون

محمد معمري
18-02-2009, 02:57 PM
سرد له خطوطه ، وله رونقه ، وللغة مهارات بادية من حيث البنائية ، والتسلل برفق في الذائقة ، وحبك مميز في قصة توجيهية دافعة ، ومن الواضح فيها تركيز الكاتب على تقديم نموذج راق للطفل العربي ، أو بالأحرى يوجه طفلنا العربي إلى ما تقتضيه الفترة التي نعيشها ، والتي أزعم أننا نسينا أن نضع أبناءنا على الخط المستقيم للتعايش مع العصر منذ بداياته فصار ابننا يحتاج دهورًا ليلحق بأول الركب .

قد يأتي هنا من يرد بأن الطفل العربي يحقق النسب الأولى في الذكاء ، لكن الرد عليه بسيط جدًا يكمن في إهمالنا لهذا الذكاء وتطويعه إلى ما لا يفيد ولا يثمر .

من حيث البنائية نرى أن القاص يجيد استعمال القص وترتيب أوراقه عبر التسلسل الحدثي ليصل بنا إلى الغرض في النهاية بصورة تشويقية بارعة . إنه نمط قصصي نحتاجه جدًا بل ويجب أن نبثه إلى أبنائنا ليس للعبرة وكثرة الكلام ، بل لحثهم على البذل ، وكي لا نكون نمطيين خطابيين أقول : إذا كنا قد فشلنا لأننا حتى لم نتعامل مع قصص الأطفال منذ صغرنا فعلينا أن نوجه أبناءنا الوجهة الصحيحة وفق إمكاناتهم ووفق ما ينبغي ، وليس وفق إمكاناتنا نحن ووجهات نظرنا نحن ، فإن لم نستطع بحثنا لهم عن صنف من القصص ينميهم ، بل ونقرأها معهم لنتمكن من الفهم وتوصيلها لهم إذا احتاج الأمر ، لا أن نبسط له الحكاية على أنها للتسلية وشغل وقت الفراغ المزعوم ، وأقول المزعوم يقينًا لأن الإنسان الجاد في الحقيقة ليس لديه وقت فراغ بالمرة ما دام يؤدي فرضه ويعمل عقله .

الأستاذ الأديب : محمد معمري ،

أنت تقدم لنا ما نحتاجه من لون قصصي متنام ، وإذا كان البعض لا يتعاملون معه كثيرًا إلا أنني موقن أن هذا لأننا فقدنا الوجهة التأدبية والتعامل مع أبنائنا بالصورة اللائقة.

ليتنا نتناول هذا اللون على منحيين :
الأول : أننا آباء وقيمين على أبناء .
الثاني : أننا أطفال. فإن استطعنا أن نكتشف الأطفال فينا رأينا العمل ، ورأينا أبناءنا .
وليتنا نرى العديد من الأعمال على هذا المستوى وهذا المنحى الرائع .

أتمنى أن تقبل احترامي وتقديري

مأمون

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أخي الكريم مأمون أشكرك على اهتمامك ومشاعرك الطيبة، كما أشكرك على إلقاء الضوء على هذا النص من توضيحات وتنبيهات...
زادك الله من فضله...
مودتي وتقديري.