المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الروائي محمد جبريل


د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:00 PM
هذا ملف عن الروائي محمد جبريل يضم سيرة له، مع بعض ما كتبه، وبعض ما كُتب عن أدبه الجميل، بمناسبة يوم مولده.
أ.د. حسين علي محمد
............................................

*محمد لطفي جبريل.
*روائي وقاص.
*من مواليد الإسكندرية 1938م.
*خريج قسم اللغة العربية ـ كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية 1959م.
*عمل فور تخرجه بصحيفة الجمهورية، ثم المساء (دار التحرير للطبع والنشر).
*أنجزت عنه خمس رسائل ماجستير ودكتوراه.
*درست قصصه في عدد من الجامعات العربية.

مؤلفات محمد جبريل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال
12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 هيئة الكتاب
21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال.
41 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى.
42 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى.
43 ـ صيد العصارى ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى.
44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال.
45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة.
46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستاني.

***

كتب عن محمد جبريل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق.
2-دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق.
3-صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) ـ دار الوفاء بالإسكندرية.
4-فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ ماهر شفيق فريد ( دكتور ) ـ دار الوفاء بالإسكندرية.
5-محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ كتاب سمول.
6-استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر.
7-تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة ـ الطبعة الثانية 2004 ـ أصوات معاصرة
8-فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 ـ أصوات معاصرة
9-روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 ـ هيئة قصور الثقافة.
10-محمد جبريل: مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 ـ أصوات معاصرة.
11-سيميائية العقد فى رواية النظر إلى أسفل ـ عبد الرحمان تبرماسين ، العطرة بن دادة ـ2004 ـ أصوات معاصرة.
12-التراث والبناء الفنى فى أعمال محمد جبريل الروائية ـ سمية الشوابكة 2004 ـ هيئة قصور الثقافة.
13-المنظور الحكائي في روايات محمد جبريل ـ محمد زيدان (دكتور) ـ 2005 ـ أصوات معاصرة.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:01 PM
(2) نص قصصي لمحمد جبريل
-----------------------

حارة اليهود

مضى في قلب حارة اليهود، يميزه قامة أميل إلى القصر والامتلاء، ورأس مهوش الفودين، وشعر كثيف يفز من فتحة الجلابية، أعلى الصدر. بادي الصحة بما يلفت النظر. يعرفه المارة والجالسون، فهم يتقونه بإلقاء السلام، أو بالدعوة للضيافة، أو بعدم الالتفات. وثمة روائح غريبة. نفاذة – وإن ألفها - تأتي من داخل البيوت، ونجمة داود متداخلة في الأبواب والشرفات..
تمنى – بينه وبين نفسه - لو أن هؤلاء الجالسين في الدكاكين، الواقفين على النواصي، المطلين من النوافذ، تحرشوا به. شاكلوه مثلما فعلوا مع علي الصغير. ينهي المسألة بمفرده. يطيح فيهم بيديه. يفش الغل الذي يخنقه منذ سنوات. ليست المسألة في مشاكلة علي وإيذائه. يستطيع الوصول إلى الفاعلين. يترك لأصدقائه أمر تأديبهم. فلا يعودون إلى أذية الناس، أو يتركون الحي بلا عودة. الثأر شخصي، لا يقف عند فرد أو أفراد. يمتد إلى حارة اليهود كلها. ناسها وبيوتها ودكاكينها ومعاملاتها. أفلسوه في يوم وليلة. مهدوا لذلك سنوات، بالقروض والشيكات المؤجلة والبضائع الأمانة، ثم هطلوا كالسيل دفعة واحدة. أصبح دكان المصوغات والمجوهرات ملكًا لمن دفع السعر الأعلى. يسرع في خطواته إذا سار أمامه. يصعب عليه النظر، ولو بطرف عينه. الهَمُّ تصاعد داخله، ملأه، حتى تمنى الموت. لما جاء الولد علي يبكي الإهانة، قرر أن يصفي الحساب كله. يكون الدرس في حجم التأثير المطلوب، يعرف اليهود أنهم يسكنون الحارة، ولا يملكونها. من حق الناس أن يمشوا في الشوارع، والأزقة، دون خوف أذى.
هل ضربوا علي الصغير في خناقة بين أطفال، أو أنهم كانوا يعرفون أن الولد ابنه؟. سأله عن الأولاد: هل هم أصحابه؟.. وهل يعرفون من هو؟.. وهل تحرش بهم، أو ضربوه بلا سبب؟..
روى الولد – في مكانه – ما حدث: آذته المفاجأة أكثر مما آذاه الضرب. وجد نفسه وسطهم. أحكموا حصاره في حارة خميس العدس، وانهالوا عليه بالضرب القاسي، المتواصل، بالأيدي والأقدام والعصي الصغيرة، أنقذه مرور موظف بدار صك النقود. صرخ في الأولاد، فابتلعتهم البيوت والحواري الجانبية. أكد الموظف – لما سأله جعلص - كل ما قاله الولد علي..
أردف الرجل في تأثر:
- حتى الكبار لم يعودوا يأمنون على أنفسهم إذا ساروا في الحارة.
أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح:
- ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟
غالب الدهشة:
- كيف؟..
قال المأمور:
- كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم..
في عدم تصديق:
- ربما لم يعرفوا من أنت؟..
قال المأمور:
- والبدلة الميري؟..
- لعل الوسخ ألقي عفوًا، أو خطأ؟..
- والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ، والجالسين أمام الدكاكين؟..
وهو يضرب جبهته بقبضة يده:
- هذه مصيبة!..
دَلَّك المأمور بإصبعيه تحت أنفه:
- تكررت المصائب كثيرًا في الفترة الأخيرة..
أخلى وجهه للغضب:
- هل تأذن لي في التصرف؟..
قال الرجل وهو يعاني:
- أنا موظف رسمي.. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات.. أما أنت..
وعلا صوته:
- تصرف يا جعلص!..
لم يكن من الفتوات، ولا سَعَى إلى جعل الفتونة مهنته، شاهده الخواجة السائح في خان الخليلي. أعجب بصحته البادية. سأله عن مهنته..
قال:
- كنت صائغًا..
أضاف للتساؤل في عيني الرجل:
- أبيع الذهب والمجوهرات..
- وماذا تعمل الآن؟..
قال في بساطة:
- أفلست.. وأعمل الآن في حمل الخزائن..
مَطَّ الرجل شفته السفلى، وقال في إعجاب:
- مهنة مناسبة لمن هو في قوتك..
عرض أن يصوره في إعلان للبيرة الفرنسية، رفض في البداية، ثم وافق لما أقنعه الخواجة بأنه سيمسك كأس البيرة، ولن يحتسيه. ذكر الخواجة وهو يضغط على ساعد محمد العسال كلمة "مجانص". التقطها أبناء الحي الملتفون حولهما. حولوها إلى جعلص. صار اسمه – من يومها - محمد جعلص..
شارك في مظاهرات ثورة 1919م، وهاجم جنود الإنجليز في البارات، وفي الأماكن المظلمة، وفتح الطريق – أحيانًا - أمام موكب سعد زغلول، حين كان يفضل المشي بين الناس. لكنه لم يَخُض معركة، ولا حاول أن يجعل نفسه فتوة كباقي فتوات الأحياء. حشدوا الأعوان، وخاضوا المعارك، وفرضوا الأتاوات. دانت لهم السيطرة، واعترفت بها الحكومة، استعانت بهم أقسام البوليس في استعادة الحقوق الضائعة، والبحث عن المخطوفين والغائبين. حاول عنتر إدريس فتوة محمد علي، أن يمد سطوته إلى المناصرة وما حولها. ظن أنها بلا فتوة، فنشر أعوانه، ومضى يطلب الأتاوات وثمن الحماية، تصدى له محمد جعلص. استغاثت به جارة، أخذ أعوان الفتوة كيس النقود من يدها. لم يخض المعركة إلا بعد أن بصق الفتوة على رجائه بأن يعيد الكيس إلى المرأة "الغلبانة". سار في طريقه، والأعوان من حوله. اختطف جعلص الشومة بسهولة من يد الفتوة. أطلق عنتر إدريس صرخة ألم، وهو يعاني، فتأثير الضربة المباغتة - يخلخل ساقيه. لحقه في الموضع نفسه بضربة ثانية. تهاوى إلى الأرض بجسده العملاق، استغل جعلص المفاجأة، فطاح بشومته في الأعوان. تساقطوا جرحى، أو فروا. تعالت الزغاريد من النوافذ والمشربيات، ومن وراء الأبواب المواربة. عرف فتوات الأحياء الأخرى أن محمد جعلص هو فتوة المناصرة، وإن لم يمارس الفتونة، ولا سعى إلى التكسب منها.
عرض الكثير من شبان المناصرة، ومن مساعدي فتوات الأحياء القريبة، أن يعملوا معه. الفتوة يطيح بضرباته، والأعوان يتلقون الضربات. عيب أن تصل إلى الفتوة ضربة واحدة. تلك أصول الفتونة. اعتذر جعلص بأن إيراد دكانه يغنيه عن الفتونة، وعن العمل عند الآخرين. قال:
- سألجأ إلى أصدقائي إذا تورطت فيما لا أستطيع مواجهته بمفردي!
لم يبدل مشواره اليومي من المناصرة إلى حارة اليهود، يقضي يومه في الدكان، ويعود آخر النهار. ربما قضى ساعة في قهوة التجارة، يلتقي بشبان المناصرة، ممن لا تأذن التقاليد باستقبالهم في بيته، أو استقباله في بيوتهم، يشرب الشاي بالنعناع، ينصت إلى ذكريات قدامى الفنانين، يهز رأسه، ويدندن، لاختبارات آلاتهم، يرد بابتسامة على رأيهم بأن يستغل مظهره في عروض السيرك، أو في الفرق المسرحية..
قال للمعلم الحلو الكبير:
- كم سأتقاضى من العمل في السيرك؟..
لون الحلو صوته بنبرة إغراء:
- سأعطيك جنيهين كل ليلة..
وهو يطلق ضحكة من أنفه:
- إيرادي في الدكان يزيد على عشرة جنيهات.. فما يدعو إلى مرمطة نفسي أمام الناس؟..
مات ناجي العقيلي، صاحب الدكان الملاصق. اشتراه، وزاد في عمله. أغراه التجار اليهود بالذهب المستورد. قدموا له البضائع أمانة. وبالشيكات المؤجلة. اتسعت معاملاته وأمواله عند الزبائن، وزادت الثقوب فلم يستطع سدها..
انتظر حتى انصرف الشاب والفتاة من دكان عبد العظيم هريدي.
قال:
- اغلق دكانك الآن..
ثم وهو يشير بيده:
- وادع زملاءك إلى إغلاق دكاكينهم..
علا حاجبا عبد العظيم هريدي:
- لماذا؟..
قال محمد جعلص:
- بيني وبين سكان حارة اليهود ثأر.. سأصفيه..
قال هريدي:
- كل الحارة؟
- زادت التصرفات المجرمة.. فصار من الواجب تأديب الحارة كلها..
قال هريدي:
- بمفردك يا جعلص؟..
- طبعًا لا.. استقدمت مجموعة من بلدياتي في الصعيد.. فطنتهم على المسألة وما يجب عمله..
أدار عبد العظيم هريدي نظرات متلفتة وراء محمد جعلص:
- أين هم؟..
أشار بإصبعه:
- ينتظرون في ميدان الحسين..
غالب هريدي تردده:
- سأغلق الدكان وأظل معك..
هتف بعفوية:
- لا.. دكانك في دائرة سطوتهم.. ربما آذوك..
- هل تظن أني أتركك بمفردك؟..
أردف وهو يتهيأ للقيام:
- ما يجري عليك يجري على أصدقائك..
سد الرجال كل المنافذ المفضية إلى حارة اليهود، في الحسين وبيت القاضي والموسكي، تأكدوا من الأبواب الخلفية للبيوت والدكاكين والمخازن، فلا يفلت أحد..
حتى لا يتورط الرجال في جرائم، شدد عليهم، فلم يحملوا سوى الشوم والنبابيت. أخذ مطواة في يد متأهبة. ألقى بها داخل بالوعة. قال في لهجة محذرة:
- نريد التأديب لا القتل..
لما اطمأن إلى إغلاق مخارج الحي، أعطى الإشارة، وتقدم الرجال. سدوا الشوارع والحارات والأزقة بأجسامهم. أدرك فتوات اليهود ما ينتويه. أسرعوا بإغلاق الدكاكين والبيوت. أخذوا ما استطاعوا حمله، وخرجوا: شوم وعصي ونبابيت وسكاكين وخناجر. طاح فيهم بقبضته وشومته. علت الصيحات والصرخات والتأوهات، وانبثق الدم. تعالى الصوات من النوافذ والشرفات. فتحت الأبواب تستقبل الأقدام الملهوفة. لم يلحق الدكاكين دمار، ولا سرقت البضائع المعروضة. انهالت الضربات على الأجساد وحدها. من يسقط يرفعون عنه ضرباتهم. يتجهون إلى آخرين، أغلقت أبواب البيوت قبل أن يدخلوها، أو سحبوا من داخل الدكاكين. طاردوهم في أزقة الصاغة الضيقة. حرصوا أن تكون الضربات موجعة، وإن فطنوا إلى انتظام الأنفاس.
* * *
سحب كرسيًّا من ألبان المالكي، وجلس. أغمض عينيه، وتنفس الراحة. تصخب من حوله الدعوات والابتهالات والمدد والتسابيح ونداءات الباعة وأغاني الفونوغراف وصيحات المجاذيب ورائحة البخور والشواء والطعمية والسِّبَح وغزل البنات والبصقات والشتائم والضحكات والبكاء والزغاريد والبلد والجلابيب والملاءات والطرابيش والعمائم واللبد والأعلام والبيارق والسوارس والكارو ودقات النقرزان وتلاشى الظلال في شمس الظهر..
قال وهو يسند الشومة إلى الجدار:
- علقة. لن يعودوا بعدها إلى أذية الناس..
قال عبد العظيم هريدي وهو يتأمل جرحًا في مرفقه من ضربة خنجر:
- هل تظن ذلك؟..
"حد جه" بنظرة متسائلة. ضغط على شفتيه بأسنانه، يختار الكلمات. أطلق أف بآخر ما عنده، وسكت.
* * *
حاشية: الثابت – تاريخيًّا - أن محمد جعلص مات في أواخر العشرينيات. دخل في قدمه مسمار، وهو يسير – حافيًا - داخل بيته. أشار الطبيب الشهير علي باشا إبراهيم بضرورة بتر الساق، حتى لا تلتهم الغرغرينا الجسد كله. رفض محمد جعلص أن يحيا بجسد ناقص.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:02 PM
(3) اليهود بين الأنفوشي والجماليَّة
في قصص محمد جبريل

بقلم : أحمد فضل شبلول
......................

يدعونا محمد جبريل في مجموعته القصصية "حارة اليهود" الصادرة عن مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة في سبتمبر 1999، إلى التسلح بالوعي واليقظة والحذر، وإلى المقاومة وعدم الاستسلام، فاليهود يتربصون بنا، يتسللون من بين سكوتنا وخلافاتنا، ينتظرون اللحظة الحاسمة للانقضاض على الوطن والتهامه.
وفي سبيل ذلك يتوسل الكاتب بوسائل فنية عدة، من أهمها استخدام الرمز الشفيف، مثل السمانة في قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي". وهذه القصة على الرغم من قصرها فإنها تحمل معظم خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل، والتي من أهمها: 1 ـ الجملة التلغرافية أو الجملة القصيرة السريعة الموحية. 2 ـ الوصف، وخاصة وصف البيئة السكندرية، واستخدام مفرداتها الحياتية، ومفردات الطبيعة فيها. 3 ـ التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي. 4 ـ توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة.
ولنتأمل هاتين الجملتين على سبيل المثال: الصاري المرتفع الخالي من العلم، اكتفت (مجموعات السمان) بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها.
إن الصاري الخالي من العلم يدل دلالة أكيدة على ضياع الهوية. لقد وجدت السمانة أناسا بلا هوية، وبلا زمان محدد أيضا، فوجود العلم فوق سراي رأس التين، ربما كان يسهم في تحديد الفترة الزمنية، وهل هي قبل قيام ثورة 1952 حيث العلم المصري الأخضر يتوسطه الهلال الأبيض أيام الملكية، أم بعد قيام الثورة حيث تغير شكل العلم إلى ثلاثة ألوان: الأحمر والأبيض والأسود.
ويبدو أن الزمن لا يشكل أهمية كبرى بالنسبة للسمانة التي جاءت تستطلع المكان، ونفوس البشر، وتختبر عنصر المقاومة لديهم. وقد وجدت السمانة الفرصة مهيأة تماما لاستيطان قومها هذا المكان. فالمباني تآكلت ـ أي لم يعد لديها القدرة على المقاومة، إنها ستنهار مع أول صرخة ريح. والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال، دلالة إما على تعطل أصحابها عن العمل، أو انتهائهم من عملهم وانصرافهم إلى لهوهم ومتعهم. والوقت خريف حيث يخلو الشاطئ أو طريق الكورنيش ـ عادة ـ من المارة بعد انقضاء فصل الصيف وعودة المصطافين ـ والمستفيدين من وجودهم ـ إلى سابق أعمالهم، وتصبح المدينة خالية إلا من أهلها.
إن المكان السكندري، وهو رمز للمكان المصري بعامة ـ له وجوده الحي الملائم لهذه السمانة الرمز أيضا. فمحمد جبريل يحمل في وعيه هذا المكان ليس باعتباره الإسكندرية التي يحبها ويوظفها في معظم أعماله الإبداعية، ولكن يوظف المكان ـ الرمز ـ هنا باعتباره المكان الذي دلف منه الرومان إلى مصر بعد انتصار أوكتافيوس أغسطس على أنطونيوس وكليوباترا في موقعة أكتيوم البحرية سنة 31 ق.م، فكان احتلال الإسكندرية ثم مصر عام 30 ق.م، وهو المكان الذي دخل منه الفرنسيون في حملتهم على مصر في أول يوليه عام 1798، وهو أيضا المكان الذي دخل منه الإنجليز عام 1882.
لم يغب هذا التاريخ عن وعي السمانة، ولا عن وعي الكاتب التاريخي، لذا اختاره ليكون موقع الهجوم القادم لأسراب السمان التي جاءت من أوربا ـ مثلها مثل الغزاة السابقين ـ والتي غطت الشاطئ والشوارع والأزقة وأسطح البيوت، والشقق والدكاكين، حتى الكبائن المغلقة.
إن هذا الهجوم والاستيطان سيكون نقطة انطلاق الكاتب إلى قصة أخرى هي "حارة اليهود" التي حملت المجموعة اسمها، حيث نجمة داود المتداخلة في الأبواب والشرفات، مما يدل على دقة التنظيم والانتشار والنظام وحب العمل والكسب التي أشار إليها المؤلف في القصة الأولى. وكأن القصة الثانية التي دارت أحداثها في القاهرة، تأتي مكملة للقصة الأولى، وكأن محمد جعلص بطل القصة الثانية "حارة اليهود" يحقق رغبات الناس ـ في القصة الأولى ـ الذين تبين لهم أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، فمحمد جعلص اكتوى بنار القروض والشيكات المؤجلة وبضائع الأمانة التي أغرقه فيها اليهود، ثم فجأة هطلوا عليه كالسيل دفعة واحدة يطالبون بأموالهم، فأفلسوه في يوم وليلة. لقد انتهز محمد جعلص فرصة ضرب أطفال اليهود لعلي الصغير، وطاح ـ هو ومن معه ـ في سكان حارة اليهود بالشوم والعصي والنبابيت والسكاكين والخناجر. ويأتي سؤال عبد العظيم هريدي في هذه القصة ذا مغزى ودلالة عميقة. فعندما يقول محمد جعلص بعد انتهاء المعركة: "علقة .. لن يعودوا بعدها إلى أذية الناس". يعلق هريدي بقوله: "هل تظن ذلك ؟". إن هذا التعليق أو التساؤل لم يزل في حاجة إلى إجابة، مثله في ذلك التساؤل الذي ورد في القصة الأولى: هل يعد السمان نفسه لإقامة طويلة؟. وهنا تبرز خصيصة من خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل تتمثل ـ كما سبق القول ـ في: التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي.
ولعل المدقق في القصتين سيجد موقفا غريبا، أشرنا إليه إشارة سريعة في السطور السابقة، ولكن تؤكده قصة "حارة اليهود" تأكيدا باهرا وهو موقف رجال الشرطة من الأحداث. فمن خلال محتوى رمزي يشير المؤلف في القصة الأولى إلى أن أسراب السمان المهاجرة إلى الإسكندرية اكتفت بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها. ولم يشر المؤلف إلى أنه كانت هناك مقاومة من أي نوع، من جانب مأمور النقطة أو معاونيه، بل أنها أفرزت ـ من بين أسرابها ـ كل ما تحتاجه من جنود وعلماء وحرفيين وموظفين. وبالتأكيد كل هذا كان يتم تحت أعين رجال الشرطة في المنطقة. أما في القصة الثانية وبعد نجاح أسراب السمان في بناء حياتهم، وانتقال أحداث القص إلى القاهرة، فإن مأمور قسم الجمالية ـ صبحي أفندي منصور ـ لا يستطيع أن يفعل شيئا تجاههم، بل أنه أسرَّ إلى جعلص بأنهم يلقون عليه الوسخ من النوافذ وهو في بدلته الميري. ولنقتطع جزءا من الحوار الذي دار بين محمد جعلص والمأمور عندما ذهب جعلص يشكو للرجل ما حدث بين صغار اليهود وابنه علي:
(أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح:
ـ ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟
غالب الدهشة: ـ كيف ؟
قال المأمور: كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم ..
(جعلص) في عدم تصديق: ربما لم يعرفوا من أنت؟
قال المأمور: والبدلة الميري ؟
ـ لعل الوسخ ألقي عفوا أو خطأ ؟
ـ والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ والجالسين أمام الدكاكين ؟
(جعلص) وهو يضرب جبهته بقبضة يده: هذه مصيبة !
دلك المأمور بإصبعيه تحت أنفه: تكررت المصائب كثيرا في الفترة الأخيرة.
ـ هل تأذن لي في التصرف؟
قال الرجل وهو يعاني: أنا موظف رسمي .. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات .. أما أنت .. وعلا صوته: تصرف يا جعلص.
ترى لو تنبه رجال نقطة الأنفوشي إلى وجود السمانة الأولى، وإلى خلو الصاري المرتفع بسراي رأس التين من العلم، هل كان الأمر يصل في الجمالية إلى ما وصل إليه، وأوردناه منذ قليل.
إن فشل مقاومة الحملة الفرنسية في الإسكندرية، أدى إلى دخول نابليون الأزهر بخيوله، وفشل مقاومة الإنجليز في الإسكندرية، أدى إلى احتلال البلاد لمدة 72 عاما. وعدم طرد أول سمانة ألقت نظرتها المتأملة على مباني سراي رأس التين، شر طردة، أدى إلى إفلاس محمد جعلص (رمز المواطنين) ، وإهانة صبحي أفندي منصور مأمور قسم الجمالية (رمز السلطة المصرية) على هذا النحو الذي صوره محمد جبريل ببراعة في قصة "حارة اليهود".
وربما يعود السبب في عدم طرد أول سمانة ظهرت في الآفاق وحطت على الصاري المرتفع، إلى ما عرف علميا عن السمان، فهو ـ حسبما جاء بموسوعة الحيوان الإلكترونية / قسم الطيور ـ طائر نادرا ما يراه الناس، وتشبه الأنثى الذكر في الحجم، ويفضل عند الفرار أن يجري وسط المزارع أكثر من الطيران، ويطير لمسافات طويلة جدا أثناء الهجرة، ويعيش في أوربا وآسيا، ويهاجر شتاءً إلى منطقة البحر المتوسط وأفريقيا، ويوجد غالبا في المناطق العشبية والحقول.
هنا تبرز خصيصة أخرى من خصائص فن القص عند محمد جبريل، سبق أن ألمحنا إليها، وهي: توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة. ومن خلال المعلومات العلمية السابقة عن طائر السمان، نجد أن جبريل يبدأ قصته "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" بقوله: "بعد أن استقرت السمانة فوق الصاري"، وهنا يتحدث عن طائر السمان بأسلوب المؤنث، حيث لا يوجد فرق كبير بين الأنثى والذكر، وخاصة في الحجم، ولأن الصاري مرتفع فلم يبن على وجه اليقين أهو ذكر أم أنثى، وهو من خلال هذا العلو الشاهق لم يتبين منطقة الحنجرة التي تكون في الأنثى وردية اللون، ولعل استخدام الأنثى كمستطلعة في بداية القصة ثم مرشدة، يشير إلى أسلوب من أشهر أساليب اليهود في استخدام أو استعمال الأنثى أو المرأة في تعاملاتهم الحياتية (ومنها الدعارة على سبيل المثال). ثم إن هذه السمانة ألقت نظرة على الحديقة الواسعة برأس التين، وهو ما يتفق علميا مع أماكن وجود السمان في المناطق العشبية والحقول. ثم تفضيله لمنطقة البحر المتوسط في الشتاء، وها نحن الآن ـ أي في زمن القصة ـ في فصل الخريف، والشتاء على الأبواب.
لقد نجح محمد جبريل في هاتين القصتين في تضفير الواقعي بالرمزي، وفي الانطلاق من الرمزي إلى الواقعي، أو العكس، وهو كذلك في معظم أعماله الإبداعية بحيث يكسب القصة العربية القصيرة طعما مميزا، ووعيا متجذرا بالذات والموضوع. فتتحول الذات المنفعلة (محمد جعلص على سبيل المثال) إلى موضوع يكسبه دلالة واقعية وتاريخية على مر العصور.
أحمد فضل شبلول
الإسكندرية 15/6/2000

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:04 PM
(4) المرأة .. والأدب

بقلم: محمد جبريل
ــــــــــــــــــــــــ

ثمة تعريف للأدب النسائي بأنه كتابة عن المرأة تكتبها المرأة. وفي تقدير البعض أن ما تكتبه المرأة هو دائماً نسائي. ولا يمكنه إلا أن يكون نسائياً. وفي أحسن حالاته يكون نسائياً علي أكمل وجه. وفي العدد الأول من مجلة "فتاة الشرق" [1906] فرقت لبيبة هاشم بين الرجل الذي يكتب عن المرأة كما يعمل ويفكر. وبين المرأة التي تكتب عن نفسها كما تعتقد وتشعر. وقد دعت لطيفة الزيات النقاد إلي إظهار اهتمام أكبر بالكتابات التي تعبر بها المرأة عن المرأة. واكتشاف خصوصية الأدب النسائي العربي. فالمرأة - في رأيها - تتميز بخصوصية في كل ما تكتبه. وهي خصوصية تضيف جديداً وجميلاً إلي الأدب العربي. عبد الله أبو هيف يحدد محور أدب المرأة بأنه "فقدان الحرية. أو الشوق إليها. الحرية التي تعني تحقيق الذات. والانعتاق من قيود النفس والجسد والمواصفات الاجتماعية. والخلاص من التابو. ولوازم المجتمع القديم".
ويذهب عفيف فراج إلي أن الباعث الأهم علي الاهتمام بأدب المرأة. هو رصد وتتبع وعيها لذاتها كحرية مستلبة. وإرادة معطلة الوعي. لكونها قارباً مركوناً علي الشاطيء ينتظر الرجل/ الربان. ولا يسمح له بخوض الماء. ومطاردة التجربة. واستلال المعني. ثم قياس عمق هذا الوعي بشتي تدرجاته. ورصده في تفاعله مع محرضاته وإطلاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.
وثمة رأي مقابل انه لا يمكن ان نعتبر كل ما تكتبه المرأة أدباً نسائياً لمجرد ان الكاتبة امرأة. الكاتبة المرأة تتخذ الكتابة وسيلة للانضمام إلي التقليد الأدبي ذي المعايير الذكورية المصدر والتوجه. والامتناع عن استخدام السرد أداة للسيرة الذاتية للمرأة بما هي سيرة اضطهاد وعزلة. إنها تحاول التعبير من منطلق الكاتبة الانسان. لا الكاتبة المرأة. بمعني نسف الماهية النسوية. وبالطبع. فإن العامل المرجح هنا هو طبيعة مادة المضمون. أو طريقة المعالجة. وثمة اعتراض علي تسمية الأدب النسائي. من حيث انها تضع المرأة في دائرة الأنوثة. أو تقصرها عليها. وإسقاط الصفة الأعم وهي الانسانية.
بالنسبة لي. فإني أتحفظ - أعترف! - علي التسمية لأنها - بالتعميم - ستشمل أدب الرجال. وأدب الشيوخ. وأدب العمال. وأدب الفلاحين. وربما امتدت التسمية لتشمل أدب رواد المقاهي! المرأة حين تكتب عن المرأة. فإنها تكتب عن الرجل ايضاً. الرجل والمرأة وجها العملة. إن جاز التعبير. مشكلات أحد الجنسين تعني مشكلات الجنسين معاً. ومشكلات الجنس الواحد مقابلاً. أو تشابكاً مع. أو في موازاة. مشكلات الجنس الآخر.
ذلك هو نبض الكتابات الإبداعية منذ قصة "الأخوين" الفرعونية. والتي تعد أولي القصص في الأدب العالمي. وفي كل الأحوال - أو هذا هو المفروض - فإن مشكلات المرأة - في إطار العمومية - هي جزء من مشكلات الجنس والجماعة والطبقة والوطن. الأدب تعبير عن الانسان. وليس عن الذكورة والأنوثة. ذلك ما تنبض به كتابات إديث وارتن وبنت الشاطئ وبيرل باك وفرجينيا وولف وكاثرين مانسفيلد وسيمون دي بوفوار وآسيا جبار وإيريس مردوخ وأنجيلا كارتر وغيرهن. لقد مارسن الكتابة الإبداعية. عبر وعي بالهوية النسوية يتكافأ مع الوعي بالحداثة الأدبية. ولعلي أشير إلي قول نبيلة إبراهيم: "هنالك إبداعات المرأة تتجاوز المشكلة النسائية إلي كونها إنساناً. يعيش الحياة بأبعادها المختلفة. محتكة بالعالم الذي تعيش فيه. وترصد كل ما في الحياة من مشكلات وقضايا لتعبر عنها".
م.ج
Mlg- 38@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
*صحيفة "المساء الأسبوعية" ـ في 30/4/2005م

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:05 PM
(5) رواية "النظر إلى أسفل" لمحمد جبريل

بقلم: أ.د. حامد أبو أحمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(القسم الأول)
.............

"النظر إلى أسفل "، ليس مجرد اسم لرواية بل هو هنا ملمح في شخصية، ومع ثبات الملمح يتجاوز هذا السلوك دوره كمجرد تعريف بالشخصية ليصبح رمزاً لمعنى متجدد في الواقع كما في الأدب وهذا ما يتطرق إليه هذا المقال.
هذه ثاني رواية يصدرها الكاتب الروائي محمد جبريل خلال عام 1991، حيث صدرت له رواية "قلعة الجبل" عن دار الهلال بالقاهرة في بداية العام المذكور. وبذلك تضاف هاتان الروايتان إلى أعماله الروائية الأخرى التي نشرت خلال عقد الثمانينيات ومن أهمها "إمام آخر الزمان" و "من أوراق أبي الطيب المتنبي" و "قاضي البهار ينزل البحر". ويحاول محمد جبريل في بعض رواياته أن يستلهم التراث، لكنه في بعضها الآخر يركز على الهموم الخاصة والعامة للإنسان المعاصر بكل ما تحمل من آمال وآلام وإحباطات.
وهذه الرواية الأخيرة محاولة للكشف عن مسيرة الإنسان في مصر في فترة زمنية تبدأ من قيام ثورة يوليو 1952 تقريبيا وتنتهي بمقتل الرئيس السابق أنور السادات. ومن ثم تبدو هذه الرواية وكأنها سيرة ذاتية لبطلها شاكر المغربي. ولذلك تمضي هذه السيرة الروائية في خطين متوازيين: أولهما خط أحداث الحياة العادية لشاكر المغربي، وهي شخصية مأزومة كما سوف نرى فيما بعد، وثانيهما خط التعليق على الأحداث الجارية من قيام ثورة يوليو إلى الوحدة مع سوريا إلى نكسة 1967، إلى حرب 1973.. إلخ، فضلاء عن التحولات والأحداث التي تمت على امتداد ثلاثين عاما من عمر الثورة المصرية. وهذا الخط الثاني يلتزم فيه الكاتب عادة بالوقائع التاريخية على نحو ما نقرأ- مثلا- عن المؤتمر الذي عقده الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر قبل حرب 1967، يقول شاكر المغربي (ص 72): "عقد عبد الناصر مؤتمرا قال فيه: لدينا أعظم قوة ضاربة في الشرق، وفي قدرتنا محاربة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل. أعجبني رده على سؤال: صحتي جيدة، ولست "خرعا" كزعيمكم... ".
شاكر المغربي البطل المأزوم
هذه هي الشخصية المحورية في الرواية، وهي في الواقع الشخصية التي ركز عليها الكاتب تركيزا شديدا، حتى غدت كل الشخصيات الأخرى مجرد استكمال للأبعاد الدلالية لهذه الشخصية المحورية نفسها. فعماد عبدالحميد، وحسونه النقراشي، وعبدالباقي خليل، ومنصور السخيلي، وكلهم من أصدقاء شاكر المغربي، ماهم إلا شخصيات تدور في فلك الشخصية المحورية، حيث ترد للمناقشة أو للتعليق على الأحداث أو لتوضيح بعد من أبعاد شخصية شاكر المغربي، لكنها لا تدخل في بؤرة الصراع، ومن ثم فإنها تعد شخصيات هامشية. وينطبق هذا الكلام نفسه على الشخصيات النسائية. ولهذا سوف ينصب تحليلنا بالأساس على شخصية شاكر المغربي.
والحق أن محمد جبريل استطاع في هذه الرواية أن يبدع الشخصية المحورية التي تنطوي على الكثير من الأبعاد والدلالات، التي يمكن أن نوجز بعضها الآن في كلمات ثم نتوقف بعد ذلك عند عدد منها: فشاكر المغربي بطل مأزوم نفسيا وجنسيا، وهو شخص معزول ومحروم، وقد عانى من الفقر الشديد في بداية حياته ثم تحول إلى الثراء الفاحش، لكنه صعد ماليا ولم يصعد إنسانيا، وهذا بعد من أهم الأبعاد في شخصية شاكر المغربي لأنه ينطوي على مفارقة حادة، ثم إنه شخص منغمس في ذاته إلى أقصى حد، وفضلا عن ذلك فإن كل مواقفه تدل على السلبية واللامبالاة التي تميز بها قطاع عريض من المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة.
وتعود أزمة شاكر المغربي النفسية إلى نشأته في محيط أسري قلق ومتوتر وصل بأبويه إلى نهاية مأساوية يصفها لنا في بداية الرواية على النحو التالي: "غاب الاثنان عن حياتي في ظهر لا أنساه. كان الجو شديد الحرارة، وأمي تعتب على أبي أشياء لم أتبينها. علا صوتها فعلا صوته، وانهال عليها بفتاحة كتب في يده، حتى هدأت، وهدأ". وبالطبع كان مصير الوالد السجن، فعاش شاكر المغربي طفولته وحيدا ومعزولأ ليس له من الأقارب إلا خالته، التي رأت أن تنقله ليقيم مع أسرتها، لكنه قرر أن يظل بمفرده في شقة والديه في الإسكندرية.
ومن هذه اللحظة تبدأ حياة طفل يصارع أمواج الحياة العاتية بمفرده. ساعدته خالته ماليا حتى شب عن الطوق ثم قالت له: "لقد كبرت ياشاكر.. فحاول أن تعتمد على نفسك" (ص 7). فكان أول شيء فكر في بيعه هو مكتبة أبيه بعد أن كان قد قرأ معظم ما ضمته من كتب. ثم بدأت معرفته بصديقه عماد عبدالحميد الذي كان يأتي إليه من شقتهم في الطابق الأعلى بوجبة الغداء. وتمضي الحياة بشاكر المغربي حتى التحق بمعهد ليلي يطل على ميدان سانت كاترين، وفي الوقت نفسه أخذ يعمل في ثلاثة أماكن: مخازن البنداري في السكة الجديدة، المعلم سيد الزنكلوني تاجر المانيفاتورة، مركز الشباب بمدرسة ابراهيم الأول الثانوية (ص 12). وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه أ يكن شخصا خاملا، وأنه استطاع أن يتغلب على الكثير من الصعوبات والمعوقات حتى صار من كبار الأثرياء، لكنه بالرغم من كل ذلك ظل في أزمة نفسية أوصلته كذلك إلى أزمة جنسية جعلته يدمن الاستمناء. وهذا أيضا شيء مفارق ويتناقض مع شخصيته: ذلك لأنه لم يكن عاجزا عن إقامة أية علاقة مع المرأة، ونلحظ ذلك من سرعة تعرفه على سوزان النجار في المعهد الليلي، ثم علاقاته النسائية الكثيرة فيما بعد.
........................
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:06 PM
(القسم الثاني)
............

النظر إلى أسفل وعنصر المفارقة
في رأى أن هذا الجانب يعد من أكثر جوانب الرواية تعبيرا عما يريد الكاتب أن ينقله إلينا. فشاكر المغربي على الرغم من نشأته المعدمة يحلم بالثراء، ويجتهد من أجل الوصول إلى هذا الهدف، وحين يتحقق له الثراء فعلا يظل ينظر إلى أسفل. وهذا النظر إلى أسفل (وهو عنوان الرواية) له مستويات متعددة منها المستوى الواقعي حيث تظل أفعاله وتصرفاته كما هي لم تتغير قيد أنملة: يندفع في الحوار والمناوشة مع زوجته نادية حمدي لأقل إثارة على النحو الذي كان يفعله أبوه مع أمه، يمارس عادته القبيحة "الاستمناء"، تظل علاقاته وصداقاته القديمة كما هي، على الرغم من أن تحولات الثروة تحدث في العادة تحولات في العلاقات البشرية، أما على المستوى الرمزي فإن شاكر المغربي يظل على عادته القديمة في النظر إلى قدمي المرأة وهي عادة تأصلت عنده لأسباب واقعية يذكرها على النحو التالي: "حرص أمي على نظافة قدمي. تطالبني- عقب كل مشوار- بضرورة غسلهما. أم جابر الغسالة، يلذ لها أن تداعب بطني وأنا نائم بقدمها. مدرسي في العطارين الإبتدائية كان يأمر التلاميذ أن يخلعوا أحذيتهم وجواربهم ويضعوا أقدامهم على الأدراج. وبقطعة خشب منتزعة من أرضية الحجرة ينهال على أقدامنا. يتعالى الصراخ والبكاء وعبارات الاسترحام. وكان شعوري يختلف تماما. الضرب على قدمي يؤلمني. مع ذلك يشوب الألم لذة، يرتجف لها جسدي وأحبسها" (ص 23). وعلى الرغم من هذا الأصل الواقعي هذه العادة إلا أنها ظلت تتنامى حتى أخذت في الرواية بعدا رمزيا له أيضا دلالاته النفسية المفارقة، كذلك فإن هذه اللذة التي كان يحس بها في طفولته عمد ضرب قدميه سوف تصبح واقعا نفسيا يعيشه باستمرار تجاه المرأة. من هنا تتلاقى الأبعاد الواقعية والرمزية والنفسية كي تشكل في النهاية مجموعة من الدلالات الغنية المليئة بالإيحاءات: فالنظر إلى أسفل هو رمز السقوط المتواصل، وهو رمز الإحباط النفسي على الرغم من النجاح المادي، وهذا الرمز يمكن أن ينتقل كذلك من الخاص إلى العام ليشكل رمزا لإحباط المسيرة بشكل عام منذ بداية الثورة في يوليه 1952 حتى الآن. ثم هناك في هذا الجانب ما يمكن أن نسميه بالأمثولة Alegoria وهو لجوء الكاتب إلى عنصر تمثيلي لإبراز فكرته: فالقدمان والنظر إليهما تمثيل واقعي لفكرة الهبوط أو النظر إلى أسفل بصورة مستمرة. والتوازي بين الشخصية والأحداث العامة يصنع أيضا توازيا على مستوى الدلالة: فلا يحدث للشخصية يتوازى مع ما يحدث في الحياة العامة. ومن ثم نقرأ في الرواية تعليقات محددة على أوضاع بعينها جرت خلال المرحلة التي تعلق عليها الرواية أولها امتدادات حالية. يقول شاكر المغربي عن طبيعة العمل في شركات القطاع العام: "شركة القطاع العام تتنازل عن عملياتها لشركات الأفراد، الهدايا والعمولات الشخصية تضاف إلى العمولات الرسمية التي تتقاضاها الشركة، متعهد الأنفار يأخذ الفارق دون عناء، واستخدام مقدم المقاولة في مشروعات أخرى، في مناطق غير التي تعاقدت على التنفيذ فيها" (ص 41).
مواجهة.. أم هروب دموي؟
وتصل درجة المفارقة إلى ذروتها في المشهد الأخير من الرواية وهو إقدام شاكر المغربي على قتل زوجته نادية حمدي في لحظة تشبه إلى حد كبير اللحظة التي قتل فيها أبوه أمه. وهي لحظة ذكرتني بمشاهد القتل المجانية التي نجدها في رواية "عائلة باسكوال دوارتي" للكاتب الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا (نوبل في الآداب 1989) حيث كان يبدو القتل في كثير من الأحيان وكأنه غير مبرر أو كأنه نوع من التحقق الموضوعي للأزمات النفسية والإحباطات على مستوى الواقع. وهذا ما أميل إليه أكثر خاصة في هذا المشهد الأخير بين شاكر المغربي ونادية حمدي: فالحوار بينهما الذي أنتهى بقتل الأخيرة لم يزد على كلمات ندت عنها بدت فيها تعيره بعجزه الجنسي (بسبب عاداته التي لم يكف عنها حتى بعد الزواج) وقلة أصله فما كان منه إلا أن تناول المسدس وأطلق عليها رصاصة ثم أغمض عينيه وتنهد مرتاحا، ثم كانت نهايته في السجن مثل نهاية والده. إن هذا المشهد يذكرني أيضا بالتراجيديا اليونانية التي يكون فيها الموت قتلا بمثابة قدر محتوم يمتد من الآباء إلى الأبناء. وأرى أننا لكي نفهم هذا المشهد جيدا لابد أن نعود إلى السطور الأولى في الرواية؟ لأنها تقدم لنا المبرر الصريح لما حدث. تقول: "وقف كلانا في نقطة الصفر، وطرح القرار نفسه: أن يغيب أحدنا من مواجهة صاحبه.. لم تكن نادية حمدي ممن يتنحون عن الطريق بسهولة. البراءة الظاهرة تضمر عنادا، بوسعك أن تتعرف إليه إذا حدقت في وحشية عينيها. كان الجنون نهاية أتوقعها، وأخشاها، إذا لم تصل الأمور إلى ما انتهت إليه. لم أكن بلا أصل- الصفة التي أطلقتها نادية حمدي- فحدث ما حدث".
كان مقتل نادية حمدي إذن بسبب جملتين: جملة تعيره فيها بعجزه الجنسي، وجملة أخرى تعد. فيها بأصله. وكما هو واضح فإن الدلالات المبثوثة على امتداد الرواية تتركز وتتكثف في هذا المشهد وكلها تقوم على المفارقة الشديدة: فالمفروض أن شاكر المغربي الآن في حالة استقرار مادي يحسد عليه، الكن بداياته مازالت تطارده وأزماته النفسية والجنسية والحياة القاسية التي مرت به، كل هذه الأشياء تقف حجر عثرة أمام تحقيق سعادتها. إنه لم يصعد إلا في الجانب المادي فقط أما الجوانب الأخرى فقد ظلت على حالها بلى تحولت إلى أشباح تطارده وتقض مضجعه. وقد نجح محمد جبريل نجاحا كبيراً في تجسيد كل هذه الجوانب وقدم لنا نموذجا للشخصية المتأزمة المحبطة الناظرة دائما إلى أسفل على الرغم من مظهرها الخارجي الذي ينم عن العافية والثراء والفتوة. فهل يريد محمد جبريل أن يقول إن كل مظاهر الثراء غير العادي التي نشهدها الآن مجرد مظاهر خادعة لا تدل على تقدم ولا تصنع تقدما؟ ربما، فالرواية في الواقع تحتمل الكثير من القراءات والتأويلات.
شخصيات ودلالات فنية
وإذا كانت شخصية شاكر المغربي تمثل الشخصية المحورية- كما ذكرنا- فإن الشخصيات الأخرى بالرغم من هامشيتها تأخذ حيزا معقولا فنادية حمدي، على نحو ما رأينا، هي الشاهد الذي يذكره دائما بعجزه وتدنيه وإحباطه، وعماد عبدالحميد، وحسونة النقراشي، ومنصور السخيلي وآخرون يعيشون في عالمه، ويشاركونه أتراحه وأفراحه ويقدمون رؤاهم للأحداث المحيطة بهم جميعا. ولكني أرى أن شخصة عبدالباقي خليل هي أكثر هذه الشخصيات جميعا خصوصية وتميزاً فإذا كانت كل الشخصيات، بمن فيها شاكر المغربي، غارقة في همومها الخاصة، وبعضها، على نحو ما رأينا في الشخصية المحورية، يعاني من أمراض نفسية وجنسية، فإن عبدالباقي خليل هو الشخصية الوحيدة ذات الملامح الواضحة، التي تسعى إلى هدف واضح. فقد تعرف عليه شاكر المغربي في مسجد العطارين ووحد منه تشجيعا له على أداء الصلوات ومذاكرة آيات القرآن الكريم والأحاديث وتعاليم الدين. وهو- أي عبدالباقي- يرتدي جلابية بيضاء، ويغطي رأسه بطاقية، ويدس قدميه في بلغة. ويعجب بحسن البنا، والهضيبي، وعودة، وسيد سابق . . إلخ (ص 91). إنه نموذج للشخصية الأصولية التي عرفتها مصر والمنطقة العربية طوال العقدين الماضيين ومازالت أحلام أفرادهم وطموحاتهم تتجاوز الواقع الخاص وتنزع إلى إقامة الدولة الإسلامية على طول المناطق العربية والإسلامية. ويلاحظ كذلك أن هذه الشخصية، بالرغم من أهميتها، لا تدخل في حياة شاكر المغربي إلا بمقدار ما تكون توضيحا لجانب من جوانبه، وإلقاء للضوء على بعد من أبعاد شخصيته الغنية بالدلالات.
جوانب تقنية
إن محمد جبريل روائي متمرس، وهو يعلم أن الفن الروائي الآن لم يعد يعتمد على السرد الزمني المتلاحق للأحداث، بل يميل إلى ضرب من التعقيد والتشابك وتوظيف مجموعة من الوسائل التي تساعد في إبراز الحدث وتطويره بصورة تتواءم مع ما شهده هذا الفن من تطور منذ نهايات القرن التاسع عشر (في أوربا) حتى الآن. ومن ثم نجد محمد جبريل يلجأ إلى تقطيع الزمن وتفتيته ونقله نقلات سريعة. وليس أدل على ذلك مما ذكرناه من أنك لكي تفهم المشهد الأخير حق الفهم لابد أن تعود إلى قراءة الصفحة الأولى من الرواية. لقد لجأ الكاتب إلى بناء دائري، وربما زمن دائري للرواية، يبدأ من نقطة الذروة أو الخاتمة ثم يمضيى في خطين متعاكسين يعود كل منهما من جديد إلى النقطة الأولى.
كذلك فإن الكاتب استخدم تقنية الاسترجاع بشكل موسع، ووضعها في غالب الأحيان، في خط أكبر من الخط (أو البنط) الذي كتبت به الرواية. وإن كان هذا الجانب الشكلي لم يضبط بالصورة المطلوبة ومن ثم حدث فيه بعض الخلل.
ولعل أهم نجاح أصابه المؤلف في هذا الجانب هو أنه استطاع أن يحافظ على هذا الخط الشكلي في تقطيع الزمن ونقله نقلات سريعة والعودة مرة أخرى إلى الوراء على الرغم من أن الرواية تمضي أيضا في خط تاريخي، يبدأ- كما أسلفنا- من ثورة 23 يوليو وينتهي بموت الرئيس السادات. فهذا الخط التاريخي ربما كان يفرض على المؤلف أن يلتزم تسلسلا زمنيا صاعدا يبدأ من نقطة معينة وينتهي عند نقطة معينة، لكنه، والحق يقال، استطاع أن يتغلب على هذه المشكلة، وقدم رواية تتحدد نقاط السرد فيها بحدود وظيفية تتجاوز أهداف السرد التقليدي للأحداث.
وفي النهاية ينبغي أن نتوقف وقفة قصيرة عند لغة محمد جبريل التي لا تختلف كثيرا عما ألفناه في رواياته السابقة: فهي لغة موجزة، مكثفة، تحاول أن تصل إلى المعنى من أقرب الطرق، تتجنب التفاصيل والهوامش المخلة، توحي بأكثر مما تعين. وكان من نتيجة ذلك أننا لم نعثر على مشهد جنسي واحد يمكن أن يوصف بالإثارة أو المباشرة على الرغم من كثرة المشاهد الجنسية في الرواية. وكما أسلفنا فإن البطل مأزوم جنسيا، وربما يكون الجنس هو الدافع الأول في قتله لزوجته، لكن محمد جبريل عرف كيف يجعلنا نلمس الأثر ولا نلمس المؤثر. إنه يضع أيدينا بلغة مرهفة إيحائية على الآثار التي أحدثتها الأزمة الجنسية في شخصية البطل حتى جعلته ينظر إلى أسفل بصورة مستمرة. وربما يكون هذا الجانب أيضا من أهم الجوانب في عدم استمتاعه بحياته الثرية المترفة.
إن شخصية شاكر المغربي غنية بالإيحاءات والدلالات، وهي وإن كانت تعد تعبيراً عن أزمة خاصة فإنها كذلك تعبر عن الأزمة العامة التي تترصد المجتمع كله. ونحن نعتقد أن الكاتب مطالب الآن، أكثر من أي وقت مضى، بأن يتتبع مسار هذه الشخصية في حقبة الثمانينيات وحتى الآن، ومن المؤكد أنه سوف يقف عند أبعاد ودلالات أخرى كثيرة.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:10 PM
(6) من المحرر

مقالة لمحمد جبريل
................

الاستبيان الذى أثبت تذيل القناة الثقافية المصرية للقنوات المتخصصة ، ليس إدانة لهذه القناة ، ولا هو مما يفرض الإحساس بالتقصير على العاملين فيها ، لكنه إدانة لواقعنا الثقافى بعامة .
من الصعب ـ بل من غير المتصور ـ أن نطلب للقناة الثقافية تزكية المشاهدين ، بينما مؤشر التليفزيون يبحث عن الأغنية والرقصة والفقرة المسلية .
والمشكلة التى يعانيها الكتاب أن الخط البيانى لمبيعاته فى هبوط مؤكد ، وهو ما توضحت أصداؤه فى تحول العميد نجيب محفوظ إلى ناشر آخر ، بدلاً من ناشره الذى ظل يتعامل معه أكثر من ستين عاماً . السبب المعلن أن الناشر الأول لمحفوظ شكا من تدنى حجم مبيعات كتبه !
والنظرة المتأملة لمجلاتنا الثقافية تلاحظ غيابها عن قراء الصحف ، ربما لإدراك الباعة أن قراءها قلة ، فهم يدسونها وسط كومات الجرائد والمجلات وشرائط الفيديو ، ويظهرونها فحسب عند الطلب . ولعلهم يعتذرون عن تسلمها باعتبارها بضاعة كاسدة . والحقيقة التى ترفض المكابرة أن مجلاتنا الثقافية بلا تأثير إيجابى فى حياتنا ، وهو التأثير الذى تحققت له معالم مهمة فى رسالة الزيات ، وثقافة أحمد أمين ، ومجلة سلامة موسى ، وكاتب طه حسين ، ومجلة يحيى حقى ، وفكر زكى نجيب محمود المعاصر .
اقتناء القارئ للجريدة أم جنيهين ، وانصرافه عن مجلات ثقافية مهمة تقل فى ثمنها عن هذا المبلغ ، تعبير عن حياة اجتماعية تستلذ الأخبار الطريفة ، وأخبار الفضائح . حتى الطبقة المثقفة قد يفضل أحد أفرادها دفع عشرات الجنيهات فى دعوة مجموعة أصدقاء لمشاهدة فيلم للزعيم أو هنيدى أو بوحة !.. ولا يدفع بضعة جنيهات مقابلاً لكتاب ذى قيمة !
وندرة جمهور الندوات الأدبية ، ظاهرة سلبية أخرى تحتاج إلى المراجعة . الغريب أن الأمسيات الشعرية والمؤتمرات الثقافية والأدبية فى الأقطار العربية ، تضيق القاعات بجمهورها . الوجه الآخر للغرابة ، أن المؤتمرات التى ينظمها المجلس الأعلى للثقافة تمتلئ بالجمهور فى الجلستين الأولى والأخيرة ، وما بينهما مقاعد فارغة ، وجمهور قليل يتثاءب !
الأزمة أعقد من أن نجرى حولها استبيان ، يكتفى بالأرقام التى قد لا تعطى مدلولاً حقيقياً .
القناة الثقافية المصرية بعد فى حياتنا المعرفية التى تضم أبعاداً أخرى ، تعانى الأزمة نفسها ، ومنها الكتاب والصحيفة . حتى الصفحات الأدبية تلغى لبواقى مواد أو لإعلانات . إنها ـ للأسف ـ صفحات احتياطية .
ما تمثله القناة الثقافية من قيمة مهمة ، يفرض علينا الحفاظ عليها ، كجزء من حفاظنا على قيم الثقافة فى حياتنا . إنها ـ مثلها مثل كل المواقع الثقافية ـ تمثل خطاً أولاً للدفاع عن هويتنا ، ومعنى حياتنا .

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:11 PM
(7) خمس قصص قصيرة جدا، للقاص الكبير محمد جبريل
.................................................. ....

(1) لحظـــــــة

أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس. ربما تأملت وجهها، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها الشعرة قافزة في الغابة السوداء خلف الأذن ..
غالبت مشاعر متباينة، وإن غاب معناها الحقيقي. دارت بإصبعين كدوامة، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً. تأكدت من البسمة التي لم تكن تغادر شفتيها ..
غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
ثم بخطوات أسرع ..

***

(2) ثــــــــأر

أحاطت بساعديها الطفلين ، واستندت إلى الجدار ..
قال فى لهجة مشفقة :
ــ لا شأن لك ولا للطفلين بما حدث ..
قالت فى خوفها :
ــ لكنك قتلت أباهم ..
ــ إنه ابن عمى أيضاً .. وقد نلت ثأري منه ..
أضاف فى لهجته المشفقة :
ــ لا شأن للطفلين .. سيأتون إلى بيتى ليكونوا فى رعايتى .. فأنا ابن عم أبيهم ..
اتسعت عيناها بالخوف .. والدهشة ..

***

(3) أصداء

ألقى الرجل أوامره ..
قال لنا :
ــ لا تشغلوا أنفسكم .. فالقيادة مسئولة عن كل شئ !..
كنت أعبث بالمقعد تحتى ، أكور الإسفنج ، وأقذف به إلى الأرض ..

***

(4) محطـــــة

صعدا فى المحطة نفسها . واحد من الباب الأمامى ، وواحد من الباب الخلفى . وقفا أمام المقعد الوحيد الخالى ..
قال الأول :
ـ من مواليد كم ؟
قال الثانى :
ـ 22
قال الأول :
ـ أنا من مواليد 21
قال الأول :
ـ أنا أكبر منك ..
قال الثانى :
ـ إذن من حقك أن تجلس ..
وأخلى له الطريق .

***

(5) الثورة

حين وصل إلى نهاية الرواية ، كان مصير الفتاة يشغله تماماً . بدا الظلم أشد مما يستطيع احتماله ، كأنه الموت ، أو أقسى ..
أغلق الكتاب بعنف ، ونزل إلى الطريق ..

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:12 PM
(8) قصيدتان من محمد جبريل

شعر: د. حسين علي محمد
............................

1-نبوءة عراف مجنون
...............................
(في يوم مولدي التاسع والعشرين)

-1-
* قال العرَّافُ لزيْدٍ: تحملُ شمساً فوقَ الرَّأسِ وتُخرِجُ ذات صباحٍ من سرَّتِكَ النورَ، وتبسمُ، ساعتها سوف تُدحرِجُ في زَبَدِ "المتوسط" حُزنَ العُمْرْ.
"بُرجُ الثورِ" يدورُ، وأنت تُضاجعُ حزنَكَ، تدخلُ في رحلاتِ الكشفِ الباهرةِ، وأنت تُغنِّي، ترقصُ في وَهَجِ الشمسِ، وتصنعُ منْ شعرِكَ أفراساً تركبُها في المعمعةِ، وتُطلقُها من مدن الحلمِ، وتصعدُ طبقاً عنْ طبقٍ، تجتازُ الوهمَ، فأنت الحرفُ الصاعدُ من خاصرةِ الريحِ، وأنت الجمرةُ في ليلِ الثلجِ، وأنت الفرسُ الأشهبُ في عرسِ النشوةِ، أنت النجمُ الواعِدُ ببزوغِ الفجرْ
أنت النافخُ سرَّ الصحوةِ، هذا جسدُ البلدِ الميتِ يصحو مع دفقاتِ الريحِ، وهذا جسدُ العاشقُ ـ يا شيخي ـ .. يهفو للراياتِ الخضرْ
خذني خلفكَ، أنقذني منْ يمِّ الصحفِ السوداءِ، ودعني أركبْ قاربَكَ القزحيَّ، وأضحكُ لليمِّ .. أُدحرجُ حزني في قاعِ البحرْ

-2-
سمعوا ما قالَ العرَّافْ
ضحكوا والوجهُ الخائفُ يُلقي كرةَ الماءِ على الأعرافْ


-3-
*ألقَوْأ زيْداً فوقَ ترابِ مدينتِنا الصامتِ، أبصرتُ الخنجرَ في الظهرِ، وأبصرتُ الجسدَ الفارعَ مرميا في حاراتِ الخوفِ، وجيشُ ذبابٍ يلهو فوقَ الجسمِ، وعرّافُ مدينتنا يصرخُ:
في الليل رسمتُكَ،
في الأبواقِ نفختُكَ،
رغم الهذرِ الحانقِ يصعدُ نجمُكَ يا لؤلؤةَ العصرْ
*حدَّقتُ بعينيْكَ المبصرتينِ فأبصرتُ الأشجارَ تميلُ من الأثمارِ، وأبصرتُ النهرَ يفيضُ ويمنحُنا الخيْرَ، وأبصرتُ النسوةَ في زمنِ العقمِ يلِدْنَ رجالاً وبناتٍ ممشوقاتِ القدِّ نحيلاتِ الخصرْ
*و"بهيةُ" تصحبُ ياسينَ وتمضي، والقلبُ يُشعُّ بنورِ الحبِّ على الأحياءِ، وتصطخبُ الأشياءُ ويضربُ دفُّ الفرحةِ، تنطلقُ زغاريدُ النسوةِ في الدور المنخفضةِ، والأطفالُ أراهمْ ينسلُّونَ من الدُّورِ ويجرونَ .. يجيئونَ، يقولونَ حكاياتٍ عنْ نجمٍ يبزُغُ، يمنحُهم دفءَ الوعدِ ووهَجَ الشعرْ
-4-
*"زيدٌ" مات صباحاً، والعرّافُ الثلقبُ كان يُغنِّي قبل سويعاتٍ: "في الليلِ المظلمُ يصعدُ نجمُكَ في أعلى عليينْ !"
*.. ويدقُّ السورَ، ويُلقي للأفواهِ المشدوهةِ حباتِ الحنطةِ، وثمارَ البلحِ الأحمرِ، وحفاةُ الأرضِ يدقون الأرضَ، تدقُّ الأجراسُ، وتشتعلُ الأرضُ بنارِ الغضبِ وتسري في الأوردةِ دماءُ التكوينْ !

ديرب نجم 5/5/1979
***


2-الخيـــــــوط
....................

(1)
كان ترامُ مدينتنا يمشي في الليلِ بطيئاً يتثاقلُ كالسيدةِ الحاملِ، وجباهُ الخلقِ تغوصُ ببحرِ العرقِ اللزجِ، وأجسادُ النسوةِ تلتصقُ، وتختلِطُ روائحُها: رائحةُ الإبِطِ، وكولونيا باريسَ، وعطرُ المرأةِ، وأنا ..
ألصقُ صدري في صدرِ امرأةٍ، فتُعنِّفني عينا رجلٍ ممصوصٍ، ويبسمل، ويحوقلُ، وعلى السلمِ رجلٌ يُرقصُ قرْدتَهُ، ويُغني ـ واللحنُ ذبيحٌ في الحلْقِ ـ
:"أتعرفُ من نحنُ ؟ لقد كنا في يومٍ ساداتِ العالمِ، كنا في يومٍ من فجرِ البشريةِ نعبرُ هذا البحرَ الأحمرَ، نبني الأهراماتِ ونحمي الأديانَ، نُقيمُ الصلواتِ، وكم أعطينا ! .. من أورثني هذا الفقرَ .. وهذا الذلَّ .. فسالَ دمي .. وبدون ثمنْ!"

"في طُرقاتِ الأحجارِ الصلدةِ أمشي
وتفيضُ الأرضُ جفافاً
جوعاً
قهراً
خوفاً
وتفيضُ الأرضُ وتمنحُ مغتصبيها
قمحاً
ونبيذاً
وجسوماً غضَّهْ
وعطوراً باريسيَّهْ
ونهوداً من مرمرْ
منْ يمسحُ عنِّي قهري؟
منْ يمنحني لحظةَ دفءٍ وسعادهْ؟
والدميةُ تلهو في صدري، وتُحدِّثني ..
عاشتْ عمراً بالطولِ وبالعرضِ،
وفاضتْ لحظاتي
قهراً
خوفاً
جُبناً
أبعدْتُ الوجْهَ (فهذا وجْهٌ منْ صلصالٍ
يختلطُ الشعرُ / الموجُ بصدرِ الرجلِ الأصلعِ
يبسمُ منتَشِياً، فتتمتِمُ
"وجدوني وقتَ بزوغِ الفجرْ
لما مزَّقَ ضوءُ القمرِ الشاحبِ أرديةَ الظُّلمهْ
في ذيلِ الشهرِ)، مفاجأةٌ تحتَ الحائطِ
(وجدوني حيا أتكلَّمُ،
وعروسٌ من صلصالٍ في حضنيَّ)
كنا نفترشُ الرملَ، ونضحكُ
والعينانِ تروغانْ
والوجهُ الأبيضُ مصبوغٌ بالحمرةِ
والنهدُ المكسورُ يُحاورُني
(من جعلَ الأرضَ الخصبةَ لا تُعطي غيرَ الأطفالِ الجوفْ؟)

(2)
وَمَضَ البرقُ الليلةَ
فابتلَعَ الضوْءُ تُرامَ مدينتِنا الأملسَ
وتعرَّى جسدي المنخورُ
وكانتْ ساقي المبتورةُ تتدحرجُ قُدَّامي
والنسوةُ يجرينَ ويهبطْنَ، ويبسمْنَ
وساقي مبتورهْ
أرفعُ رأسي للنورِ، وأضحكُ
أصنعُ منْ نغمي قُدْساً
(كيفَ سألحقُ بالفاتنةِ) وأرقُصُ
يتشرنقُ هذا الجمعُ
وقُدامي تمثالٌ آخرُ من صلصالٍ
ينحسرُ الثوبْ

حرسُ الجامعةِ الليلةَ
أخرجَ أسلحةً ما كانتْ تخرجُ
فتدفَّقَ نهدا "سلوى" باللبنِ
وشرِبَ الجمعُ
انكبَّ الشرطيُّ على النهدِ المتكلِّمِ
أخرسهُ بالسونكيِّ،
وظلَّ يُطاردُ "سلوى"
برصاصاتٍ في الجِيدِ
وسونْكيٍّ في الصَّدْرْ

(3)
اختفتِ الفرحةُ منْ وجهي
بعد ثَوانٍ منحوني ديناراتٍ نفطيَّهْ
عُدتُ أُغنِّي للشرطيِّ بصوتٍ يتسربلُ في الفرْحِ اللونيِّ،
ويملؤ هذي الحافلةَ المكتنزةَ باللحمِ البشريِّ

وكان رصاصٌ أرعنُ ..
يقتُلُ هذا الفرحَ المرسومَ على الأوجهِ
فتراني أصرخُ في صوتٍ يتلوَّنُ بالوطنيَّةِ:
كُفُّوا
حتى يستمتعَ كلٌّ منكمْ بِغنائي!!

ديرب نجم 9/5/1978

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:13 PM
(9) التماثيل المكسورة

بقلم: محمد جبريل
................

لصديقي الناقد الراحل رجاء النقاش عبارة تقول: نحن نحب التماثيل المكسورة. الجملة في سياق الحديث عن الشخصيات التي تبلغ مكانة - تستحقها - فيصر البعض علي الاساءة إليها بملاحظات يراها هو وحده دون الآخرين وتسيء إلي ابداعات وانجازات اسهم بها مصريون حقيقيون.
نحن نجد التعبير عن مصر المعاصرة في رموز تبدأ بحسن العطار والطهطاوي وتتواصل في عرابي والنديم وقاسم أمين وسعد زغلول وطلعت حرب وطه حسين والعقاد ومشرفة ومحمود سعيد ونجيب محفوظ وسيد درويش وجمال عبدالناصر ويوسف ادريس وجمال حمدان وأم كلثوم ومحمد رفعت وعبدالوهاب وعشرات غيرهم اضافوا إلي بلادنا فاستحقوا أن يكونوا تعبيرا عن مصر رموزا لها انهم التجسيد لتاريخنا المعاصر ولأن الرمز هنا بشر فلعله من الخطأ ان انشد فيه الكمال السوبرمان الذي يقتصر علي الفعل الايجابي ولايخطيء.
لكي أوضح رأيي فثمة اتهام للطهطاوي بأنه كان ينتمي إلي الأرستقراطية المصرية بامتلاكه مساحات هائلة من الأراضي الزراعية مقابلاً لمؤلفاته التي تدعو إلي الاستنارة والتقدم وحرية المرأة وبالطبع فإن وضع الطهطاوي الاجتماعي لم يحل دون ان يضيف إلي فكرنا القومي والاجتماعي معالم ايجابية مهمة.
أما صلة أحمد شوقي بقصر الخديو فهي لا تلغي أهميته كأهم شعراء عصره وأنه قد اضاف إلي الثقافة المصرية والعربية باختياره أميرا للشعراء العرب والأمثلة كثيرة.
الرمز. المعلم. الرائد والموجه هو الذي تتسق كلماته وتصرفاته لكننا - في الوقت نفسه - لابد ان نقدر الضعف الانساني الذي قد يهبط بالخط البياني دون ان يخل بتصاعده النهائي نحن نعتبر المتنبي أهم الشعراء العرب رغم الاتهامات التي ملأت كتابا في مئات الصفحات عنوانه "الإبانة عن سرقات المتنبي"!
ونحن نعجب بأعمال جان جينيه. نعزلها عن حياته الخاصة ولعلنا نذكر رد جينيه علي تشبيه سارتر له بالقديس بأنه ليس ذلك القديس إنما هو انسان محمل بالخطايا!
يحقق الرمز مكانة ممتازة يستحقها لكن البعض يأبي إلا ان ينال من هذه المكانة بنقائص يخترعها خيال مريض ونأسف للإساءة - بلا سبب - إلي الرموز المهمة في حياتنا عدا الرغبة في رؤية التماثيل المكسورة!
نتحدث عن قيمة مهمة في حياتنا نبدي تقديرنا لاسهاماته يطالعنا من يثني علي أحاديثنا لكنه يضيف كلمة "ولكن" ويتبعها بما يكسر التمثال ويجعل من معني "الرمز" أمنية مستحيلة!
........ ...........
*المساء ـ في 22/11/2008م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 01:14 PM
(10) محمد جبريل.. وقضية الانتماء

بقلم: مؤمن الهبّاء
.................

إذا قصدت متعة السرد الروائي الفني فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت حبكة الإبداع القصصي وإبهاره فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت المتابعة النقدية النافذة فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت الدراسة البحثية الجادة فعليك - أيضا - بمحمد جبريل.
إنه عالم متكامل. ومؤسسة شاملة. متعددة النوافذ. من أي زاوية نظرت حصلت علي مبتغاك.. متعة وثقافة وعلم.. ومن دواعي فخرنا. نحن أسرة المساء. أن هذا الفنان المبدع خرج من بيننا. وينتمي إلي قبيلتنا.
رأيته أول مرة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي. كان عائدا لتوه من رحلة عمل طويلة في عمان.. تناقشنا كثيرا. وتشاكسنا. اختلفنا واتفقنا. وحين أراد أن يحسم الجدل أهداني روايته الثانية. المبهرة. "إمام آخر الزمان". فالتهمتها في يوم. أو بعض يوم. ومن يومها لم أفقد أبدا إيماني بموهبته. واحترامي لقلمه ودأبه وجديته.
وكلما أوغل في الكتابة وأوغلت في قراءته زاد إيماني به واحترامي له.
ولا أستطيع أن أنكر انحيازي لأدب محمد جبريل. خاصة ما يتعلق منه بتوظيف التراث مثل "إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" و"قلعة الجبل" و"رباعية بحري" و"ما ذكر من أخبار عن الحاكم بأمر الله". فهذه الأعمال تجد في نفسي هوى. ربما لأنها توقظ الماضي. وتبعث فيه الروح. فيتحول بروح الفنان إلي مستقبل. وفي ذلك وصل لحلقات أدبنا وحياتنا. ولقاء بين الأصالة والمعاصرة. وهذا - في زعمي - هو الطريق الصحيح لتطوير أدبنا. بل لتطوير حياتنا كلها.
التطوير لن يأتي من الخارج .. ولن يهبط علينا من السماء وإنما هو عملية مستمرة. متواصلة أطرافها. يرتبط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل. ونحن نعيشها ونتفاعل فيها.
ودراسات محمد جبريل لا تنفصل عن إبداعه.. هي في الحقيقة إبداع آخر. بطعم آخر. تدهشك فيها قدرته الهائلة علي الصبر. ودقته في التحري والاستيفاء. ناهيك عن سعة الاطلاع. والاستنتاج المنطقي. تلحظ ذلك في سفره الرائع "مصر في قصص كتابها المعاصرين" و"مصر المكان" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر من يريدها بسوء".
لعلك لاحظت - مثلي - أن مصر تتردد كثيرا في كتابات جبريل. مثلما تتردد في رواياته. من خلال الإسكندرية مسقط رأسه وعشقه الدائم. وأيضا من خلال الموروث الشعبي الذي يتناثر كحبات اللؤلؤ في 18 رواية و90 قصة قصيرة قدمها للمكتبة العربية حتي الآن.
إنه متيم بهذا الوطن. مسكون ببحره ونيله وطينه. بأحيائه الشعبية وحاراته وأزقته. بجوامعه وأضرحته وموالد الأولياء والكنائس والزوايا. وليالي رمضان والتواشيح والأعياد والأسواق. بعبق البخور والمجاذيب والدجالين والشحاذين.. هو يكتب عن ذلك كله ليكشف لنا عن حقيقتنا. عن مواطن الضعف ومواطن القوة في شخصيتنا. التي عاش عمره مهموما بها.
وكم كان رائعا أن تتذكر الهيئة العامة للكتاب بإشراف د. ناصر الأنصاري كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" لمحمد جبريل لتعيد إصدار الجزء الأول منه هذا العام في سلسلة "مكتبة الأسرة" التي تحظي برعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك. فتتيحه بسعر ميسر للقاعدة العريضة من القراء الذين يتابعون هذه السلسلة. ويعتبرونها نافذتهم علي الثقافة الحقيقية والجادة.
والكتاب عبارة عن دراسة ضخمة. لكنها ممتعة. وقد نشرت لأول مرة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ونال عنها محمد جبريل جائزة الدولة التشجيعية في النقد. وفيها يتناول العديد من الأعمال القصصية والروائية لرواد السرد العربي أمثال طه حسين والعقاد ويحيي حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف الشاروني. بالإضافة إلي رفاق دربه من كتاب الستينيات. فيرصد تناولهم للمجتمع المصري بكافة تقلباته عبر تاريخه الحديث من زاوية إبداعية بحتة. تدعمها رؤية اجتماعية وسياسية مدققة.
يقع الكتاب في مجلدين. ومجموع صفحاته 1370 صفحة. وهو بذلك ينتمي إلي الأعمال الموسوعية الخالدة. ممتدة المفعول. فقد حاول جبريل أن يقدم لنا تاريخ مصر من خلال مضامين الروايات والقصص. باعتبار أن الأدباء هم ضمير أمتهم. ونبض حركتها التاريخية في مواجهة الأحداث.
بقيت همسة للمثقف الواعي د. ناصر الأنصاري أناشده فيها بسرعة إصدار الجزء الثاني من هذه الدراسة القيمة. التي أظنها أول محاولة في تاريخنا لتأصيل علم الاجتماع الأدبي. وأول تجربة جادة لتعميق الانتماء لدي الأجيال المثقفة بالعلم والأدب. وليس بالأغاني السطحية والهتافات الزاعقة.
..............................
*المساء ـ في 15/12/2008م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:21 PM
(11) وجهاً لوجه: محمد جبريل وفاطمة يوسف العلي


(القسم الأول)
............
النظرة للإبداع يجب أن تتغير لأن مبدعينا ينحدرون للهاوية
لم يكن بمقدوري الكتابة إلا عن البحر
حتى نجيب محفوظ توزيع رواياته انخفض إلى حد كبير
يضطر الكاتب لدفع مايزيد على القيمة الفعلية لطباعة كتابه

رغم أن الكاتب محمد جبريل متنوع في كتاباته, يوزع قلمه بين الصحافة والتأليف والنقد الأدبي, فإن الشهادة الحقيقية على ما قام به من جهد تكمن في إبداعه الروائي. ولا يعني التركيز على هذا الجانب ترك بقية ملامح الصورة. ولكن هذا الجانب, الذي يعتز به كثيرا,ً يبقى الجانب الأكبر والأكثر حميمية من ذاته. إنه كاتب غزير الإنتاج. فله أكثر من عشرين رواية أشهرها (رباعية بحرى) التي تتألف من أربع روايات متصلة منفصلة هي (أبو العباس) و(ياقوت العرش) و(البوصيري) (وعلي تمراز). وهي الرباعية التي يحلو للنقاد عقد مقارنة بينها وبين رباعية داريل الشهيرة عن الإسكندرية. كما أن إسهام محمد جبريل في القصة القصيرة كبير أيضا فله حوالي عشر مجموعات قصصية, أولها (تلك اللحظة) وآخرها (رسالة السهم الذي لا يخطئ) وله في مجال النقد أكثر من كتاب. وقد نال جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب (مصر في عيون كتابها المعاصرين) عام 1975م.
ولد محمد جبريل في مدينة الإسكندرية عام 1938, وتقلد أكثر من منصب صحفي مهم في مصر والعالم العربي.
وقد أجرى الحوار معه القاصة الكويتية فاطمة يوسف العلي وهي من الأديبات النشيطات على مستوى العمل العام ولها ثمانية كتب تتوزع بين القصة القصيرة والرواية والبحث الأدبي وأشهرها: (وجوه في الزحام) 1971, (وجهها وطن) 1995, و(تاء مربوطة) 2001 وهي مجموعة قصصية صدرت من القاهرة.
يبدو البحر شخصية رئيسة في معظم إبداعاتك, وهو أشد ما يكون تجسيداً في روايتك الضخمة (رباعية بحري)... ما تفسير ذلك?
- بداية, أنا لم أكتب عن البحر, ولا عن الصلة بين البحر واليابسة, وهو ما يبين في الكثير من إبداعاتي الروائية والقصصية, لم أكتب لطرافة الموضوع, وإنما لأنه لم يكن بمقدوري سوى الكتابة عن البحر. البحر يحضن الإسكندرية من معظم جوانبها, ويحيط بحى بحري من ثلاث جهات, كان هو المكان الذي تطل عليه شرفة بيتنا, ويطل السطح على امتداد آفاقه. كنت أسير على شاطئه, وأتابع التعامل اليومي معه في صيد الصنارة والطراحة والجرافة, وعمليات الشحن في الميناء الغربية, وركوب البحر نفسه في قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة, أو في لانشات تمضي إلى قرب البوغاز, حتى في الظلام, كنت أستمع إلى البحر, وإن كنت لا أراه. أتذكر قول رامبو: (إنه البحر وقد رحل مع الشمس). البحر ليس موضعاً طارئاً في حياتي. إنه الحياة نفسها. وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادي - بصورة عملية - عن الإسكندرية, فإني أفضل - حتى الآن - أن تدور أحداث أعمالي في بحري, لأني أشعر أن الحي تحت تصرفي, أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية, أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد, حتى مسميات الأشياء واللهجة هي وسيلة التعبير عندي, حتى مستطيلات البازلت التي تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى.
حي بحري بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات. وقد أردت في رباعية بحري بأجزائها: أبو العباس - ياقوت العرش - البوصيري - على تمراز, أن أكتب فصولاً مستقلة, تتكامل في تصوير حي بحري الذي أحببته, وامتداده الطبيعي إلى المكس, أو إلى الرمل.
..........
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:22 PM
(القسم الثاني)
..............
صورة الإسكندرية
ما أوجه الاتفاق - والاختلاف - بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحري?
- ليست هذه هي المرة الأولى التي يوجه لي فيها هذا السؤال. وقد صدمني السؤال في البداية, وربما تضايقت منه, ثم ألفته بالمعاودة. أصارحك أني تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع في شبهة تأثر, قراري بكتابة رباعية بحري يعود إلى مطالع حياتي الأدبية, وبالذات في ضوء الحفاوة النقدية الواضحة, والتي اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين.
ثم حاولت - بعد أن صدرت رباعية بحري - أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف, لا كناقد, فقد مللت تأكيد أنه حتى فوزي بجائزة الدولة في النقد لا يلغي تفهّمي لقدراتي النقدية, وأني سأظل دوماً خارج أسوار النقد!
رأيي أنه إذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هي صلة هامشية, حيث اختاروا الإقامة في الإسكندرية كمنفى, لا تشغلهم حياة ناسها اليومية, ولا مشكلاتهم, فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية في حياة الإسكندرية. وعلى سبيل المثال, فإن يوم الأحد في الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه في بقية المدن المصرية. الشوارع خالية نسبياً, والكثير من المتاجر يغلق أبوابه, ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التي تحققت من خلال (مواطنة) أعداد هائلة من الجاليات الأوربية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد. لكن الصورة التي رسمها داريل في رباعية الإسكندرية - على حد تعبير صلاح عبدالصبور - تنتمي إلى داريل أكثر مما تنتمي إلى الإسكندرية.
والحق أنه من الصعب أن أجري شخصيا مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون, لكن الذي أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية - وبحري تحديداً - حلمي القديم, الجميل, الذي يرافق محاولاتي الإبداعية منذ بداياتها. السؤال: لماذا, لم أناقشه - بيني وبين نفسي - على الإطلاق? فقد كانت الكتابة عن حي الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التي تختلف عن مثيلاتها في أحياء الإسكندرية الأخرى, كانت شيئا أشبه بالقدر... لكنني أملك - فيما أقدّر - طرح بعض الآراء التي تناولت رباعية داريل, ثم أترك للقارئ - قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذه المواجهة - أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف.
الذاكرة أفضل
هل تختلف صورة بحري الذي عبرت عنه في أعمالك عن صورته الحالية?
- أصارحك بأن الحزن يلفني عندما أزور الإسكندرية, حي بحري بالذات, هذه الأيام, لقد تغيرت الصورة تماما, فأنا أفضل أن أعتمد على صور الذاكرة.
حي الجمالية بعمارته الإسلامية وشوارعه الضيقة وأقبيته ومساجده وزواياه وحرفييه, هو التعبير عن القاهرة المعزية بكل زخمها التاريخي والمعماري والإنساني. ذلك ما يصدق - إلى حد كبير - على حي بحري, وإن انتسب الكثير من أبنائه إلى المهن المتصلة بركوب البحر.
أفلح الانفتاح في أن ينفذ - بمظاهره السيئة - إلى الموطن الذي نشأت فيه, وأحببته. بحري الذي عشت فيه يختلف عن ذلك المبنى الخرساني الهائل الذي احتل ميدان أبي العباس, فذوت الروحانية وحميمية البشر. افتقد الحديقة الهائلة أمام سراي رأس التين تتاح خضرتها للجميع, ويتلى فيها القرآن في ليالي رمضان. شاطئ الأنفوشي احتلته الكبائن وورش المراكب, فضاعت فرص أبناء الحي الشعبي في الإفادة من البحر الذي ولدوا على شاطئه.
غياب المرأة
بعض الآراء تجد في رحيل الأم في سن باكرة سبباً في غياب المرأة عن معظم إبداعاتك... ما رأيك?
- أوافقك على أن المرأة كانت غائبة, أو أنها عانت شحوباً في أعمالي الأولى, لكن الملامح تغيرت تماماً في الأعمال التالية. ثمة نادية حمدي في (النظر إلى أسفل) التي تمثل شرياناً رئيساً في جسد الرواية, والزوجة في (اعترافات سيد القرية) تهبنا مواقف إيجابية مناقضة لما كان يمثله الرجل, وأنسية في (رباعية بحري) تحملت ما لا يحتمله بشر في محاولة تخطى ظروفها القاسية. وثمة ياسمين في (الشاطئ الآخر), وعائشة عبد الرحمن القفاص في (قلعة الجبل), وزهرة الصباح في الرواية المسماة بالاسم نفسه, وبهية الحلواني في (بوح الأسرار) وغيرها من الشخصيات التي تقدم المرأة في أبعاد مختلفة. قد تواجه ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف سلبية, لكنها واصلت السعي في اتجاه رفض الظروف المعاكسة, والإصرار على تخطيها.كان لغياب أمي عن حياتي في سن باكرة تأثيره بالنسبة لي على المستويين الشخصي والإبداعي, وقد اتسعت مساحة ذلك التأثير - فيما بعد - في مجموع أعمالي, بحيث تبين المرأة - كما أتصور - عن ملامح يصعب إهمالها.
ما رأيك في مقولة إننا نحيا زمن الرواية?
- مع افتتاننا بالتعبيرات التي تختزل ظاهرة أدبية, فإن أحد النقاد أعلن - ذات يوم - وفاة القصة القصيرة, وأعلن نقاد آخرون أن الزمن ليس زمن الشعر, وأكد البعض أن المستقبل للكتابة الدرامية, وأنها هي رواية المستقبل. ويصدم أسماعنا وأعيننا - بين فترة قصيرة وأخرى - تعبير ينعى وفاة جنس أدبي, أو يؤكد سيادته على بقية الأجناس.
وإذا كان تعبير زمن الرواية هو ما تلوكه أفواهنا وأقلامنا في الأعوام الأخيرة, فإن المأزق الذي يواجهه هذا التعبير, وربما أفقده مصداقيته, ما يحرص الناشرون - على تأكيده بأن زمن النشر الروائي انتهى!... بمعنى حفاوة الناشرين بالروايات, والإقدام على نشرها, دخل - منذ سنوات - في دائرة المستحيل.
قراء الرواية يتناقصون, مقابلاً لزيادة قراء السياسة والمذكرات والدين والمشكلات العاطفية والحسية, بالإضافة إلى الأزمة التي يعانيها الكتاب الورقي بتأثير الوسائل الطباعية المستحدثة, وأهمها - بالطبع - الكتاب الإلكتروني.ثمة وسيلتان لنشر الأعمال الروائية, أولاهما هيئات وزارة الثقافة: هيئة قصور الثقافة, وهيئة الكتاب, والمجلس الأعلى للثقافة. أما الوسيلة الثانية فهي اللجوء لدور النشر الخاصة التي تحصل من مؤلف الرواية على أكثر مما تتكلفه طباعة العمل, فتضمن الربح مسبقا, بينما يحصل المؤلف على نسخ قليلة... هدايا للأصدقاء!
أما الناشرون الذين يعرفون لعملية النشر قدرها واحترامها, فإنهم يرفضون الكتابات الروائية باعتبارها بضاعة كاسدة. وتقتصر اختياراتهم على البضاعة المضمونة الرواج, وبالذات الكتاب الجامعي الذي يمثل - كما نعلم - بضاعة مفروضة من الأساتذة على الطلاب!...
الحديث عن زمن الرواية يبدو بلا معنى أو مستغربا أمام إحجام الناشرين عن قبول الأعمال الروائية.
وإذا كان الزمن هو بالفعل زمن الرواية, فلماذا لا يزدهر سوق الرواية? لماذا يرفض الناشرون قبولها? ولماذا تتدنى أرقام التوزيع?
المثل الأشد غرابة أن نجيب محفوظ بكل ما حققه من مكانة في حياتنا الثقافية, وفي الثقافة العالمية بعامة, هبطت أرقام توزيع رواياته من عشرة آلاف نسخة في العام, إلى ثلاثة آلاف نسخة كل بضعة أعوام.
..............
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:22 PM
(القسم الثالث)
...................
مَن يعيننا على حل اللغز?!
سوق النشر
كنت نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر, كيف تنظر إلى مشكلة النشر التي تحولت إلى ظاهرة سلبية لم تفلح في علاجها كل المحاولات سواء على المستويات الإقليمية أو القومية?
- المتأمل لأحوال النشر في بلادنا, يستطيع أن يقسم الناشرين إلى ثلاثة أنواع: ناشر يعطى المؤلف مكافأة على ما يكتبه بضع مئات من الجنيهات. وناشر يكتفي بتقديم نسخ قليلة للأديب مقابلا لنشر إبداعه, من قبيل التشجيع, أو المجاملة! أما النوع الثالث فهو يحصّل من المؤلف ما يزيد على تكاليف طباعة كتابه, أي أن الأديب يعطي ولا يأخذ, كل ما يأخذه بضعة آحاد أو عشرات من النسخ!
والحق أن المقابل المتواضع الذي يتلقاه بعض الكتاب, والاكتفاء بمجرد النشر لكتّاب آخرين, واضطرار كتاب لدفع ما يزيد على التكاليف الفعلية لطباعة كتبهم, ذلك كله يعكس نظرة دور النشر بعامة إلى مهنة الكتابة, وأن الهدف في كل الأحوال هو مجرد تشجيع الأديب على توثيق إبداعه, وليس تسويقه, فبعض الكتب لا يصدر منها أكثر من مائتي نسخة أو ثلاثمائة على, وبالذات إصدارات دور النشر التي تقوم بعملية احتيال معلنة حين تحصل على ما يتراوح بين ألف وثلاثة آلاف جنيه مقابلاً لطباعة بضع عشرات من النسخ, مجرد توثيق فلا يجد الكتاب سبيله إلى أرفف المكتبات, ولا عند باعة الصحف.
إن النظرة إلى قيمة الإبداع يجب أن تتغير. ما يكتبه الأديب في معظم بلاد العالم يدر عليه دخلا يتيح له التفرغ لإبداعه. أما النظرة إلى مبدعينا فهي تتحدد في دائرة الهواية. حتى المقابل الذي ربما تقاضاه لا يصل - بالقطع - إلى قيمة الكتب التي قرأها, ولا الوقت الذي أنفقه, ولا أجر الكمبيوتر, وبالمناسبة, فإن دور النشر تشترط الآن أن يسلم الأديب أصول كتابه مطبوعة على الكمبيوتر!
إن تخلفنا - في كل المجالات - سيظل حقيقة يصعب إغفالها, ما لم تحصل الكلمة ومبدعها على المكانة اللائقة, والقيمة المستحقة!
ثقافة العناوين
في تقديرك, ما أخطر السلبيات التي تعانيها الثقافة العربية?
سأحدثك عن ثقافة العناوين, أو السندوتش, أو التيك أواي. سمها ما شئت, لكنها تحولت في حياتنا إلى ما يشبه الظاهرة.
ثمة من يجلسون إلى المثقفين, يستمعون إلى آرائهم فيما قرأوا, ويلتقطون عناوين كتب, وأسماء أعلام, وملخصات أفلام ومسرحيات ونظريات فلسفية, ثم ينقلون ذلك كله - أو بعضه - إلى مجالس أخرى. يتحدث أحدهم عن ديستويفسكي بما ينقل إلى محدثيه شعورا أنه قد قرأ كل أعماله, ويتحدث آخر عن المذاهب الفلسفية والفنية بلهجة الدارس الذي أجهد نفسه في المتابعة والمناقشة والتحليل, وتتناثر في كلمات آخرين أسماء أعلام وكتب واتجاهات, بما يعكس ثقافة واسعة.
ظني أنه قد ساعد هذه الظاهرة أسلوب الملخصات الذي تصدر من خلاله بعض دور النشر أعمالاً عالمية مهمة. ولعلي أشير إلى سلاسل تقدم عشرة كتب عالمية في كتيب محدود الصفحات, أو تختصر التراث الإنساني بكامله في بضعة مجلدات... والهدف المرجو - أو المعلن - أن تكون مؤشرا للأعمال الأصلية, لكن القارئ يكتفي بما قرأ, ويعتبره غاية المراد من رب العباد, ويتحدث عما قرأ من ملخصات وكأنه قرأ الأعمال الكاملة!
وقد أخذت الظاهرة بعداً آخر, غريباً, في اعتبار البعض ما شاهده من أفلام أو مسرحيات مأخوذة من أعمال أدبية, نقلا جيدا عن تلك الأعمال يغني عن قراءتها, ويسمح بالتحدث فيها, توهما أنهم قد عرفوا عنها بما يكفي!.... وكم أذهلني تناول كاتب كبير لرواية أستاذنا نجيب محفوظ (خان الخليلي). ناقش الرجل فنية الرواية, وحلل الأحداث والشخصيات, ثم أنهى ما كتبه بالإشارة إلى أنه لم يقرأ الرواية, وإنما اكتفى بمشاهدة المسرحية المأخوذة منها!
وتبلغ الظاهرة حد المأساة عندما يلجأ ناقد إلى تلخيص للعمل الأدبي كتبه ناقد آخر, فيبني عليه مناقشته للعمل, وهو ما نطالعه - مع الأسف - في العديد من الكتب النقدية المعاصرة. يفلح ناقد في إخفاء سطوه على جهد الآخرين, بينما لا يجد ناقد آخر ما يدعو إلى إخفاء ما فعل. ولعل المثل الذي يحضرني, ذلك الكتاب الضخم عن توفيق الحكيم. ناقش مؤلفه - فيما ناقش - رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل, ثم ذكر في الهامش أنه قد اعتمد في كل ما كتب على كتاب علي الراعي (دراسات في الرواية المصرية), أي أنه - ببساطة - لم يقرأ الرواية التي قتلها نقداً!
المبدع قائد ثقافي
ثمة مؤاخذات على أن الكثير من المبدعين لا يعنون في إبداعاتهم بأخطر قضايا عالمنا العربي, وهي قضية الصراع العربي - الصهيوني, فما رأيك?
ـ نظرة بعض المثقفين إلى الأديب أو الشاعر أنه لا يعنى بغير الإبداع. فلا شأن له بقضايا المجتمع ولا السياسة. حتى الرياضة لا يتصورون أنها تعنيه في شيء.إنه يؤثر الحياة في جزيرة صنعها لنفسه, يكتفي فيها بقراءة ما يتصل بإبداعه, أو ينصرف إلى تأملات في فضاء هذا الإبداع, أو ينشغل بالكتابة الإبداعية.. هذا هو عالمه المحدد والمحدود, أشبه بسياج البيت في أيام طه حسين الذي كان الصبي يتصوره نهاية العالم.
تلك - بالتأكيد - نظرة خاطئة.. فالأديب له اهتمامات كل المثقفين, فضلاً عن هؤلاء الذين قد لا تعنيهم قضايا الثقافة, وإنما انشغالهم بواقع حياتهم وظروفهم المعيشية. ربما يجاوزونها إلى اهتمامات ثقافية أو ترويحية مثل التردد على المسارح ودور السينما, أو متابعة برامج التلفزيون, أو مجرد الجلوس على المقاهي.
يتابع المبدع - على سبيل المثال - مناقشة حول مباراة في كرة القدم. يحاول المشاركة برأي.. لكن الدهشة المستغربة تواجهه: مالك وكرة القدم!
الأقسى عندما يبدي المبدع رأيه في بعض قضايا السياسة. تعلو الملاحظة المشفقة: السياسة بحر قد لا تحسن السباحة فيه!
والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.أثق أن النضال المقاوم الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد العنصرية الصهيونية هو الشاغل الأهم لكل المبدعين, انطلاقاً من الوعي بالقضية, بواعثها وظروفها وواقعها ونتائجها المحتملة.
الصراع العربي - الصهيوني في فلسطين يعني المواجهة بين الحضارة العربية والهمجية الصهيونية, بين إرادة الحياة على هذه الأرض مقابلاً لإرادة الغزو والاحتلال والاستيطان, التعامل مع تطورات الأحداث بمنطق نكون أو يكونون, والقيام بدور المحفز والمحضر, ومحاولة التوصل إلى آراء إيجابية ربما أسهمت في توضيح ما يفيد منه أصحاب القرار. والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.
ذلك هو موقف كل المبدعين. المبدع قائد ثقافي في مجتمعه, وهذه القيادة لا تبين في التغزل بالقمر, ولا التغني بقطر الندى. لا قيمة لأي إبداع يغيب عنه الوعي في مواجهة الخطر. والخطر الذي نحياه - كما قلت - لا يقتصر على قطر بذاته, لكنه يشمل كل المنطقة العربية. إنهم يصرون على اجتثاث الوجود العربي من أرض فلسطين, بداية لتحقيق استراتيجية دامية, تمتد إلى بقية الأقطار العربية.
إعلام الذات
ما ملاحظاتك على الاستراتيجية التي يعمل الإعلام العربي في ضوئها?
- تتنقل متابعتي بين أكثر من قناة فضائية عربية. القضية الأهم ما يجري الآن في فلسطين المحتلة, صور تعكس بشاعة الممارسات الصهيونية وإدانات معلنة وبرامج ومناقشات وتحليلات موضوعية ومتحمسة, وإن التقت جميعها في وجوب استعادة الشعب الفلسطيني أرضه وإرادته وحريته, مقابلاً لإدانة جرائم عصابة شارون وشركائه!
أنتقل إلى قناة أوربية, نشرتها الإخبارية تقدم فقرات عن أحداث الأرض المحتلة.. لكن الصور والتعليقات تختلف تماماً عن تلك التي أجمعت القنوات العربية على تقديمها, ثمة العشرات من اليهود يشاركون في دفن جندي إسرائيلي قتله الفلسطينيون رداً على الاعتداءات الصهيونية المتكررة.
انتظرت بقية الفقرات, ربما تقدم الجانب الآخر من الصورة, وهو الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.. لكن الأيدي الصهيونية بدت واضحة من وراء تتابع الصور والتعليقات.
المشكلة - باختصار وبساطة - أننا نتوجه بإعلامنا إلى أنفسنا, إلى نحن. نعرّف أصحاب القضية بعدالة قضيتهم! أما الإعلام الصهيوني فهو ينطلق بالأكاذيب والدعاوى الأسطورية إلى الرأي العام العالمي من خلال سيطرة إعلامية مؤكدة, تشمل الكتاب والصحيفة والفيلم والمسرحية والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني. يضع نفسه دوماً في موضع البريء, الجزيرة المسالمة المحاطة بالأعداء.. ولأنه بلا تاريخ حقيقي ولا تراث ولا هوية, فهو يسطو على تاريخ شعب المنطقة وينسبه إلى نفسه. فإن لم يفلح نسب ما عجز عن سرقته إلى غير حضارته, فزعم أنه تراث شرق أوسطي!
والأمثلة كثيرة, تطالعنا بها - صباح مساء - وسائل الإعلام الأجنبية, والعربية أحياناً..
الرأي العام العالمي بعد مهم في أي قضية دولية, ومخاطبته تحتاج إلى استراتيجية تحسن العرض والمناقشة والتحليل, وتدحض الأكاذيب بالحقائق الموضوعية. لا يكفي شعورنا بأننا على حق وعدونا على باطل. المهم أن نؤكد حقنا - أمام الرأي العالمي - ونعري محاولات العدو.
حكومة المافيا الإسرائيلية جعلت قتل الفلسطيني روتيناً يومياً, لكنها تخاطب العالم عن العنف الفلسطيني.. والصورة في الغرب - باعتراف البعثات الدبلوماسية العربية - ليست هي الحقيقة, بل إنها النقيض تماماً.المسألة ليست في مجرد إجادة مخاطبة الرأي العام العالمي, لكن ما يتمخض عن ذلك من تأثيرات إيجابية بالنسبة للحق العربي, وسلبية بالنسبة للأكاذيب الصهيونية. أذكّر بإقدام العشرات من دول العالم - من بينها دول أوربية - على إدانة إسرائيل وقطع العلاقات معها عقب عدوان 1967. لم يفلح الإعلام الصهيوني - رغم هزيمة العرب حينذاك - في تغيير الحقائق.
ماذا عن المستقبل?
- أتمنى أن أظل أكتب, وأكتب, بينما نظراتي تتجه إلى البحر.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:23 PM
(12) رواية "الخليج" لمحمد جبريل
بين السيرة الذاتية ورواية الحرب

بقلم: د.السيد نجم
ــــــــــــــــــــــــ

من خلال ضفيرة فنية محكمة يجدلها الروائي أثناء عودة العشري إلى مصر، أو هروبه من الأراضي الكويتية، مع صديقه فوزي درويش، متجهين إلى الأراضي السعودية، تدور أحداث الرواية، بكل أبعادها الفنية، من العودة إلى الوراء حيث استدعاء أفراد العائلة السكندرية إلى بؤرة الحدث، وتذكر أحاديثهم قبل سفره للعمل في جريدة "البلاد" العمانية، وبعدها، وأيضا استدعاء فترات وأحداث من الحقبة العمانية، التي تأسست خلالها الجريدة، وانتقالها إلى مكانها الجديد، بعد أن كانت تصدر من كشك خشبي، أو ما أشبهه.
لقد كانت لحظة الهروب من أتون الغزو العراقي للكويت، فرصة حقيقية للمكاشفة، والبوح والرصد، والتحليل النفسي، والخطاب الذاتي، والمجتمعي، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، إلى أن تحين لحظة هجوم أحد الأفراد الملثمين المتسلحين برشَّاش، على الصديقين، وقد انضمت إليهم ـ في الطريق ـ امرأة كويتية هاربة من بلدها لتنجو بنفسها من جنود الاحتلال العراقي، بعد أن تغيب زوجها وولدها أكثر من ثلاثة أيام بعد الغزو.
لم يذكر الكاتب شيئا عن جنسية هذا الملثم الذي لم يتبين ملامحه، والذي ظهر لهم فجأة خلال راحة ليلية من عناء الطريق، فاستولى على ساعة العشري التي ظن أنها ذهبية، وعندما شاهد المرأة معهما سألهما: هل هي زوجة أحدكما؟، فيرد فوزي درويش قائلا: وجدناها بمفردها في الطريق، فصحبناها، فقال الرجل: إذن فهي تخص ثلاثتنا. ثم وهو يعبر بيديه: ستواصلون طريقكم معها. أما أنا، فلن يُتاح لي الحصول على حاجتي منها في مكان آخر. وحينما هَمَّ بإخراجها من السيارة لاغتصابها، رفع العشري مفتاح إطار العجلات، وهوى بكل قوته، فتكوَّر الرجل تحت قدميه، وهو يطلق أنات خافتة، ما لبثت أن هدأت تماما، دليلا على موت الملثم.
ومن ثم تتصارع المخاوف، في نفس الرجلين، أما المرأة فقد بدت وسط الحقائب والصناديق واللفائف الموجودة بالسيارة، شبحا متخاذلا، وقد أبان الضوء الداخلي للسيارة عن قسمات الفزع في وجهها، ملامح ساكنة، وإن وشت بما لا قبل لأحد على احتماله: جحوظ العينين، واتساع الفم، وارتعاش المنخارين، كأنهما البديل لصرخات الفزع التي كتمتها.
إن ذلك الموقف الذي رسمه محمد جبريل، يلخص الأزمة العربية كلها في ذلك الوقت، ومن الممكن أن يُعدَّ معادلا موضوعيا لها. فمشاعر الخوف والاغتصاب والاضطراب والقتل وعدم القدرة على التصرف، أو اتخاذ القرارات الصائبة، هي التي كانت سائدة بين أبناء المنطقة العربية في ذلك الوقت. وهو ـ أي الموقف ـ يحمل إرثا عربيا بل إنسانيا عاما، يسير في اتجاهين متضادين، أولهما الاعتقاد بأن المرأة مشاعة للرجال مادامت قد سمحت لنفسها بالخروج من بيتها بمفردها، وهو ما حمَّل الملثم على القول بأنها ـ أي المرأة ـ تخص ثلاثتنا. وثانيهما: حق الرجل في الدفاع عن المرأة عندما تتعرض للإهانة أو الاعتداء أو السبي، وهو ما فعله بتلقائية شديدة جدا، أو بفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، رؤوف العشري عندما حاول الملثم حامل الرشاش أن يُخرج المرأة من السيارة في أولى خطوات اغتصابها، وبقدر ما يدل التصرف الأول على بهيمية الإنسان وحيوانيته وشراسته، يدل الثاني على الوعي والتحضر ودفاع الإنسان عن أخيه الإنسان حينما يتعرض أمام عينيه إلى أي محاولة من محاولات الاغتصاب والقتل والسبي والتدمير، خاصة عندما يكون هذا الإنسان امرأة في ظروف صعبة من الناحية النفسية والمادية.
فقد اعتبر العشري أن لجوء المرأة، التي لم يعرفها وصديقه من قبل، إليهما، أو السماح لهما باستضافتها، بعد أن أشار إليهما أحد الجنود بالطريق بأن السيارة تصلح لشخص ثالث، هو من قبيل إغاثة الملهوف، أو إسداء المعروف. ومن ثم كان إقدام العشري على القتل هو دفاعا عن المبدأ، وإنقاذا لإنسان لا يملك حولا ولا قوة. لقد كان العشري نفسه لا يعرف أن بداخله هذه القيم الإنسانية، فلم يتصور أنه سيُقدم على فعل شيء. فهل كان يلزم مكانه، وهو يرى ما يجري أمامه، بعد الاستيلاء على ساعته؟ أم يختبئ؟ أم يكتفي بالخوف؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الصعيد النفسي. ولكنه فجأة وبدون أدنى تفكير رفع مفتاح الإطار، وهوى بكل قوته، التي لم يعهدها في نفسه من قبل، ولا تصور أنه يملكها.
لقد جاءت محاولات الهرب من الكويت في شهر أغسطس 1990، ثم محاولة اغتصاب المرأة، ثم القتل، وما أصاب المنطقة العربية كلها في ذلك الوقت، نتيجة مباشرة لغزو الكويت، لذا نستطيع أن نقول إن رواية "الخليج" لمحمد جبريل من الروايات النفسية الرافضة للحرب، وعلى الرغم من وقوعها في 126 صفحة، إلا أن مشاهد الحرب أو مشاهد الاحتلال المادية لم تتعد سوى عبارات قليلة جدا على طول الرواية، مثل: "لم يحاول التلفت، وإن بدت الشوارع ـ فيما يشبه الومضات ـ مهجورة، والدكاكين مغلقة، وعلى الجانبين سيارات محترقة، وعلى النواصي دبابات ودوريات احتمت بسواتر رملية. أفزعه الدخان الكثيف المتصاعد في الأفق .." ص 61.
عدا ذلك تظل الرواية، محاولة قوية للتشبث بالماضي القريب الذي عاينه الكاتب، ودفعات متتالية من ذكريات العمل الصحفي في مصر، وسلطنة عُمَان، والكويت. فضلا عن موجات سيرية متدافعة للروائي محمد جبريل، وإن بُدِّل الاسم في "الخليج" إلى رؤوف العشري. وأعتقد أن "الخليج" من الممكن أن تمثل امتدادا زمانيا ومكانيا (أو زمكانيا) لكل من عمليه "حكايات عن جزيرة فاروس"، و"الحياة ثانية".
وقد سبق أن ذكرتُ في مقال سابق، أن كتاب "حكايات عن جزيرة فاروس" يمثل الجزء الأول من السيرة الذاتية للأديب محمد جبريل، إلا أن التتابع الزمني الذي توقف عند سفر صاحب الكتاب إلى سلطنة عمان يشي بأن هناك نواقص كثيرة من يقلها صاحب السيرة منذ سفره إلى عُمان، وحتى عودته واستقراره مرة أخرى إلى مصر. وأعتقد أن رواية "الخليج" استطاعت أن تسد جزءا من هذه النواقص.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:24 PM
(13) «زمان الوصل»
بين نجم وحيد والشاطئ الآخر

بقلم : أحمد فضل شبلول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في روايته السابقة "نجم وحيد في الأفق" المنشورة عام 2001 يذهب بطل رواية محمد جبريل وراء نجمه، ويختفي من حي بحري بالإسكندرية، بعد أن أعدَّ قاربه، وجهَّز نفسه روحيا وبدنيا للرحلة، ربما يُشفى من أمراضه النفسية والروحية والعضوية، وتنتهي الرواية بأن يصبح العالم الأرضي ـ حي بحري على وجه التحديد ـ بالنسبة للبطل مجرد ملامح باهتة تذوي من الذاكرة حتى تغيب تماما.
وتبدأ رواية محمد جبريل الجديدة "زمان الوصل" بالتالي: "ميناء الإسكندرية يبتلعه الأفق. الحزن والقلق والخوف والترقب، ومشاعر أخرى ألزمته الصمت، فاكتفى بالتطلع إلى الخط الرمادي، حتى غاب تماما". إنه يتجه إلى دنيا غير الدنيا التي ألفها وكرهها. لقد توالت الأيام، فالأشهر، على آخر رؤيته للإسكندرية في وقفته على الباخرة. نقاط ضوء، صغرت، وذوت، ثم تلاشت.
وكأن الروايتين متصلتان على نحو ما، فالنجم الوحيد يسلمنا لزمان الوصل، حيث يعود هاشم بطل زمان الوصل مرة أخرى إلى بلدته الإسكندرية، بعد غربة ثمانية عشر عاما. (الناس الذين خلفتهم منذ ثمانية عشر عاما، في رحلتي الأولى، ومنذ عشرة أعوام، قبل أن تنقطع زياراتي المتباعدة، لم يعودوا هم). فهل شُفي بطل "نجم وحيد في الأفق" وعاد ليطل علينا من خلال "زمان الوصل"، ويحكي لنا ما لاقاه وعاناه في غربته، في أول عشرة أيام يعود فيها إلى حيه الأثير، حي بحري بالإسكندرية؟
وفي روايته الأسبق "الشاطئ الآخر" المنشورة عام 1996 يستأجر الطالب المثقف حاتم رضوان غرفة في شقة عائلة يونانية بالإسكندرية، ويعيش معها، ويقع في حب "ياسمين" ابنة هذه العائلة، ولكن تهجر تلك العائلة مصر عائدة إلى اليونان، مع هجرة الأجانب من البلاد، وخاصة بعد الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956. وفي روايته الجديدة "زمان الوصل" يسافر هاشم ـ الشاب المثقف ـ إلى ميناء بيريه باليونان، والذي يحيا على البحر، مثل حي بحري، ويعمل في دكان العجوز اليوناني ميخاليدس ويتزوج من ابنته كريستينا.
ولعل ما يشي بقوة الرابطة ـ التي نراها ـ بين الروايتين "الشاطئ الآخر"، و"زمان الوصل"، أن العجوز اليوناني ـ في زمان الوصل ـ ولد بحي العطارين في الإسكندرية، في أيام سعد باشا، وترك البلاد في أيام عبد الناصر، بإرادته، حيث نراه يقول لهاشم: (عدت بإرادتي .. كانت الظروف قد تغيرت). وأن الشقة التي استأجر بطل الشاطئ الآخر، حاتم رضوان، حجرة فيها، كانت هي الأخرى في حي العطارين، ولعلنا نذهب إلى أن الفتاة اليونانية التي أحبها حاتم في "الشاطئ الآخر"، وهاجرت مع الأسرة، هي الفتاة اليونانية كريستينا ابنة العجوز ميخاليدس، التي تزوجها هاشم في "زمان الوصل". ولعل اختيار عبارة "زمان الوصل" عنوانا للرواية، يشي بعودة زمان الحب بينه وبين فتاة "الشاطئ الآخر"، ليلتقيا مرة ثانية، ويتزوجا في "زمان الوصل".
إن محمد جبريل، من خلال قراءتنا للروايات الثلاث: الشاطئ الآخر، نجم وحيد في الأفق، زمان الوصل، يقدم لنا ثلاثية روائية، متتابعة، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي للثلاثية كما نجده على سبيل المثال عند نجيب محفوظ في الثلاثية المشهورة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) حيث التراتب المنطقي للأحداث، والزمان أيضا، فيما يعرف باسم رواية الأجيال، أو الرواية النهرية، أو الكتابة الخطية للأحداث، التي تسير في خط تصاعدي، من المنبع إلى المصب. وحيث أيضا تختلف ثلاثية جبريل التي أشرنا إليها عن مفهومه للروايات المتتابعة التي تشكل نهرا واحدا متدفقا، كالنهر الذي قدمه لنا في رباعية بحري (أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز).
هنا في الثلاثية الجديدة نرى تراتبا نفسيا، في المقام الأول، فالبطل العاشق للفتاة اليونانية المصرية المهاجرة، في "الشاطئ الآخر"، يتعرض لأزمات نفسية وروحية، يظن البعض أنها عضوية، فينصحه أحد المشايخ بالسفر للبحث عن نجمه، فيغادر الإسكندرية، في "نجم وحيد في الأفق"، ويتجه ـ من حيث لا يدري ـ إلى اليونان، ويعثر على فتاته "كريستينا" فيتزوجها في "زمان الوصل".
ولكن هل تنتهي الثلاثية عند هذا الحد؟ إن إنتاج محمد جبريل مثل النهر الدافق الذي لا تنتهي ماؤه، أو مثل البحر الذي لا تنفد أمواجه. فهو عندما يعثر على كريستينا ويتزوجها، نظن أن أزمة البطل قد انتهت، ولكن هيهات، إن أزمته النفسية تطل من جديد، فالحنين يعاوده إلى مصر، وإلى حي بحري على وجه التحديد، فيفكر في العودة النهائية، ولكن العقدة الجديدة في الثلاثية، أن كريستينا، ترفض العيش مع زوجها في الإسكندرية، ويدور الحوار التالي:
ـ لا بد أن أعود إلى الإسكندرية ..
ـ لا بأس .. سأنتظرك حتى تعود ..
ـ قد لا أعود!
في بساطة حاسمة، أذهلته:
ـ وأنا لن أغادر بيريه ..
ويعود هاشم بمفرده، لتبدأ وقائع الأيام العشرة التي كتبت فيها "زمان الوصل" حيث يعطينا عنوان الرواية مدلولا جديدا للوصل الذي نفترض هذه المرة، أنه التواصل مع الجذور، والحنين إلى الإسكندرية، (يا زمان الوصل بالإسكندرية) مسقط رأسه، ومرتع صباه. ويعطي المؤلف عنوانا لكل فصل على حدة، بعدد الأيام العشرة، فالفصل الأول هو اليوم الأول، والفصل الثاني هو اليوم الثاني، وهكذا، إلى أن نصل إلى الفصل العاشر والأخير، وهو اليوم العاشر، وعلى الرغم من أن التقسيم تقسيم زمني كما نرى، إلا أنه من ناحية أخرى يشي بدلالات نفسية، حيث يكون اليوم مزيجا من أحداث واقعية ونفسية لليوم نفسه، وعودة (فلاش باك) حيث يستحضر هاشم طرفا من ذكرياته ومواقفه قبل أن يغادر الإسكندرية، سواء مع والده رمضان السعدني، أو مع أخوته أو أصدقائه، أو الفتاة لطيفة التي كانت تسكن في الشقة المقابلة قبل أن تنتقل عائلته إلى شقة أخرى تطل على مقام سيدي منصور، ويستحضر أيضا طرفا من ذكرياته والمواقف التي تعرض لها بعد مغادرته للبلدة، سواء في الباخرة التي سافر عليها، أو في ميناء بيريه، وعلاقته بالعجوز اليوناني وكريستينا.
ومن تقنيات الكتابة والنشر التي أحسن محمد جبريل استخدامها في هذه الرواية، كتابة أجزاء الفلاش باك، بخط مائل إلى اليمين قليلا، تمييزا لها عن الأجزاء التي تدور في اللحظة الآنية، في زمن الرواية. وهي تقنية لم نشاهدها في رواياته السابقة، وهي في رأيي مهمة، لأنها تساعد القارئ على الفصل بين زمنيّ الرواية، فلا يحدث هذا الخلط الذي قد يقع فيه القارئ أحيانا، فلا يدري في أي زمان روائي هو، ولعل خبرة الكاتب في استخدام جهاز الكمبيوتر وإمكاناته، ساعدته على استخدام هذه التقنية بنجاح، قبل طباعة الرواية.
وربما نقرأ ـ قريبا ـ جزءا رابعا لهذا الثلاثية، بعد عودة هاشم واستقراره في الإسكندرية، لنتعرف إلى أين ستقوده خطاه مرة ثانية، وهل سيستطيع أن يبتعد عن كريستينا، ويعيش بمفرده، أم أن كريستينا ستأتي إليه، وتعيش في الإسكندرية، مثلما عاش أبوها الخواجة ميخاليدس من قبل في حي العطارين.
إنها مرة أخرى العلاقة مع الآخر الغربي، أو المتوسطي، ترى كيف سيرصدها محمد جبريل ويؤرخ لها فنيا، في أعماله القادمة؟

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:24 PM
(14) رسام الضوء

شعر: د.حسن فتح الباب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(إلى الصديق الكاتب الروائي الكبير محمد جبريل)

هذا الملاح الجواب الآفاق
لا يرسو فى مرفأ
ليس يقر على جبل
أو يسبح فى فلك واحد
يمضى العمر جموحا
كجواد أسطورى
أو طير مبهور بالضوء
فوق ضفاف الكلمة
الحرف لديه ينبوع لا ينضب
نغم من يتوهج
قلب يتهدج
يبحث عن سر مكنون
فى أعماق الكون.. النفس
الزمن الدوار
مسكونا بالحب الأول
عشق الأم
أول ما فتح العينين عليها
أم الدنيا
هى عالمه المفعم بالعشق وبالثورة
بالبهجة والحزن
بالحلم وبالمأساة
يكونها وتكونه
يتكتم حينا أوجاع القلب
وحينا ينثرها
فوق الأمكنة.. الأزمنة
يوزعها بين الأوجه والأسماء
أتراه لا يدرى
منذ تلظى بلهيب الوجد
أن الإمساك بغصن الوطن متاهة
ضرب فى المجهول ؟
أم يدرى أن الغصن شعاع
مخبوء فى ظلمات الأرض..
البحر.. الآفاق
وعليه أن يطلعه
لتكون الشمس.. تكون الشجرة
(من أوراق المتنبى)
و(رباعية بحرى)
حدث فى (أيام الأنفوشى)
حيث السمان يعشش سربا سربا
كالغربان السوداء
وملايين الأعين والأنفاس تراقبه
يحتل الدور ويغشى الشرفات
وعلى حين فجاءة
ينبثق الوعى الغائب:
أن الصمت عن الطير الواغل
يحفر درب الموت
ومقاومة الشبح الجاثم فوق الأنفاس
خير طريق للإنسان الصاعد
فى معراج الغد
أن يهوذا الأفاق
يتربص بالآتين
من أطفال النيل
من أبناء العرب الأحرار
أن الصمت عن الوحش الشبح جنون
ينسج جبريل (الطوفان)
بأنامل فنان ورعه
تلمس أعماق الجرح
عبر حكايات الأجداد
لتنير دروب العتمة
و(نبوءة عراف مجهول)
يرويها قصاص ملهم
(محفوظ) الستينيات
أو (ماركيز)
فى مصر المحروسة
قيثارة شعر من منثور الروح
يعزفها فتنة
ترياقا.. بوحا مشروعا
يعلن عن حاجته
أن يولد بين يديه
وأمام العينين
كى نتأمل.. بنصر ما يخفى
مرحى يا رسام الضوء
حرفك لون الفرحة
طعم الأيام الجهمه
والسنوات الخضر
شرف الإنسان المسكون
بالحب وبالثورة.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:26 PM
(15) جبريل.. ومعنى الحرية


بقلم: زينب العسال
.........................

(القسم الأول)
.................
فى شهادته المنشورة فى مجلة "فصول" يقول محمد جبريل: "أنا مبدع مهموم سياسيا.. إنها سدى اهتماماتى الشخصية والإبداعية فى الوقت نفسه."
جبريل المهموم سياسيا والمعنى بتحقيق الحرية السياسية التى هى حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة.. يوسع من مفهوم الحرية، فالأهم عنده من الكتابة عن الحرية.. هو "أن أكتب فى حرية، وأن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه، أو أعلن المعاداة، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى..
هذا الهم السياسى يبين عن نفسه فى غالبية كتابات جبريل الإبداعية منذ كتابه الأول "الملاك" والذى نشره ولم يتجاوز سن الكاتب آنذاك خمسة عشر عاما بعبارة.. "أشياء ثلاثة كرست حياتى للدفاع عنها: الحق والخير والحرية.. وأرى أن التمتع بالحرية كفيل بأن يحقق الخير والحق.. هل يمكن للإنسان أن يشعر بإنسانيته إلا إذا كان حرا!.. وهل يمكن للإنسان أن يتمتع بالحرية إذا لم يتمتع بها الآخرون؟! إن مبدأ الحرية يلازمه بالضرورة علاقة الفرد الإنسان بالسلطة أيا كانت هذه السلطة.. سواء أكانت سلطة الحاكم أو سلطة الجماعة/المجتمع أو السلطة الأبوية.. البعض لا يرى وجود تعريف محدد للسلطة فإعطاء مفهوم للسلطة سيكون الأمر أكثر سلطوية.. فالسلطة متعددة الوجوه خافية وظاهرة.. من الممكن أن تكون سلطة مركبة.. متعددة.. ومتغيرة الوجوه.. "يمكن أن تعرف نفسها بكونها ذات أسماء عديدة، وتوجد فى كل الأمكنة والخطابات من الأسرة إلى الدولة، من التابو إلى الليبيدو، من العلم إلى الإيديولوجيا، من المستشفى إلى السجن، من العقل إلى الجنون، ومن المدرسة إلى الكنيسة.(1)
السلطة إجمالا قائمة فى كل خطاب نقوم به حتى ولو كان يصدر من موقع خارج السلطة وهى لها آلياتها المتعددة.
كان الحديث عن السلطة فى عصور ماضية لا يتم إلا عن طريق الرمز.. فيكون الخطاب على لسان الطير أو الحيوان أو يلجأ الكاتب إلى استخدام البلاغة. إن السلطة هنا تتعلق بالسياسة، لا تتعلق بمن يحكم بقدر تعلقها بكيف يحكم؟ (2)0
هذا المفهوم تشير إليه روايات "الأسوار" و"إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"قاضى البهار ينزل البحر" و"الصهبة" و"قلعة الجبل" و"الخليج" و"المينا الشرقية".
من الخطأ البالغ أن نقول إن العلاقة بين المصرى والسلطة سارت دائما فى خط واحد ثابت.. القهر من جانب السلطة والخنوع المطلق من جانب المصرى.. فقد حدثت على مدار التاريخ عدة ثورات شعبية فى مواجهة السلطة الغاشمة..
أعلن الإمام فى "إمام آخر الزمان" أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة، فالأئمة عليهم نفس مسئوليات الأنبياء، وإن كان لا يوحى إليهم.. محمد جبريل يرصد بذكاء فكر الإمام الطاغية، فهو يصادر كل صوت سيعلو بالرفض لسياسته بأن هذه السياسة هى إلهام من عند الله فلا يحق للمسلم رفضه أو حتى مناقشته!.. تطلع الشعب إلى ظهور الإمام الحق "المهدى المنتظر" فكان أول ما فعله هو القضاء على المباذل "أغلقت دور السينما والملاهى الليلية أبوابها.. اقتصرت مواد الإذاعة والتليفزيون على البرامج الدينية والجادة وتلاوات القرآن الكريم.. أوقفت البنوك معاملاتها بالفائدة، ألغيت المدارس المختلطة، شجع على إنشاء الأسبلة والكتاتيب والمساجد.. خصص للعده يومين كل أسبوع فى مجلس عام.." هكذا كانت البداية وهى فى الغالب هكذا.. فإذا أمعنا النظر وجدنا أن بذور السلطة والتفرد بالحكم بادية لكل لبيب.. فهو الذي يقرر بالإغلاق وتحويل مسار البرامج.. التوجه للدعاية الدينية للنظام.. أى اصطباغ النظام بصيغة دينية واضحة. إعادة نظام قديم للتعليم أمام غلق المدارس المختلطة إيذانا بأن على المرأة أن تختفى ويتراجع دورها فى صنع المجتمع، ومن ثم لم نفاجأ بأنه يعيد النساء إلى بيوتهن وإلزامهن بالتزيى بالزى الإسلامى.. وفى خطوة أخرى للتفرد بالسلطة وإحكام قبضة النظام على مقاليد الأمور "اتخذ رجال أمن الإمام أماكنهم بين المصلين، فلا يصلون ولا يغادرون المسجد إلا وهو يغلق أبوابه.." فقد صار الوطن سجنا كبيرا للجميع. سلطة كهذه نجدها تهمل شئون الناس وأمور حياتهم.. يتفاقم الوضع على قسوة الحاكم الذى يهدد شعبه بالتنكيل والقتل لكل من يفكر فى المقاومة.. ورغم ذلك ترددت الألسنة وتساءل الناس: لماذا لا نقاوم؟!
يدين محمد جبريل أصحاب الرأى الذين يكتفون بالمناقشة ومتابعة أفعال الإمام بالاستهجان والاستنكار.. ولكن لا يتحول الموقف إلى فعل إيجابى ممثلا فى الثورة.. فهم ينتظرون أن يأتى إمام جديد بالحل.. ثم ترجع ريما لعادتها القديمة.. فيعم الفساد والمظالم.
ظهرت فكرة جماعية القيادة التى طالب بها صفوة العلماء والفقهاء المفكرين.. لم تحظ بقبول..
-أية جماعية وأية قيادة؟ النبوة ليست بالشورى.. فلماذا نطلب ذلك فى الإمامة، لقد أعطونى طاعتهم حين أعطونى إيمانهم بى.
انتقل الإمام من خلوته إلى قهوة السيالة.. مكانا شعبيا يلتقى فيه بعامة الناس.. لا يتحدث عن الدين والآخرة –فقط- بل يتحدث عن حياة الناس ومعاشهم.
ولكن هذا الرجل الذى أمل الناس فى إمامته يقتل ذات يوم.. ليظل السؤال قائما. هل لابد من الفرد الذى يقود الجماعة؟! ولماذا لا يحكم الناس أنفسهم؟!
يظل الشعب يعانى وتبدأ الثورة بالهمس.. ثم تعلو النبرة، ليعلو صوت الثورة هادرا فى كافة العواصم العربية والإسلامية، لقد دفع الحفناوى حياته ثمنا لتحرك الناس نحو حريتهم، كان موته هو المحرك الأول لتأخذ الجماعة المبادرة وتتحرك لاختيار من يقودها بينهم.
فى رواية قلعة الجبل تأخذ الجماعة دورها فى الوقوف ضد بطش وقهر السلطان خليل الحاج أحمد.. فالسلطان الذى اختلف النص فى الحديث عنه.. وتعددت الأصوات، وإن ظل الكاتب متعاطفا مع عائشة القفاص، متحدثا عن قضيتها بنوع من التعاطف الذى جمع أهل حدرة الحنة والمناطق المحيطة بها لتقف فى ثورة عارمة أمام بطش السلطان.. ما الحكاية إذن؟
-تعجب السلطان من امرأة مصرية من عامة الشعب.. يشرد زوجها أو يتخلص منه ومن والدها وخالها وكل من يتعاطف مع عائشة.. تبدو المسألة أنها خلافات بين الرواة فيما ذكروه فى شأن السلطان وحكايته مع عائشة.
"فاعلم أن السلطان خليل بن الحاج أحمد كان متدينا وعالما وفاضلا، عنى برفع التهارج، ورد الثوابت، وقمع المظالم ونصرة المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. وكان له فى عقاب المفسدين اختراعات مهلكات وإن استمد أحكامه من مصادر التشريع الإسلامى..

هل يختلف السلطان خليل عن أى إمام ورع صالح.. غير أن حقيقة الأمر تضعنا أمام صورة أخرى رسمها الكاتب لهذا الرجل.. فقهره لم يعلن عنه مباشرة.. فقد استخدم سلطته فى اجتذاب عائشة للصعود إلى القلعة.. ثم التأثير على زوجها خالد عمار.. ووالدها.. فشلت المحاولة.. فكان البطش.. والتخلص من الخصوم بتلفيق التهم.. والتفنن فى العقاب الرادع!
لم يقف الأمر عند أهل عائشة بل امتد إلى كل شخص حاول أن يقف بجوارها أو لجأت إليه.. بدأ القمع بأناس عاديين واتجه إلى رموز فى السلطة ذاتها.. الخليفة لفقت له تهمة الخيانة، تحدث السلطان عن رسائل بعث بها الخليفة إلى أمراء البلاد يدعوهم فيها إلى مخالفة السلطان.. ثم تخلص من زوجته الأولى.. خرج الناس فى الأسواق والشوارع والعطوف ومضوا إلى قلعة الجبل، تجمعوا حول القلعة يدعون ويطالبون بعودة عائشة ونزولها من القلعة..
استجاب السلطان لثورة الشعب، عادت عائشة إلى منزلها فى حدرة الحنة، وفتح التجار حوانيتهم، وفتحت أبواب جامع الأزهر.. سكنت الفتنة..
إن المهادنة هى الطريق الذى سلكه السلطان خليل أمام ثورة الشعب.. لقد أوهم الرعية بأنه يستجيب لطلبهم.. تقرب إليهم.. خرج إليهم حيث كانوا.. يسأل عن أحوالهم ومعاشهم.. يتفقد المساجد ودور العلم ويتأمل بعناية تسوية الشوارع ونظافتها.
أختلف مع د.ماهر شفيق فريد فيما وصل إليه من أن هناك صوتين متجاورين فى رسم شخصية السلطان.. وقد أدى هذا إلى التباس القارئ.. والحقيقة أن القارئ مع مضيه فى قراءة الرواية سوف يكتشف بل يرسم صورة صادقة للسلطان خليل، وهى الصورة التى أرادها محمد جبريل وبث ملامحها، وهى صورة الحاكم الطاغية، فما صوت الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا تأكيدا على تلك الملامح التى رسمها جبريل لهذا الحاكم الطاغية. فيقول الراوى "أشفقت على سيرته من تشويه الموتورين لها، ومؤاخذتهم المعيبة عليها، وإلباسها ثوب الفجاجة.. فبدا الكذب حقيقة" فسيرة الرجل بداية مليئة بالمظالم والأخطاء، وما كان على الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا أن ينفى هذه الصورة. إن وظيفته تشير إلى وظيفة وسائل الإعلام التى تقوم بتجميل صور الحكام الطغاة.. فتقدمهم فى صورة مخالفة لما يعرفه الناس عنهم.
يصف إريك نبتلى الكاتب –أى كاتب- بأنه "متسائل، منشق، خارجى،متحرر، صانع للمشكلات فى حرب على زمنه، مأخوذ بذلك دائما، يقف إلى جانب الأفضل فى عصره، مساعدا إياه على فهم ذاته.
ويقول جبريل: "إن لى موقفا –أتصوره واضحا- من القضايا الإنسانية والاجتماعية، وهذا الموقف يبين ن نفسه فى أكثر من عمل قصصى وروائى، ثمة وشيجة تربط روايتى "الأسوار" مثلا بقضية التحقيق برواية "قاضى البهار ينزل البحر"، ربما تناولت الفكرة نفسها، الموضوع ذاته فى أكثر من عمل."
يحمل إبداع محمد جبريل ملامح المفكر القلق الذى يبحث دوما عن كل ما هو حقيقى وإنسانى فى هذا العالم، وهذه التيمة التى تفرض نفسها فرضا، فالأدب مهما اختلف النقاد فى تعريفه، هو إفراز فنى للأفكار التى تعتمل داخل أحشاء المجتمع المعاصر"! (3)
فى روايته "الأسوار".. يفتدى البطل الملقب بالأستاذ هؤلاء المعتقلين والذين نسيتهم السلطة، أو تناستهم التعبير الأدق. فالأسوار من بعيد –مدينة أسطورية.. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجى، أبراج الحراسة من الأركان الأربعة، الممنوعات –ما عدا التقاط الأنفاس، تشمل كل شئ: الأفلام، والأوراق والصحف والراديو والمناقشات. فهى بقعة فى جزيرة رملية يحدها.. الأفق.. لا خطوط تليفون ولا قضبان قطارات ولا طرق رملية.
الأستاذ هو رجل انغمس بالتطورات السياسية فى بلده.. وهو يتمتع بذات مناضلة تحيا واقع الجماعة وتخلص لقضاياها.. أحبه الجميع على اختلاف مشاربهم السياسية فمنهم الوفدى والسعدى والإخوانى والشيوعى، والنشال والقواد وطالب الثأر والقاتل وبائع المخدرات".(4)
فى المعتقل ثمة مواجهة مباشرة للسلطة وآليات قهرها يتعرض لها كل المعتقلين.. قامت الثورة وأسفرت عن إرسال تلغرافين للحكومة لم يرض الأستاذ ولا الجماعة بتحسن الأوضاع، فالحرية لا تتجزأ (5)
شعرت إدارة المعتقل/ السلطة بأن هناك عقلا مدبراً يقود المعتقلين، عملت على التخلص منه، جندت العملاء من ذوى النفوس الضعيفة.. وجدوا فى حلمى عزت ضالتهم المنشودة، هددوه بافتضاح أمره.. نقل حلمى عزت الفكرة إلى الجماعة "بدت الفكرة اقتراحا مجنونا فى بادئ الأمر، لكن الليل البارد والأسوار والصحراء التى لا يحدها الأفق ولدغات العقارب والعذاب والغربة والحراس والوحشة والشوق والملل، ذلك كله جعل من الاقتراح المجنون –فى أقل من يوم- حلا مقبولا".(6)
إن القائد هنا هو واحد من الجماعة.. قدم نفسه فداء لأفكاره ومعتقداته، إنه يعلم بالمؤامرة منذ البداية، فقد دبر أمر الأوراق التى طويت على اسم واحد هو اسمه.. كان على الأستاذ منذ البداية أن يبث الوعى فى نفوس المعتقلين بأهمية الثورة.. والإعلان عن رفض واقعهم المهين داخل المعتقل.. ضحى الأستاذ بنفسه فى سبيل تحقيق مبادئه بالدفاع عن المظلومين حتى لو كانوا من القتلة والقوادين وتجار المخدرات.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:27 PM
(القسم الثاني)
إن المواجهة مع السلطة كانت شرسة وعنيدة دفع ثمنها المعتقلون، فإحرق الأستاذ المحرك الفعلى لهم فى مناهضة الظلم والقهر، وكان دافعا لهم لمواصلة النضال ورفضهم الاستسلام لإدارة المعتقل.. سمع صوتهم لأول مرة فكان انتصارهم وهزيمة السلطة أمام عزمهم.. إن الإشارات الدالة التى بثها محمد جبريل فى نسيج روايته وعلى لسان أبطاله، وعبر اقتباسات متعددة تؤكد على قيمة الفداء والتضحية وهى صلب علاقة المثقف بجماعته ومجتمعه.. "ألا تعلمون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها" (يوحنا 11/50).
كانت العلاقة بين السلطة والمثقف علاقة يشوبها –دائما- التوتر، بدأت السلطة تعى مع العقد الثالث من القرن العشرين دور المثقف فى المجتمع، يكفى أن نشير إلى ترسانة هائلة من التشريعات المقيدة للحريات مثل قوانين المطبوعات، التشريعات المقيدة لحقوق الاجتماع والتجمهر والتظاهر، بل وتقييد التقاضى أحيانا واستحداث أنواع من القضاء الاستثنائى، بالإضافة إلى اللجوء –بصفة شبه مستمرة- إلى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية".(7)
إذا كان الحال هكذا مع المثقف، هل ينتمى محمد إبراهيم مصطفى العطار إلى "قافلة المثقفين الذين عانوا من صلف السلطة، أمثال: على عبد الرازق وبيرم التونسى وسيد قطب وشهدى عطية.. ومجموعة المثقفين التى تم اعتقالها فى خريف1980.. بالطبع لا.. "فقاضى البهار" إنسان بسيط يعمل فى إدارة التخليص الجمركى لا يتعاطى السياسة وليس له أى نشاطات سياسية من أى نوع!.. فلماذا تطارده السلطة؟ وتوجه إليه التهم وحين تفشل فى إثبات تلك التهم تدس عليه "بقلوظة" الراقصة لتلفق له التهم وتراقب جيرانه وأصدقاءه وتسأل عن جميع من يحيطون به فى هجمة شرسة لتبحث عما يشينه ويدينه".(8)
تتكدس التقارير ونتائج الملاحقات، وتقوم أجهزة الشرطة بمطاردة كل من له صلة بقاضى البهار سواء فى الماضى أم الحاضر، فهل وجدت السلطة فى صمت أو لنقل تجاهل الإنسان المصرى العادى حيال آليات قهرها وملاحقتها للفرد فى صور شتى من العنف والاضطهاد نوعا من المقاومة؟ هل انتهت السلطة من ملاحقة كل من له نشاط سياسى وقهره بزجه داخل السجون والمعتقلات فلم تجد أمامها إلا الإنسان البسيط المهموم بلقمة عيشه تكيل له كل الاتهامات وتوقع به فى حبائلها..
كان لقاضى البهار سمعة طيبة بين جيرانه وأهله، هل حنق أجهزة الأمن ضده جاء من حرصه على اقتناء الكتب السياسية والدينية والتاريخية، فقد تحسبت أن يقوم بدور ما.. أليس فى نظرها مثقفاً؟!
الحقيقة أن سيرة محمد قاضى البهار لا تشى بالمرة بوجود ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين السلطة التى بطشت به وبأسرته ومعارفه وجيرانه.. تحولت حياة قاضى البهار بسبب ملاحقة أجهزة الأمن له إلى جحيم لا يطاق!
تنتهى الرواية بلغز اختفاء قاضى البهار.. لا يعنى الاختفاء الموت.. هل اختفاء محمد قاضى البهار يساوى اختفاء الإمام المنتظر إلى حين ظهوره؟ هل كان اختفاء قاضى البهار احتجاجا على كل هذا العنت ممثلا فى المطاردات وإدانة أجهزة الأمن للأبرياء أو المعارضين لها؟
إذا كان قاضى البهار لم يشعر بالدهشة لما يعانيه من مضايقات أجهزة الأمن له ولكل المقربين إليه.. فإن عادل مهدى يفاجأ باعتراف مساعد فى مباحث أمن الدولة أنه راقب الندوة لمدة ثلاث سنوات.. هذا ما حدث الضبط فى رواية "المينا الشرقية" التى تتناول خفايا الحياة الثقافية عبر الحديث عن ندوة أدبية يعانى من يتردد عليها من مشكلات متعددة، حيث تتشابك العلاقات وتتعقد فيما بينهم وبين أفراد المجتمع.
كان السؤال الهاجس الذى ظل يردده عادل مهدى.. ما دخل الندوة بالمباحث؟ وماذا فيها لتراقب؟ عانى عادل مهدى من الإحساس بالخوف، ظل يبحث عن هوية هذا المجهول الذى ظل سنوات ينقل التقارير عما يدور فى الندوة، وهل كانت التقارير صادقة، أم أضاف إليها.. من هذا "الشبح الذى ظل يرصد الكلمات والأفعال والإيماءات، لقد زرع الشك داخل نفس الرجل، فشرع فى تمزيق أوراقه وصوره.. وأجندة التليفونات!
لم تبطش السلطة/المباحث بالندوة، وإن ظل الهاجس قائما، من يكون المدسوس عليها؟
-إن ما قاله الرجل عمل روتينى.. فهذه مهمة المباحث أنها تراقب الكلمة والنص، فعلاقة السلطة بالكلام وثيقة جدا، ولذلك كانت السلطة تسعى دوما إلى حماية الكلمة بشتى الطرق، وفرض السكوت إما بالقمع المادى الذى يكشف عن عجز هذا الخطاب على التلاؤم مع النص.. ومن ثم تأتى المراقبة والعرقلة والمصادرة، والحبس وترديد مفهومات مضادة لخطاب النص تقوم بعملية التشويش والتضليل!(9)
هل كان ما تعرض له محمد الأبيض من معاناة سببا فى تعاونه مع أجهزة الأمن؟
-"تقدم الرجلان، ثنيا ذراعيه وراء ظهره، وسدد الثالث الواقف أمامه لكمات متوالية فى بطنه.. علق قدميه فى حبل مبروم متدل من السقف ورأسه فى أسفل.. توالت الضربات على القدمين المعلقتين. لم يشعر محمد الأبيض باليأس ولم يعن بتلك الممارسات وألوان التعذيب كى يعترف على جريمة لم يرتكبها..
-أعترف محمد الأبيض لعادل بأن القراءة وراء عدم شعوره باليأس حتى عندما منعوه من القراءة.. "كنت أستعيد ما أحفظه من قصائد وكنت أغنى أحيانا"!
ظل محمد الأبيض مطاردا.. يشعر بهذه المطاردة.. فكل تصرف مرصود.. هل يرصد تحركات كل من يعرفه.. هل كان محمد الأبيض الشخص الذى جاءوا بسببه إلى الندوة؟
اعترف محمد الأبيض أن الحادثة القديمة تشكل جثة هامدة يجرها.. "عاد محمد الأبيض إلى المينا الشرقية، والندوة والعمل والبيت، لكنه لم يعد إلى الحياة، حياته"!(10)
تظل للسلطة هيمنتها على حياة من اصطدم بها.. وعانى من آلياتها المتفننة فى الاستجواب والتحقيق والتعذيب.. فالإنسان قبل الملاحقة ومواجهة السلطة وقهرها يختلف حتى بعد مواجهتها.. يظل هناك شئ ما انكسر فى نفس هذا الإنسان الذى يحاول جاهدا لملمة شتات نفسه وخاصة إذا كان بريئا لا يعرف ما ارتكب من تهم أو جرائم.. لكن السلطة أبدا لا تعترف بخطئها وعجزها.. تظل تلاحقه إلى أن يعترف بما تريد له أن يعترف به.
فى نهاية رواية "المينا الشرقية" يوصى عادل مهدى أمه بنفسها.. ثم ينزل إلى هؤلاء الذين سألوا عنه منذ ساعتين! عادل هو واحد ممن تعرضوا لاضطهاد السلطة أيا كانت هذه السلطة، فهو يقف بجوار الأستاذ وبكر رضوان فى "الأسوار" ومحمد الأبيض فى "المينا الشرقية" وعائشة القفاص وخالد عمار زوجها فى "قلعة الجبل"، وقاضى البهار فى "قاضى البهار ينزل البحر".
هوامش:
1- راجع بارت
2- راجع عمر أوكان.. مدخل لدراسة النص والسلطة.. الناشر أفريقيا الشرق
3- د.نبيل راغب، مصر فى قصص كتابها المعاصرين، كتاب أصوات العدد24 إعداد د.حسين على محمد
4- رواية الأسوار
5- من حديث إذاعى أجرى مع الكاتب 15/1/1974
6- رواية الأسوار
7- راجع على فهمى، المصرى والسلطة، مجلة فكر فبراير 1985
8- د.حسين على محمد، صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل، دار الوفاء1999
9- راجع جولد شيلفر، نحو سيمياء الخطاب السلطوى، ترجمة مصطفى كمال، العدد الخامس، السنة الثانية، دار البيضاء 1987
10- رواية المينا الشرقية.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:30 PM
(16) الموروث الشعبي في كتاباتي الروائية

بقلم: محمد جبريل
................

نشأت فى بيئة تحض على عشق الموروث الشعبى . حى بحرى شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية . إلى اليمين الميناء الشرقى ، أو المينا الشرقية فى تسمية السكندريين . وإلى اليسار الميناء الغربى ، أو المينا الغربية ، وفى المواجهة خليج الأنفوشى ، ما بين انحناءة الطريق من نقطة الأنفوشى إلى سراى رأس التين ..
هذه البيئة تتميز بخصوصية مؤكدة ، فالبنية السكانية تتألف من العاملين فى مهنة الصيد وما يتصل بها ، ومن العاملين فى الميناء وصغار الموظفين وأعداد من الحرفيين والمترددين على الجوامع والزوايا والأضرحة ، فضلاً عن الآلاف من طلبة المعهد الدينى بالمسافرخانة ..
وإذا كان لبيئة البحر وما يتصل بها ، انعكاسها فى العديد من أعمالى الإبداعية ، فإن البيئة الروحية لها انعكاسها كذلك فى تلك الأعمال ..
ثمة جوامع أبو العباس وياقوت العرش والبوصيرى ونصر الدين وعبد الرحمن بن هرمز وعلى تمراز ، وثمة أضرحة كظمان والسيدة رقية وكشك وعشرات غيرها من جوامع أولياء الله الصالحين ومساجدهم وزواياهم وأضرحتهم . وثمة الموالد وليالى الذكر والأهازيج والأسحار والتواشيح ، وليالى رمضان وتياترو فوزى منيب وسرادق أحمد المسيرى وتلاوة القرآن عقب صلاة التراويح فى سراى رأس التين والتواحيش ، واحتفالات الأعياد : سوق العيد وما يشتمل عليه من المراجيح وصندوق الدنيا والأراجوز والساحر والمرأة الكهربائية وألعاب النشان والقوة وركوب البنز والحنطور من ميدان المنشية إلى مدرسة إبراهيم الأول ، وتلاقى الأذان من المآذن المتقاربة ، والبخور والمجاذيب والمساليب ، والباحثين عن النصفة والبرء من العلل والمدد ، بالإضافة إلى المعتقدات والعادات والتقاليد التى تمثل ـ فى مجموعها ـ موروثاً يحفل بالخصوصية والتميز ..
حين أراجع أعمالى الإبداعية بدءاً من قصتى القصيرة الأولى [ إلى الآن حوالى 90 قصة قصيرة و18 رواية ] فإن تأثير ذلك كله يبين فى العديد من المواقف والشخصيات ، وفى تنامى الأحداث ..
***
رباعية بحرى ، عمل روائى من أربعة أجزاء : أبو العباس ، ياقوت العرش ، البوصيرى ، على تمراز . تعرض للحياة فى بحرى ، منذ أواخر الحرب العالمية الثانية إلى مطالع ثورة يوليو 1952 . لوحات منفصلة من حيث تكامل اللحظة القصصية ، ومتصلة من حيث اتصال الأحداث ، وتناغم المواقف ، وتكرار الشخصيات ..
أنسية التى طالعتنا فى بداية الجزء الأول من الرباعية ، هى أنسية التى انتهت بها أحداث الجزء الرابع والأخير . وما بين البداية والنهاية نتعرف إلى دورة الحياة من ميلاد وطفولة وختان وخطبة وزواج وإنجاب وشيخوخة ووفاة ، فضلاَ عن الحياة فى المعهد الدينى بالمسافرخانة ، وحلقة السمك ، وحياة الفتوات، والعوالم، وما يتسم به ذلك كله من اختلاف وتميز ، بقدر اختلاف البيئة وتميزها ..
على سبيل المثال ، فإن الحياة فى البحر ، وصلة البحر واليابسة ، والمؤمنين بطهارة الماء ، وقدرة البحر على أعمال السحر ، والحكايات والمعتقدات عن عرائس البحر والعوالم الغريبة وكنوز الأعماق ، والخرافة ، والأسطورة ، والزى التقليدى ، والمواويل ، والأغنيات ، والأمثال ، والحكايات ، وخاتم سليمان ، والمهن المتصلة بمهنة الصيد كالصيد بالسنارة والطراحة والجرافة ، وأسرار الغوص فى أعماق البحر ، وغزل الشباك ، وصناعة البلانسات والفلايك والدناجل وغيرها ، وركوب البحر ، وبيع الجملة فى حلقة السمك ، وبائعى الشروات .. ذلك كله يتوضح فى الشخصيات التى كانت الحياة فى البحر مورد الرزق الأهم ـ أو الوحيد ـ لها ..
أما الروحية التى تمثل بعداً مهما فى حى بحرى ، فهى تبين عن ملامحها فى كثرة الجوامع والمساجد والزوايا والأضرحة ، ورفع أولياء الله عن الغلابة والمنكسرين ما يحيق بهم من ظلم ، وكرامات الأولياء من اطلاع على الكائنات ، وطى الأرض ، والسير على الماء ، والطيران فى الهواء ، وإتيان بالثمار فى غير أوانها ، وتحويل ماء البحر إلى ماء عذب ، وتواصل الكرامات حتى بعد أن يرحل الولى ، والمكاشفة التى تحققت على يد أبى الدرداء حين أنقذ الإسكندرية من طوربيد ألمانى فى غارات الحرب العالمية الثانية ، والخضر الذى يظهر للمراكب حين يهددها خطر النوات ، فينقذها ، وتجليات الصوفية فى الإشارات والأسرار والرموز ، وارتقاء الدرجات من المريد إلى المقدم فالنقيب فالخليفة خاتمة الدرجات الروحية ، ودروس المغرب ، وتصورات مشاهد الجنة والنار ، والخوف من الجن والمردة والعفاريت ، وإيقاد الشموع على أضرحة الأولياء ، وتقديم النذور ، وكنس النساء للأرض بالملاءات ، أو التمرغ عليها ، يطلبن الخلفة والمصلحة والشفاعة والمدد ، والوصفات الشعبية ، وأعمال السحر ، والتربيط ، والأعمال السفلية ، والوسائل التى بلا حصر لعلاج الإجهاض ، أى سقوط الجنين قبل أن يكتمل نموه : وَصْفات غريبة ، وقاسية ، وتجارب لابد أن تخوضها المرأة الحامل لتحتفظ بالجنين ، ودلالات ظواهر الطبيعة من شمس وقمر ونجوم وكواكب ورياح وعواصف ونوات ومناطق وفرة ـ وجدب ـ السمك . الشمس تجاوز صفتها الظاهرة ، فتتحول إلى صديق للجد السخاوى ، يعرض عليها مشكلاته ، ويأخذ منها ويعطى ، وحين يحس بدنو الأجل فإنه يتطلع إليها ويخاطبها بما لم يتبينه أحد ..
***
روايتى القصيرة الصهبة تتناول طقساً شعبياً ، تغلب عليه الأسطورة . المرأة المنقبة التى تخضع لمزاد وهمى ، من يرسو عليه ، يرفع عن وجهها النقاب ، فيتجدد أملها فى الإنجاب . ويختلط الواقع بالحلم فى أحداث الرواية ، فتغيب الملامح . لا يدرى إن زارته فى الصحو أو فى المنام ، ولا يبين ناس الصهبة عن هويتهم حتى يهمس صوت الأم وهى ترى ابنها ينزل درجات البيت إلى حيث يتجمعون : هل انجذب ؟!
***
أما روايتى زهرة الصباح فهى محاولة لتوظيف حكايات ألف ليلة وليلة فى عمل أدبى حديث . زهرة الصباح هى الفتاة التى تلى شهرزاد فى قائمة الفتيات اللائى ينتظرهن سيف " مسرور " . كانت تحيا فى ظل الخوف من أن يمل شهريار ، أو تخفق شهرزاد فى الحكى ، فيحل دورها . وحاول أبوها ـ وهو من المقربين إلى شهريار ـ أن يفيد من تلك الفترة فى رواية الكثير من الحكايات والطرائف والنوادر والأخبار والعبر والنوادر والسير والمواويل ، تنصت إليها زهرة الصباح ، وتحفظها . تحيلها مخزوناً حكائياً ليعينها على مواصلة الحكى ..
كانت قدرة شهرزاد على استدعاء الحكايات ، أو اختراعها ، وروايتها ، هى وسيلتها للإبقاء على حياتها ، فهى إما أن تصل الحكايات ، كل حكاية بأخرى ، أو تموت . فإذا نفد ما بحوزتها من الحكايات ، أو فقدت القدرة على الإدهاش ، وفقد شهريار بالتالى فعل المتابعة والدهشة ، واصل السياف مسرور حلقات سلسلة الإعدام .. ذلك كله كان يعلمه عبد النبى المتبولى ، فشغل معظم وقته بتحويل ذاكرة زهرة الصباح إلى خزانة تستوعب كل ما استطاع حفظه فيها من الحكايات والحواديت والعظات والعبر ..
تضمن السرد الروائى الكثير من جوانب الموروث الإبداعى العربى . ضُفّر فى نسيج العمل الروائى ، لا لانتساب الرواية إلى عالم ألف ليلة وليلة باعتبارها تراثاً إبداعياً فحسب ، وإنما لأن أحداث الرواية تدور فى أجواء شعبية ، ففيما عدا الشخصيات الرئيسة القليلة ، فإن غالبية الشخصيات من الطبقات الأدنى والمهمشين ..
***
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:30 PM
(القسم الثاني)
.............
ونحن نستطيع التعرف إلى البدايات الأولى للموروث الشعبى فى حياتنا الآنية ، من خلال توالى الإجابة عن الأسئلة الاثنين والأربعين التى أعادت تقديم سيرة حياة المواطن زاو مخو فى صورتها الصحيحة ، فى روايتى اعترافات سيد القرية . الإيمان بالخلود ، تقديم النذور والقرابين ، الأدعية والرقى والتعاويذ ، العلاقات الأسرية ، السيرة ، الأسطورة ، الخرافة ، الحكاية الشعبية ، الخطابة ، الطرفة ، الطب التقليدى ، التيقن من القدرات العلاجية لشجرة الجميز ، الصفات الشعبية التى تشعل الشبق فى جسد الرجل ، وتسرى بالخصوبة فى جسد المرأة ، الموسيقا الوطنية ، إلخ ..
***
روايتى بوح الأسرار تحاول ـ من خلال معالجة فنية ـ أن تجيب عن السؤال : لماذا اختار الوجدان الشعبى هذه الشخصية أو تلك ، ليضفى عليها من هالات القداسة والعظمة ما يجعل منها أحد أبطاله الشعبيين ؟
حاولت أن أجيب عن هذا السؤال ـ بصورة مطولة ، تقترب من العلمية ما أمكن ـ فى كتاب لى صدر مؤخراً بعنوان " البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ، ناقشت فيه جوانب البطولة فى عدد من الشخصيات التى وضعها الوجدان الشعبى فى ذلك الإطار : لماذا اختار عنترة من بين مئات الشعراء فى الجاهلية ؟ ولماذا اختار الظاهر بيبرس من بين حكام المماليك ؟ ولماذا اختار السيد البدوى من بين الكثير من أولياء الصوفية الذين نسبت إليهم مساجد وأضرحة ؟ ولماذا اختار على الزيبق وابن عروس وياسين ومتولى وأدهم الشرقاوى وغيرهم ؟..
التقيت بالمجرم محمد أبو عبده ، أو ابن بمبة فى قرية السمارة الواقعة على حدود الشرقية والدقهلية . بدا فى أحاديث الجميع شخصية أسطورية . كان أبناء القرية يتحدثون عنه بتوقير وحب ، فى حين حذرنى مأمور مركز السنبلاوين وعمدة القرية من محاولة التعرف إلى الرجل ، وأظهروا خشيتهم من أن يرفض لقائى ، أو لا يحسن استقبالى . لكن الرجل استقبلنى بحميمية مصرية ، ودعانى إلى تناول الغداء . وتأملت توسطه لحل مشكلات أبناء القرية ، ومساعدته لهم فى كل ما يطرأ على حياتهم . حتى الحريق الذى أشعلته شرارة حطب ظهر يوم الصيف الذى تصادف أنى زرته فيه ، أذهلنى تصدّيه لإطفائه رغم أعوام عمره المتقدمة ..
بدا لى الرجل وأنا أغادر القرية ، تجسيداً للبطل فى الوجدان الشعبى ـ فى بالى الكثير مما استمعت إليه من الحكايات فى أعوام النشأة ـ : كيف يكتسب صفاته ، فيصبح ـ فى توالى الروايات والحكايات والمواويل والسير ـ ذلك البطل الذى تنسب إليه الأفعال الخارقة والمعجزات [ روى الصديق رفعت السعيد فى ذكرياته ـ فيما بعد ـ عن تعرفه إلى ابن بمبة فى رحلة الاعتقال والسجن . بدا معجباً بالرجل ، وأشار إلى أنه ـ الرجل ـ قتل تسعة أشخاص ، لكن الرجل أكد لى أنه لم يجاوز التخويف ، ولم يقتل أحداً ] . تصورت ابن بمبة ذلك البطل فى عملية التحول داخل الوجدان الشعبى . ولجأت إلى تقنية تعدد الأصوات التى اختلفت رواياتها فى تصاعد درامى ، تتحول فيه شخصية فرج عبده زهران ، أو ابن شفيقة ، من شاب يحترف الإجرام إلى ولى له بركاته وكراماته ومكاشفاته ، وضريحه الذى يقصده الناس لالتماس المدد ، والمولد السنوى ، وحفلات الذكر .. ما بواعث التحول ؟ وكيف ؟ وما نتائجه ؟..
تباينت الروايات فى طفولة ابن شفيقة ، ونشأته ، والظروف التى أفضت إلى تحوله إلى بطل شعبى . بالتحديد إلى ولى صوفى . لكن الروايات لم تختلف فى أن فرج خليل قد أصبح له ضريح ومقام وخليفة وتلامذة ومريدون، يؤمنون بكراماته، ويذكرون الله تعالى ..
وكما يقول الصديق الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجى فى دراسته لبوح الأسرار ، إنه إذا كانت أسطورة فرج قد مرت بمراحل ثلاث : مرحلة المظلوم ، ومرحلة الدافع للظلم الواقع على الناس ، إلى مرحلة المقدس ، فإنه ـ فى المراحل الثلاث ـ كان مطارداً . مطارداً من عمدة ظالم ، ثم من قوة الإدارة المتحكمة فى الجماعة ، ثم محاولة هذه القوة مطاردة أسطورته ، وحتى بعد موته ، فإن استخدام تعدد الأصوات جعل الأصوات المطاردة خافتة ، لترتفع الأصوات الواقفة مع فرج ساعة تكوّن أسطورته . إن الأسطورة هنا تمثل الواقع الاجتماعي للجماعة".
***
وفى قصصى القصار ، تتناثر لمحات من الموروث الشعبى ، متمثلة فى العديد من سلوكيات الحياة ، والمفردات ، والتعبيرات ، وغيرها مما يعبّر عن التميز الذى تتسم به منطقة بحرى فى حدودها الجغرافية ، المحددة ، والمحدودة : الزى الوطنى ، الطب الشعبى ، ألعاب الأطفال وأغنياتهم ، نداءات الباعة ، الكناية ، النكتة ، المعايرة ، القَسَم ، الطرفة ، المثل ، الحلم ، وغيرها ..
***
والحق أنى حين أراجع إبداعاتى التى وظفت ـ أو استلهمت ـ الموروث الشعبى ، أجد أنها وليدة العفوية ومحاولة التعبير عن الواقع . هذا هو ما أفرزته تجربة الحياة والمشاهدة والقراءة والتعرف إلى الخبرات . لم أتعمد الإفادة من الموروث الشعبى ، بل هو الذى فرض معطياته فى مجموع ما كتبت .

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:31 PM
(17) محمد جبريل: نبذة عن حياته

إعداد: شوقي بدر يوسف
......................

(القسم الأول)
.............
* ولد بحى بحرى بمدينة الإسكندرية فى 17 فبراير عام 1938
* كان أبوه محاسبا ومترجما فى نفس الوقت وله مكتبته الخاصة وقد أفاد جبريل من مكتبة أبيه فى قراءاته الأولى ويعتبرها سببا أساسيا فى حبه للأدب .
* بدأ حياته العملية عام 1959 محررا بجريدة الجمهورية مع الراحل رشدى صالح ثم عمل بعد ذلك بجريدة المساء .
* عمل فى الفترة من يناير 1967 إلى يوليو 1968 مديرا لتحرير مجلة " الأصلاح الأجتماعى " الشهرية وكانت تعنى بالقضايا الثقافية
* عمل خبيرا بالمركز العربى للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير .
* عمل رئيسا لتحرير جريدة الوطن بسلطنة عمان ( تسع سنوات ) .
* يعمل الآن رئيسا للقسم الثقافى بجريدة المساء .
* حصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب عن كتابه "مصر فى قصص كتابها المعاصرين".
* حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976 .
* درست أعماله فى جامعات السربون ولبنان والجزائر
* متزوج من الكاتبة والناقدة زينب العسال وله ابنان أمل ووليد
مؤلفاته
* الأسوار ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1973
* أمام آخر الزمان ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1984
* من أوراق ابى الطيب المتنبى ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1988
* قاضى البهار ينزل إلى البحر ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* تلك اللحظة من حياة العالم ( قصص ) ،
* الصهبة ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1990
* قلعة الجبل ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 1991
* النظر إلى أسفل ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1991
* أعترافات سيد القرية ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ،
* الصباح ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1995
* الشاطئ الآخر ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1996 وقد ترجمت هذه الرواية إلى الأنجليزية .
* حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1996
* سوق العيد ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997
* إنفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997
* أبو العباس ( رواية .. الجزء الأول من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1997
* ياقوت العرش ( الجزء الثانى من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1997
* البوصيرى ( الجزء الثالث من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1998
* على تمراز ( الجزء الرابع من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1998
* مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1998
* زهرة الصباح ( رواية ) ،
* حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1998
* الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1999
* حارة اليهود ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1999
* المينا الشرقية ( رواية ) ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2000
* رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2000
* بوح الأسرار ( رواية ) ، روايات الهلال ، القاهرة ، 2000
* مد الموج ( تبقيعات نثرية مستمدة من سيرة ذاتية ) ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2000
* نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2001
* زمان الوصل ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2002
* ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بآمر الله ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 2003
**حكايات الفصول الأربعة (رواية)، دار البستانى للنشر والتوزيع 2004
***
عنوان القصة مكان النشر العدد تاريخ النشر
الرائحة الهلال يناير 1983
الطوفان إبداع 2 س 4 فبراير1986
حكايات وهوامش إبداع 6 س 4 يونيو 1986
المستحيل إبداع 8 س 4 أغسطس 1986
انتظار الموقف العربى 77 سبتمبر 1986
فلما صحونا إبداع 6 س 5 يونيو 1987
الرفاعى والثعبان إبداع 5/6 س 7 مايو/يونيو1989
مكان من الزمن القديم إبداع 11 س 7 نوفمبر 1989
فى الشتاء نصف الدنيا 8 8/4/1990
حالة أدب ونقد 58 يونيو 1990
النبؤة الشاهد 59/60 يوليو/أغسطس 1990
تشابكات نصف الدنيا 83 15/9/1991
النبى عمران أدب ونقد 85 سبتمبر 1992
الفندق الهلال مارس 1993
الوقف القصة 85 يوليو/اغسطس/سبتمبر95
الشجرة الأهرام العربى 74 22/8/1998
مدينة الأسرار الأهرام 27/11/1998
مد الموج الرافد 40 ديسمبر 2000
البيرق الرافد 66 فبراير 2003
..........
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:31 PM
(القسم الثاني)
.....................
الكتب التى صدرت عنه
* الفن القصصي عند محمد جبريل ، مجموعة من الباحثين ، مكتبة منيرفا ، الزقازيق ، 1984
* دراسات فى أدب محمد جبريل ، مجموعة من الباحثين ، مكتبة منيرفا ، الزقازيق ، 1986
* صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، د . حسين على محمد ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الأسكندرية ، 1999
* فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ، د . ماهر شفيق فريد ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1999
* محمد جبريل .. موال سكندرى ، فريد معوض وآخرون ، كتاب سمول ، 1999
* استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ، د . سعيد الطواب ، دار السندباد للنشر ، 1999
* تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل، د. حسين على محمد، كلية اللغة العربية، المنصورة ، 2001
* فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ، نعيمة فرطاس ، أصوات معاصرة ، 2001
* روائى من بحرى ، حسنى سيد لبيب ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2001
الدراسات التى نشرت عن ابداعه فى فصول من الكتب
* ( محمد جبريل ) ، أحاديث حول الأدب والفن والثقافة ، عبد العال الحمامصى ، دار المعارف ، القاهرة ، 1978
* ( قراءة فى قصص محمد جبريل ) ، قراءة فى القصة القصيرة ، محمد قطب ، المكتبة الثقافية .. الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1981
* ( ملامح البيئة المصرية فى " إنعكاسات الأيام العصيبة " ) ، مقالات وبحوث فى الأدب العربى المعاصر ، د . صابر عبد الدايم ، دار المعارف ، القاهرة ، 1983
* ( البناء الفنى فى رواية " آخر الزمان " ) ، در اسات نقدية فى الأدبين العربى والأسبانى ، د . حامد يوسف أبو أحمد ، الفكر العربى ، القاهرة ، 1987
* ( قاضى البهار ينزل إلى البحر وأسلوب التقرير البوليسى فى بناء الرواية ) ، رواية قاضى البهار ينزل إلى البحر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* ( استلهام الأحداث والشخصيات التاريخية فى قصص محمد جبريل ) ، الظواهر الفنية فى القصة القصيرة المعاصرة فى مصر 1967 – 1984 ، د . مراد عبد الرحمن مبروك ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* ( الأسوار .. لحظات مصرية ) ، إنطباعات غير نقدية ، عبد العال الحمامصى ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، د . ت
* ( تعدد مستويات الخطاب الروائى : د . ماهر شفيق فريد ) ، رواية قلعة الجبل ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 1991
* ( رواية محمد جبريل " من أوراق أبى الطيب المتنبى .. العلاقة الجدلية بين الأدب والتاريخ ) ، دراسات نقدية فى الأدب المعاصر ، د . أحمد زلط ، دار المعارف ، القاهرة ، القاهرة ، 1991
* ( " إمام آخر الزمان " و " الأسوار " و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " ) ، العناصر التراثية فى الرواية العربية فى مصر .. دراسة نقدية 1914 – 1986 ، د . مراد عبد الرحمن مبروك ، دار المعارف ، القاهرة ، 1991
* ( محمد جبريل والبحث عن الحلم الضائع ) ، الرواية التاريخية فى أدبنا الحديث ، د . حلمى محمد قاعود ، دار الإعتصام ، القاهرة ، 1990
* ( محمد جبريل قصاصا ) ، فى القصة العربية ، د . يوسف نوفل ، كتابات نقدية .. الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1992
* ( تأملات فى روايتى " هنرى الرابع " لهانريش مان و " قلعة الجبل " لمحمد جبريل : د . عبد الله محمد أبو هشة ) ، المؤتمر الدولى للدراسات الجرمانية ج 6 ، القاهرة ، 1991
* ( العنف السياسى فى رواية " الأسوار " ) ، الرؤية السياسية فى الرواية الواقعية فى مصر 1965 – 1975 ، د . حمدى حسين ، مكتبة الآداب بالجماميز ، القاهرة، 1994
* ( " الأسوار " و " النظر إلى أسفل " ) ، الرؤى والأحلام .. قراءة فى نصوص روائية ، محمد قطب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1995
* ( محمد جبريل روائيا .. أزمة جيل من الوعى الأيديولوجى والوعى الفنى ) ، الرواية السياسية ، د . طه وادى ، دار النشر للجامعات المصرية ، القاهرة ، 1996 ص 165
* ( محاور التجربة القصصية فى مجموعة " هل " لمحمد جبريل ) ، جماليات القصة القصيرة .. دراسة نصية ، د . حسين على محمد ، الشركة العربية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1996
* ( " زهرة الصباح " البحث عن الأمل والحلم بالنجاة ) ، حوار الرواية المعاصرة فى مصر وسورية ، د . حلمى محمد القاعود ، دار إشبيلية ، دمشق ، 1998
* ( المقاومة أو الوطن إلى الجنون " حول قصص محمد جبريل " ) ، اجيال من الإبداع ، زينب العسال ، جماعة التأصيل الأدبى والفكرى ، القاهرة ، 1998 ص 78
* ( محمد جبريل .. " قاضى البهار ينزل إلى البحر " إستخدام اسلوب التقرير البوليسى فى بناء الرواية : النظر إلى أسفل والبطل المأزوم والتعبير عن أزمة المجتمع ) ، مسيرة الرواية فى مصر .. قراءة لنماذج مختارة ، د . حامد أبو احمد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2000 ص 55 ص 73
* ( غرباء على الخليج .. الخليج ) ، تقاسيم نقدية ، زينب العسال ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2001 ص 49
* ( قصدية المقاومة فى مجموعة حارة اليهود ) ، المقاومة والأدب ، د . السيد نجم ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2001 ص 62
* ( رباعية بحرى ) ، الحياة فى الرواية .. قراءة فى الرواية العربية والمترجمة ، أحمد فضل شبلول ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية ، 2001 ص 30
* ( فضاء " المكان الحلم " فى مجموعة " حكايات وهوامش من حياة المبتلى " لمحمد جبريل ، بناء " فضاء المكان " فى القصة العربية القصيرة .. نقد ، محمد السيد اسماعيل ، دائرة الثقافة والأعلام ، الشارقة ، 2002 ص 151
* ( كل إلى بيته يعود .. أو إلى " الشاطئ الآخر " ) ، اللغة والتراث فى القصة والرواية ، ربيع الصبروت ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2003
الدراسات التي نشرت عن إبداعه فى الدوريات
* قراءة فى أدب كاتب شاب .. حول محمد جبريل ، محمد قطب ، المجلة ، القاهرة ، ع 178 ، أكتوبر 1971 صص 84
* أى فن يبتعد عن الإنسان يجعل الحياة تفقد قيمتها ( حوار ) ، يوسف مظلوم ، الميساجية ، القاهرة ، 17/10/1971
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، محمد صدقى ، الجمهورية ، القاهرة ، 13/4/1972
* دراسة أكاديمية أم رواية أدبية .. حول رواية " الأسوار " ، فتحى الإبيارى ، الأخبار ، القاهرة ، 14/4/1972
* لقاء مع محمد جبريل ( حوار ) ، يوسف مظلوم ، الميساجية ، القاهرة ، 30/4/1972
* الشعب والحرب والحياة ، كمال النجمى ، المصور ، القاهرة ، 23/6/1972
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، د . نبيل راغب ، المساء ، القاهرة ، 9/8/1973
* مصر بين جمود المؤرخ وتسطيح الأديب ، د . رفعت السعيد ، الطليعة ، القاهرة ، اكتوبر 1973
* عرض لرواية " الأسوار " ، عبد العال الحمامصى ، الزهور ، القاهرة ، أبريل 1974
* الأسوار ( رواية ) ، د . نبيل راغب ، الثقافة ، القاهرة ، أبريل 1974
* محمد جبريل فى الأسوار .. الفنان من خلال عمله، محمد الراوي، الثقافة ، القاهرة ، ع 45 ، 30/8/1974
* الناس فوق الأزمنة الممتدة .. قراءة فى رواية الأسوار ، الداخلى طه ، الزهور ، القاهرة ، ديسمبر 1974
* محمد جبريل الزمان والمكان ( حوار ) ، د . نبيل راغب ، ج الجزيرة ، الرياض ، ع 1937 ، جمادى الآخر 1394
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، طه محمد كسبه ، الثقافة ، القاهرة ، 15/3/1974
* قطر الندى .. عن كتاب مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، عبد المنعم الصاوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 29/12/1975
* الإنسان وإيقاع العصر الراكض .. حول مجموع " تلك اللحظة من حياة العالم " ، حسن الجوخ ، الثقافة العربية ، طرابلس ، ع 1 س 4 ، يناير 1977 ص 40
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( تأليف محمد جبريل ) ، نبيل راغب ، الجديد ، القاهرة ، ع 135 ، 1/1/1978 ص 35
* رواية " الأسوار " محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، ج الراية ، الدوحة ، 25/2/1981
........
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:33 PM
(القسم الثالث)
...................
* رواية " الأسوار " محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، ج الوطن ، عمان ، 30/3/1981
* الفارس فوق ساحة الأزمنة .. قراءة فى رواية " الأسوار"، الداخلي طه، ج الوطن ، مسقط ، 1/6/1981
* جبريل يواصل العطاء ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، ع 254 ، 6/9/1981
* الأسوار ( رواية محمد جبريل ) محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، القصة ، القاهرة ، أكتوبر 1981
* النظر إلى اسفل ، د . حسن فتح الباب ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 5/1/1983
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، د . نبيل راغب ، المساء ، القاهرة ، 9/8/1983
* محمد جبريل والعودة إلى النصف الآخر ، العقد ، 14/6/1984
* من هو " إمام آخر الزمان " ؟ ، شفيق أحمد على ، روز اليوسف ، القاهرة ، 12/11/1984
* إمام آخر الزمان .. جبرة الأنسان بين الدونية الممقوتة والكمال المطلق ، الداخلى طه ، إبداع ، القاهرة ، ع 3 س 3 ، مارس 1985
* محمد جبريل يتحدث إلى صوت الشرقية، زينب العسال، صوت الشرقية، الزقازيق، مارس 1985
* الروائى المصرى محمد جبريل ، المحرر ، مرآة الأمة ، الكويت ، 27/7/1985
* انعكاسات الأيام العصيبة .. مجموعة قصصية ، عبد الوهاب الأسوانى ، الأذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 2639 ، 12/10/1985 ص 37
* إمام آخر الزمان ( رواية محمد جبريل ) ، المحرر ، الحياة ، لندن ، 20/10/1985
* إمام آخر الزمان ، المحرر ، إبداع ، القاهرة ، يناير 1986
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين، حسن محسب، الإذاعة والتليفزيون، القاهرة، 10/1/1986
* البناء الفنى فى رواية " إمام آخر الزمان " ، د . حامد أبو احمد ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 782 / 784 ،
* قراءة نقدية فى رواية " الأسوار " ، على عبد الفتاح ، مرآة الأمة ، الكويت ، 30/4/1986
* مغامرة الشكل الروائى .. المزج بين الحوار المسرحى والفلاش باك ، على عبد الفتاح ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 743 ، 7/5/1986
* الكاتب الروائى محمد جبريل ( حوار ) ، محمد يوسف ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 745 ، 21/5/1986
* هل عادت الرواية إلى الرومانسية .. " حول روايات محمد جبريل " ، فتحى سلامة ، الأهرام ، القاهرة ، 29/6/1986
* هوامش محمد جبريل .. حول رواية " إمام آخر الزمان " ، جمال نجيب التلاوى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 2685 ، 30/8/1986
* جبريل : تجربة الغربة انعكست على كثير من كتاباتى .. " إمام آخر الزمان " تناقش هما عربيا موحدا ، على عبد الفتاح ، 7/9/1986
* هل يعترف ادباؤنا بالزممن مقارنة بين " يوم قتل الزعيم " و " النظر إلى أسفل " محمود المنسى ، م النصر ، القاهرة ، فبراير 1987
* رواية " إمام آخر الزمان"، د . حلمى محمد القاعود ، عالم الكتاب ، القاهرة ، ع 13 ، يناير/فبراير/مارس 1987
* من اوراق أبى المتنبى ، أحمد هريدى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، 5/3/1987
* السؤال الحائر فى مجموعة " هل " لمحمد جبريل ، جمال بركات ، القاهرة ، القاهرة ، ع 97 ، 15/7/1989 ص 104
* الأديب محمد جبريل وعالمه الإبداعى ( حوار ) ، على عبد الفتاح ، البيان ، الكويت ، أغسطس 1987
* من أوراق ابى الطيب ، أحمد زكى عبد الحليم ، حواء ، القاهرة ، 5/2/1988
* محمد جبريل و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 21/2/1988
* محمد جبريل والتعبير ، أيمن حسن محمد ، الرافعى ، طنطا ، ع 8 ، 1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، أحمد زكى عبد الحليم ، حواء ، القاهرة ، 5/3/1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، أحمد هريدى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، 5/3/1988
* الروائى محمد جبريل ( حوار ) ، شرف الدين عبد الحميد ، صوت سوهاج ، سوهاج ، يوليو 1988
* الرغبة والتحقيق فى أوراق أبى الطيب المتنبى ، د . محمد نجيب التلاوى ، الجنوبى ، المنيا ، اكتوبر 1988
* الرغبة والتحقيق فى " أوراق أبى الطيب المتنبى " ، جمال نجيب التلاوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 4/10/1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، الدخلى طه ، القاهرة ، القاهرة ، ع 88 ، 15/10/1988
* النقاد يناقشون رواية " أوراق أبى الطيب المتنبى " ، المحرر ، الصناعة والأقتصاد ، القاهرة ، 1/1/1989
* ندوة حول محمد جبريل وروايته " اوراق أبى الطيب المتنبى " ، على عبد الفتاح ، الرأى العام ، الكويت ، 16/1/1989
* محمد جبريل صاحب " أوراق المتنبى " ( حوار ) ، شادى صلاح الدين ، ج الوطن ، عمان ، 26/1/1989
* الروائى المصرى محمد جبريل: أهاجر إلى التاريخ لأكتب من الواقع ، المحرر ، الشرق الأوسط ، لندن ، 27/1/1989
* البناء الفنى فى رواية "إمام آخر الزمان"، د . حامد ابو احمد ، إبداع ، القاهرة ، فبراير 1989
* هذه الرواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، المحرر ، م أكتوبر ، القاهرة ، 26/3/1989
* الواقعية الرمزية فى رواية محمد جبريل الجديدة " قاضى البهار ينزل البحر " ، المحرر ، ج الرياض ، الرياض ، 6/4/1989
* محمد جبريل لكى نتساجل لا بد من إثارة قضية أولا ، المحرر ، ج الشرق الأوسط ، لندن ، 23/4/1989
* قاضى البهار ينزل البحر ، فتحى الأبيارى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 2/7/1989
* محمد جبريل بين شد الصحافة وجذب الأدب ( حوار ) ، هبة الله يوسف ، م العرب ، 10/7/1989
* رواية " قاضى البهار ينزل إلى البحر " ، د . حامد أبو أحمد ، ج الرأى العام ، الكويت ، 17/8/1989
* محمد جبريل : لجنة نوبل لا تقرأ الأعمال واتجاهاتها سياسية (حوار)، د . محمد نجيب التلاوى ، صوت المنيا ، المنيا ، 14/9/1989
* العناصر التراثية فى الرواية المصرية .. حول روايات محمد نجيب ، د . جمال التلاوى ، القاهرة ، القاهرة ، نوفمبر 1989
* حوار مع الأديب محمد جبريل ، الفيروز ، يناير 1990
* قاضى البهار ينزل إلى البحار ، فتحى هاشم ، الكواكب ، القاهرة ، 20/2/1990
* صهبة محمد جبريل ، د . ماهر شفيق فريد ، م أكتوبر ، القاهرة ، 11/4/1990
* محمد جبريل ينزل إلى البحر، د. محمد زكريا عنانى ، الأيام ، القاهرة ، 8 – 15/4/1990
* صهبة محمد جبريل ، المحرر ، م أكتوبر ، القاهرة ، ع 703 ، 15/4/1990
* نقطة فوق حرف ساخن .. حول رواية " الصهبة " ، رأفت الخياط ، المساء ، القاهرة ، 11/5/1990
* بنيات السرد الموضوعى .. حول رواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، د . جمال نجيب التلاوى ، إبداع ، القاهرة ، مايو/يونيو 1990
* حوار مع الروائي محمد جبريل ، د. حسين على محمد ، القصة ، القاهرة ، يوليو 1990
* الأيام تحاور الأديب محمد جبريل ، مجدى عبد النبى ، الأيام ، القاهرة ، 22/7/1990
* رواية " الصهبة " لمحمد جبريل وصورة الإنسان متمردا مقدسا وهائما محسوسا ، شمس الدين موسى ، القدس العربى ، لندن ، 31/7/1990
* حالة الصهبة التى يغشى فيها ، د. مصطفى عبد الغنى ، الأهرام ، القاهرة ، 12/8/1990
* محمد جبريل الأسطورة والأنسان ، خير سليم ، م قنا الأدبية ، قنا ، ع 1 .
* الشخصيات الروائية فى " قاضى البهار ينزل البحر " ، جمال بركات ، القاهرة ، القاهرة ، ع 107 ، 15/8/1990
* حركة النص التراثى فى القصة المصرية .. حول محمد جبريل ، د . مراد مبروك ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، مارس 1991
* عائشة فى مواجهة سلطان القلعة، عبد الفتاح رزق، روز اليوسف ، القاهرة ، 11/3/1991
* قلعة الجبل بين القناع التاريخ والرواية السياسية ، د . طه وادى ، الحياة ، لندن ، 16/8/1991
* البطل المأزوم بين عجز الذات والخلاص المرير .. قراءة فى رواية " الصهبة " ، سمير الفيل ، إبداع ، القاهرة ، سبتمبر/اكتوبر 1990
* الصهبة لمحمد جبريل .. قصة طويلة يسعى البطل بنفسه إلى أن يكون ضحية الأستبداد ، محسن خضر ، الحياة ، لندن ، 22/10/1990
* عندما اختلف النقاد الأربعة حول رواية " الصهبة " ، المحرر ، نصف الدنيا ، القاهرة ، ع 42 س 1 ، 2/12/1990 ص 50
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:34 PM
(القسم الرابع)
* الروائى محمد جبريل ، محمد الفقى ، الأنباء ، الكويت ، 23/1/1991
* مدن النسيان .. حول رواية " قلعة الجبل " ، محمد على فرحات ، الحياة ، لندن ، 5/3/1991
* قلعة الجبل بالفرنسية ، ثناء أبو الحمد ، الأخبار ، القاهرة ، 22/5/1991
* الإطار والصورة فى " الصهبة " ، د . عبد البديع عبد الله ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 27/2/1991
* محمد جبريل وقلعة الجبل ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 7/4/1991
* صهبة محمد جبريل لحظة صدق شفافة ومتجردة ، سعيد سالم ، الشاهد ، نيقوسيا ، ع 69 ، مايو 1991
* " قلعة الجبل " استلهام التايخ .. إسقاط على الحاضر ، سعد القرش ، الأنباء ، الكويت ، 17/5/1991
* تجليات المكان وتطور الوعى .. دراسة فى رواية " قلعة الجبل " لمحمد جبريل ، محمد أحمد الحمامصى ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، يونيو 1991
* قلعة الجبل ( رواية ) ، عماد الغزالى ، الوفد ، القاهرة ، 6/6/1991
* قلعة الجبل الضلع الرابع فى الرواية التاريخية ، د . ماهر شفيق فريد ، حريتى ، القاهرة ، 7/7/1991
* إبداع الدلالة عند محمد جبريل .. قراءة فى رواية " الصهبة " ، عبد الله السمطى ، ج الرياض ، الرياض ، 30/7/1991
* قلعة الجبل لمحمد جبريل .. الرواية بين القناع التاريخ والرؤيا السياسية ، د . طه وادى ، الحياة ، لندن ، اغسطس 1991
* إبداع للدلالة فى رواية " الصهبة " ، المحرر ، الشرق الأوسط ، لندن ، 19/9/1991
* الإبداع هو الأصل والفنان يولد ولا يصنع ( حوار ) ، المحرر ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 25/9/1991
* ندوة حول " الصهبة " لمحمد جبريل ، نبيل خالد ، الرأى العام ، عمّان ، 12/11/1991
* الإخوة المواطنون والنظر إلى أسفل، د . ماهر شفيق فريد ، حريتى ، القاهرة ، 12/1/1992
* النظر إلى اسفل والصعود إلى الهاوية ، جمال بركات ، الشرق الأوسط ، لندن ، 22/1/1992
* ندوة نقدية حول رواية " النظر إلى اسفل " لمحمد جبريل ، المحرر ، الرأى العام ، عمّان ، 23/2/1992
* محمد جبريل والنظر إلى اسفل ، شمس الدين موسى ، الحياة ، لندن ، مارس 1992
* أربعة وجوه فى الرواية التاريخية فى مصر ، د . ماهر شفيق فريد ، صوت الكويت الدولى ، الكويت ، 9/3/1992
* روائى يؤرخ لحياتنا المعاصرة ، يسرى حسان ، الدولية ، باريس ، 27/4/1992 ص 40
* الروائى محمد جبريل يتحدث (حوار)، د . حسين على محمد ، المسائية ، الرياض ، 11/5/1992
* الأديب محمد جبريل ليس هناك أزمة إبداع بل صعوبة فى النشر ، المحرر ، ج الرأى العام ، الكويت ، 2/6/1992
* النظر إلى أسفل ، محمد قطب ، الأهرام ، القاهرة ، 14/6/1992
* التاريخ ملهى الإمام ومدينته الفاضلة، سعد القرش، الأهرام المسائى، القاهرة، 23/6/1992
* قراءة نقدية فى رواية " النظر إلى اسفل " لمحمد جبريل ، د . حامد أبو احمد ، العربى ، الكويت ، ع 405 ، أغسطس 1992
* المعنى فى بطن الشاعر .. حول أدب محمد جبريل ، عبد الله باجبير ، الشرق الأوسط ، لندن ، 2/8/1992
* ( ملف خاص عن محمد جبريل ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 49 ، أكتوبر 1992 )
* محمد جبريل روائيا .. قضية جيل بين الوعى الأيديولوجى والوعى الفنى ، د .طه وادى
* انشطار الذات فى رواية " النظر إلى اسفل " ، محمد قطب .
* رواية .. " إمام آخر الزمان " عبد الله محمد أبو هشة .
* قاضى البهار ينزل إلى البحر ، مصطفى كامل .
* قضيرة المصير العربى شاغلى الأساسى ( حوار ) ، محمد أحمد الحمامصى .
* التداعى والنظام فى رواية " النظر إلى اسفل " ، مجدى أحمد توفيق .
* قلعة الجبل رواية محمد جبريل ، محمد عبد الله عبد الهادى ، القصة ، القاهرة ، يوليو/أكتوبر 1992
* تاريخنا السياسى والنظر إلى اسفل ، أحمد حسين الطماوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 1/10/1992
* لغز عائشة فى " قلعة الجبل " ، محمد عبد الحافظ ناصف ، الحياة ، القاهرة ، 11/10/1992
* محمد جبريل : مبدعو الستينيات أكثر الأجيال تحملا لهموم المجتمع ( حوار ) ، المحرر ، صوت الكويت ، الكويت ، ع 14/10/1992
* السراب المنشود فى " إمام آخر الزمان " ، ناصر سلطان ، الصناعة والأقتصاد ، القاهرة ، 8/12/1992
* هل يشهد عقد التسعينيات ازدهار الفن الروائى فى مصر ، د . حامد أبو احمد ، ج الرياض ، الرياض ، 10/12/1992
* نجيب محفوظ وأحدث جيلين ، أحمد الحوتى ، ج الأنباء ، الكويت ، 12/5/1993
* المقاومة أو الطريق إلى الوطن .. حول قصص محمد جبريل ، زينب العسال ، القاهرة ، القاهرة ، مارس 1994
* " اعترافات سيد القرية " ، أحمد حسين الطماوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 3/6/1994
* محمد جبريل الزمان والمكان ، د . نبيل راغب ، ج الجزيرة ، الرياض ، ع 937 ، 1/6/1994
* كلام عن الحرية ( شهادة ) ، فصول ، القاهرة ، ع 4 م 12 ، شتاء 1994 ص 335
* سردية الرواية بين حواف الذاكرة وحواف المخيلة .. ( تحقيق ) ، عبد الله السمطى ، الحرس الوطنى ، الرياض ، ع 161 س 17 ، يناير 1996
* من تجاربهم .. ماذا يريد الكاتب ( شهادة ) ، الفيصل ، الرياض ، ع 233 س 20 ، مارس/إبريل 1996 ص 76
* القاهرة .. الأيام الأولى ( شهادة ) ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 3192 ، 18/5/1996
* الشاطئ الآخر بين جبريل وكفافيس .. حول رواية الشاطئ الآخر ، د . جمال عبد الناصر ، الأهرام ، القاهرة ، 25/8/1996
* الهروب نحو الشاطئ الآخر ، المحرر ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، أكتوبر 1996 ص 12
* محمد جبريل فى " الشاطئ الآخر " رواية الاتزان الجميل ، المحرر ، الأهرام ، القاهرة ، 1/12/1996 ص 22
* قراءة فى رواية " الشاطئ الآخر " للروائى محمد جبريل ، صلاح عطية ، أخبار الأدب ، القاهرة ، ع 192 ، 16/3/1997 ص 15
* قراءة نقدية فى رواية " زهرة الصباح " ، يوسف الشارونى ، العربى ، الكويت ، ع 462 ، مايو 1997 ص 51
* زهرة الصباح وعبيرها السياسى ، د. عبد الحميد القط، القاهرة، القاهرة ، ع 173/174/175 ، ابريل/مايو/يونيو 1997 ص 147
* حكايات وهوامش من حياة المبتلى .. عفاف عبد المعطى ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 109 ، أكتوبر 1997 ص 18
* الشاطئ الآخر .. رواية محمد جبريل ، نجلاء علام ، القصة ، القاهرة ، ع 92 ، ابريل/مايو/يونيو 1998 ص 62
* كتبت ما تريده الرواية ( شهادة ) ، فصول ، القاهرة ، ع 1 م 17 ، صيف 1998 ص 330
* عن رباعية بحرى لمحمد جبريل ، محمد رجب ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 129 ، يونيو 1999 ص 32
* رباعية بحرى ، د . ماهر شفيق فريد ، القصة ، القاهرة ، ع 96 ، أبريل/مايو/يونيو 1999 ص 36
* ماهر شفيق فريد يتأمل العالم الروائى لمحمد جبريل .. فسيفساء نقدية ، المحرر ، نصف الدنيا ، القاهرة ، ع 512 ، 5/12/1999 ص 73
* حارة اليهود ( مجموعة محمد جبريل ) ، مديحة أبو زيد ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 143 ، أغسطس 2000 ص 107
* المينا الشرقية ( رواية محمد جبريل ) ، أحمد حسين الطماوى ، القصة ، القاهرة ، ع 102 ، أكتوبر/نوفمبر/ديسمبر 2000 ص 71
* آلية التعبير فى أدب محمد جبريل .. حول مجموعة " رسالة السهم الذى لا يخطئ " ، د . حسن البندارى ، الأهرام ، القاهرة ، 2/2/2001 ص 36
* البحث عن المكان المراوغ فى " رباعية بحرى " ، مهدى بندق ، الكلمة المعاصرة ، الإسكندرية ، ع 19 ، مايو 2001
* " نجم وحيد فى الأفق " رواية جديدة لمحمد جبريل ، المحرر ، الحياة ، لندن ، ع 14174 ، 8/1/2002 ص 16
* الرمز فى " حارة اليهود " لمحمد جبريل، د . حسين على محمد، الرافد ، الشارقة ، ع 57 ، مايو 2002 ص 67
* القراءة الراهنية للتاريخ .. " قلعة الجبل نموذجا " ، د . عبد الله أبو هيف ، الرافد ، الشارقة ، ع 66 ، فبراير 2003 ص 45
* نجم وحيد فى الأفق .. رواية محمد جبريل ، حسنى لبيب ، الهلال ، القاهرة ، مارس 2003 ص 169
* سيرة الموت فى " ما ذكره رواة الأخبار"، محمد عبد الحافظ ناصف ، أخبار الأدب ، القاهرة ، ع 542 ، 30/11/2003 ص 32
* الدلالات السردية فى رواية " الحياة ثانية"، د . صبيحة عودة ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 163 ، ديسمبر 2003 ص 33
* ( محمد جبريل .. ملامح شخصية " ملف خاص " ، الرافد ، الشارقة ، ع 76 ، ديسمبر 2003 )
* محمد جبريل ملامح شخصية وسيرة إبداعية ، حسنى سيد لبيب ص 34
* محمد جبريل: نهر الجنون لتوفيق الحكيم يستطيع أن يكتبها طالب ثانوي ( حوار ) ، عبد الفتاح صبري ص 36
* الرؤية والتشكيل فى حارة اليهود، د . خليل أبو ذياب ص 42
* أسئلة الرواية فى " زمان الوصل" ، شوقي بدر يوسف ص 49
* قراءة فى رواية " نجم فى أفق جديد " ، حسنى سيد لبيب ص 55
..............
(انتهى)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:35 PM
(18) الدكتور حسين علي محمد

بقلم: محمــد جبريــل
..................

حين حصل حسين علي محمد ـ الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي ـ على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث، كان يختتم رحلة قاسية بدأت في قريته العصايد، القريبة من ديرب نجم، وتواصلت في عمله الأكاديمي خارج مصر، حتى حصل على درجة الأستاذية، ودرس لآلاف الطلاب، وأشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه.
لم يجعل حسين علي محمد من تلك الطريق ـ وهي فردية كما ترى ـ طريقه الوحيدة.
اختار طريقا موازية، أو متداخلة، يتصل فيها بالجماعة، من خلال أنشطة قوامها الأجيال التالية من مبدعي ديرب نجم، المدينة والقرى المحيطة.
أنشأ حسين مع أحمد فضل شبلول وسعد بيومي وصابر عبد الدايم وأحمد زلط والراحل عبد الله السيد شرف سلسلة "أصوات معاصرة" تعنى بنشر كتابات أدباء مصريين وعرب، وإن كان حريصا ـ يومها ـ على نشر كتابات الأجيال الطالعة، من مبدعي الأقاليم المصرية.
أصدرت السلسلة الكثير من الكتب المهمة، ما بين رواية ومجموعة قصصية وديوان شعر ومسرحية ودراسة نقدية وسيرة ذاتية وغيرها. أصبحت ـ في مدى قصير نسبيا ـ من أهم السلاسل على مستوى الثقافة العربية.
ثم أضاف حسين إسهاما ـ على نفقته فيما أظن ـ بإنشاء موقع أصوات معاصرة على الإنترنت، يعنى بإبداعات الأجيال المختلفة، بنشر نماذج منها، يناقشها، يسلط الضوء على كتابها، يتصل بالمواقع المماثلة.
استطاع موقع أصوات معاصرة أن يحقق نجاحا لافتا على المستويين الكمي والكيفي، انعكس في أعداد المتعاملين معه.
جعل الخضري عبد الحميد من المدينة الصغيرة ملوي ـ ذات يوم ـ مدينة مبدعة، واحتلت المنصورة الموقع نفسه، بسلسلة فؤاد حجازي "أدب الجماهير". وثمة إسهامات أخرى في العديد من المدن المصرية، كالمحلة الكبرى والمنيا والسويس وسوهاج، جعلت من تلك المدن مساحات ضوء في حياتنا الثقافية.
لقد جعل حسين علي محمد ـ بإسهاماته المتعددة ـ من ديرب نجم، المدينة، المركز، منارة مهمة في حياتنا الثقافية.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:36 PM
(19) التجريب فى القصة الحديثة .. جذوره التراثية

بقلم: محمد جبريــل
.................

(القسم الأول)
.............
المؤلف المصرى ـ فى اجتهاد أستاذنا سيد كريم ـ هو المؤلف الحقيقى لأشهر الروائع القصصية الخالدة التى لا تزال نسخها تباع بالملايين منسوبة إلى غيره ، مثل سندريلا وعلى بابا ومجنون ليلى وشمشون ودليلة والشاطر حسن والسندباد البحرى والكونت دى مونت كريستو ، وغيرها .. ويعترف نوثروب فراى بأن حكاية الأخوين هى مصدر قصة يوسف ـ سماها خرافة ـ عندما حاولت زوجة الأخ الأكبر أن تراود أخاه الأصغر عن نفسه ، فلما رفض إغواءها ، اتهمته عند أخيه بأنه حاول اغتصابها . ويلاحق الأخ أخاه ، وتتنامى الحبكة فى توالى الأحداث المتسمة بالعجائبية . ويضيف ا . ل . رانيلا إن للعرب الفضل فى إبداع الحكايات بوصفها أدباً ، وبهذا ثبّتوا شكل القص الخيالى المصور للحياة .
لقد واجه الشرق اتهاماً بضعف الخيال ، بحيث غاب فن القصة فى التراث العربى . القصة ـ فى تقدير المستشرقين ، وفى تقدير معظم الباحثين العرب أيضاً ـ فن أوروبى مستورد ، يمد جذوره فى الثقافة الأوروبية ، فهو تقليد ومحاكاة للقصة فى الغرب ، وليس له أى جذور فى التراث العربى الذى يعد تراثاً شعرياً فى الدرجة الأولى ، فهو مستحدث فى الإبداع العربى . بل إن محمود تيمور يقرر ـ فى بساطة ـ أنه لم يعد بيننا خلاف ـ كذا ـ على أن الأدب العربى ـ فى عصوره الخالية ـ لم يسهم فى القصة إلاّ بالنزر اليسير الذى لا يسمن ولا يغنى ، فالقصة الفنية إذن دخيلة عليه ، ناشئة فيه، لا أنساب لها فى الشرق ، ولا استمداد لها من أدب العرب " ( دراسات فى القصة والمسرح ـ 64 ).
والحق أنه من المكابرة الساذجة تصور القص العربى الحديث بعيداً عن تقنيات الغرب ، لكن من الخطأ البالغ إهمال تقنيات الحكى العربى فى سعينا لتأكيد الهوية القومية لإبداعنا المعاصر . ومن الصعب ـ فى الوقت نفسه ـ أن ندعى غياب الصلة بين الأشكال القصصية التراثية ، والقصة العربية ـ والقصة بعامة ـ فى أحدث معطياتها . ولعلى أذكر بقول جارثيا ماركيث : " من الطبيعى أن يمعنوا ـ يقصد الغرب الأوروبى ـ فى قياسنا بالمعايير ذاتها التى يقيسون بها أنفسهم ، ولكن عندما نصور وفق نماذج لا تمت إلينا بصلة ، فإن ذلك لن يخدم إلا غاية واحدة ، هى أن نغدو مجهولين أكثر ، وأقل جرأة ، وأشد عزلة " ..
وإذا كان التراث العربى ـ فى تقدير المستشرقين ـ يفتقر إلى الخيال ، والنظرة الفلسفية المتكاملة ، والحاسة النقدية ، وغياب الحس والقصصى والدرامى ، إلخ ، فلعله من المهم أن نشير إلى قول رينان بأن أوروبا امتلأت بقصص لا حصر لها قدم بها الصليبيون من الشرق العربى ، إثر عودتهم إلى بلادهم . ويقول ميشيل : " إذا كانت أوروبا مدينة بديانتها المسيحية لتعاليم المسيح ، فإنها مدينة بأدبها القصصى للعرب " . بل إن البارون " كار دى فو " يؤكد أنه ليس هناك أدب سبق الأدب العربى فى ابتداع فن القصة ( محمد مفيد الشوباشى : الأدب ومذاهبه ـ 30 )
إن ضعف الخيال والإسراف فى الخيال اتهامان أملتهما الرغبة فى تحقير الملكات الإبداعية لكتاب الشرق ، وأن الشرق سيظل دوماً فى موقف التابع بالنسبة للمتبوع ، وهو الغرب الأوروبى .
الغريب أن الذين أفادوا من الخيال العربى ، ممثلاً فى ألف ليلة ليلة وحى بن يقظان ورسالة الغفران والحكايات والسير والطرف والأخبار العربية ، ينتمون إلى ثقافات أوروبية ، أو متأثرة بالثقافات الأوروبية . والثابت ـ تاريخياً ـ أن الرومانس ـ الحكايات الشعبية الأوروبية ـ تأثرت فى نشأتها بألف ليلة وليلة ..
ثمة رأى أن الرواية والقصة القصيرة والمسرحية لم يعرفها العرب إلاّ بعد اتصالهم بالأدب الأوروبى . وقد نقل العديد من الدارسين العرب عن المستشرقين ـ وكم تظلمنا النقلية ! ـ ما ذهبوا إليه من أن ما عرفه التراث العربى من الإبداع القصصى والروائى والمسرحى ، لا يعدو مجموعة من الأخبار والطرائف التى تخلو من الحرفية الفنية كما فى الإبداع الغربى . عمق من المشكلة أن المسرحية والقصة والرواية قد اقتصر تناولها على النقد الأوروبى والدراسات الأوروبية . وهو ما يزال قائماً ـ للأسف ـ حتى الآن . ومع أن نجيب محفوظ هو أحد الكتاب العالميين ـ باعتراف نوبل ! ـ فإن كل المراجع النقدية الحديثة ـ قبل نوبل وبعدها ، وحتى الآن ـ تخلو من عمل له ، بل ولا تشير إلى أعماله على أى نحو . إنهم يناقشون إبداعاتهم باعتبارها هى الإبداع الذى ينبغى تناوله . إنها ـ مع التقاط شذرات من هنا وهناك ـ هى الإبداع العالمى إطلاقاً ..
***
فى القرآن الكريم يقص الله ـ سبحانه ـ على رسوله الكريم أحسن القصص . وكان العرب يبدءون حكاياتهم أو طرفهم أو نوادرهم بعبارة : قال الراوى ، يحكى أن ، زعموا أن ، كان ما كان ، إلخ .. وقد أسهمت ألف ليلة وليلة ورسالة الغفران وحى بن يقظان وغيرها ، فى تطور فن القصة ـ والرواية طبعاً ـ فى الغرب . أديب أمريكا اللاتينية ألفريدو كاردنيا بنيا يجد فى ألف ليلة وليلة مخزناً لأكبر عدد من القصص الإسبانية . إنها النبع الثرى المتعدد الروافد للكثير من القصص الواردة فيه ـ على حد تعبير الكاتب ـ فم تترك أى موضوع إلاّ وتطرقت إليه ، بحيث تحولت الكتابات التالية إلى مجرد تقليد ، أو نقل غير مبدع . وتبدو إفادة الثقافة المكتوبة بالأسبانية من الثقافة العربية المعاصرة ـ إبان حكم المسلمين لشبه الجزيرة الأيبرية ـ ظاهرة محيّرة ، مقابلاً لإخفاق الثقافة العربية المعاصرة فى الإفادة من ذلك التراث ، مع أنه يتصل بنحن ، وليس بالآخر . إنها ثقافة تعتمد على الدين الإسلامى والتاريخ العربى واللغة العربية . يغيظنى ـ على سبيل المثال ـ زهو بعض المبدعين بأنهم قد تأثروا بواقعية ماركيث السحرية ، بينما أعلن الكاتب الكولومبى أنه قد تأثر بغرائبية ألف ليلة وليلة !..
يقول محمد فهمى عبد اللطيف : " كان من الطبيعى أن يتميز القاص المصرى فى هذا المجتمع الخصيب ، وأن يكون محصوله فى ذلك وافراً ، ونتاجه وافياً .. فكان أبرز وأوفى من أجدى فى هذه الناحية . وما ألف ليلة وليلة ، وقصة الهلالية ، وقصة الظاهر بيبرس ، وقصة سيف بن ذى يزن ، وغيرها من القصص ، إلاّ من فيض براعة القصاص المصريين ، وقدرتهم على التحليل والإفاضة ، سواء ما ابتدعوه منها ابتداعاً ، أو ما مدّوا فيه بالتزيد والإغراق والاختراع والاختلاق . وإذا كان هؤلاء القصاص قد تناولوا ألف ليلة وليلة نصاً عن الفارسية ، مدّوا فى فروعه ، وأساساً ارتفعوا ببنائه ، فإنهم كذلك فى قصة الهلالية تناولوها عن الأصل التاريخى ، وأخذوها مما جرى فى رحلة أولئك الأغراب إلى مصر ، ثم إلى بلاد إفريقية ، وما وقع لهم من الحروب والأحداث ، وانتقلوا بذلك الأصل التاريخى إلى ميدان الخيال الفسيح " ( أبو زيد الهلالى 59 ) .
ما نستطيع الاطمئنان إليه أن القصة العربية لها جذورها الممتدة فى تربة التراث . وهى تختلف ـ بالتأكيد ـ عن تربة الترجمة التى أعطت لإبداعنا ثماراً يصعب التقليل من قيمتها . وإذا كان محمود طاهر لاشين قد أعلن أنه " لا ميراث لقصاصينا فى الأدب العربى " ( المجلة الجديدة ـ يونيو 1931 ) فإن مجرد التنقيب فى التراث العربى الأدبى القديم ، سعياً لاكتشاف شكل فنى يمكن نسبته إلى القصة والرواية ، اتساقاً مع شكل القصة والرواية الغربية .. ذلك التنقيب لم يكن يخلو من نظرة أحادية متعسفة ، فالقصة ـ فى تقدير هؤلاء ، وفى سعيهم لاكتشاف ملامحها فى الأدب العربى القديم ، هى القصة فى الغرب من حيث البنية والحبكة والتكثيف وغيرها . وحين أهملت إبداعات الغرب القصصية والروائية تلك الخصائص ، فإن محاولاتنا الإبداعية ـ والنقدية ـ قد أهملتها كذلك !
***
لقد غابت القصة الموباسانية ـ أو ذوت فى أقل تقدير ـ منذ فترة بعيدة ـ فى الأدب العالمى . وغاب ذلك النوع من القصص فى إبداعنا العربى ـ منذ الخمسينيات ـ على يد اليوسفين إدريس والشارونى وإدوار الخراط ، ثم فى أعمال أدباء الستينيات التى اختلط فيها الوعى باللا وعى وتيارات الشعور . لم يعد الواقع هو تلك الثنائيات المكرورة : التقدم فى مواجهة التخلف ، الخير فى مواجهة الشر ، الغنى فى مواجهة الفقر إلخ .. أصبح الواقع ملتبساً وظنياً ، وقدمت محاولات تنتسب إلى الواقعية السحرية والعجائبية والغرائبية وخارج الواقع وما فوق الواقعى . النص الأدبى ـ فى تقدير تودوروف ـ هو النص الذى يحطم القواعد النوعية ، ولا يمكن أن يتقلص إلى مجرد معادلة ، ومن ثم فلا يمكن وضعه ـ بصورة نهائية ـ فى جنس محدد . ويذهب جوناثان كلر إلى أن الأنواع ليست مجرد فئات للتصنيف ، بل مجموعات من المعايير والتوقعات التى تساعد القارئ فى تحديد وظائف العناصر المختلفة فى العمل الأدبى . وهو رأى يبدو مقنعاً فى عمومه . مع ذلك ، فإنى أرجو ألا نختلف فى أنه توجد خصائص أو سمات يشترك فيها النص الإبداعى مع نصوص إبداعية أخرى ، تختلف عن نوع ذلك النص . فالقصة ـ على سبيل المثال ـ قد تستعين بدرامية الحوار ، أو تلجأ إلى هارمونية الموسيقا ، أو إلى أسلوب التبقيع ، أو الكولاج ، كما فى الفن التشكيلى ، أو تقنيات السينما والمسرح وغيرها . وثمة رأى أن الرواية نوع أدبى يقاوم التقيد بما هو تأملى وفنى خالص ، بحيث تذوب فى المجموع الكلى للتجربة الإنسانية من أفكار وآراء وطموحات وغرائز . لا تفرد مطلقاً فى الجنس الأدبى ، فهو لابد أن يفيد من الأجناس الأدبية الأخرى ويفيدها ، يتأثر بها ويؤثر فيها . وإذا كانت كتابات ما بعد الحداثة تتجاوز الأنواع ، الأجناس الأدبية ، تذيب الفوارق والحدود ، فإن التخلى عن الفروق بين الأنواع ، وظهور صيغة جديدة ، تأتلف وتختلط فيها كل الأجناس ، يعنى التحول إلى نص بلا ملامح ، وبلا هوية محددة [ عندما ظهرت اللا رواية واللا مسرحية ـ فى الستينيات ـ تصور الكثيرون أن الرواية والمسرحية حان أوان موتهما ! ]. القصة قد تفيد من لغة الشعر ، بينما تلجأ السينما إلى الرواية الأدبية ، وتعتمد الرواية على درامية الحوار ، إلخ .. لكن القصة يصعب إلا أن تكون قصة . الأمر نفسه بالنسبة للقصيدة والمسرحية والفيلم وغيرها . وإذا كانت بعض الأعمال الحديثة تطالعنا باعتبارها كتابات أو نصوصاً ، لا تسمية نوعية محددة ، كقصة أو قصيدة أو مسرحية ، فلعلى أومن بمقولة هيثر وابرو التى تؤكد أن معرفة النوع تهبنا مفاتيح عالية القيمة ، فيما يتصل بالكيفية التى نفسر بها قصيدة ..
............
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:37 PM
(القسم الثاني)
............
يقول ألان روب جرييه : " ليست المشكلة هى تأسيس نظرية أو قالب موجود سلفاً نَصُبّ فيه كتابة المستقبل . وعلى كل روائى ، وكل رواية ، أن يخترع شكله الخاص ، وليس هناك وصفة يمكن أن تحل محل هذا التأمل الدائم " . ثمة مقولة إن الرواية نوع غير منته ، وقدرها أن تظل هكذا إلى الأبد . إنها تتسم ـ كجنس فنى ـ بالانفتاح واللانهائية . ما يشبه الإجماع النقدى على أن الرواية والقصة القصيرة هما النوعان القصصيان الحديثان اللذان جاوزا التعريفات والقوانين النقدية . وقد نشأت القصة الحديثة ـ فى تقدير أوستن وارين ورينيه ويلك وغيرهما ـ من الأشكال السردية غير الخيالية ، كاليوميات والمذكرات والرسائل والسير والتاريخ ، وأيضاً من خلال النادرة والخبر والطرفة والملحة وغيرها . [ وهو ما يخالف قول محمود أمين العالم : " ليس من الدقة أن نسعى إلى تلمس مصادر القصة العربية فى تاريخ الأدب العربى القديم ، وفى القرآن ، والأساطير الشعبية والحكايات والمقامات وكتب الأخبار " ـ الثقافة الوطنية ـ فبراير ـ مارس 1954 ] . ثم خالفت القصة الحديثة ـ فى محاولاتها للتجريب ـ كل الأبنية القصصية المعروفة ، وحطم كتاب القصة القصيرة والرواية المحدثون كل البنى القصصية المألوفة ، أو المتعارف عليها ، أو حتى التى حاولت التجريب دون أن تجاوز صفتها الإبداعية . أصبح مصطلح الرواية والقصة القصيرة ـ على سبيل المثال ـ مطاطاً . تلامس مع الملحمة والسيرة والمسرح والسيرة الذاتية إلخ . فالحيرة التى واجهها النقد فى النظرة إلى أيام طه حسين ، أو خليها على الله ليحيى حقى ، باعتبارها عملاً روائياً أو سيرة ذاتية ، تلك الحيرة تجد مرساها فى نسبة السيرة الذاتية إلى فن الرواية ، فالأيام أو خليها على الله إذن سيرة ذاتية ورواية فى آن . ولا يخلو من دلالة قول شلوفسكى إنه لم يعثر بعد على تعريف للقصة القصيرة . ثمة روايات وقصص جيدة دون أن يكون لها منظور جيد . إنها تعبير عن الإبداع الفنى وليس نظريات النقد . أهملت بعداً أو اثنين من الأبعاد الثلاثة : الحدث والزمان والمكان . وثمة أسماء لأشكال أدبية تتصل على نحو أو آخر بفن القصة القصيرة : القصيدة النثرية ، الخرافة ، الحكاية ، الطرفة ، ا لملاحظة ، الحدوتة ، اللوحة ، الفصل فى رواية ، إلخ .. وهناك القصة المضادة ، أى التى تهمل المتعارف عليه فى فن القصة ، مثل الزمان والمكان والمنظور والحبكة والشخصيات واللغة إلخ . وعلى سبيل المثال ، فالقول بأن الرواية ليست مجموعة من القصص القصيرة ، مقابلاً لأن القصة القصيرة ليست جزءاً من الرواية . ذلك القول لم يعد وارداً فى الحقيقة . قد تطالعنا رواية هى مجموعة من اللوحات المنفصلة ، المتصلة [ أذكرك بروايتى رباعية بحرى بأجزائها الأربعة ] وقد تأتى فصولاً فى رواية ، يشكل كل فصل ما يعد قصة قصيرة . والمجموعة القصصية قارب الجليد لإدوارد ماييا E Maelle يمكن قراءتها باعتبارها كذلك ، أو باعتبارها فصولاً تشكل رواية . وأيضاً رواية البنتاجون لأنطونيو دى بنيتو Antonio Di Benedetto كتبها الفنان فى شكل قصص قصيرة . وقد دخلت العظات والخطب والرسائل فى نسيج السرد . والمتواليات القصصية قد تأتى ـ كما أشرنا ـ فى صورة لوحات منفصلة ، ومتصلة ، أو حكايات سردية تتعدد فيها الشخصيات والأمكنة . وثمة القصة التى لا تسرد شيئاً ، أو التى تخلو من الحدث والشخصيات والحبكة . وثمة تقطع الحكاية ، والقص واللصق [ الكولاج ] وتحليل اللاشعور من خلال وجهات نظر الشخصيات ، والمناجاة الذاتية ، والنثر الغنائى . الحكاية تختلف عن القصة القصيرة فى أن لها دلالة واضحة ، لكن الحكاية ذات الدلالة هى الكثير مما يطالعنا الآن باعتباره قصة ..
وإذا كانت الرواية الجديدة قد نشأت حوالى 1910 على يد فرجينيا وولف ، فإن الجدة فى الرواية متكررة ، ومتواصلة ، ومن الصعب القول إنها ستنتهى . الرواية ـ فى تقدير باختين ـ مجموعة من العمليات المفتوحة داخل حقل الكتابة . إنها لا تكون . فليس لها مجموعة من الخصائص الشكلية التى يمكن أن تحدها ، لكنها " تصير " ، فهى تتغير باستمرار وتتطور ، لكن ليس فى اتجاه محدد ، أو مرسوم سلفاً ، يمليه نظام للعلاقات بين الشكل الأدبى والبنية الاجتماعية التى تميز ظروف نشأته ( ت : خيرى دومة ) . ما يشبه الإجماع على أنه لم يعد هناك مالا تقبله الرواية ، وأن كل الأجناس ، وكل الحيل ، تخدم التقنية الروائية . أشير ـ ثانية ـ إلى روايتى رباعية بحرى . كل لوحة مستقلة بنفسها ، لكنها متصلة باللوحات التى سبقتها ، واللوحات التى تليها . تتشكل من توالى اللوحات بانوراما متكاملة ، بوسعنا أن ننسبها إلى الإبداع الروائى . وإذا كنت قد وصفت روايتى الحياة ثانية بالتسجيلية ، فلأن السرد يروى ما جرى بالفعل . لم أضف ، ولم أحذف ، اللهم إلاّ ما تصورته صياغة أدبية وتقنية . أما روايتى مد الموج فهى تنتسب إلى جنس الرواية ، لأنها تلتزم بتقنية الرواية ولغتها ، وإن اقتصر السرد الروائى على تبقيعات نثرية من سيرة حياة ..
***
إذن ، فالاتهام الذى يواجهه التراث القصصى العربى متمثلاً فى القصة والحكاية والنادرة وغيرها ، أنه لا يشابه القصة كما نعرفها اليوم .. هذا الاتهام يحتاج إلى مراجعة شديدة ، وبالذات فى ضوء اتساع مساحة الأشكال الفنية فى القصة الحديثة ، بصرف النظر عن الثقافة التى تصدر عنها . والقول بأن زينب هى بداية الرواية المصرية الحديثة يحتاج الآن كذلك إلى مراجعة ، لا لأن الروايات التى سبقتها [ حوالى 130 رواية ] لم تخضع لتقويم من أى نوع ، بحيث تستحق زينب الصفة التى وسمها بها يحيى حقى وآخرون ، لا لذلك السبب فحسب ، وإنما لأن فنية الرواية بالمعنى التقليدى لم تعد واردة . وإذا كان من السهل تقبل الرأى بأن الرياح التى تهب من أوروبا حملت ـ فى أوائل القرن العشرين ـ بذرة غريبة على المجتمع المصرى ، هى بذرة القصة ( فجر القصة المصرية ـ 21 ) فإن ذلك الرأى يحتاج ـ فى ضوء المعايير الحالية لفن القصة ـ إلى إعادة نظر . نعم ، كانت القصة بذرة غريبة على المجتمع المصرى فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، القصة بقواعدها الكلاسيكية ، بخصائصها الموباسانية من بداية ووسط ولحظة تنوير . وهى قواعد وخصائص تجاوزتها التيارات والاتجاهات الفنية الحديثة بصورة مؤكدة . لم تعد صرامة البداية والذروة ولحظة التنوير ـ كما أوردها رشاد رشدى فى كتابه عن فن القصة القصيرة ـ مطلوبة . ما بعد الحداثة تذهب إلى أن " كل نص جديد إنما يكتب مكان نص أقدم " . بل إن بورخيس يحرص على التأكيد أنه لا أحد يمكنه أن يدعى الأصالة فى الأدب . كل الكتّاب ـ فى تقديره ـ ناسخون ومترجمون ومفسّرون للنماذج الأصلية المتوالية بتوالى الإبداعات ، فى توالى العصور ..
***
السؤال الذى يطرح نفسه : كيف تعتمد محاولات توظيف التراث العربى فناً قصصياً ، ولا تعتمد التراث العربى نفسه ـ بكل ما يشتمل عليه من فيض حكائى وأشكال قصصية ـ فناً قصصياً ؟! وعلى سبيل المثال ، فهل تختلف مشاهد الواقعية السحرية عن مشهد الباب المغلق ؟.. يصر الرجل على فتحه لرؤية ما وراءه . يجد حصاناً ، يفك قيده ، ويمتطيه . يطير الحصان ، وينزل به على سطح ، ويضرب بذيله ، فيتلف عينه اليسرى ؟!.. ألا نجد فى ذلك المشهد ـ وسواه ـ مدخلاً لواقعية أمريكا اللاتينية السحرية ؟!
(يتبع)
***

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:38 PM
(القسم الثالث)
............
لقد لامست تخوم القصة أجناساً أدبية وفنية أخرى ، واختلطت بها وتشابكت ، وانتسبت جميعها إلى الإبداع القصصى ، بحيث انتفى التحديد الصارم لماهية القصة . بل إن صديقى عبد الله أبو هيف يذهب إلى أن تحديد عناصر القصة لا يعنى الركون إلى نظرية الأجناس الأدبية ، لأن فن القصة أنجب أجناساً متعددة فى القديم والحديث (القصة العربية الحديثة والغرب ـ 38 ) . وكما يشير كونديرا ، فإن معظم الروايات الحديثة ـ بالمعنى الزمنى وليس بمعنى الحداثة ـ تقف خارج دنيا الرواية . لقد أفادت الرواية من تقنية المدركات الحسية والبصرية : المونتاج والتبئير ، والزاوية القريبة ، والمزج ، والقطع ، والتناوب ، والاسترجاع ، وحذف علامات الترقيم ، والاستتغناء عن أدوات الواصل . وتبادلت الرواية ـ والسينما بعامة ـ التأثر والتأثير . وثمة الاعترافات المصاغة فى شكل روائى ، والسير الذاتية للمبدعين ، والمشكلات والقضايا الأخرى التى تنسب إلى الرواية بالشكل وحده ، وثمة القصة المقال ، والقصة السرد ، والقصة اللوحة ، والقصة الرسالة ، والقصة الخاطرة ، والقصة الرحلة ، إلخ . وثمة تعاظم دور المتلقى بديلاً لسلبية القراءة ، وتداخل السرد بالمونولوج الداخلى ، والمزج بين الواقع والخيال ، والحسية والأسطورية ، وأنسنة الحيوان والأشياء . طرأ على نظرية القصة عموماً ما بدّل من النظرة الثابتة إليها ، كالشكلانية والبنيوية والتكوينية واللسانية وغيرها . لذلك فإنى أجد فى ما بعد الحداثة ما يحمله التراث العربى ، فأنسب إلى القصة والرواية ، ما تناثر فى كتب العرب من الخرافة ، والتاريخ ، والسيرة ، والحكاية ، والخطابة ، والتهذيب ، والشعبية ، والخبر ، والطرفة ، والملحة ، والرحلة ، والحلم ، وغيرها من فنون السرد العربى . ثمن زوجة قصة لنجيب محفوظ ، نشرها ضمن مجموعته همس الجنون تتحدث عن الزوج الذى يضبط زوجته فى موقف الخائنة ، ويدبر حيلة يدفع بها الزوجة إلى الانتحار دون أن يكون هو المتسبب بصورة معلنة . هذه القصة تذكرنا بحكايات العرب ونوادرهم وأخبارهم . القصة لا تستدعى التراث ولا توظفه ، لكن ملامح التراث تبدو واضحة بما لا يخفى . أنت تستطيع أن تتعرف إلى حيل الأزواج فى كشف خيانات زوجاتهم ، فى ا لكثير من حكايات العرب ونوادرهم . ولو أننا بدلنا الأسماء والمسميات ، وتحول البيت إلى خيمة ، والريال إلى درهم ، فستطالعنا حكاية ذكية من تراثنا العربى . أذكر بالحكاية التى جاءت فى " وفيات الأعيان " عن حب أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان ، وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك ، لوضاح اليمن الشاعر . أخفته ـ ذات يوم ـ فى صندوق بعد أن دخل عليها الخليفة فجأة . وفطن الوليد إلى ما حدث ، فدعا الخدم وأمرهم بحمل الصندوق إلى شفير بئر ، ثم قال له : يا صاحب الصندوق ، إنه بلغنا شىء ، إن كان حقاً فقد دفناك ودفنّا ذكرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلاً فإنما دفنّا الخشب . ثم قذف الخدم بالصندوق فى البحر ، وأهالوا عليه التراب ، وسويت الأرض " فما رؤى الوضاح بعد ذلك اليوم ، ولا أبصرت أم البنين فى وجه الوليد غضباً ، حتى فرق الموت بينهما " . لقد تعمد كلّ من الزوج والخليفة ألا يشير إلى ذلك الكابوس ـ بعد انقضائه ـ بتلميح أو تصريح ، ولا ذكره بخير أو شر ، ولا أجرى بسببه تحقيقاً ، ولا أثار عنه سؤالاً ، وطالع الزوجة بوجه هادئ كأنه شخص آخر غير الزوج المطعون . استعان حمدى فى ثمن زوجة بهدوئه ، وخطط للانتقام دون أن يصارح أحداً بما ينوى فعله . وهو ما فعله الخليفة . وكان الريال مساوياً للصندوق الذى اختفى فيه الشاب العشيق ، وإن اختلفت النهاية بين القصة والحكاية ، فقد قتل العشيق فى الحكاية ـ الأدق أنه قَبِل القتل! ـ أى أنه انتحر ـ بينما انتحرت الزوجة فى القصة ( محمد جبريل : عود على بدء ـ فتوة العطوف لنجيب محفوظ ) . لا تباين فى دلالات العملين ، وإن اختلفت فنية التناول ..
من الصعب أن ندعى غياب الصلة بين الأشكال القصصية التراثية ، والقصة العربية ـ بل والقصة بعامة ـ فى أحدث معطياتها . القول بأن الصياغة العربية تخالف الصياغة التى تضيف إلى فنية القصة ـ وتمثل فيها بعداً أساسياً .. هذا القول يبدو خافت الصوت إلى حد التلاشى فى ضوء التيارات الفنية الأوروبية الحديثة نفسها ، كاللاقصة ، واللاحكاية ، وتوظيف التراث إلخ . ولعلى أعيد التأكيد على أن القصة الحديثة لم يعد لها إطار ولا مدى محدد . ثمة قصيدة تسرد قصة ، وثمة قصة هى أقرب إلى قصيدة النثر ، وبعض المقالات تكتمل فيها مقومات القصة القصيرة ، بل إن بعض قصص بورخيس المتفوقة ليست إلا عروض كتب أو مقالات نقدية . وعلى سبيل المثال ، فإن إبداعات بورخيس تعاملت مع التراث الإنسانى باعتباره تراثه القومى . أعلن أن تراثه هو ثقافة العالم ، فلا يظل حبيساً داخل الحدود الضيقة لمدينة بذاتها ، ولا لبلد ذاته ، ولا لقارة محددة . إبداعات بورخيس تطالعنا بالكثير من الاقتباسات والمقارنات والإشارات . لم يحبس بورخيس قراءاته ولا أفكاره ولا إبداعه ، فى سجن التراث القومى لبلاده مثلما فعل الأوروبيون . انطلق فى كتاباته إلى الآفاق الثقافية الرحبة . استوعب أساطير اسكندنافيا ، وسير الشرق العربى ، وشعر الأنجلو ساكسون ، وفلسفة الألمان ، وأدب العصر الذهبى بأسبانيا ، وشعر الإنجليز ، وشعر هوميروس ودانتى ، وضفّر فى أعماله آيات القرآن ، وأحاديث الرسول ، وليالى ألف ليلة وليلة ، والعديد من الطرف والنوادر والحكايات والإشارات الثقافية ، مما يزخر به التراث الإبداعى العربى ، بالإضافة ـ طبعاً ـ إلى التراث الإبداعى الغربى كنثر ستيفنسون وحكايات الساجا الآيسلندية وغيرها . ثمة تكامل فى إبداع بورخيس بين الشعر والقصة القصيرة والمقال .. ذلك كله يصب فى بوتقة واحدة ، من الصعب أن تميز فيها بين جنس فنى وآخر . تداخلت مستويات القص . لم يعد الفضاء الروائى أو القصصى ينتهى بتلك الحدود الحاسمة التى كان يشترطها النقد قبل نشوء الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة . تشابكت المسميات والصفات ، واختلطت ..
***
باختصار ، فإنى أومن بالتراث ، بوعيه وجدواه ، وإمكانية استعادته واستمراره ، تواصلاً مع المعطيات المعاصرة والحديثة . وكما يقول أندريه موروا ، فإن كل قارئ من قراء القرن العشرين ـ أضيف : الحادى والعشرين ـ يعيد ـ لا إرادياً ـ كتابة روائع القرون الماضية بطريقته الخاصة .
" محمد جبريل "

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:40 PM
(20) عنترة .. حكاية قديمة

قصة للأطفال، بقلم: محمد جبريل
.............................

ارتدى الراوى الشعبى ثيابه ، وتهيأ للانصراف إلى المقهى .
قرر أن يحور فى سيرة عنترة ، ليجتذب انتباه رواد المقهى . لاحظ ـ فى الليلة الأخيرة ـ أن الرواد انشغلوا عنه بلعب الطاولة ، وشرب الشاى ، والمناقشات ، وتبادل الدعابات .
أدرك أنه لابد أن يضيف ويحذف إلى الحكاية التى يكررها منذ سنوات طويلة ، فلم تعد تجتذب انتباه أحد .
وهو يمد يده ليأخذ الربابة ، لحقه صوت من خارج النافذة المغلقة :
ـ أرجو أن تحسن رواية سيرتى .
أتجه الراوى بنظرة دهشة ناحية النافذة :
ـ من أنت ؟
ـ أنا عنترة .. بطل السيرة التى ترويها منذ سنوات طويلة .
تمالك الراوى نفسه ، وقال :
ـ ماذا تريد ؟
ـ أريد أن تروى حكايتى كما هى .. كما يحكيها الرواة منذ مئات السنين .
قال الراوى :
ـ لكن الدنيا تغيرت ، وما كان يتقبله الناس فى الماضى يصعب تصديقه الآن !
أضاف فى لهجة تأكيد :
ـ هذه حكاية تروى للناس . كل حكاية تحتاج إلى الإضافة والحذف ، حتى تناسب الوقت الذى تقال فيه . حتى الرواة القدامى أطالوا فى عمر عنترة ، ونسبوا إليه ما لم يحدث فى التاريخ .. لكن ذلك ما كان يحتاج الناس إلى سماعه حينذاك .
قال عنترة :
ـ إذن دعنى أختفى من ذاكرتك . سأتردد بنفسى على الأسواق والمقاهى ، أروى قصتى الحقيقية : معاركى ، وبطولاتى ، وحبى لابنة عمى عبلة .
قبل أن يرد الراوى على عنترة ، فوجئ أنه قد اختفى من ذاكرته بالفعل . لم يعد يتذكر من كان يخاطبه ، ولا السيرة التى كان يعد نفسه للخروج إلى المقهى كى يرويها .
ظهر عنترة فى هيئة فارس . حمل سيفه ، وامتطى جواده المسمى الأبجر ، واتجه ـ عبر الصحراء ـ إلى مدن قريبة ، وبعيدة ، ليروى حكاياته .
فى طريقه ، التقى عنترة برجل يحمل عصا ، فى نهايتها ماسورة من الحديد .
صوب الرجل عصاته ـ من بعيد ـ نحو أرنب برى ، فسقط الأرنب .
اقترب عنترة من الرجل . أبدى دهشته لسقوط الأرنب البرى دون أن تصيبه عصا الرجل.
قال الرجل :
ـ أنا صياد ، وهذه ليست مجرد عصا . إنها بندقية .
ـ ما هى البندقية ؟
ـ ألا تعرف البندقية ؟
وزوى ما بين حاجبيه متسائلاً :
ـ من أين أنت ؟
ـ أنا فارس الصحراء عنترة .
وأشار إلى جواده :
ـ هذا جوادى الأبجر الذى لا يخذلنى فى كل معاركى ..
ثم رفع سيفه :
ـ وهذا سيفى الذى أطرت به رءوس الأعداء .
أظهر الصياد دهشته :
ـ أنت إذن لم تسمع عن البندقية ، ولا عن الدبابة والصاروخ والطائرة . جعلت كل تلك المخترعات موضع الجواد فى النقل ، وفى السباق ، وجعلت السيف للزينة ، أو للعرض فى المتاحف!
صوب الصياد بندقيته إلى أرنب برى آخر ، فسقط ..
قال الصياد لعنترة :
ـ هل تشاركنى طعامى ؟
***
عاد عنترة من الصحراء . وقف فى هيئة التواضع أمام الراوى الشعبى ، وقال :
ـ لقد أعدت نفسى إلى ذاكرتك ، تستطيع أن تروى حكاياتى للناس بتعديلات بسيطة ، أو أن تروى لهم السيرة باعتبارها من سير التراث القديم .

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:41 PM
(21) حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل

حاوره: أ.د. احمد زياد محبك
..........................

(القسم الأول)
..............
محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
* في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
- الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
*أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
- سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:41 PM
(القسم الثاني)
............
* أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
- ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
* ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
- ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
- حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
-أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
* لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
- بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
.......................
(يتبـــــــــــــــع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:42 PM
(القسم الثالث)
....................
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
- من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
* ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
- المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
- لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
- ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
(يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
عناوين فرعية
القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس.
.............
(انتهى)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:43 PM
(22) مع الروائي الكبير محمد جبريل:
أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي

حاوره: د. حسين علي محمد
.........................

(القسم الأول)
............
غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
*ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
-حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
*هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
-لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
*نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
-يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
*بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
-لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
*هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
-لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
*إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
-المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
*كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
-إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:44 PM
(القسم الثاني)
............
*شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
-بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
*هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
-نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
*المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
-لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
*في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
-الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
*ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
-لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
*بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
-مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:45 PM
(23) غوايــــــة

قصة قصيرة جدا لمحمد جبريل
...........................

حين صعد الشبان الخمسة إلى عربة المترو ، كان يقرأ جريدة وهو واقف فى الزاوية بين ظهر المقعد والباب المغلق من الناحية المقابلة . كانت المقاعد ممتلئة ، وتناثر الوقوف فى المساحات الخالية . استأنف الشبان كلامهم فى وقفتهم بالقرب منه . تشاغل بقراءة الجريدة ، وإن عكست تعبيرات وجهه ما يبين أنه يتابع نقاشهم ..
التقط ملاحظة الشاب المنمش البشرة عن انتصاف النهار دون أن يتناولوا طعاماً . أخرج من جيب الجاكت قطعة شيكولاتة . همس بلهجة مشفقة :
ـ تصبيرة !
تنبه الشبان إليه ..
أطالوا التحديق في ملامحه وهيئته . في حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى بدلة رمادية ، ورباط عنق من اللون نفسه . عيناه قلقتان لا تستقران بين أجفانه الضيقة ، فهو يطبق جفنيه ، ويفتحهما ، فى حركة عفوية ، سريعة ، ويكثر من رفع إصبعه ليعيد النظارة المنزلقة على الأنف إلى موضعها ، ويمسك فى يده منديلاً لتنشيف العرق المتصبب في وجهه ..
قال الشاب الطويل القامة :
ـ وأنا .. أليس لى قطعة شيكولاتة ؟
رسم على وجهه ابتسامة واسعة ، وأشار إلى الشاب المنمش البشرة :
ـ أعطيته قطعة كنت أحتفظ بها لنفسى ..
التقط الشاب ارتجافة فى عينيه ، فقال :
ـ لا شأن لى .. أريد شيكولاتة ..
غلبه ارتباك . بدا منطوياً على نفسه ، ومتخاذلاً . رفع الجريدة بيده كمن يحاول الدفاع عن نفسه . تشجع الشاب الطويل فاختطف الجريدة . علت ضحكات الشبان . امتدت يد الشاب المنمش البشرة إلى الجيب العلوى . أخذ القلم ، وقذف به فى الهواء . التقطه . أعاد ما فعله مرات ، ثم قذف به من النافذة ..
صرخ :
ـ القلم !
انعكست نظراتهم ارتجافة فى عينيه . وشى تلفته أنه يريد الابتعاد . تقدموا نحوه فى نصف دائرة . عاد بظهره إلى الوراء حتى التصق بالجدار . ظلوا يرمقونه بنظرات قاسية ، ويكورون قبضاتهم ، ويقتربون ، ويقتربون ..
كان الشاب الممتلئ الجسد أقربهم إليه . صفعه بظهر كفه . تبعه الشاب الطويل ذو النظارة الطبية بلكمة . شجعهم تكوره على نفسه ، وملامحه الخائفة ، على معاودة ضربه . انهالت قبضاتهم وركلاتهم على جسده ، لا تتخير الموضع الذى تصيبه ..
...............................................
(من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:47 PM
(24) لحظــــــــة

قصة قصيرة جدا لمحمد جبريل
......................

أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق ، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس . ربما تأملت وجهها ، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هى المرة الأولى التى تكتشف فيها الشعرة قافزة فى الغابة السوداء خلف الأذن ..
غالبت مشاعر متباينة ، وإن غاب معناها الحقيقي . دارت بإصبعين كدوامة ، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً . تأكدت من البسمة التى لم تكن تغادر شفتيها ..
غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
ثم بخطوات أسرع ..
........................................
(من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:48 PM
(25) انكسارات الرؤى المستحيلة

قصة قصيرة لمحمد جبريل
........................

قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
أودعت رزمة النقود درج المكتب :
ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذى ينفق منه على احتياجات يومه ..
كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد ، دورى أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران ، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب ، والوقوف بالسيارة فى إشارة المرور ، والوقوف فى طوابير وصفوف ، انتظاراً لشىء أطلبه . واللقاءات الشخصية ، وأحاديث التليفون ، والتوقيع على أوراق مهمة ، وبلا قيمة . وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت فى مصر الجديدة ، والمكتب فى المهندسين ..
ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام . لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها ، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدى ، فلا يشغلنى ما فات ولا ما أترقبه . لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة . يصرون على الوقت ..
هذا ما أفعله بالضرورة ..
الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة ، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة . من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
أريد أن أفيد من كل ساعة ، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه . الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين ، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه ، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتى ، يعملون لها ..
أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
ـ أفندم يا سعادة البك ..
سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
لم أتردد على مكتبه ، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجى ، وصعودى السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين ، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب . تطالعنى الحجرة الواسعة ، المطلة على النيل : الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان ، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات ، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء ، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى ، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
قلت :
ـ أحيى إخلاصك ..
ـ هذا هو عملى ..
فاجأته بالسؤال :
ـ هل المرتب يكفيك ؟
وهو يغالب الارتباك :
ـ أدبر نفسى ..
ـ ما رأيك فى عمل بعد الظهر ؟
وشى صوته بالانفعال :
ـ سيادتك ..
ثم فى استسلام :
ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
قاطعته :
ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق ، وطباخ ، وخادم . أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع ، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى ، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها . ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة ، المشوقة ..
وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلى ، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة ، وينقل فضائح المجتمعات الراقية ، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظارى ، فلا يشغلنى انتظارهم . ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده . من المسموح لى أن أضيع وقتهم ، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول : أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر ؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه ، لا أنتظره ..
عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
علا صوتى :
ـ أين الصحف ؟
ـ سألخصها لسيادتك ..
لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
ثم وهو يربت صدره :
ـ هذا عملى ..
تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت ، ولا أعانى قلته . تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة ، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها . حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودى ، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه :
ـ نحن أولى بالوقت ..
علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون . كنت أتأمل لوحة الجيوكندا ، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
وضع فمه فى أذنى :
ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأى شئ ..
دفع لى بأوراق :
ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
وواجهته بنظرة متسائلة :
ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به . كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها ، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتى ، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها ، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
بدا عليه ارتباك :
ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
ـ هل فيه ما ترفضه ؟
ـ بالعكس .. لكنه ينسب لى ما لم أقله ..
أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
تهدج صوته بالانفعال :
ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى . لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
قلت :
ـ أنت تأخذ قرارى ؟
ارتعشت أهدابه :
ـ أنا أحدس رأيك ..
غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
ـ هذا لم يعد يحدث ..
حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران . ينقلها إلى مواضع أخرى . لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه ، فيغلبنى التأثر . يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية ، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..
........................................
(من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:52 PM
(26) الجماعية في الأداء

بقلم: محمــــــــــــــــــــد جبريل
...........................

الجماعية فى الأداء شرط مهم لتحقيق النجاح فى أى عمل ينسب إلى الجماعة . بديهية يتناساها البعض لمجرد أن يكون هو وحده فى الصورة ، لمجرد أن يصبح نجماً ، يتحول زملاؤه من حوله إلى كومبارس أو ظلال .
يتسلم لاعب الهجوم فى فريق كرة القدم كرته من لاعب خط الظهر ، أو من لاعب خط الوسط . هو ـ كما ترى ـ لم يلتقطها من السماء ، أو أنه وجدها ملقاة فى جانب الملعب .
يتقدم اللاعب بالكرة فى اتجاه المرمى ، يلاحقه من فريقه لاعبان أو ثلاثة .
حسب قواعد لعبة البلياردو ، فإن على اللاعب أن يمرر الكرة من موضعه فى الجانب إلى زميل يواجه المرمى الذى قد يكون خالياً ، لكنه يفضل ـ فى أنانية عقيمة ـ أن يشوط الكرة فى الدفاع المتكتل ناحيته ، أو فى حارس المرمى ، أو يشوطها خارج الملعب . ويواجه اللاعب نظرات زملائه المؤنبة باعتذار لا معنى له ، فقد ضيع على فريقه هدفاً ، ربما كفل له الفوز !
فى اجتماعات هيئة ثقافية مسئولة ، طرح زميل اقتراحاً ، وافق عليه الأعضاء ، وقرروا تبنيه . لكن الزميل ما لبث أن سحب اقتراحه .
سألته بينى وبينه : لماذا ؟.
قال فى بساطة مذهلة : أخشى ألا ينسب الاقتراح لى !
ظل الاقتراح مشروعاً مؤجلاً ، مع أنه ـ فيما أذكر ـ كان يمثل إضافة إلى حياتنا الثقافية ، لا لسبب إلا لأن مقدم الاقتراح رفض الجماعية ، وخشى أن يدخل معه فى الخط آخرون يشاركونه النجومية !. وللأسف فقد نسى الأعضاء اقتراح الزميل ـ أو تناسوه ـ فلم ير النور !
العمل الجماعى يعنى أنه من صنع الجماعة ، هى التى تدرس وتخطط وتنفذ وتجنى الثمار ، أو تهب الثمار للمجتمع كله . إذا تصرف كل فرد فى حدود إحساسه بالفردية ، فإنه يمتنع عن وضع طوبة فى البناء الذى يسكنه الجميع ، أو يصنع ثقباً فى السفينة التى تقل الجميع !
عشنا أمثلة رائعة ونبيلة فى المعنى الذى يضحى ليس بالفردية فحسب ، وإنما بالحياة من أجل أن تنتصر الجماعة ، أن ينتصر الوطن : الجندى الذى وضع جسده على الأسلاك الشائكة ، ليعبر زملاؤه من فوق جسده إلى معسكر العدو . لم يتوقع إشادة من أى نوع ، ولا على أى مستوى . كل ما شغله أن يجعل من جسده معبراً لزملائه نحو النصر .
إذا تدخلت الفردية فى العمل الجماعى ، فإنها تسىء إلى الفرد ، وإلى الجماعة فى الوقت نفسه .
وحتى أكون محدداً ، فإن الظاهرة السلبية موجودة فى معظم ـ إن لم يكن كل ـ هيئاتنا الثقافية ، سواء كانت أهلية النشاط ، أم تابعة للدولة . واٍسألوا لجان المجلس الأعلى للثقافة وأقسام الجامعات واتحاد الكتاب ونادى القصة ورابطة الأدب الحديث التى يذكرنى سكرتيرها العام صديقنا الشاعر محمد على عبد العال بإمام اليمن الأسبق عندما كان يحتفظ بمفاتيح مؤسسات اليمن السعيد فى جيبه ، والقائمة طويلة !

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:54 PM
(27) عن نجيب محفوظ:
سيرة حياة..سي السيد

بقلم: محمد جبريل
.....................

*ولد في بيت القاضي.. وجده كان صاحب سبيل
*ورث عن أمه غرامها بسماع سيد درويش رغم أن والدها كان شيخا أزهريا..
*مدرسته الأولي كُتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي

ولد نجيب محفوظ عبدالعزيز أحمد إبراهيم الباشا يوم الاثنين الموافق 11 سبتمبر عام 1911 بميدان بيت القاضي في حي الجمالية بالقاهرة وله أربعة أخوة هو أصغرهم.
وتنحدر أسرة نجيب محفوظ من مدينة رشيد وكان جده قد نزح إلي القاهرة ولقب "بالسبيلجي" لأنه يملك سبيلا يشرب منه عابرو السبيل.حصل علي ليسانس آداب قسم الفلسفة من جامعة القاهرة "فؤاد الأول" عام 1934 وعمل في بداية حياته العملية كاتبا بإدارة الجامعة 1934 ثم سكرتيرا برلمانيا لوزير الأوقاف عام 1939 ثم مدير مكتب بمصلحة الفنون عام 1955 ثم مدير عام الرقابة علي المصنفات الفنية عام .1959
وتولي رئاسة مجلس إدارة مؤسسة السينما عام 1966 ثم عمل مستشارا لوزير الثقافة عام .1968
وهو عضو بالمجلس الأعلي للثقافة وبنادي القصة وجمعية الأدباء وهو أول كاتب مصري وعربي يحصل علي جائزة نوبل في الأدب نوفمبر عام .1988
جاء في حيثيات استحقاقه لجائزة نوبل أن انتاجه اعطي دفعة كبري للقصة كمذهب يتخذ من الحياة اليومية مادة له كما اسهم في تطوير اللغة العربية كلغة أدبية.
لكن ما حققه نجيب محفوظ هو أعظم من ذلك فأعماله تخاطب البشرية كلها.. فثلاثيته وتصويرها للحياة في مدينة القاهرة في الفترة ما بين الحربين تضارع أعمال الأديب البريطاني تشارلز ديكنز عن الحياة في لندن والأديب الفرنسي أميل زولا عن الحياة في باريس.
حصل نجيب محفوظ علي جائزة قوت القلوب في الرواية وجائزة وزارة التربية والتعليم وجائزة مجمع اللغة العربية عن قصة خان الخليلي وجائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1968 ووسام الجمهورية من الدرجة الأولي عام 1972 ثم قلادة النيل عام 1988 وهي أرفع الأوسمة المصرية.
قدمت عن حياته وأعماله عشرات من الرسائل الجامعية لنيل رسالتي الماجستير والدكتوراه في مصر والعالم العربي وكتب عنه العديد من الكتب وسجلت أعماله في مكتبة الكونجرس الأمريكي باعتباره أحد الكتاب البارزين في العالم وصدرت عن حياته وأعماله الأدبية مع تحليل لأدبه الروائي موسوعة باللغة الألمانية بعنوان "نجيب محفوظ حياته وأدبه" عام .1978
قدم نجيب محفوظ للسينما أكثر من "100" فيلم وسهرة و12 مسلسلا بدأها عام 1945 بكتابة السيناريو لفيلم "مغامرات عنتر وعبله" وقد أختار النقاد 17 فيلما من أعماله ضمن ال100 فيلم الأهم في تاريخ السينما وإذا كان قد حصل علي جائزة نوبل في الادب فان أهمية وجوده في السينما لا تقل عن أهمية وجوده في ادبنا المعاصر.
تاريخ مصر
اهتم نجيب محفوظ بتسجيل تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة حتي العصر الحديث واهتم أيضا بتقديم حياة الناس البسطاء بالاحياء الشعبية الشهيرة وربطهم بالاحداث السياسية.
في مجال السينما المصرية تعاون نجيب محفوظ مع كبار المخرجين وكتاب السيناريو وقد اختيرت أفلامه ضمن أفضل مائة فيلم مصري وقد ترجمت العديد من أعماله لمعظم اللغات ومنها الانجليزية والفرنسية والاسبانية والايطالية والالمانية والهولندية ومن هذه الأعمال ثرثرة فوق النيل. قصر الشوق. السمان والخريف. المرايا. ودنيا الله.
ومن أهم أعمال نجيب محفوظ التي تحولت إلي أعمال سينمائية منذ فيلم "المنتقم" لصلاح أبوسيف عام 1947 وحتي عام 1989 فيلم "قلب الليل" للراحل عاطف الطيب. و"القاهرة الجديدة" عام 1945. "القاهرة 30". "خان الخليلي". "زقاق المداق".
ثم توالت أفلامه "بداية ونهاية". "بين القصرين". "قصر الشوق". "السكرية". "اللص والكلاب". "السمان والخريف". "الطريق". "وصمة عار". "الشحات". "ثرثرة فوق النيل" "ميرمار". "فتوات بولاق". "شهد الملكة". "المطارد". "الحرافيش". "الجوع". "التوت والنبوت". "أصدقاء الشيطان".
وقد عكست رواياته التاريخ السياسي لمصر خلال القرن العشرين وتجسدت في أفلام خان الخليلي. الحب تحت المطر. الكرنك. بين القصرين. والسكرية.
لم تترك السينما التسجيلية نجيب محفوظ حيث قام المخرج هاشم النحاس بإخراج فيلم تسجيلي عنه بعنوان "نجيب محفوظ ضمير عصر" وانتجه المركز القومي للسينما عام 1986 وتناول المخرج فيه التفاصيل اليومية لحياة محفوظ مع استعراض لقيمته الأدبية وعرض نماذج لبعض الافلام علي الشاشة المصرية المأخوذة عن أعماله الادبية.
وعن علاقته بوالدته فان نجيب محفوظ وصفها بالنافذة التي اطل منها علي العالم منذ بداية حياته. فقد تزوج عام 1954 وظل ملازما لها حتي وفاتها كما ظل يعيش معها في منزلها بالعباسية حتي يوم زفافه.
ولذلك يقول عنها أمي سيدة أمية ومع ذلك كنت أعتبرها مخزنا للثقافة المصرية كانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار حتي وصلت إلي حدود التسعين من عمرها وفي الفترة التي عشنا فيها في الحلمية كانت تصحبني معها في زيارتها اليومية وعندما انتقلنا إلي العباسية كانت تذهب بمفردها فقد كبرت ولم أعد ذلك الطفل المطيع وفي كل المرات التي رافقتها فيها إلي سيدنا الحسين كانت تطلب مني قراءة الفاتحة عندما ندخل المسجد.
فضل الوالدة
وكان يقول أن والدته كانت تتردد علي المتحف المصري وتحب أن تقضي أغلب الوقت في حجرة المومياوات دون أن يعرف السبب في ذلك ولا يجد تفسيرا له.
وقد ورث محفوظ عن والدته غرامها بسماع الأغاني وخاصة أغاني سيد درويش رغم أن والدها الشيخ إبراهيم مصطفي كان شيخا أزهريا وله كتاب في النحو.
كان والده موظفا بسيطا بإحدي الجهات الحكومية ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان نجيب محفوظ له أربعة إخوة وأخوات وعندما بلغ الرابعة من عمره ذهب إلي كتاب الشيخ بحيري وكان يقع في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز ثم التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد ان انتقلت الأسرة عام 1924 إلي العباسية حصل هناك علي شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية.
وتناول نجيب محفوظ المعاني الإنسانية في رواياته الأدبية ففي رواية "خان الخليلي" كانت الحارة صورة حية لمجتمع مصر في صراعاته وتطوراته المختلفة مع كل جديد في الحضارة الحديثة.
كان نجيب محفوظ محبا للضحك والنكتة والموسيقي والطرب وصديقا للناس يخاطب العامة يزور المقاهي ويلتقي بالأصحاب والأصدقاء وكان يرتاد مقهي عرابي في حي الجمالية حيث زاره أكثر من عشرين سنة وكازينو الأوبرا ومقهي ريش.
وتعد ثلاثية نجيب محفوظ كما يحلو لمحبيه وقرائه تسميتها من أعظم الأعمال التي قام بها بل وصنفت كأعظم عمل روائي عرفه الادب العربي المعاصر.
فالثلاثية التي تضم "بين القصرين. قصر الشوق والسكرية" بالإضافة إلي ثرثرة فوق النيل من الأعمال الادبية التي اتسمت بالروعة والواقعية حيث ترجمت إلي أكثر من 25 لغة وجسدت هموم ثلاثة أجيال عاشتها مصر هي جيل ثورة 1919 وجيل ثورة 1952 وجيل ما بعد الثورة والتي كانت بمثابة ملحمة صورت الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:56 PM
(28) «حارة اليهود» .. وأدب المقاومة

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
........................................

أصدرت الثقافة الجماهيرية في مطبوعاتها (العدد 38) ـ سبتمبر 1999م- ، مجموعة مختارة من قصص "محمد جبريل" القصيرة تحمل عنوان "حارة اليهود"، تضم قصصاً مُختارة، مما نشره المؤلف على امتداد الخمس عشرة سنة الأخيرة في الصحف و"الدوريات الأدبية، كـ "الأهرام"، و"إبداع"، و"الهلال"، و"أكتوبر"، و"القصة" … وغيرها، وهذه القصص معظمها منشور في المجموعات القصصية التي أصدرها من قبل.
ومحمد جبريل (المولود في الإسكنـدرية عام 1938م) واحد من أبرز الروائيين وكتاب القصة القصيرة المصريين في الجيل التالي لنجيب محفوظ، وهو قد نشر نتاجه في القصة القصيرة في معظم الصحف والمجلات الأدبية المصرية والعربية؛ فقد نشر قصصه في "المساء" و"القصة" و"الهلال" و"أكتوبر" و"الأهرام" (في مصر)، و"العربي (في الكويت)، و"الفيصل" و"الأدب الإسلامي" (في السعودية)، و"المنتدى" (في الإمارات)، و"الحياة" (في لندن)… وغيرها. وقد أصدر ست مجموعات قصصية، هي: تلك اللحظة من حياة العالم (1970م)، وانعكاسات الأيام العصيبة (1981م) و:هـل؟ (1987م)، وحكايـات وهوامـش مــن حيـاة المبتلى (1986م)، وسـوق العيـد (1997)، وانفراجة الباب (1997م).
ومحمد جبريل أحد الأدباء الذين تشغلهم مصر وقضاياها وهمومها، يقول في حوار معه حول الالتزام والإحكام الفني: "أنا لا أستطيع أن أتخيَّل أن هناك كاتباً غير ملتزم أساساً، فالدافع الأول المؤدِّي إلى الكتابة يتمثَّل أساساً في الدفاع عن قيمة إنسانية ما، وتوصيل وجهة نظره، وتحديد موقف مُعيَّن من الحياة".
وهذا الموقف يجعل الأديب من أصحاب الرؤى التي تطمح لتغيير ما هو واقع وتُجاوزه، مع اتصالها بالواقع وتحرِّي الصدق ـ الفني ـ في تصويره.
يقول (وهو يتحدّث عن إشكال الإحكام الفني وضرورة الالتزام): "في اعتقادي أن الصدق الفني لا يمكن أن ينفصل أبداً عن الصدق الإنساني، فليس من المعقول أن تُحب أو تتعاطف مع عمل له شكله الدرامي المحكم والجميل، بينما ينطوي هذا العمل على مضمون فاسد، ويُطفئ شعلة الأمل والحياة في نفس الإنسان".
ويرى أن الكاتب ابن بيئته، فيجب عليه أن يُعبِّر عن همومها حتى يستجيب المتلقي لما يطرحه الكاتب في أدبه من هموم: "هل أتوهّم مشاكل غير موجودة وناساً لا أعرفهم، وكائنات وهمية وأمكنة خرافية، وأنا ابن مصر، مهمة فني أن يحتويها بكل مكوناتها وأن يُعانقها بكل محتوياتها؟ إن من الطبعي والحتمي والمنطقي أن تكون أعمالي مصرية في لحمتها وسداها، وإن لم تكن هكذا فهي ليست بأدب على الإطلاق. الكاتب المصري لا بد أن يكون مصرياً وإلا فقد هويته، بل ويجب أيضاً أن يكون عصرياً؛ بمعنى أن الكاتب الذي يفقد حس عصره لا يمكنه أن يُعبِّر عن أي عصر آخر، والمهم أن يصل هذا الإحساس بالوطن والعصر إلى القارئ حتى يتمثّل التجربة النفسية والخيالية التي مرّ بها الكاتب، ومن هنا تأتي المشاركة بين المُعطي والمتلقي".
ولأن مصر الغالية ـ ومن ورائها العالم العربي ـ في مواجهة شرسة مع الصهاينة المحتلين من أبناء يهود، فإنَّ وعي القاص بهذا الصِّراع الشرس الذي يُواجهنا انعكس على كثيرٍ من قصصه، وقد جَمعَ بعضَها في هذه المجموعة، ليُنبِّه، ويُنذِر، ويُدلي بشهادته ـ الفنية ـ في هذا الصراع، وسنتوقف أمام الرمز الإيحائي في ثلاثة قصص من قصص هذه المجموعة.
معروف أن الرمز وسيلة إيحائية من أبرز الوسائل الفنية التي يستخدمها الأدباء المتمكنون من فنهم، وفي قصص محمد جبريل في هذه المجموعة نراه يستخدم الرمز الإيحائي، وهو أن يوحي لك بما يريد أن يقوله، وهذا هو الرمز البسيط الذي يُوظِّفه في قصص هذه المجموعة.
في قصة "العودة": نجد البطل المصري المنتمي، المتمرد على الغربة المكانية، والذي يريد أن يعود إلى مصر بعد تسع سنوات من الغربة، ورغم أنه يعيش في دولة عربية هي سلطنة عمان، فقد كان دائم الحنين لمصر:
"لو أنه روى عن الباعث الحقيقي! .. كان يحجز تذكرة العودة في اليوم التالي لوصوله إلى مسقط. أتعس اللحظات حين يُغادر التاكسي في مطار القاهرة ويخطو إلى باب الدخول، أسعد اللحظات حين يُعلن المضيف عن التحليق في الأجواء المصرية. أدهشته الدمعة التي ذرفها بالرغم عنه لما أطلّ على الناس وهو يُنهي أوراقه ـ من نافذة مرتفعة في مجمع التحرير. كان يحرص على قراءة الصحف. يُناقش القضايا البعيدة كأنه يحياها، يسأل ويناقش ويقترح ويرفض. يصلي الجمعة في مسجد أبي بكر الصديق الذي يرتاده المصريون. يزور ويُزار ويودع في مطار "السيب" يستوقفه اختلاف اللهجة والتصرفات والتكوين الجسدي، كان يُراهن على الطيف القادم في الظلام. يُهلل للشوارع والميادين والشواطئ والأبنية، إذا طالعته في التليفزيون: المراكب الصغيرة في شواطئ الأنفوشي .. زحام شارع الغورية .... بورسعيد تخلو من البمبوطية فهؤلاء إذاً من السويس .. إنها مستودعات البترول في مدخل الزقازيق .. حل الصيف، فجمهور استاد القاهرة يرتدي القمصان".
لقد عاد البطل من الخارج ليواجه مجتمعاً امتدّت رذائله السياسية والاجتماعية، واتسعت، وليُعرِّي خطايا هذا المجتمع، ويُحاكمه أمام نفسه، وتبدأ المواجهة عند وصوله إلى مطار القاهرة:
"بدا مُغايراً للمرّات السابقة، مجموعة من السائحين الإسرائيليين ينتظرون حقائبهم. تأمل اسم ورقم الرحلة (576 تل أبيب) تل أبيب؟ .. شمل المجموعة بنظرة جانبية. بدوا سعداء، يتضاحكون، وإن علت في أحاديثهم تلك المفردات التي عجز عن فهمها".
ويكشف المقطع السابق عن نفسية السارد المستفهمة المتعجبة، التي نتعرَّف ـ من خلال رؤية السارد ـ على أولى خطوات الوعي بالمقاومة التي فُرضت على البطل بعد العودة، فهذا هو العدوُّ الصهيوني يتسلّل إلى داخل الحدود، ويتحدّث لغةً غير مفهومة!
وتنتهي القصة بالعودة إلى أحضان الأم:
"صعد السلالم عدواً، أطال الوقوف لحظات أمام باب الشقة، هل تفاجئه أمُّه بهذه اللهجة؟ فكيف يُواجه الأمر؟ ماذا سيكون عليه تصرُّفه؟
قاوم التردد، وضغط الجرس، لم يرفع إصبعه حتى انفتح الباب، بدت أمُّه شعثاء الشعر، تفصّد العرق في جبهتها، بيدها سكّين، فهي لا بد قادمة من المطبخ .. اتجهت عيناه إلى شفتيها، ترقبان الارتعاشة التي تسبق الكلمات.
انفرجت الشفتان عن صيحة فرح:
ـ أنت؟! ..
ارتمى في حضن أمه وأجهش بالبكاء".
إن المقطع السابق يضيء النص القصصي، فقد كان السّارد يخشى من غياب صورة الأم، أو تحوُّلها، وكان يخشى اللغةَ أو اللهجة التي ستكلِّمه بها، وهو بهذا الرمز الإيحائي (شخصية "الأم") يرمز إلى مصر: العطاء، والأصالة، والسكينة، التي في الوقت نفسه تحمل السكين، وتُقاوم!
فـي قصــة "حكايـات وهوامـش مــن حيـاة المبتلـى" نرى شخصيتي "صابــر عبد السلام" و"سلسبيل" اللتين يرمز بهما إلى الشعب المصري؛ فصابر عبد السلام يُصر على السفر لأداء فريضة الحج، في الطريق البري نفسها التي سافر فيها أبوه لأداء الفريضة من قبل، ولكن الطريق مقطوعة (يشير إلى إسرائيل التي احتلت فلسطين، فمنعت انسياب الحركة البرية بين مصر والحجاز)، وصابر الذي يرمز إلى الشعب المصري يصفه المؤلف بهذه الفقرة التي تكشف عن خصائص الشعب المصري النفسية، وتنتهي بأمنية أن يعود التواصل بين أفراد الأمة العربية:
"فاعلم ـ غفر الله لك ـ أن صابر عبد السلام كان يحمل قلباً ينبض بالرحمة، يُشرق النور في داخله، يغيث الملهوف، يُساعد المحتاج، يُقتِّر على نفسه ويُكرم ضيوفه. يحدث من يلقاه ـ للمرة الأولى ـ كأنه يعرفه من زمان. يُوقِّر الكبير والصغير، ويحترم الناس كافة. يعود المرضى، يُشارك في الأفراح والمآتم، يُساعد "الغلابة" والضعفاء والمنكسرين. يفيض بالمحبة تجاه الآخرين، حتى الذين يواجهونه بالإساءة، يغض النظر عن إساءاتهم، إلا فيما يتصل بكرامته … يُصلي الفروض في أوقاتها، يعشق النكتة والعبارة اللمّاحة. أمنيته التي كثيراً ما حدّث بها زوجته وأصدقاءه، هي السفر إلى بلاد الحجاز من الطريق نفسها التي سافر فيها أبوه عندما انتوى أداء فريضة الحج".
ومن الواضح أنه يرمز بالجملة الأخيرة "السفر إلى بلاد الحجاز من الطريق نفسها التي سافر فيها أبوه عندما انتوى أداء فريضة الحج" إلى الحلم المُقدَّس في وحدة الأرض العربية، وزوال العائق المتمثل في إسرائيل.
تتحدّث قصة "حدث استثنائي في حياة الأنفوشي" عن أسراب السمّان التي غزت الأنفوشي، ثم ابتدأت تُقاسِم الناس المكان، وأصبحت حياة الناس تضيق يوماً فيوماً، إلى أن قرّروا وجوب مقاومة السمان، فالبديل هو الجنون!
وليست أسراب السّمّان سوى إسرائيل، وحي الأنفوشي هو مصر، والناس هم المصريون. وهي قصة رمزية تُقدِّم نموذجاً للأدب الجيد، الملتزم بقضايا الأمة، وقد استطاع محمد جبريل أن يُقدِّمها في بناء فني محكم جميل لم يُغفل فيه الجمال مع الالتزام بهموم الوطن وقضاياه.
وتبدأ القصة بهذه الفقرة: "بعد أن استقرّت السمّانة فوق الصّاري المرتفع الخالي من العلم في الجانب الأيمن من سراي رأس التين .. ألقت نظرة متأملة على مباني السراي من حولها، والحديقة المرتفعة يُحيط بها سور مرتفع كحدوة حصان، والمباني المُقابلة للشاطئ تآكلت واجهاتها بملح البحر. والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال والشاطئ وطريق الكورنيش في تلك الأيام الخريفية التي تخلو من الحركة. تقافزت السمانة فوق الصاري وتهيّأت لمواصلة الرحلة، لكنها ـ في قرار مُفاجئ ـ غيَّرت طريقها، وعادت إلى شواطئ أوربا ..".
ولعلّنا لاحظنا الدقة في استخدام الكلمة في السرد القصصي في الفقرة الأولى من القصة، فكلمة "استقرّت" توحي بالاطمئنان وعدم المقاومة، و"الصاري المرتفع" توحي بالهيمنة والتمكن، و"الخالي من العلم" توحي بزوال المجد وضياع الهيبة التي مكّنت العدو من أن يحتل القمة، و"حدوة حصان" تشبيه يوحي بالهوان الذي آلت إليه حال أمتنا، و"تآكلت" توحي بما فعلته السنون بنا، وكذلك "القوارب الصغيرة المتناثرة فوق الرمال والشاطئ" تُرينا الموات الجاثم، والذي يدل على كسل وركود حاليين، ويشف في الوقت نفسه عن حركة ونشاط في الماضي الذي صار أثراً.
ويكشف المقطع الثاني عن تسلل السمان ـ إسرائيل، واستسلام الناس للواقع ومعايشتهم له، وأملهم في الدهر أن يحل مشكلتهم مع السمان ـ إسرائيل. وفي المقطع الثالث يُعايش السكانُ السمانَ الذي يُنظِّم نفسه دون أن يُضايقهم، بل يُقدِّم السمّان القدوة لهم في العمل والتنظيم.
وهذه مرحلة عاشتها أمتنا العربية مع العدو الإسرائيلي عقب الهزيمتين (1948 و1967م) حيث بدأ بعض مفكرينا من دعاة الاستسلام والهزيمة يتحدّثون عن إسرائيل ومجتمعها العامل النشط المنظّم وسط صحراء الفوضى العربية!!
وفي المقطع الأخير نرى الناس وقد أحسُّوا بوطأة تسلل العدو، يقرِّرون المقاومة: "لاحظ الناس أنهم لم يعودوا يتصرّفون بمثل ما اعتادوا، وتنبَّهوا ـ وإن كان متأخِّراً ـ إلى ملايين الأعين والأنفاس القريبة، والمُقاسمة في المكان ـ مهما كان شخصياً ـ خلت التصرفات من العفوية التي كانت سمةَ أيامهم السابقة".
إن هذه الجمل المتتابعة تعني أن الناس ـ العرب ـ في وجود السمان ـ إسرائيل ـ لم يعودوا أحراراً، وهنا نصل إلى النهاية الحاسمة، فقد صحا الناس من غفلتهم ليُقرِّروا أن المقاومة هي الطريق الأوحد للحياة الحرة الكريمة؛ لأن البديل هو الجنون.
لقد قدّم محمد جبريل من خلال السرد حكاية الغزوة الصهيونية الشرسة الطارئة للأرض العربية، وقرّر أن يُقاوم الأعداء المغتصبين من خلال الفن، فهل نعي نحن الدرس؟!
ولعل استخدام محمد جبريل للرمز الإيحائي يعطي قصصه حيوية وجمالاً وقدرة على التأثير تتعدّد بتعدد القراءة، وتجعلنا نرى أن هذا العالم الغريب الذي تقدمه لنا القصة هو عالمنا الواقعي، لكن صياغة المفردات على هذا الشكل الرمزي الإيحائي يمنح القصة طاقة من الشعرية والقوة التي تجعلها لا تفقد متعنها مهما تعددت القراءة.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:57 PM
(29) علاقتي بنجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
..........................

نحن نحتفظ بالصور الفوتوغرافية لأنها تستعيد حياتنا. تذكرنا بما قد ننساه. نسد الفجوات التي ربما يصنعها توالي الأعوام.
أضع الصور علي الأرض. أنشرها في أكبر مساحة. أتأملها. أستعيد العلاقة بيني وبين أصحاب الصور بيني وبين ما مضي من أحداث. أحياناً تبطئ ذكريات الصور في استدعاءاتي لها. وقد تأتي غير مترابطة. وتتحرك في الذهن بسرعة خاطفة. كأنها الومضات.
الصورة لي مع نجيب محفوظ. أتحدث. ويضع يده علي أذنه منصتاً. نشرتها الصحف في أكثر من مناسبة. تعيدني إلي اكتشافي الذي لم أعد له لنجيب محفوظ.
المصادفة وحدها هي التي قدمتني إلي أعظم الروائيين العرب. لأني كنت أتردد كل يوم. في إجازة صيف علي مكتبة المنيرة. وجدت فيها مكاناً مناسباً لا يبتعد بها عن البيت. وعن مشروع القراءة الذي بدأته. دون أن يشغلني السؤال: متى أتمه؟
بدأت قراءاتي بحرف الألف. كان آدم متز أول الأسماء. تبعته أسماء أخري لا أذكرها. وعرفت بعد ما يقرب من الأيام العشرة أن مشروعي لن يجاوز الأمنية المستحيلة. أدركني اليأس. وتشوش ذهني حول ما ينبغي قراءته. ولمحت في طريقي إلى خارج المكتبة كتاباً تركه قارئه مفتوحاً علي صفحاته الأولي. تابعت أحمد أفندي عاكف. الموظف الأربعيني المكدود. وهو يتجه عقب انصرافه من ديوان الوزارة إلي البيت الجديد في خان الخليلي. بدلاً من البيت القديم في السكاكيني. استغرقتني القراءة تماماً. فلم أترك الرواية حتي نبهني الموظف إلي موعد إغلاق المكتبة. وعدت في اليوم التالي لأواصل قراءة "خان الخليلي". ثم قرأت خارج المكتبة بقية أعمال نجيب محفوظ إلي "بداية ونهاية".
عدت إلي الإسكندرية. وفي وجداني أصداء من العالم السحري الذي أتاحته لي قراءة نجيب محفوظ. شعرت أنه من الصعب أن اقرأ لكتاب آخرين. بدت مسافة القيمة الروائية بينه وبينهم واسعة. وتفهمت فيما بعد ملاحظة سعيد السحار وهو يقود سيارته. وشقيقه عبدالحميد الروائي الذي ينتمي إلي جيل محفوظ يجلس إلي جانبه. وأنا في المقعد الخلفي. قال: نجيب هو أفضل الروائيين العرب علي الإطلاق. لا أحد يفوقه. ولم يظهر انفعال من أي نوع على عبدالحميد. تصورت أن الأمر بالنسبة له حقيقة لا تحتمل المناقشة.
حرصت منذ تلك الأيام أن أتابع كل ما يتصل بكاتبي المفضل. وكان في الأغلب عن نشاطه ككاتب للسيناريو "أحتفظ بورقة في مجلة تتضمن خبراً عن القاص يوسف جوهر والسيناريست نجيب محفوظ!". واتصلت صداقتي لعالم محفوظ الإبداعي. عندما نشر الجزء الأول من ثلاثية "بين القصرين" في الرسالة الجديدة. وكان ترددي علي ندوة كازينو أوبرا أول ما حرصت عليه. حين قدمت إلي القاهرة للإقامة الدائمة.
ثم تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ إلي صداقة. هي أثمن ما أعتز به في حياتي.
.................................
*المساء ـ في 15/11/2008م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 06:59 PM
(30) دنيا.. نجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
....................

*عاش راهباً في محراب الفن ورفع راية الإصرار
*أعماله.. عربة اسمها العدالة الاجتماعية يجرها جوادان.. الدين والعلم
*اتهامه بأنه أديب السلطة الحاكمة.. باطل
*تواصل مع التراث التاريخي والإبداعي وأفاد من تقنيات الرواية الأوروبية

كان لقائي الأول بنجيب محفوظ في مكتبة المنيرة. كنت مشغولا في قراءات متباينة. وكانت قراءتي في الرواية لطه حسين والحكيم والمازني وتيمور والسباعي وعبدالحليم عبدالله وغيرهم من أدباء جيل الرواد وجيل الوسط. بالإضافة إلي ما أتيح لي قراءته من الرواية العالمية في مكتبة أبي. وفي مكتبة بلدية الإسكندرية. والمكتبة الأمريكية بشارع جمال عبدالناصر. وغيرها وذات يوم لمحت كتابا مفتوح الصفحات عند أحمد أفندي عاكف الموظف الأربعيني المكدود وهو يغادر مبني الديوان الحكومي في طريقه إلي حي الحسين بدلا من حي السكاكيني الذي كانت أسرته قد انتقلت منه فرارا من الغارات الجوية لطائرات الألمان. في أثناء الحرب العالمية الثانية..
كان ذلك بداية تعرفي إلي نجيب محفوظ قرأت في الأيام التالية كل ما أتيح لي قراءته من أعمال محفوظ. اعتبرته الروائي المصري الأهم. وحرصت علي متابعة ما يكتب. وما يكتب عنه ثم سافرت إلي القاهرة. وتحولت صداقة القراءة بين كتابات محفوظ وبيني. إلي صداقة شخصية أفدت فيها منه ليس علي المستوي الفني فحسب. وإنما علي المستوي الإنساني أيضا: التنظيم واحترام الوقت والحياة في الفن بما يشبه الرهبنة. وكما يقول أستاذنا يحيي حقي فمنذ اليوم الذي قصد فيه أن يكون مؤلفا روائيا أخلص وجهه للفن. تاركا كل مطلب آخر دبر أذنه ووراء ظهره. إنما جعل همه الأوحد أن يجمع في يده كل الوسائل التي تعينه علي الإجادة من أجل فنه دخل كلية الآداب ودرس الموسيقي. من أجل فنه ألزم نفسه أن يلم إلماما كاملا. مستندا إلي دراسة شاملة مستفيضة للإنتاج الأوروبي. سواء في الفلسفة أو الأدب أو النقد. واشتغل موظفا في الحكومة. فقنع بكل منصب ولو ضئيلا شغله.
حتي حياته الوظيفية أفاد منها في الكثير من أعماله. يقول في حوار مع عبدالرحمن أبوعوف: الوظيفة كانت في حياتي ضرورة. لأن الأدب في ذاته فقير. وكلما تفتحت الأبواب أمام الأديب كان الغلاء يزيد فوجدت أن الوظيفة برغم قيودها تعطيني من الحرية ما لا يعطيه أي عمل آخر. ووضعي هذا مكنني أن أري وبشيء من الوضوح جميع الأنظمة التي تتابعت علي مصر. دون تأثر بأي ضغط خارجي.
لقد أغري عبدالحميد السحار قول صديقه محمد فرج: عندي موضوع شائق لك وكتب السحار "الشارع الجديد" ثم كتب "الحصاد" بإغراء عرض مماثل. أما نجيب محفوظ فقد كان يعتمد علي عينيه وذاكرته ووجدانه وكانت نوتته الصغيرة التي يسجل فيها كل ما يراه. هي ذلك الصديق الذي يحرضه علي كتابة عمل بالذات. كنت ألحظ النوتة الصغيرة وهو يسحبها من جيبه. ويعيدها. بعد أن يسجل فيها بعض مشاهداته وأفكاره. وأذكر أني سألته في حوار بقصر عائشة فهمي المطل علي نيل الزمالك:
هذه الصرامة في تقسيم الوقت بين العمل الوظيفي والحياة الأسرية والقراءة والكتابة الإبداعية والجلوس إلي الأصدقاء.. هل تضطر إلي إهمالها لو فوجئت بما يشغلك؟
قال نجيب محفوظ:
مثل ماذا؟
قلت:
زيارة عائلية؟
قال:
ماداموا من العائلة فإنهم يجلسون مع أسرتي!
وفاجأني بالسؤال:
وأنت؟
لا أسمح لأحد أن يعطلني..
والحق أني حرصت ومازلت علي أن يكون للصحافة وقتها. وللإبداع وقته. فضلا عن التزامي بحياة خاصة. تؤثر البعد عن المجتمعات. والحرص علي كل دقيقة وقت..
عناد الثيران
الإصرار. وهو ما سماه نجيب محفوظ عناد الثيران. وإن كنت أفضل ربما لأني سكندري تعبير عناد أمواج البحر والمؤكد أن أعمال محفوظ لم تلق ما كانت تستحقه من اهتمام. قبل أن تصدر "زقاق المدق" في طبعتها الشعبية. ويتحول محفوظ في مدي أعوام قليلة علي حد تعبير لويس عوض إلي مؤسسة قومية كان يكتب وينشر. ويحدث تأثيرا كميا قليلا. وتأثيرا كيفيا غاية في العمق لم يكن يشغله التفات النقد أو تجاهله. بقدر ما يشغله الإبداع. والتعبير عن قضايا المجتمع ولعلي أذكر قول محفوظ لي: إني أكتب لأن الكتابة تحقق لي حياتي علي نحو ما!
مع ذلك فإن كنت أشارك محفوظ دهشته من التفات النقاد العرب إلي أعماله. وحفاوتهم بها. بعكس الصدي الشاحب الذي كانت تلقاه في معظم الكتابات النقدية المصرية ثم شاركت محفوظ دهشته من عدم ترجمة أي من أعماله إلي أواسط الستينيات تقريبا ثم لقيت كتاباته ما تستحقه من حفاوة بلغت ذروتها بحصوله علي جائزة نوبل.
وإذا كان نجيب محفوظ قد أعلن تقديره لأنور المعداوي وسيد قطب باعتبارهما بداية العملية النقدية التي تناولت أعماله. وقدمته كأهم روائي عربي. فإني أتصور الدور نفسه في كتاب نجيب سرور المهم "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ" الذي سبق كل الكتب التي صدرت عن مبدعنا الكبير. وقدمه فيه باعتبار عبقرية راسخة تقف في مستوي واحد وفي ندية إلي جانب أعتي عتاة الرواية في العالم أجمع. وأكد أنه يوم يترجم محفوظ إلي اللغات الأجنبية. فستعرف مصر بالفعل "أن لها هرما روائيا شامخا أدعي للفخر من هرم خوفو الحجري".
فلسفة حياة
الإفادة من الثقافة الموسوعية. في محاولة تقديم رؤية شاملة. أو فلسفة حياة متكاملة. صورة العالم لدي الفنان. وقد أشرت بعد دراسة مطولة لأعمال محفوظ في كتاب "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" لي أن مجموع هذه الأعمال يتمثل في عربة اسمها العدالة الاجتماعية يجرها جوادان هما الدين والعلم. كل الأبعاد المتقابلة والمتعارضة في رؤي محفوظ تلتقي في تلك الرؤية الشاملة أو فلسفة الحياة المتكاملة. يقول: الحقيقة أنني جربت كتابة القصص بوسائل مختلفة. مثل أن أقدم علي الكتابة وأنا كامل التخطيط. أو علي قدر لا بأس به من هذا التخطيط وجربتها كذلك بلا أي تخطيط.. ولكني أحب أن أضيف كلمة بالنسبة للنوع الأخير. إنه لا يخلو من تخطيط خفي كامن في العقل الباطن. ولذلك يخرج العمل معبرا عنك كالعمل المخطط سواء بسواء.
القول بأن الإنسان في يد الأقدار كما في العديد من أعمال نجيب محفوظ. هذا القول هو رؤية دينية سلفية منذ الإغريق والحق أن النظرة إلي القدر في أعمال محفوظ تتسم بسلبية واضحة. فهو يعتبر أن القدر لا راد له. وأن كل من يحاول التصدي له لابد أن يواجه الصدمة والخذلان. فلا سبيل إذن إلي مقاومته. إنه "قدرنا" المكتوب. والذي لا سبيل إلي الفرار منه. راجع: عبث الأقدار. بداية ونهاية. الطريق. اللص والكلاب. مجموعة دنيا الله.. وغيرها.
وفي الأغلب فإن أبطال نجيب محفوظ ينتهون إلي البداية التي بدءوا بها. وربما أسوأ ذلك ما حدث لسعيد مهران في "اللص والكلاب" وحسنين كامل علي في "بداية ونهاية" وسرحان البحيري في "ميرامار" وأحمد عاكف في "خان الخليلي" وحميدة وعباس الحلو في "زقاق المدق" حتي محجوب عبدالدايم في "القاهرة الجديدة" لم تؤثر فيه كثيرا فضيحة كشف زوجة الوزير للعلاقة بين زوجته زوجة محجوب وزوجها. ونقله بالتالي إلي أسوان. فهو قد أفاد من وجهة نظره الأخلاقية أو اللا أخلاقية وتحول من متبطل إلي مدير عام! محجوب عبدالدايم تقطعت كل علاقاته بأسرته. وبزوجته وبالوزير الذي كان في المقابل وراء رحلة صعوده!
فهل يعبر أبطال محفوظ عن البطل الإغريقي سيزيف؟ هل يعبرون بدرجة وبأخري عن الفلسفة الوجودية؟
كان كمال عبدالجواد كما وصفه نفسه من شدة الحيرة مترددا أبدا بين وهج الغريزة ونسمة التصوف وقد واجه نجيب محفوظ في الحقيقة الأزمات نفسها التي واجهها كمال عبدالجواد. حين اتجه إلي دراسة الفلسفة رغم معارضة الأهل والأصدقاء. وحين صادف أزمة دينية حادة بتأثير قراءته لنظرية النشوء والارتقاء. وقد تأخر زواج نجيب محفوظ لاعتبارات حددها بانشغاله في القراءة والإبداع. في حين تأخر زواج كمال عبدالجواد نتيجة لانغماسه في أزمته الفكرية التي امتدت إلي نهاية "السكرية".
التواصل
تحقيق التواصل مع التراث التاريخي والإبداعي. كما في روايات المرحلة الفرعونية. وكما في ألف ليلة وليلة. وغيرها.. والإفادة في الوقت نفسه من تقنيات الرواية الأوروبية. والحرص كذلك علي متابعة إيقاع العصر من حيث الحبكة واللغة والأسلوب.. ولاشك أن "اللص والكلاب" و"الشحاذ" و"الطريق" تختلف في ذلك كله عن روايات مرحلة الواقعية الطبيعية.. واللافت أن نجيب محفوظ في رواياته التي وظفت التراث الفرعوني لم يكن يشغله التاريخ بقدر ما شغله الواقع. كان المصريون أسري والاحتلال وفساد القصر وانتهازية أحزاب الأقلية. وهو ما يسهل للتعرف علي ملامح مشابهة له في الروايات الفرعونية يقول: هناك أدباء الفعل الماضي. وأدباء الفعل المضارع. وأدباء المستقبل وأنا من أدباء الفعل المضارع. أكتب عن الحاضر. ولا أحب الكتابة عن الماضي. ولا يستهويني التنبؤ بالمستقبل.
نجيب محفوظ دنيا من الصدق الفني والصدق الإنساني الجميل. مثلت لي ريادة وأستاذية علي مدي ما يقرب من الأربعين عاما.
قال نجيب محفوظ: أنا منذ البداية ارتبط بمشكلات الطبقة المتوسطة إنه أحد أبناء الطبقة الوسطي. وبالتالي فليس ثمة ما يعيبه لو أنه اقتصر في أعماله علي حياة هذه الطبقة.. لكن: هل كان ذلك كذلك؟
لاشك أنه من الصعب أن نحكم علي أعمال الفنان من واقع انتمائه البيئي. فقد أفلح تشيخوف في التعبير عن آلام البسطاء والكادحين. مع أنه كان يعمل طبيبا.. نجيب محفوظ رغم انتمائه البورجوازي فإن تلك الطبقة بالذت تعرضت في أعمال لتعرية كاملة. باعتبارها الكتلة الأساسية التي يتكون منها مجتمع المدنية. وإن شمل الفنان في أعماله فئات تمثل معظم إن لم يكن كل الفئات التي يتشكل منها المجتمع. ثمة الوزراء وكبار الموظفين والتجار والموظفون العاديون والحرفيون والمتسولون والمجاذيب وعلماء الدين والقوادون والمومسات والطلبة والفتوات والنساء قعيدات البيوت والنساء العاملات.. الخ.
وعلي الرغم من الخلفية الفكرية الواضحة التي تطالعنا في أعمال نجيب محفوظ. فإن عزوف الفنان عن المساجلات الأدبية. كان دافعا لملاحظات متباينة تأخذ علي الفنان إهماله للطبقة الوسطي. وتعيب عليه في المقابل أنه كاتب البورجوازية الصغيرة. أو تبدي دهشتها من أنه لا يبدو مسئولا عن الأفكار التي تدعو إليها شخصيات أعماله.
لقد أخذ عبدالقادر القط علي كتاب القصة ونجيب محفوظ في مقدمتهم أنهم يهملون شئون الطبقة الوسطي بل وينظرون إليها في شيء غير قليل من الشك. معتقدين أنها لا تلعب في المجتمع المصري دورا حاسما يشبه الدور الذي تقوم به المجتمعات العاملة.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 07:00 PM
أما عبدالعظيم أنيس فهو يطلب من قارئه أن يتفق معه بداية علي أن نجيب محفوظ هو كاتب البورجوازية الصغيرة. يثم يقول عبدالعظيم أنيس: والحقيقة أنه أي نجيب محفوظ حين يعبر عن مأساة البورجوازية الصغيرة فإنه يعبر في الدرجة الأولي عن مأساته هو. وحدود فهمه هو. وهو موقف عام لكل كاتب ويأخذ أنيس علي نجيب محفوظ نتيجة لذلك أنه لم يعكس في "القاهرة الجديدة" علي سبيل المثال إلا جانبا من الأحداث السياسية والاجتماعية. بينما أغفل الجوانب الأخري. مثل مظاهرات الطلبة السياسية. واضرابات العمال النقابية. وبصرف النظر عن ذلك الرأي. الأخير الذي يمكن رفضه ببساطة باعتبار أن الفنان غير مطالب بأن يجري مسحا شاملا لكل الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية. في الفترة التي يعرض لها العمل الفني. وإلا تحول العمل إلي وثيقة سياسية أو اجتماعية أذكرك بقول ارنست فيشر في كتابه "الاشتراكية والفن" فإن الفنان أو الكاتب الاشتراكي يتبني وجهة النظر التاريخية للطبقات العاملة. لكن ليس معني ذلك أنه ملزم بالدفاع في إنتاجه الأدبي عن أي عمل أو قرار يتخذه أي حزب أو شخصية تمثل هذه الطبقات العاملة. إنه يري في الطبقة العاملة القوة الحاسمة لكنها ليست القوة الوحيدة.
أما عباس خضر. فإنه يبدي اعتراضا علي الأفكار التي يسندها نجيب محفوظ إلي شخصيات أعماله.
غاية ما نرجوه من العمل الفني أن يوفق في تسليط الضوء علي القطاع. أو الشريحة. من المجتمع التي يعرض لها. بصرف النظر عن ذلك. فالحقيقة المؤكدة هي ما أثبته صبري حافظ في 1964 لم يعد ثمة شك في أن نجيب محفوظ خير روائيينا علي الإطلاق.
تغيير العالم
يقول ماركس: لقد شرح الفلاسفة العالم فقط. لكن المهم هو تغييره. وقد شرح نجيب محفوظ المجتمع المصري بكل ما يحفل به من تناقضات دون أن يقحم ذاتيته بصورة مباشرة. وترك القاريء يفكر في حتمية التغيير.
ولعل مناقشات أحمد شوكت مع خطيبته عن الصراع الطبقي. وما تبديه من عدم تصديق من أنه مع تنشئته في أسرة تتمي إلي الطبقة الوسطي. يمكن أن يكون ماركسيا مخلصا.. لعل في تلك المناقشات ردودا حاسمة علي اتهامات نجيب محفوظ بالانتماء لطبقته. وحين ثار أحمد شوكت لاستعداد البوليس لطرد ساكن من بيتهم تأخر عن دفع الأجرة. فقد كانت ثورته علي طبقته. وعلي أسرته بالذات. التي تقوم حياتها علي إيراد الأملاك.
أذكر قول نجيب محفوظ في حوار أجريته معه في منتصف الستينيات إن البورجوازية لا مستقبل لها. بعد أن أصبح مستقبلها حاضرا بانتصار الثورة وفسر الفنان توقفه خمس سنوات بعد كتابة الثلاثية. بأن سلسلة كتبه كانت محاولات لتحليل المجتمع القديم ونقده. فلما انهار ذلك المجتمع. وجد الفنان نفسه في موقف من يبحث عن قيم جديدة يستلهمها في عمله. فالفن بعد الثورة أي ثورة يجب أن يتغير عما كان قبلها. ولو أني واصلت نقد المجتمع القديم كما فعل بعض الأدباء لكررت نفسي. ولكررتها بلا داع ثم تحول عن اتجاهه الواقعي. وكتب روايته "أولاد حارتنا".
اتهام نجيب محفوظ بأنه أديب السلطة الحاكمة. مهما كانت نوعية هذه السلطة. هذا الاتهام تنفيه إبداعات محفوظ. سواء في العهد الملكي القاهرة الجديدة مثلا أم في عهد الثورة. وهو ما نجده في حب تحت المطر وميرامار والكثير من القصص القصيرة. نجيب محفوظ في كل أعماله مع التقدم والثورة لا أدري الأساس الذي بني عليه لويس عوض رأيه في "أيام العمر" بأنه إحساسه بنبض ثورة 1919 كان أوضح من إحساس نجيب محفوظ. لقد شارك محفوظ في أحداث الثورة. ولم يكتف بتلقي أنبائها في قريته القريبة من المنيا. ومن طريف ما يتذكره حين قفز من سور بيت الأمة ليحيي صفية زغلول. فجذبه جندي من حذائه. واضطر إلي دخول بيت الأمة حافيا!.. ويقول محفوظ عن موقفه من ثورة يوليو: لم تصدر مني كلمة واحدة في السر أو العلانية ضد انجازات ثورة يوليو. كالإصلاح الزراعي أو التأميمات أو تمصير الاقتصاد الوطني أو مجانية التعليم. أو مكاسب العمال والفلاحين. أو احتضانها للقومية العربية ولتحرير الشعوب. بل لعلي كنت أراها معقولة أكثر من اللازم. أما ما أسفت عليه حقا. فهو تأجيلها لمبدأ الديمقراطية. لأن هذا التأجيل أصاب البناء كله. بما هدده في النهاية بالخراب الكاملة.
ويضيف: أما الحقيقة التي لاشك فيها. فهي أنني أساسا أنتمي لثورة يوليو. ولمباديء ثورة يوليو. أنا منتم للإصلاح الزراعي. للعدالة الاجتماعية. وكل منجزات ثورة يوليو البناءة قريبة إلي قلبي. ومازلت كذلك إلي الآن. وإلي الغد. ولكني في الوقت نفسه بجانب انتمائي لها. كنت أتناقض معها في أمرين: سلبيات الذين أفسدوها عند التطبيق من جهة. وعدم استكمال ذاتها بالديمقراطية من جهة أخري. ولذلك كنت أنقدها من موضع الانتماء. لا من موضع الرفض.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 07:01 PM
(31) نجيب محفوظ يتحدث إليكم:

بقلم: محمد جبريل
.....................

*الحياة مأساة.. تنتهي بالعجز أو الموت
*لم أكتب عن العمال والفلاحين لأنني لا أعرفهم
*أخفيت خبر زواجي..حتي لا يصبح موضوعاً سخيفاً في الصحافة والإذاعة نعم لا أتردد في إزعاج القراء!

كيف كان نجيب محفوظ يكتب أعماله. ولماذا لم يهتم بالعمال والفلاحين الذين لا نكاد نلمح لهم أثراً في كتاباته. وهل تردد يوماً في كتابة شيء قد يزعج القراء.. ولماذا أخفي خبر زواجه. وما أوجه التشابه بينه وبين كمال عبدالجواد أحد أبطال الثلاثية.
كل هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها نجيب محفوظ في مئات الحوارات التي أجراها معه صحفيون مصريون وعرب وأجانب.. وهذه بعض المقتطفات منها:
* في أي مناخ فكري نشأت؟ وما هي العوامل التي ساعدت علي تحولك إلي الابداع الفني في مجالي الرواية والقصة القصيرة؟.
كانت عنايتي الأساسية بالمقالة الفلسفية. فقد كنت دارساً للفلسفة. وكان المناخ الفكري يغلب عليه النقد وليس الابداع. وفي الإجازات وفي بعض الأوقات كنت أكتب بعض القصص دون اهتمام جدي. وتغلب الفن علي الفكر عن طريق التسلل غير الواعي حتي وصل إلي درجة قوية من الصراع الحاد الذي كان يجب أن يحسم. وحسم لصالح الفن والأدب.
* عندما تكتب هل تضع في ذهنك فكرة أساسية أيديولوجية لتعبر عنها تعبيراً فنياً؟
الأيديولوجية ليست في عقلي. ولكنها في قلبي. وأنا لا أصفها ولا أحركها قبل كتابة قصة أو رواية لأنها تعيش معي حتي في نومي. وأنا قد أكون مهتماً بموقف أو إنسان أو مكان ثم تأتي الأيديولوجية لتلون الموضوع كله بدون وعي مني. فلا أملك أن أكون غير أيديولوجي ولكن لا أفكر فيها. فلا أكتب عن الأيديولوجية. ويصح أن أكتب عن قصة حب ولكن الأيديولوجية تعمل في الداخل وفي الخفاء.
هل شاركت في تنظيمات سياسية؟ وكيف تفسر افتقار البطل الثوري في إنتاجك إلي العمق والحيوية؟.
لم أشترك في تنظيمات سياسية إنما شاركت فقط في النشاط الشعبي العام كالاضرابات والمظاهرات كفرد من جمهور وليس كعضو في تنظيم. فمنذ تفتح وعيي لم يحدث إضراب أو مظاهرة دون أن أشترك فيهما مهما اشتد الإرهاب كضرب الرصاص أو العصي.
* إلي أي مدي يصح القول إنك كاتب الطبقة المتوسطة؟
أنا كاتب الطبقة المتوسطة لأني من الطبقة المتوسطة. ولكن يوجد كتاب لهذه الطبقة يعبرون عن شخصيتها وهناك كتاب يعتبرون من نقادها. وأنا من الطائفة الثانية علي التعيين. وأنا لم أكتب عن شخصيات العمال والفلاحين لأني لم أعرفها بل أكتب عن شخصيات شعبية.
أدب الموظفين
ذكرت مرة أنك تكتب أدب موظفين. فما الذي قصدته من قولك؟ ألا يؤثر انطواؤك في الوظيفة الحكومية والحياة القاهرية علي إنتاجك؟
الذي قصدته بكلمة أدب موظفين هو الأدب الذي يتاح لموظف ما يرتبط عمره بحكم الوظيفة بمكان معين ومدينة معينة. فمثلاً من الصعب علي الموظف حتي أن يشاهد وطنه إن لم تكن وظيفته نفسها تقتضي السفر فهو لن يري العالم أو حتي وطنه لأن إجازته الوحيدة لا تسمح إلا بالسفر للمصيف.
وطول عمري نفسي أسافر أسوان وحتي الآن لم أحقق هذه الأمنية. وهذا علي خلاف الأديب الصحفي الذي تتيح له ظروف مهنته التنقل في أرجاء العالم.
ما مدي التطابق بين طفولة وشباب "كمال عبدالجواد" بطل ثلاثيتك وبين طفولتك وشبابك شخصياً؟
* الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي ما عدا ذلك لا تعتمد علي الشخصية كترجمة ذاتية لأن أساسها كان الخيال للوصول إلي حقيقة فنية وفكرية. فأنا لم أعش في جو إرهاب عائلي وكانت أسرتي لطيفة ورقيقة بي لأني كنت "آخر العنقود" وكنت شغالاً ومجتهداً ومحل عطفهم. وكنت أقرب إلي الناس المرفه والمدللين. حتي شخصية كمال لم تكن عيني علي الترجمة الذاتية بل علي الرواية. وكان ما يهمني هو أزمة كمال الفكرية في الرواية. فالتطور العقلي لكمال أذكر أنني مررت به تماماً خطوة خطوة.
يسار ويمين
* منذ أن كتبت "القاهرة الجديدة" إلي الثلاثية والنقاد يلاحظون أنك تسجل بالتعبير الفني تيارين فكريين عرفهما تاريخنا الحديث. هما اليسار واليمين. فهل تعتقد أن الأرض الفكرية في مصر خلت من تيارات فكرية أخري أو من تيار لا منتم؟
الأقرب إلي الصواب أن تقول إني سجلت التيارات الثلاثة. وإلا فما معني محجوب عبدالدائم وياسين وكمال؟
عقيدة فكرية
* هل تعتقد إذن أن كمال عبدالجواد يمثل شخصية اللامنتمي كما يذهب بعض النقاد. أم أنه ينتمي إلي عقيدة فكرية حددتها اهتماماته التي ذكرتها في الرواية. وإن تم ذلك في إطار من السلبية؟ وبمعني آخر. ما هي مأساة كمال في نظرك: الانتماء. أم اللانتماء. أم شيء آخر.
ربما كان كمال "لا منتمياً" ولكنه "لا منتمي" من نوع خاص إذ أنه نزع إلي الانتماء بشكل واضح وإنساني وأن يكن غير محدد المعالم.
* هل ثمة اختلاف بين صياغتك للشخصية التاريخية وصياغتك للشخصية المعاصرة. من حيث الحرية التي تعطيها لك الأولي؟ أم أن تحويلها إلي رمز للواقع المعاصر يجعل صياغتها أشق؟
لم أواجه هذه المشكلة حقاً لأني لم أقدم شخصية تاريخية بالمعني المفهوم. أنا لم أكتب قصة تاريخية بالمعني الدقيق لهذا التعبير. أي لم يكن همي قط أن أنقل القاريء إلي حياة ماضية. ولكني كنت باستمرار أصور الحاضر.
* بعض الأدباء يعيدون كتابة العمل الأدبي أكثر من مرة. والبعض الآخر يكتبه مرة واحدة.. أين أنت من الفريقين ولماذا؟
أنا أكتب الموضوع كتابة أولي غير متمهلة وشبه عفوية. ولكني لا أبدأ الكتابة إلا بعد اختمار الفكرة في نفسي. وكذلك الشخوص. ثم أعيد كتابتها بتأن من أولها إلي آخرها. وفي الكتابة الثانية تتغير تغيراً كبيراً. ولكن الفكرة لا يصيبها التغيير إلا في أضيق الحدود.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 07:01 PM
صندوق مغلق
* تكاد تكون حياتك الخاصة صندوقاً مغلقاً. بحيث يتعذر علي أي باحث أو ناقد أن يقيم أعمالك وفي ذهنه نجيب محفوظ الإنسان. لا الفنان فحسب. فكيف تفسر هذا الستار الحديدي الذي تغلق به وجودك في حياتنا. حتي انك لم تعلن عن زواجك وهو أمر عادي ومشروع كما نعلم: إلا منذ شهرين؟
ليس في حياتي الخاصة شيء مغلق. وقد نشرت وأعيد نشرها إلي حد الملل. ولم يكن زواجي سراً. فمنذ اليوم الأول والأهل والأصدقاء الخصوصيون "لا الزملاء والأصدقاء" يعلمون به. أما إخفاؤه عن الزملاء فقد تجنبت به منذ البداية أن يصبح موضوعاً سخيفاً في الصحافة أو الإذاعة.
* تذكر دائماً فضل الناقدين سيد قطب وأنور المعداوي علي أدبك. فهل يمكنك أن تذكر بالتحديد تفاصيل العلاقة التي تحسها بينك وبين هذين الناقدين بصفة خاصة. وبقية النقاد بصفة عامة. في حدود الآثار المباشرة التي يتركها النقد في تكوينك الفني والفكري.. مع إيضاح أي الاتجاهات النقدية في الفكر الأدبي عندنا أو في الخارج كان لها الأثر الأكبر في هذا التكوين؟
النقد سبق التعارف بيني وبين الأستاذين قطب والمعداوي. ومن الصعب أن أحدد لك أثر النقد في توجيه إنتاجي فقد كتبت أكثر كتبي من "عبث الأقدار" إلي "الثلاثية" دون توجيه من النقد. أو انني كنت أكتب ثم في فترة متأخرة أتعرض لنوعين من النقد: الأول يثني علي عملي. والآخر يهاجمه. وأدركت بطبيعة الحال ما يطالبني به المهاجمون. ولكنه كان أسلوباً لا يتوافق مع إحساسي وذوقي بحال. ثم انقلب النقد علي نفسه علي طول المدي. فسلم بأن الأسلوب الذي اتبعته هو ما يطالب به حقاً في حدود المذهبية إن التزم بعض النقاد رأيهم الأول. وعلي العموم. النقد ضوء ضروري. وقد زادني فهماً لنفسي ولعملي. وأحياناً ارتفع للدرجة التي جعلتني اكتشف جوانب من نفسي كشفاً. ولكن رأيي الأخير أن الفنان يجب أن يستوعب النقد دون أن يخافه أو يسمح له بأن يؤثر تأثيراً مخالفاً في صدق إحساسه وتناوله.
جمهور الكتاب
* هل تحس بالقارئ أو الناقد أثناء صياغتك العمل الأدبي؟
موقفي ككاتب يتلخص في أمرين: أولاً عندي تجربة أود أن أعطيها في شكلها الفني المناسب. ثانياً: أمامي جمهور معين سيتلقي عني هذه التجربة. وأنا أحافظ قبل كل شيء علي الصدق. ولكني لا أتجاهل الجمهور في طريقة الأداء. فأنا لا أتردد في كتابة ما قد يزعج جمهوري من الناحية الموضوعية. ولكني يجب في الوقت نفسه أن أحترمه. بمعني أن أكتب له لا لنفسي. فيجب أن تكون عملية الإيصال أمينة واضحة. ولا يبرر الغموض في نظري إلا أن يكون الوسيلة الوحيدة الممكنة دون افتعال. ولم تواجهني في هذا السبيل مشكلة حقيقية بسبب أن جمهور الكتاب محدود نسبياً. وغالبيته من المثقفين الواعين في الحدود المعقولة. وعندما نشرت قصصاً في "الأهرام" أي عندما واجهت لأول مرة جمهوراً أكبر كثيراً من المعتاد. لم أغير من طريقتي. وآمنت بأن التذوق عادة. وأن أسلوباً ما قد يقابل أول الأمر بشيء من الحيرة أو النفور ثم لا يلبث أن يسود. ومن ناحية أخري. فمادام الكاتب صادقاً فغالباً ما تجمع بينه وبين قرائه ظروف متجانسة تحقق الاستجابة.
* مأساتان رئيسيتان أعتقد أنهما يظللان الإنسان في هذه الدنيا. هما مأساته الاجتماعية. ومأساته الوجودية. مأساة مصيره. ولقد كان أدبك إلحاحاً متصلاً واضحاً علي المأساة الاجتماعية. وإن لم يخل في بعض المواضع من الإشارة إلي المأساة الثانية. فهل تعتقد أن حياة الإنسان عموماً ترادف المأساة. أم أن لك رأياً آخر؟
مادامت الحياة تنتهي بالعجز والموت فهي مأساة. بل إن تعريف المأساة لا ينطبق علي شيء كما ينطبق علي الحياة. وقد نري هذه المأساة مبكية. وقد نراها مضحكة. وقد نراها مبكية مضحكة. ولكنها علي أي حال مأساة.
وحتي الذين يرون الحياة معبراً للآخرة. فتعريف المأساة ينطبق علي جزئها الأول وإن انقلبت إلي غير ذلك عند شمولها ككل. ولكن مأساة الحياة مركبة وليست بسيطة. أجل. إن تفكيرها في الحياة كوجود يجردها من كل شيء إلا من الوجود والعدم. ولكن تفكيرنا فيها كمجتمع يرينا مآسي كثيرة مفتعلة من صنع الإنسان. كالجهل والفقر والاستعباد والعنف والوحشية إلي آخره. وهذا يبرر تأكيدنا علي مآسي المجتمع. إذ انها مآس يمكن معالجتها. ولأننا في معالجتها نخلق الحضارة والتقدم. بل إن التقدم قد يخفف من بلوي المأساة الأصلية وقد يتغلب عليها. وقد قلت ذلك في "أولاد حارتنا". قلت إن معالجة الشرور الاجتماعية بالاشتراكية يفرغ الإنسان لمعالجة مأساته الأولي وهي الموت. فإذا انقلب أهل الحارة حارة الجبلاوي بفضل توزيع الوقف بالمساواة والعدل والإنسانية. أتيحت لهم الفرصة ليكونوا جميعاً سحرة "علماء" ليعكفوا علي حل مشكلة الموت!
وإذن فحل مأساة المجتمع قد يحل في النهاية مأساة الوجود. أو يخففها. وهي علي أي حال تعطي للحياة معني يستحق أن نعيش من أجله. أما التركيز علي مأساة الوجود مع تجاهل مآسي المجتمع فلن يحل مأساة الوجود من جهة ويحول العالم إلي عبث وبكاء أو ضحك كالبكاء.
غير أني لم أنقل أبداً مأساة الوجود. ولعلي ازداد لها انتباهاً.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 07:03 PM
(32) الروائي محمد جبريل يكتب عن ظاهرة شاذة في حياتنا الثقافية:
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
................

يغيظني من يبتزون فروسية الآخرين ، ليفرضوا بلطجتهم ومؤامراتهم .. يثقون أن الإهمال هو رد الفعل الذي يستقبل به " الفرسان " تصرفاتهم الشريرة .
وصفة أحد كبار نقادنا بأنه أقرب – في الطبيعة – إلى مسئول العلاقات العامة منه إلى الفنان ، فهو قد يكتب ساعة ، لينشغل بقية يومه بنسج العلاقات وتمزيقها ، وتدبير المؤامرات ، ومحاولات الإيقاع والتعتيم ، وهو ما عبر عنه واحد من ثلاثي العداء – معروفون بالاسم !
في زميلة أسبوعية : عدوك عدو كارك ! .. تحول الإبداع – في تقديرهم – إلى كار ، فروح العداء لا التنافس الجميل هي التي تملي عليهم أفكارهم وتصرفاتهم .
التقى بي – ذات يوم – في مؤتمر لهيئة قصور الثقافة بالسويس ، أبدى ملاحظة حول انصرافي عنه ، كنت قد عرفت طبيعته ، فآثرت الابتعاد قال في بساطة : العملية الجراحية التي أجريتها غيرتني تماماً .. هو إذن يدرك ما كان يفعل ، ويسعى لتغييره .. وتصورته صادقاً ، ولو للحفاظ على قلبه الذي خضع لعملية ، بعد أن أرهقه بتوالي المؤامرات ومحاولات النيل ، حتى من أقرب الأصدقاء لكن الطبع – كما يقول المثل – يغلب التطبع ، فهو قد تحدث عن التطبع ، لكن الطبع ظل غلاباً !
اتصل بي أقرب أصدقائه في مؤتمر الرواية الأول حدثني عن تفرد صديقه – من خلال شبكة علاقاته الواسعة – بمعظم أبحاث المؤتمر ، وحرصه أن يخلو المؤتمر من أي بحث عن صديق عمره كما يسميه !
وحدثني روائي معروف عن الجلسات التي يعقدها – ذلك الذي أجعله مجرد مثل فلا أسميه – مع عدد لا يزيد عن أصابع اليد من الذين ابتليت بهم حياتنا الثقافية .. يراجعون الأسماء ، يلاحظون خفوت اسم ما ، فيقترحون تسليط الضوء عليه ، ويلاحظون ذيوع اسم آخر ، فيلجأون إلى ما وسعهم من التعتيم حتى تظل كل الأصوات تحت سقف يحددونه !
وحين استقبل النقاد رواية علاء الديب " زهرة الليمون " بحفاوة تستحقها ، كتب صاحبنا وكاتب آخر – هو الآن في ذمة الله – عن رواية شحاته عزيز " الجبل الشرقي " واعتبراها رواية العام ، والتفت إلى ما كتب مثقفان كبيران هما رجاء النقاش وإبراهيم الورداني . قرا الرواية ووجدا فيها ما يستحق الإشادة بالفعل ، وكتب شحاته عزيز جزءاً ثانياً من الرواية ، وسعى لنشره في النشرة التي يتولى صاحبنا رئاسة تحريرها ، لكنه فوجئ بالرفض ، وجاءني الأديب الجنوبي يعرض ما حدث ، ولن الرواية كانت عملاً لافتاً ، فقد نشرت الجزء الثاني في " المساء " كعادة الجريدة مع كل المواهب الحقيقية .
أخطر ما في الأمر أن صاحبنا لا يكتفي بنفسه ، وإنما يحرص على أن ينقل فيروسات أمراضه إلى الآخرين ، بالتحديد من يعملون تحت إمرته من الشباب ، هو يحرض ويهدد ويفرض رأيه ، وربما كتب – كما عرفت من هؤلاء الشباب أنفسهم – ما يدفعهم إلى وضع توقيعاتهم عليه .
صارحت صديقاً مشتركاً بأنه كان يستطيع – بما حقق من مكانة – أن يحصل على المكانة نفسها في قلوب المثقفين ، قال الصديق : هل أبلغه ؟ قلت : ليتك تفعل .
أثق أن حياتنا الثقافية بخير ، والأعلون صوتاً ليسوا هم التعبير عنها ، لأنهم قلة ، وإن كان طنينهم يزعج المبدعين الحقيقيين في انشغالهم بالأجدى والمفيد .
م . ج
................................
* جريدة المساء العدد الأسبوعي – السبت 26من نوفمبر 2005

د. حسين علي محمد
17-02-2009, 07:04 PM
(33) أصــــــداء باهتـــــة

قصة قصيرة، بقلم: محمد جبريل
.........................

لمحها فى الموضع الذى اتفقا على أن تنتظره فيه . على ناصية الطريق المفضى إلى شارع الباب الأخضر . تأكدت صورتها فى اقتراب السيارة : القامة الضئيلة ، المنسجمة التكوين ، والشعر المهوش حول الوجه المستدير ، والبشرة السمراء ، الرائقة ، والعينان الواسعتان ، المكحولتان ، والغمازتان على الوجنتين ، والشفة السفلى الممتلئة . أضافت بمرود الكحل خالاً صغيراً على خدها ..
عبر مفاجأة السنوات العشرين بما رسمته من تغير فى الملامح ، حين التقى بها أول الأسبوع . أعاد النظر ليتأكد من صاحبة الضحكة الطويلة ، الممطوطة :
ـ عايدة ؟..
ـ أمير ؟!..
مد يده يصافحها . استبقى يدها فى يده :
ـ مضى عمر ..
اختصرت الأعوام فى قولها :
ـ أصبحت أماً لأولاد فى الجامعة ..
أعاد القول :
ـ أولاد ..
ـ الولدان فى الجامعة .. والبنت فى الثانوية العامة ..
ابتدرته متسائلة :
ـ وأنت ؟..
هز كتفيه ، ومط شفته السفلى :
ـ تأخرت حتى أصبحت فكرة الزواج سخيفة ..
رنت إليه ، تحاول سبر مشاعره :
ـ هل هى تأثيرات حب قديم ؟..
ـ هذا صحيح ..
لم يتدبر المعنى ، وإن تصور أن ذلك هو مايجب أن يقوله ..
ـ هل تقيم فى القاهرة أو الإسكندرية ؟..
ـ الإقامة الدائمة فى القاهرة .. ولى بيت فى العجمى ..
سحبت يدها من يده :
ـ أنا حتى الآن أتوه فى شوارع القاهرة .. أما فى الإسكندرية .. فيكفى أن أتجه ناحية البحر لأعرف طريقى ..
كانت تأثيرات النوة متناقضة مع دفء الجو . لم يشعر بالبرد فى ارتطام الموج بصخور الشاطئ ، واندفاع الرذاذ إلى الناحية المقابلة من الطريق ، وهطول المطر ، وتلاعب الريح بجريد النخل ، ولافتات الشارع ، ومناشر الغسيل ..
أبطأ من سرعة السيارة حتى حاذت الرصيف . فتح الباب ، فجرت من احتمائها بالتندة الممتدة وهى تتقى رخات المطر بوضع الحقيبة الصغيرة فوق رأسها ..
مضى بين زحام المارة ، والسيارات ، والعربات الكارو ، والباعة الجائلين ، والبضائع المرصوصة تحت الأرصفة ..
كانت ترتدى بنطلوناً من الجلد الأسود ، يعلوه جاكت رمادى أشبه بالصديرى . ووضعت على رأسها شالاً من الصوف الأحمر . وكانت تمضغ لبانة بين أسنانها ، تحدث صوتاً كالطرقعة ..
وشى صوتها بانفعال :
ـ تصورت أنك ستصحبنى أولاً إلى البيت القديم ..
حدجها بنظرة جانبية ، يستشف مابعينيها . كان يشعر أن نظرتها تخترقه ، تصل إلى مابداخله ، وماذا يدور فى رأسه . تحركت شفتاه كمن يهم بالكلام ، ثم سكت ..
البيت بطوابقه الستة يطل على المنطقة المقابلة لانحناءة الميناء الشرقية . المسجد الصغير وقلعة قايتباى ونقطة الأنفوشى ومرسى الفلايك والدناجل والقوارب الصغيرة وحبال الليف والشباك القديمة ، المثقوبة ، والجرافات والأسفنج والفلين ، وحاجز الأمواج يمتد بين القلعة ومبنى السلسلة . وثمة أصوات تترامى كالإيقاع لتكسرات مد الموج المستمرة . عندما وقف أمام البيت فى زيارته الأخيرة للإسكندرية ، بدا الباب أضيق بكثير مما فى ذاكرته ، والواجهة تقشر طلاؤها ، وتآكلت بالنشع وملح البحر والرطوبة ، والنوافذ تطل منها سحن لايعرفها ..
ارتبك لرؤيتها أمام باب الشقة . تداخلت الدهشة بالتساؤل فى ملامحه . . كان يطل عليها من نافذته فى الطابق الأول ، يتكلمان عفو الخاطر ، لايقصدان كلاماً محدداً . وكان يثيره فى حجرته تعالى ضحكاتها الطويلة ، الممطوطة . مضى بالارتباك إلى داخل الشقة يأتى لها بجريدة اليوم ..
اهتزت السيارة على قطع البازلت الصغيرة المتساوية فى شارع الباب الأخضر . خلّف مينا البصل إلى كفر عشرى ، ومنه إلى القبارى ، فشارع المكس بطوله واتساعه . وكان الهواء البارد قد أغلق نوافذ البيوت العالية ، ذات القضبان الحديدية المتآكلة ..
مال إلى داخل البيطاش . كانت السحب قد حجبت الشمس تماماً ، والريح الباردة تنداح بصفير موحش ، والرذاذ المتقطع تحول إلى قطع من البرد الصغير . وكانت نوافذ البيوت مغلقة ، والواجهات ساكنة ..
همست بصوت متدلل :
ـ الساحل الشمالى أفضل من العجمى ..
وهو يحنى رأسه فوق صدره :
ـ إنها مجرد شقة صغيرة بالقرب من الشاطئ ..
فاجأه جلوسها فى المقعد المجاور فى باص رأس التين ـ المنتزة . كان قد تكرر رؤيته لها وهى تقف أمام البيت ، أو على باب الشقة ، وتحيتها له بإيماءة من النافذة . علت ضحكتها الطويلة الممطوطة ، حين عرض عليها مشاهدة فيلم " موعد غرام " فى سينما فريال . هزمه الانفعال عندما رآها قادمة فى زى مدرسى من ناحية شارع سعد زغلول ..
سبقته إلى داخل البيت ..
دارى ارتباكه وهو يلقى السلام على حارس البناية الخالية من المصيفين . عجوز ، يرتدى جلباباً من الصوف ، ويضع على رأسه طاقية بيضاء ، تخفى أذنيه ، ويلف عنقه بتلفيعة تدلت على صدره . وكان وشيش الموج يترامى من ناحية البحر . تفادى الأوراق الممزقة والأتربة والعلب الفارغة ..
رأته واقفاً أمامها للمرة الأولى : القامة الطويلة ، والبشرة البيضاء ، والوجه الساكن الملامح ، والعينان الزرقاوان ، شديدتا الالتماع ، والشامة البنية أسفل الخد . والشعر الكث يفز من الصدر . وثمة شارب نحيل ، يميل لونه إلى الصفرة . يرتدى بدلة صيفية سماوية اللون ، مفتوحة على قميص أبيض ..
ـ لم يتغير فيك شئ ..
ثم وهى ترسم دائرة بأصابعها :
ـ ربما ازددت سمنة ..
التقط ماأسعفته به بديهته :
ـ وأنت ازددت جمالاً !
أسند ظهره إلى الباب المغلق :
ـ وحشتينى ..
فاض المكان بالصمت ، وعبق برائحة التراب .الصالة الواسعة توسطها مائدة طعام ، يحيط بها ستة مقاعد تغطت بملاءتين ، وأمام الشرفة الزجاجية ، المقابلة ، كنبة وكرسيان من الخشب المطعم بالصدف . وتتدلى من السقف نجفة خلت إلاّ من ثلاث لمبات صغيرة ، وعلى اليمين ردهة تفضى إلى المطبخ والحمام وغرفة النوم . يحدها ـ داخل الصالة ـ ثلاجة ، وزهرية يابانية ، مزدانة بنقوش دقيقة ، وضعت على حامل خشبى دقيق . وعلى الأرفف مجلدات قديمة ، تهرأت أغلفتها .
وهى تظهر التصعب :
ـ يا مسكين .. عشرين سنة !
ـ عندما رأيتك أحسست أن الإعوام لم تفصل بيننا .. كأنك كنت معى قبلها بيوم ..
ومضت على شفتيها ابتسامة مترفقة :
ـ لم تتغير .. نفس الكلمات الرومانسية ..
ابتلع إحساسأ بالحيرة :
ـ وأنت لم تغيرى لهجتك العدائية ..
أطال النظر إليها ، كأنه يستريب فيما قالت . لم يكن قد تخرج . وكانت فى الثانية الثانوية ..
ـ وهل ينفق أهلنا علينا ..
ـ ولماذا لاتعمل ؟..
ـ أنا طالب ..
ثم بلهجة غاضبة :
ـ هل أترك دراستى ..
ثنت ذراعيها ، وأمسكت بيديها جانبى وسطها :
ـ وهل أنا للتسلية ؟!..
تشاغل بفتح الثلاجة . أعاد الزجاجة الفارغة إلى موضعها ، ونفض أصابعه من الخيوط العنكبوتية التى علقت بها .
حاولت إشعال سيجارة ، لكن الولاعة ظلت تصدر شرراً خفيفاً ، ثم انطفأت ..
ـ ألا تدعونى للجلوس ؟..
أمسك بكتفيها من الخلف . أدارها ناحيته ، واحتوى وجهها بين راحتيه . أطال تأملها ، كأنه يراها للمرة الأولى . امتزجت أنفاسهما ، وإن لم يحاول تقبيلها ..
لم يكن قد أعد نفسه لما حدث . أغلق البواب حجرته أسفل السلم من الداخل ، يتقى العاصفة المحملة بالبرودة والتراب . حيته بإيماءة فى نزولها على السلم . إجتذبها من كتفيها . مال على وجهها ، فقبلها . ضربته ـ بالمفاجأة ـ بقبضتها فى صدره . ظل على حصاره لها بساعديه ، وفمه ، حتى تخاذلت يداها ، واندفعت فى حضنه
تذكر أن لمس صدرها أمنية ، افترقا دون أن يحققها . كانت تسكت عن قبلاته ، وتطلبها . تصده بقبضة رافضة إذا هزمه الانفعال . أهملت راحته ، فدار بأصبعين على صدرها . ثم ضغط فاهتصره . تأوهت ، ومالت برأسها إلى الوراء . تشجع ، فارتطمت قبلته بعنقها . علا إلى خدّها . استقرت القبلة على شفتين مضمومتين ، وإن تسللت إلى أنفه رائحة السجاير ..
لم يشغله الأمر ، ولاتصور أنه يواجه هذا الموقف . تفادى نظرتها المتسائلة بالتحديق فيما لم يتبينه هو نفسه . مجرد الابتعاد عن العينين الواسعتين ، المحدقتين . آلمه ومضة السخرية فى جانب فمها ، وهزة الرأس التى تعنى الفهم ..
قال فى صوت مرتعش :
ـ أذكر أنك كنت تعانقينننى عندما أقبلك ..
وهى تخفض رأسها :
ـ بصراحة .. قبلتك ليست هى التى أتذكرها ..
استفزته الكلمات . شعر بجفاف فى حلقه ، وسخونة تتصاعد إلى رأسه . انداح فى داخله شلال من المشاعر المتباينة . احتضنها بساعديه . نزع الجاكت الرمادى ، والسوتيان ، وامتدت يداه إلى سوستة البنطلون الجلدى ..
تملصت من بين ساعديه . شعر ببرودة تتسلل إلى جسمه ، تسرى فيه بخدر لايقوى على مغالبته . وانبثق العرق فى جبهته . قاوم لهاث أنفاسه ، وأكره نفسه على الابتسام ، فلا تفطن إلى مايعانيه ..
دفعته بأصابع مترفقة :
ـ بعدين ..
لم يقاوم ..
ارتدى ثيابه ، وعدلت السوتيان على صدرها . ثم بدأت فى ارتداء الجاكت الرمادى . ودست قدميها فى الحذاء ..
تبعها على السلم الخالى ..
قال للحارس الذى بدّل مكانه أسفل البناية المقابلة :
ـ إغلق البناية ..
قال الرجل وهو يهز المفاتيح فى يده :
ـ ألن تعود ؟..
ـ ليس اليوم ..
إنشغل بالقيادة وسط زحام السيارات والترام والمارة وكومات الأجولة والصناديق المندلقة تحت الأرصفة . تراقصت المرئيات خلف حبات المطر المتساقطة ، وغاب الإحساس بالوقت فى توارى الشمس وراء سحب منخفضة داكنة . تبادلا كلمات قليلة عن دفء الشتاء فى الإسكندرية ، وتأثيرات النوة على امتداد الشاطئ ، وارتفاع مقابل الدروس الخصوصية فى الثانوية العامة ..
أبطأ من سرعة السيارة . وحاذى الرصيف فى الموضع الذى انتظرته فيه ..
تابعها وهى تميل من الميدان إلى موقف الأوتوبيس .
.........................
مصر الجديدة ـ 6/6/1997م

د. حسين علي محمد
08-03-2009, 08:06 PM
(34) مبدعون نقاد

بقلم: محمد جبريل
...................

حدثني الصديق الدكتور عبدالمجيد زراقط رئيس قسم الأدب العربي بالجامعة اللبنانية عن المؤتمر الذي تعد له الجامعة بعنوان "مبدعون نقاد". وهو عن المبدعين الذين يحاولون الكتابة النقدية. وبالطبع فإن العكس صحيح. بمعني أن العديد من النقاد حاولوا الكتابة الإبداعية: لويس عوض. وأحمد شمس الدين الحجاجي. وماهر شفيق فريد وصلاح الدين بوجاه وغالي شكري. وحسين علي محمد ومحمد قطب وجمال التلاوي وصبري حافظ وحامد أبوأحمد. وسمير عبدالسلام. وصبري قنديل وأمجد ريان وغيرهم.
رأيي أن المبدع لابد أن يماهي الناقد في اكتمال العملية الإبداعية. فهو -فور أن يضع نقطة الختام لعمل ما. قصة أو رواية أو مسرحية أو أية كتابة إبداعية- يلجأ إلي الناقد في داخله. يفيد من ثقافته وخبراته وفهمه لخصائص العمل الفني. يضيف. ويحذف. ويبدل. ويحور. بما يمتلكه الناقد من قدرات جمالية وعلمية وموضوعية. خطوة تالية لما تمليه عفوية الإبداع.
أعرف أصدقاء يعيدون كتابة العمل الإبداعي مرات. ربما تبلغ العشر. في كل إعادة يقرأ الكاتب بعيني الناقد. لا ينقل الكلمات كما هي. لكنه يجري ما تحتاج إليه من "رتوش" -هذا هو التعبير الذي يحضرني- بهدف إثراء جماليات العمل الإبداعي.
وكان همنجواي بترك -آخر الليل- ما كتبه علي الآلة الكاتبة "لم يكن الكمبيوتر قد ظهر في حياة الأدباء بعد" ويعود إلي قراءته في الصباح. ليست الفقرات الأخيرة وحدها. وإنما كل ما كتبه منذ الحرف الأول. والكلمة الأولي. والجملة الأولي. يطمئن إلي خلو السرد من أية نتوءات أو فجوات.
وأكد بلزاك أنه كان يعيد قراءة العمل بعد أن يتمه. ربما صادف في اليوم الثالث زيادة حرف واو العطف. ثم يعيده عقب الأيام الثلاثة التالية. قول لا يخلو من مبالغة. وإن كان المعني ضرورة المراجعة والتقويم والغربلة. والحرص علي جماليات العمل في ترامي آفاقه.
الأمثلة كثيرة. لكن السؤال الذي أتصور أنه سيفرض نفسه علي جلسات المؤتمر المرتقب: ما مدي إفادة الناقد من دراسته للعملية الإبداعية. مقابلاً لإفادة المبدع من فهمه لنظريات النقد.
حصلت علي جائزة الدولة في النقد. وكتب عبدالعال الحمامصي عن الروائي الذي فاز بجائزة النقد. لكنني أعتبر المجال الحقيقي للكاتب هو ما تطمئن إليه موهبته. قد يتطرق إلي مجالات أخري. وربما أجاد التعبير فيها. لكنه يظل حريصاً علي السير في اتجاه تأكيد المعني الذي أهلته له موهبته وقدراته.
لعلي أشير إلي صلاح عبدالصبور: كتب القصيدة المفردة والمسرحية الشعرية. والترجمة والسيرة الذاتية وغيرها من مجالات الأدب. لكن المسرحية الشعرية هي الملمح الذي يبين عن نفسه دوماً. فهي الإبداع الذي اختار له عبدالصبور الأولوية في مشروعه الأدبي.
...........................................
*المساء ـ في 7/3/2009م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:02 PM
المدينة المحرمة.. «الهامة» تثأر لنفسها

بقلم: د. زينب العسال
....................

«طاردته المدينة المحرمة فى صحوه ومنامه، صارت البدء والمنتهى».
إن إشكالية الوطن هى إحدى الإشكاليات التى يحرص الروائى محمد جبريل على مناقشتها فى إبداعه الروائى والقصصي، نتذكر الشاطئ الآخر، زمان الوصل، صيد العصاري، قلعة الجبل، وغيرها.
الإشكالية هنا تأخذ شكلاً أعمق من مجرد العودة، والحنين للوطن. إنها إشكالية وجودية كونية.
هذه هى النواة السردية الأم التى تدور حولها رواية جبريل «المدينة المحرمة» التى صدرت أخيرا عن دار مجدلاوى فى عمان.
السرد هنا لا يعنى بتحديد ملامح مكانية ولا زمانية ـ إنها المطلق ـ الذى يبين عن ملامحه مع التقدم فى قراءة العمل الإبداعي، فتبين الملامح عن ذاتها، وتتحدد الدلالات والحافز وراء هذه الأمنية التى يفصح عنها السارد فى غير موضع واحد.
المدينة المحرمة، تطلق التساؤلات، من قبيل ما هى وأين تقع، لماذا لم يعين الروائى اسم مدينته وما المغزى من ذلك؟ إذا حاولنا الإجابة عن هذه الأسئلة لاحقتنا كلمة «محرمة» لماذا هى كذلك؟ لذا فالبطل يتمنى الحصول على الكلمة السحرية، الكلمة المفتاح التى تعينه على إنجاز ما ينتظره من مهام وأعمال شاقة، وما سيلقاه من عقبات ومصاعب ومخلوقات شريرة لا يعرفها، ولا التقى بها من قبل.
هكذا تعبّر الرواية عن كونها رحلة إلى المجهول، إنها رحلة تذكرنا برحلات الأبطال الملحميين فى أساطيرنا.
قال الأب : أنجبتك لتحمل هم العودة؟ هكذا يكون مولد البطل، إنه منذور للعودة للوطن، وأخذ الحق المسلوب.
أجاد الروائى تصوير الرحلة. وهى رحلة نحو المجهول الذى صار معلوماً، رحلة تكتنفها المخاطر والأهوال، المنحدرات الصخرية، البرودة المتصاعدة، الحرارة اللاهبة، الطيور آكلة لحوم البشر التى يربيها السلطان، الجبال الصخرية الوعرة، اختراق الطرق الرملية والترابية، الذئاب والثعالب والأفاعي، صار العالم الموحش الضريبة التى لابد أن يقدمها البطل كى يصل إلى معشوقته «المدينة المحرمة».
لم يعد يخشى الأطياف تتابع قدومها وانصرافها، تحليقها فى سماء الغابة، تقافزها بين الأشجار، جلوسها على ضفاف الجداول والقنوات «هاهى العوالم تتداخل وتتقارب، فالمدينة فى المخيلة والروح تهيم للوصول إليها، وهاهى الأطياف ترحب وتبارك رحلته، يسأل فتجيبه، يستوضح ما قد يكون غامضاً. يستشرف الخطوات التالية.
اتخذت الرحلة أبعاداً جديدة، تعرف الفتى على ما حدث لتلك القبائل الرافضة للسلطان، وعلى هؤلاء الموالين له، إن المعرفة بالتاريخ والتراث هى أول ما أنجزه الفتى فى تلك الرحلة، تعرف إلى السلطان من روايات أبيه له، لكنه أدرك كيف يتعرف هو ذاته على مدينته المحرمة، أدرك أن السلطان تسلح بالقوة والبطش ودعوة القبائل من مختلف الأصقاع، ليستولى على القرى والمدن المجاورة، أعلن للجميع أنه قادر على بسط نفوذه وعدهم بأنهار اللبن والعسل والثمار المختلفة الألوان والأشجار الفينانة، والأطيار الصادحة، والجوارى المغنيات الراقصات».
نحن أمام مدينة متعينة محددة، مدينة نهبها العدو بدعوى وجود تاريخى اعتمد على الأساطير، وأضاف إلى ذلك وجهاً حضارياً وديمقراطياً يفتقده جيرانه من القبائل الأخري!
«جعل السلطان همه أن تتحول القبيلة من الرعى إلى الزراعة، تذوى صور البداوة وصيد الغزلان والأسماك والطيور وسكنى الخيام» هكذا يغوص الروائى فى التاريخ والأساطير ليلتقط ملامح وسمات هذا العدو المحتل لمدينته المحرمة، إذن هى مدينة محرمة على أهلها الأصليين. إن المزج بين التاريخى والدينى والأسطورى هى الفكرة الأساسية التى يعتمد عليها الفكر الصهيونى لقيام مدينته، وفى الوقت ذاته إغفال الحق التاريخى لصاحب الأرض الموجود والعائش فوق أرضه من مئات السنين أمر يجعلنا نناقش فكرة شرعية المواطنة وفكرة الدفاع عن الوطن السليب، هى فكرة لا تنفصم عن الوجود الإنسانى. عبر ستة عشر فصلاً روائياً يصور جبريل رحلة هذا المناضل الذى لم يفقد إنسانيته، فهو يحب ويتعلق بمن أحبته، تلك الفتاة التى تشكل هى الأخرى وجهاً آخر للدفاع عن البشر، عن وجود عشيرتها وناسها،لكنها تفقد حياتها دفاعاً عما تؤمن به.
هذه الرواية التى تتحدث عما نطلق عليه «نكبة فلسطين» تأتى فى الوقت الذى يحتفل فيه الغرب بذكرى قيام دولة إسرائيل، متغافلاً مأساة شعب شرد من أرضه، لكن إصراره على المقاومة لابد أن يتيح له حق العودة لمن شردوا، وحق المواطنة الحقيقية العربية لمن يكتوون بعسف الاحتلال.
د. زينب العسال
........................................
* مجلة "وجهات نظر"، عدد مايو 2008م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:03 PM
من المحرر:
نقاش حول الرواية الأولى

بقلم: محمد جبريل
...............

قرأت الورقة مصادفة. كانت ضمن أرشيفي. تاريخ الجريدة 28 سبتمبر 2001. والمقال عن رواية "غابة الحق" للكاتب الحلبي فرانسيس فتح الله مراش يتحدث الصديق والزميل حلمي النمنم عن رواية محمود طاهر لاشين "عذراء دنشواي" صدرت عقب حادثة دنشواي التي كانت مؤشرا مهما لقيام ثورة 1919 وقال الكاتب إن يحيي حقي في كتابه "فجر القصة المصرية" أكد أن عذراء دنشواي سبقت رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل لكن يحيي حقي فضل اعتبار زينب هي الرواية المصرية الفنية الأولي. لأن محمود طاهر لاشين كان في حكم خال حقي- والتعبير لحلمي النمنم- وبالتالي فقد اعتبر تلك الرابطة العائلية إضعافا لرأيه بأسبقية عذراء دنشواي وانتقاصا منه.
وليأذن لي الزميل حلمي النمنم أن أتحدث -ولو متأخرا. فالحقيقة التاريخية تظل رغم تقضي الزمن! -عن بعض الملابسات التي تتصل بهذه الآراء. فقد أفرد يحيي حقي مساحة مهمة في كتابه "فجر القصة المصرية" لرواية زينب باعتبارها الرواية المصرية الأولي.
وكتبت في الطبعة الأولي من كتابي مصر في قصص كتابها المعاصرين "1972" أن عذراء دنشواي تسبق زينب هيكل من حيث الريادة الفنية وقال يحيي حقي في حوار مع عبدالعال الحمامصي نشر في الفترة نفسها إنه يوافق علي رأي كاتب هذه السطور وإن عذراء دنشواي هي الأسبق لكنه سكت عنها لأن محمود طاهر حقي مؤلف الرواية هو عم يحيي حقي!
منطق يشي بالطيبة. لكنه يخلو -في الوقت نفسه- من جدية البحث العلمي وموضوعيته قرابتي لشخصية ما لا تمثل قيدا علي رأيي في دور تلك الشخصية سلبا وإيجابا.
محمود طاهر حقي هو عم يحيي حقي وقد صدر له العديد من المجموعات القصصية التي اعتز بتناولي لها في الطبعتين الأولي والثانية من كتابي. بالإضافة إلي روايته القصيرة الجميلة عذراء دنشواي.
ولم يكن محمود طاهر لاشين في حكم خال يحيي حقي إنما هو صديق له والاثنان ينتسبان إلي المدرسة الحديثة التي كونها جماعة من الأدباء تحت شعار: نعم للأرفع والأبقي! لا للتقليد والمحاكاة!
والحق أنه من الخطأ نسبة الريادة إلي زينب ولا عذراء دنشواي ولا أية رواية أخري. إلا بعد قراءة علمية مستفيضة وجادة لكل الروايات التي أعقبت رواية علي مبارك "علم الدين". عشرات الروايات تتراوح ما بين السذاجة والاقتراب من الإجادة يجب علي من ينسب الأولوية الفنية لإحداها أن يخضعها جميعا للقراءة والمناقشة بحيث يتوصل -في النهاية- إلي أقرب الآراء للصواب.
ذكرتني كلمات حلمي النمنم بتلك الاجتهادات وإن كنت قد أعدت النظر فيها وحاولت التوصل إلي نتائج أقرب للموضوعية أثبتها في الطبعة الثانية من كتابي الذي أشرت إليه.
.................... ....
*المساء ـ في 2/5/2009م

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:06 PM
قراءة فى رواية محمد جبريل " كوب شاى بالحليب"
تفتت العالم وبناء الشخصية

بقلم: عصام الزهيرى
.........................

عندما تحتك بالكبار.. ستكتشف أنهم مجرد تماثيل من الملح..
ثم وهو يتأمل وقع الكلمات عليه:
- فاهمنــى؟!
رغم أنه يبدو هامشياً إلا أن هذا السؤال الذي يتعلق بصورة الفهم ونفاذ البصيرة ودقة الاستيعاب يظل معلقاًَ توعد جمالى أو نذير غائب فى أفق القراءة ويلازم كالمحصلة الفنية والخبرة المعرفية تجربة " سمير دسوقى" الشخصية المحورية داخل السرد الروائى فى رواية " كوب شاى بالحليب"0

التجربة هى سكن بنسيون تصفه إحدى الشخصيات بأنه جامعة دول عربية مصغرة، يتجاور فى غرفة أشخاص ينتمون لعدد من البلدان العربية مثل مصر والسودان وفلسطين وسوريا وغيرهم0 ويؤدى التقارب بين شخصيات البنسيون والرواية إلى اندماجهم فى حياة جماعية متفاعلة محورها الجنس والسياسة0

هذا التقارب الجسدى والنفسى والإنسانى يقع بتفاصيله وتفاعلاته بين حقلين أو قطبين يشحنان المناخ الروائى بالتوتر الحقل الأول هو المناخ العام خارج البنسيون الذى تصاغ ملامحه الأساسية بشعارات الوحدة والقومية العربية حيث تختار الرواية زمناً لها الفترة التاريخية التى شهدت محاولة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا (1958 – 1961)

أما الحقل الثانى فيتمثل داخل البنسيون فى حياة جنسية جماعية متحررة عبر نماذج متعددة من النساء المومسات يتقلبن فى فراغ البنسيون بين غرف النزلاء الرجال0

وفيما تؤدى السجالات التى تدور بين النزلاء العرب حول الوحدة – احتمالاتها وتقلباتها – بجديتها وعصبيتها وسخريتها وتحيزاتها ذات الطبائع المختلفة إلى تجسيم الملامح والاختلافات والمفارقات فى شخصيات ممن يسكنون البنسيون، تقوم حركة الشخصيات داخل حقل الجنس بنفس الدور التجسيدى للتمايزات البشرية وحفر ملامحها المتعددة من " جزرة الشفيع " الذى يفاخر بقدرته على اكتشاف خريطة جسد المرأة وينظر للجنس كمتعة مطلقة، إلى " جلال ضيف الله" الذى لا يعنى الجنس فى نظرة أكثر من علاقة أولية، حيوانية أو ميكانيكية، إلى " حسام الخياطى " الذى لا يعبأ فى تصوره القاسى للجنس بسحق الطرف الآخر أو استنزافه معنوياً فى طريق الحصول على لذته0
هكذا ومن جماع التداخل المتوتر بين القطبين المشحونين بالدلالات الإنسانية المتفجرة – الجنس والسياسية – تتوالد أمام القارئ مشهدية روائية لا تقل – من الناحية الشكلية – توتراً، حيث تساهم التقنية السردية السائدة فى الرواية، تقنية ذات إيقاع سردى سريع ومتلاحق يعتمد على تتابع الوحدات السردية المشهدية القصيرة فى تجسيد كل انفعالات ولهاث اللحظة السريعة المتغيرة0
عناق الســؤال:
السؤال المقلق فى أفق القراءة يتعلق بكيفية " الحكم" ماثلة فى قدرة الشخصية المحورية " سمير دسوقى" على تتبع الدلالة الكبرى وراء الأحداث وماهية خريطة استيعابه للوعاء الذى يجمع كل الشخصيات والأحداث والنوازع والاتجاهات المختلفة داخل البنسيون وخارجه – خلال السرد يكتشف القارئ سمات محددة فى شخصية " سمير" الإسكندرانى الخجول المنطوى الذى حل وراء حلمه فى أن يكون صحفياً ضيقاً على البنسيون والقاهرة وكان حرياً بمثل هذه الشخصية المنطوية ألا تجازف منكفئة وراء حجاب حلم الصعود الصحفى، لكن ذلك لم يحدث .
كان مجيئة إلى القاهرة بمثابة الخروج من الحضن الأمن الأليف أو العش الذى كان يحيا فيه بمفرده . إنه يقول: " حتى الأماكن العامة لا أدخلها وحدى " .
وعلى عكس البنسيون الغارق فى ملذات المتعة النسائية لم يكن له أى " خبرة حقيقية بالعلاقة مع النساء ولم يلحظ فى نفسه تخيل علاقة جسدية مع امرأة " (فيما بعد تؤدى بسمير دسوقى تجاربه الجنسية إلى " فقد عذريته" بتعبيره المازح حتى أنه عرض الزواج على امرأة جاست به بخبرة عوالم اللذة المسحورة)0
وخلال الأيام الأولى من إطلاعه على حياة البنسيون يلحظ فى نفسه ضيقاً وإحساساً بالغربة يبلغ حد النقمة، ويقرر أن ينفصل نهائياً عن كل ما يدور فى البنسيون، ويؤسس قراره ليس على دوافع أو إدانات أخلاقية أو سياسية ولكن على مجرد تفضيلات إرادته الحرة وعناصر وعيه الشخصى وليس على غرار شخصيات أخرى من نزلاء البنسيون تؤسس عزلتها على أسس أخلاقية دينية (هشام مجاهد) أو للانسحاب داخل جلد ذكرى متسلطة (غسان جبر) يقرر سمير أن يعتصم بالصمت والعزلة والقراءة، غير أنه ينسى قراره منجرفاً فى التيار اليومى لحياة البنسيون المثيرة ومحتفياً بما " كشف له البنسيون من حياته الخاصة ما لم يكن لاحظه فى أيام إقامته الأولى"0


التماهى والخبــرة:
يكشف علماء النفس عن واحدة من أهم العمليات النفسية فى النمو والتى تعتمد عليها الشخصية البشرية فى تطورها الاجتماعى، وهى آلية التوحد مع شخصية أو شخصيات أخرى يسهل التقارب المعرفى أو التلاؤم الإنسانى حدوث مثل هذا الاندماج بينهما . إلى علاقة من هذا النوع يلمح السرد بنفس هدوء احتكاك الفرشاة على النسيج . سمات تقارب متعددة جمعت بين "سمير دسوقى و" عزام الزهراوى" الذى يحتمل – كما نعرف من الرواية – أن يكون شيوعياً سوريا0
يقول السارد: " فصل بينهما – لحظة اللقاء الأولى – خيط غير مرئى من المودة، كأنهما يصلان صداقة قديمة، يعرفان بعضهما من زمان"0
التماهى بين هاتين الشخصيتين يبلغ ذروته بدء من التفاصيل الشخصية الصغيرة مثل طريقة التعاطى مع الحوار السياسى والميل إلى الصمت وإعداد الكلمات فى الذهن قبل إلقائها وتفهم المحاور.. متعدياً هذه التفاصيل إلى الملمح الخاص والمشترك للروح فى رؤيتها الشاملة للعالم . عبارة واحدة يوردها السرد الروائى وصفاً لـ " عزام الزهراوى" ويمكن للقارئ أن يعدها تخطيطاً مبدئياً لشخصية " سمير دسوقى " المستقبلية :-
" لم يكن عزام يرفض الصورة التى عليها العالم هناك ما يضايق أو يغيظ لكن الطمأنينة تبدو فى نهاية الأفق " 0
ويبلغ تصورهما المشترك للعلاقة بالمرأة حد التطابق ، فكلاهما يراها علاقة إنسانية كاملة لا يشكل الجنس وحده حجر الزاوية أو مركز الثقل لها . ومن نفس الموقع المتعقل والمعتدل تنطلق نظرة كليهما تجاه الوحدة التى ترى فيها غاية لهدف وليست هدفاً فى حد ذاتها، وإن انخرط كلاهما رغم هذه النظرة فى تيار الحماس الجماهيرى الدافئ والمنحاز لها0
وفى ختام الرواية، حين يضطر الجميع لمغاورة البنسيون بعد هجوم حشرة " قمل العانة " تحدث خادمة البنسيون – " عنابر" - " سمير " عن حب " غرام " له ومشاركته عادة احتساء الشاى بالحليب ، وعندما يسألها عن تبريرها لهذا الحب تصمت " عنابر " وتكتفى بالغمغمة وتمسح دمعة تطل من عينها0
القراءة فعل وجودى:
تتعدى حالة القراءة عند " سمير دسوقى " فى تجلياتها التى تبرز وتختفى كخيط ذهنى عبر نسيج الرواية – هذا الفعل المعروف الذى يرتبط عادة بالممارسة المهنية الصحفية، لتصبح فعلاً وجودياً كامل الأبعاد . ولا يقدم السرد هذه الفكرة المتماسكة عن القراءة إلا عبر إشارات مثبوثة قد تخطئها العين غير الفاحصة0
حين يسأل " عزام الزهراوى" عن الخطوط التى يخطها أسفل سطور كتاب يقول له سمير: أنا صحفى00 ما أقراه أكتب عنه.."0
والمستويات الرمزية التى يتخذها فعل القراءة المشار إليه هنا بشكل عابر يتضح حين تنسحب الدلالة من قراءة الكتب إلى قراءة أكثر عمقاً وغنى للواقع كله بشخوصه وأحداثه، ولا تتسع الدلالة إلا عبر إشارات كثيرة فى مواضع أخرى0
فالقراءة فعل استنفار أو استثارة نقية يقدمها الواقع لقارئه كما يبدو حين تعرض امرأة من المترددات على البنسيون خبرتها على " سمير دسوقى" ليكتبها ويقابل عرضها بالصمت حتى تدرك المرأة أنه لا ينصت لها . وفى موقف ثالث يطالعنا مفهوم القراءة النقية التى لا يمكن أن يفترض لها هدف غير ذاتها، فلا تصلح لتكون أحبولة جنس أو غريزة أما اللحظة التى تتسنم فيها القراءة ذروتها الوجودية المطلقة فتحل فى ثنايا تصور " سمير" للعلاقة الكاملة بين الذكر والأنثى بوصفها فعل قراءة مشترك: " يصعب إهمال العلاقة الحسية، لكنها لا تمثل علاقة فى ذاتها . هى جزء من كل . يقرأ وتنصت . تقرأ وينصت . يتناقشان، يتفقان، يختلفان، يشتد الميل.. "
موازاة الواقــع:
فى موازاتها الفنية للواقع وبحثها عن أرضية اجتماعية وتاريخية للرواية تخلصت رواية " محمد جبريل" من شراك الكتابة الموجهة، لم تتخذ منحى سياسياً مباشرا وقدمت – بدلاً من ذلك - مقترحاً فنياً أنشأ من مزاج المخيلة وأبنية الواقع التاريخية يضع وسواس المرض والهلع من الانتشار الكابوس لقمل العانة خاتمة مفاجئة لحياة البنسيون المشتركة ويتفرق على الأثر نزلاؤه وتتشتت " جامعة الدول العربية المصغرة" .ربما كما عجل وسواس التسلط والهلع من الابتلاع وأمراض الزعامة بختام سريع لتجربة الوحدة العربية وشتت شمل الملتفين حول لواءها0 رحل سمير دسوقى "عن البنسيون ولسان حاله عبارة هيروغليفية من بردية مصرية تقول: " لا أحد يرجع إلى نهار غادره " . إنه الإحساس بثقل الخبرة وضياع وهج الاندفاع أو بتعبير السرد فى الرواية:
" ما كان يستغربه لم يعد كذلك0

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:07 PM
إلى محمد جبريل الغني عن الألقاب

شعر: د. حسن فتح الباب
........................

(ألقيت فى حفل توقيع رواية محمد جبريل «أهل البحر»)
هذه الليلة لك
إنها موعد صحبك
جاءوا كى يوفوا لك بالعهد
يقضوا دين صديق لم يتخلف
عن كلمة حق
لحظة صدق
لصحابته .. لحوارييه.. لأبناء وآباء ورفاق
عشاق للكلمة
لم يتردد
فى شق طريق للحكمه
للحرية .. للعدل
لكرامة أبناء الوطن البرره
لجماليات القص الموفى
بشروط الإبداع
قلب خفاق بالمثل العليا
قلم أعلى يتدفق إيماناً بالشعب
ترسم ريشته صور مساجد ومآذن
أسبلة وصوامع
من زمن الصوفية عبَّاد الرحمن
كل ولىّ كأبى العباس سراج وهّاج
يخترق الظلمات
يرفع فوق صوارى الثغر الرايات
رمزاً للمجد الماضى
للنهر الآتى
لحقوق الإنسان
مرحى يا جبريل الملهم
سرد لا كالسرد كما يعرفه التنظيريون
أرحب أفقاً أجلى عمقاً
يستخرج من ظاهر هذا الكون وملكوته
سر نواة الفطره
ويصورها متناً وهوامش
من تاريخ البشريه
بين الفردوس النار الأعراف المَطْهر
ورؤى من مأساة أو ملهاة قدريه
***
سيرته الذاتية تروى
قصة عصفور بجناحى نسر
قصة يونس فى بطن الحوت
إبراهيم خليل الله شهيداً
تنقذه من نار الأفاقين عناية مولاه
المتنبى فى مصر شريداً
" نجم أوحد فى الأفق "
و " الشط الآخر " و " الأسرار "
بينهما يرقى جبريل " قلعة الجبل "
و " رباعية بحرى " بعد " ثلاثية محفوظ "
ترقى آفاق الإبداع محلياً عالمياً
لم لا يحصد جبريل
أعلى جائزة فى تاريخ الأدب المصرى العربى
وهو الطائر منفرداً فى الآفاق
ملاّح يهوى سبْر الأعماق
يبهرنا .. يسحرنا بغوايات العشاق
وعذابات رجال صمدوا فى وجه الإعصار
لا ينضب ينبوع خياله
بل هو بحر موَّار
لا أصدافاً ومحار
فاللؤلؤ مدّ جارف
والجزر عدم
***
إنى لأراه يشعل شمعته
فى أحشاء الليل الساجى .. ويغنى :
مرحى يا رواد الكلمه
لا يهدأ تعب تحت الشمس
لا يهدأ ، أبداً لا يهدأ
حتى نسحق أغلال الأمس
ونشُدَّ شعاعات الفجر
ننسجها ومضات كالحلم
فى أحضان صغير يبسم
والوجنات قلوب تخفق
ننسجها ضحكات تتدفق
فى أعين من يحمى نومه
يوقد فى الليل الشاتى شعله
بشرى للسارين على الظلمه
يتغنون بموال الصبر
فى أعين من يأتى فى الغد
فى موج جياش الفيضان
طام عات بين الشطآن
مترام من أقدام الشعب
محمد جبريل
إنى لأراه أسمعه يغنى :
يا رفقائى عشاق الإنسان
الرحلة كانت قبل الفجر
والقمر السارى لم يسفر عن وجه صديق
وحملته مأساة الليل
إنى أعلم
ألمح فى الوجه نثار غبار
وعلى المنكب من أطباق الغيم
بعض رماد
دميت أقدام تصعد فوق السطح
والسفح تجلله الأشواك
وبلوتم ما صنع الويل
إنى أعرفها
أشباحاً خائنة الأعين
كم غرست شوك الحقد الأسود
فى القاع .. على درج السفح
حتى القمه
إنى لأراه أسمعها خفقات من جبريل :
ها قد عدنا
لم يكذب رائدنا اللماح
لما أذّن إن الفجر على الأبواب
والجيل الصاعد فى شرفات الأفق
درع لمدينتنا السمراء
فى مهد الوادى .. تحت ذراع النهر
مرحى يا رفقائى مرحى
العود حميد
أيديكم يغمرها ظل البيدر
وتضيء الأوجه
وعبير الأرض الفاغم يسبى الروح
إن تخْلف أشواك الحق الهادى
بعض جراح
لا ضير
فلتبق عذابات الرحله
تذكاراً للإنسان الصاعد
***
إنى لأراه أسمعه
هذا ترنيم محمد جبريل :
العود حميد يا عشاق الإنسان
يا صناع الكلمه
غنوا الشمس على أبيات الأحرار
غنوها فى عين مدينتنا
وعيون الأحباب الشرفاء
فى عالمنا الآتى الأكبر
غنوا لن يفنى سحر الكلمه
فالليلة موعد أحبابى

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:08 PM
الاتحاد، نحو هدفٍ واحد!

بقلم: محمد جبريل
.................

حين قامت ثورة الجزائر في الخمسينيات من القرن الماضي. كانت تواجه تحديين. أولهما إصرار المستوطنين الفرنسيين علي ان الجزائر فرنسية. ظل ذلك زعم الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ احتلال الجزائر في أواسط القرن التاسع عشر. واجهت فكرة الاستقلال وحق تقرير المصير - حتي في العهد الديجولي - بأقسي العنف. أما التحدي الثاني. فقد تمثل في تشرذم جماعات المناضلين لانتزاع حرية الجزائر وعروبتها.
لم تطلق الثورة رصاصتها الأولي إلا بعد ان واجهت التحدي الأول بتوحيد جماعات المقاومة في جبهة واحدة هي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. أسقطت الجماعات خلافاتها الأيديولوجية وتوحدت في تنظيم موحد جعل الحصول علي استقلال الجزائر هدفه الأهم. باعتبار أن خلافات العائلة الواحدة ينبغي إرجاء طرحها في ظل خطر إلغاء الوجود.
استطاعت جبهة التحرير أن تقود شعب الجزائر في نضاله لانتزاع حريته وعروبته. حتي تحقق هدفها ثم أبانت الجماعات عن تباين أيديولوجياتها في معالجة القضايا الداخلية.
الاستقلال اولاً!
تمنيت لو أن المفاوضات التي تجري الآن بين فصائل المقاومة الفلسطينية جعلت من التجربة الجزائرية مثلا لها. الحكم في ظل الاحتلال بلا قيمة ما لم يكن هدفه النهائي تحرير الأرض.
لا معني للاختلافات والمناقشات العقيمة والمزايدات ومحاولات التوريط والتنابذ بين أبناء الوطن الواحد ممثلين في توزع الجماعات والفصائل.
المنطق العلمي. الموضوعي. يفرض الأهم. فالمهم. الأهم الآن أن تجاوز الفصائل الفلسطينية تحدي التشرذم لتواجه تحدي الاحتلال من خلال منظمة التحرير الفلسطينية التي ينبغي أن تصبح كل الفصائل كيانات عضوية فيها. لا أعني اهمال المصارحة والمكاشفة. فلابد أن يطرح كل طرف ملاحظاته علي الطاولة عوامل الإيجاب والسلب فضلا عن تجاوز من أفادتهم القضية دون مقابل من أي نوع. إلا اذا اعتبرنا محاولات الفرقة والانقسام هي ذلك المقابل المرفوض.
الحقيقة التي يجب ان تطمئن اليها ضمائر الجميع ان الشعب الفلسطيني هو أشد الشعوب بذلا في عالمنا المعاصر. بالشهادة. والتهجير والنفي والتدمير والظروف القاسية دوماً.
تولي السلطة - في الأوضاع القاسية. الحالية. التي يعيشها الشعب الفلسطيني - يجب أن تكون مجرد طريق نحو الهدف.
إن للسياسة الإسرائيلية إستراتيجياتها وتكتيكاتها. وعلي الفصائل ألا تخدعها التكتيكات من مثل الانتصار لفصيل علي آخر لأن الاستراتيجية الصهيونية - في تصرفات قادتها وأقوالهم وشعاراتهم - لم تتبدل ولن تتبدل إلا إذا أدرك قادة إسرائيل أنهم يواجهون شعبا له قيادته الموحدة لا العديد من الجماعات التي يسهل تفكيكها وإخضاعها للمؤامرات الداخلية.
وأساليب الصهيونية في ذلك - كما نعلم - لا نهاية لها.
..............................
*المساء ـ في 25/4/2009م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:09 PM
من المحرر:
الرواية بين التراث وصورة حياتنا المُعاصرة

بقلم: محمد جبريل
................

لأستاذنا نجيب محفوظ مقولة مهمة : "مانريده للرواية العربية الآن. هو أن تكون لها شخصية مميزة أصيلة. أنا عربي لا لبس في ذلك. وأريد ان نصل الي رواية ذات شخصية عربية مميزة. كل مانستطيع ان نفعله الآن. هو أننا عندما نجد أن موضوعنا يحتاج الي اسلوب استعمله كافكا مثلا. أن نستعمل هذا الأسلوب بصدق. وأن ندخل عليه من ذاتيتنا. بحيث إن القارئ الذكي عندما يقرأه يقول: هذا كافكا صحيح. لكنه تطور. مانريده هو تطور كاسح في هذا المجالي.
أعيب تلك المحاولات التي استهدفت بعث القالب القصصي الروائي. لكنها عادت كما يقول محمد عابد الجابري: "لتمتح من معين التراث لا لتطويره".. وفي المقابل فإني اعيب من يجعلون الحداثة الغربية وحدها هديا لهم يتبعونها يقلدونها انهم لا أكثر من نقلة واذكر ان محمود صبح وهو من علماء الاندلسيات ويشغل وظيفة استاذ الأدب العربي بجامعة مدريد المركزية روي أن طلبته اعجبتهم أبيات من الشعر العربي القديم. وإن غابت معانيها الي حد ما عن أذهانهم لأن ذلك الشعر هو الاكثر تعبيرا عن طبيعة العربي في محيطه. في حين ان هؤلاء الطلاب رفضوا معظم الشعر العربي الحديث المترجم للاسبانية.
التراث هو حلقات أولي في السلسلة التي نمثل الآن حلقتها الاخيرة. لكننا بالقطع لسنا آخر حلقاتها . نحن نقرأ تراثنا ونستوعبه. ونقرأ تراث الغرب ونستوعبه. لكننا نحرص ان ترتكز ابداعاتنا في الدرجة الاولي الي "نحن" الي تراثنا في الدين والعلم والسياسة والاقتصاد والآداب والفنون. والي قيمنا ومثلنا. هذا هو الابداع الخاص بنا. الذي ينبغي الا نجاوز اطاره المحدد. حتي لايجرفنا التقليد. فنحاكي الغراب حين قلد مشية الطاووس. وحتي لاننكفئ علي الماضي. نجتره. ونرفض الجديد والاضافة. فنرتمي بارادتنا في حضن الجمود .. نحن نستلهم التراث. ونحرص في الوقت نفسه علي الانفتاح علي تقنيات الرواية الحديثة.
أشير الي تأكيد الكاتب الروسي سوفرونوف بأنه اذا وضع الكاتب عينا علي تراث بلاده. فإن عليه ان يضع العين الاخري علي العالم الذي يتحرك من حوله.
نحن نتمثل التراث. نمزجه بثقافتنا وخبراتنا ورؤيتنا للأمور. ثم نحاول ان نصنع من ذلك كله. شيئا جديدا. لانسعي الي بعث التراث. وانما نحاول استنطاقه. استلهامه. توظيفه. قل ماشئت من مسميات. لكن التراث يظل في النهاية تراثا. والمعاصر يجب ان يكون تعبيرا عن الفترة التي صدر فيها. وصدر لها.
نحن في توظيفنا للتراث نغربله بداية. نفرزه. ننقيه. ثم نتجاوز ذلك كله. فنثري معطياتنا بنصوص غير مقلدة. وقادرة علي الاجتهاد.
إن من حق وواجب كل جيل. أن تكون له تجربته الخاصة. المميزة.
وإذا كنا مطالبين بعدم الانكفاء علي الذات. والاكتفاء بما خلفه الاجداد من موروث ثقافي وحضاري فإننا مطالبون في الوقت نفسه بألا نعتبر كل مايبدعه الغرب مثلا يجب ان نحتذيه.
العلاقة الجدلية تفرض الحوار. والموافقة. والرفض. وإبداء الرأي. واتخاذ الموقف الذي يعبر عن خصوصية حياتنا عن عاداتنا وتقاليدنا. ووجوب اتصال ماضينا بحاضرنا. وعن استشرافنا للمستقبل. من الخطأ ان نرتمي في حضن التراث. كما انه من الخطأ ان نرتمي في حضن الثقافة الغربية. نحن نفيد من التراث في تحقيق التواصل. ونفيد من الثقافة الغربية في تحقيق المعاصرة. ونفيد من التراث والثقافة الغربية في آن معا. في تحقيق شخصيتنا المتفردة. في صياغة ملامح متميزة لابداعنا وفكرنا. وثقافتنا الخاصة عموما.
الاصوب ان نقدم معطياتنا نحن. لانكتفي بالتلقي. بالنقل. أو التلخيص. أو حتي الاستلهام. وإنما يجب ان نضيف إبداعنا الآني. وفكرنا الآني. وتعبيرنا الآني عن صورة حياتنا المعاصرة.
.......................................
*المساء ـ في 16/5/2009م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:09 PM
هؤلاء الكتاب خارج المؤسسة الثقافية .. لماذا؟
.................................................. ......

الروائي محمد جبريل يسأل
صافيناز كاظم وحسن فتح الباب وحامد أبو أحمد وأحمد الشيخ وشمس الدين الحجاجي يردون

الحجاجي: من يسعى إلى المؤسسة الثقافية هو الذي يهمش نفسه
صافيناز كاظم: الأسماء تتكرر في القوائم.. وكل شيء للمحاسيب
د. حسن فتح الباب: الأديب الحقيقي يراهن -بإبداعه- علي التاريخ

فكرة هذا التحقيق طرحتها ظاهرة في حياتنا الثقافية. من حق الذين تنالهم تأثيراتها السلبية أن يوضحوا وجهات نظرهم إنها اقتصار أعضاء اللجان والفائزين بجوائز الدولة. والمشاركين في المؤتمرات العربية والدولية. علي عدد محدد ومحدود لا لتمايز وإنما لارتباطهم بالسلطة الثقافية بولاءات ومصالح.
لم يعد السكوت ممكنا ـ علي حد تعبير الكاتبة الكبيرة صافيناز كاظم ـ ولابد من وضع التصورات التي تجعل من عافية الجسد الثقافي متاحة وممكنة.
تقول صافيناز كاظم: لا يوجد أي سبب يجعل هؤلاء يسرقون من الشرفاء كل شيء. إنهم يتشدقون بأننا لا نترك أية مناسبة دون أن نهاجمهم لكن ما يمارسونه في حياتنا الثقافية يبلغ حد القتل. عماد أبوغازي يضع قوائم المرضي عنهم. وهم لا يتقون الله وأفسدوا الكثير من أبناء الجيل والأجيال القادمة. يرون أن أقصر طريق للوصول هو التزلف والتقرب بأشياء لا تمت بصلة للأدب أو الثقافة.
الأسماء تتكرر في قوائم السفر، لا قيمة ولا وزن ولا حتى كم إبداعي يعتد به. أصبحت المؤسسة للمحاسيب وتلاميذ فلان. ومعارف ترتان. في الماضي كنا نتحدث عن ظاهرة يوسف السباعي. وقد أصبح المستبدون ثقافيا الآن بالعشرات، أنا ـ والحمد لله ـ لا احتاج إليهم لكن هناك الكثير من المبدعين الشرفاء. لماذا يستبعدون من هؤلاء الذين تصوروا في سيطرتهم علي الشأن الثقافي أن يقربوا من يريدون ويستبعدوا من لا يروق لهم.
ويذهب الشاعر حسن فتح الباب إلي أن ظاهرة تلميع بعض الأدباء والشعراء والفنانين، والتعتيم علي آخرين دون وجه حق ليست وليدة اليوم، فهي تضرب بجذورها في أعماق تاريخنا العربي. وثمة عبارة مهمة في هذا السياق هي "ذهب المعز وسيفه"، ثمة سياسة ميكافيلية. تسعي إلي استمالة من يؤيدونها ويشكلون وجدان المتلقي بواسطة إسناد المناصب الرفيعة لهم، ومنحهم فرص النشر والسفر وعضوية اللجان والفوز بالجوائز الرفيعة، مقابلا للضريبة التي يدفعها الفلاسفة والأدباء والشعراء الشرفاء. وإن قدموا بمواقفهم قدوة حسنة لأبناء جيلهم والأجيال التالية. إن الرجل موقف. وهو يبلغ مراتب الفضيلة حين يكون أديباً مفكراً، أو مناضلاً. إن الظاهرة المعيبة هي كيل بعض المؤسسات الثقافية بمكيالين؛ فتمنح بعض جوائزها لمن لا يستحق وتحجبها عمن يستحق وفي كل الأحوال فإنه علي المبدع الحقيقي ألا يصاب باليأس والإحباط. لأنه يدرك أن كل أصحاب القيم والمبادئ معرضون للظلم. وأنه لابد لليل أن ينجلي والأديب الحق الذي يراهن علي التاريخ واثق أنه سينصفه مهما طال المدى، وفي ذلك عزاء له.
إن مهمة الأدباء المستنيرين هي العمل الدءوب. وقطرات المطر القليلة ستتحول إلي ينبوع. ولما كانت المؤسسات الثقافية تجمع بين أصحاب الضمائر والمغرضين فإنه علي الأديب ألا يكل ولا يمل في مناشدة أولئك المغرضين أن يتحروا العدالة، لأن الأدباء والمفكرين هم أغلي ثروات الشعب. إنهم الذين يتفانون لتقديم خلاصة مواهبهم وخبراتهم سعياً لنهضة المجتمع ومشاركة الوطن في رسم الحضارة الإنسانية.
منطق صاحب العزبة
ويري د.حامد أبو أحمد أن أصحاب السلطة الثقافية لا يتحملون أي نقد، أو حتى أن يكون للإنسان موقف يختلف عنهم. فإما أن يكون الإنسان مطيعًا للمؤسسة الثقافية، أو أنه لا يصلح. بل علي العكس، عليه أن يقدم فروض الولاء والطاعة في كل لحظة. والبشر مختلفون؛ ثمة من لديه استعداد لأن يفعل ذلك. وثمة من يذهب إلي النقيض. والمثل نجده في هؤلاء الذين مثلوا الثقافة المصرية في معرض تورينو إن غالبيتهم من موظفي وزارة الثقافة. ومن يدور في فلكهم، وأي واحد خارج المجموعة لا يدخل في حساباتهم. إنهم يتصرفون بمنطق صاحب العزبة الذي يدني من يشاء ويقصي من يشاء.
وفي تقدير الروائي أحمد الشيخ أن ما يحدث لغز يخص العالم الثالث فنحن مهمشون بالقصد! والمسألة في النهاية بقاء الكتابة والكلام المكتوب. ولولا هذا العزاء الجواني لكان المرء قد ترك كل شيء. ثمة جحود متعمد وتجاهل لكتابات حقيقية وتغافل عن الحقائق. وللأسف فإن السائد ليس النقاد الكبار. فقد افتقدنا نقاداً عظاما أمثال مندور والراعي والقط. كانوا لا يكتبون لأغراض شخصية أو مصلحة حزبية أو لحجب تيار بعينه كما يحدث الآن.
يضيف: هذا عالم ثالث في مرحلة التخلف. أين من يستحقون الجوائز بالفعل؟ لماذا لا تأتيهم الجوائز دون أن يرشحوا أنفسهم لها؟ لماذا لا نحترم عزوفهم وانصرافهم عن التكالب والمداهنة والملق ونعطيهم ما يستحقون؟.. لقد صار لدينا مجموعة أدباء تتكرر أسماؤهم في كل رحلة وفي كل مهرجان ومؤتمر، حتى لو لم يقدموا شيئا يليق باسم مصر التي يفترض أنهم يمثلونها! ثمة إصرار مستميت علي أن يمثلوا مصر في المعارض والمهرجانات والمؤتمرات.. لماذا؟!! لماذا نستبعد تيارا فاعلا وحقيقيا ولديه مشروعه المتميز؟!! هل لمصلحة الأصدقاء والأتباع والأعوان؟ نفس الوجوه والأسماء وقبل أن نروي الحدوتة نتوقع الذي سيظفر بالسفر.. المسألة أصبحت معروفة ليس فقط للمبدعين، وإنما للمثقف العادي. هذا القدر من الارتجال المتعنت الذي لا قيمة له ولا أسس ولا معايير تضبطه في مرحلة من مراحل جوائز الدولة ارتكزت علي أشياء ضئيلة. لا يجوز للإنسان أن يتحدث فيها لتفاهتها ثمة تثبيت لأسماء بعينها. وعند الاختيار تكون النتيجة معروفة سلفاً. هوامش بلا وجود حقيقي علي المستوي الإبداعي حتى لو قرأت لأحدهم عملا نال ضجيجا إعلاميا. ستصدمك النتيجة! هذا وطننا نحن. وهذه ليست شكوى خاصة. إنها شكوى الكثير من المبدعين والمفكرين والشرفاء هذه التوليفة وهذه التربيطات. نشم رائحتها. وأصحابها كانت لهم مصداقية فيما مضى. لكنهم يتعاملون الآن بمنطق متخلف رغم وعي الناس. ورغم وجود الضجيج الزائف من قبل أصحاب الأعمال التي لا ترقي لأن يستمر المرء في قراءتها. نحن سنظل نكتب ونكتب. ونراهن علي المجهول. وإن كنا نشعر بالأسى لأننا لم ننل حقنا. بل سلب هذا الحق عن طريق المؤسسة الثقافية التي كان يجب عليها ألا تنحاز، إلا لأصحاب الأقلام الجادة والإبداع المتميز.
مشكلة حقيقية
يختلف د. أحمد شمس الدين الحجاجي عن الآراء التي تدين وتتهم يقول: أنا لا أقف في صف المثقف الذي يبحث عن دور.. علي المثقف أن يؤلف، أما أن يجعل همه البحث عن وظيفة أو دور فهذه جريمة. جابر عصفور ـ علي سبيل المثال ـ من أكبر الأسماء في وزارة الثقافة. ورأيي أنه حين قبل العمل الوظيفي داخل المؤسسة خسر الكثير. لأنه مفكر ومثقف. وقد أكلت مهام الوظيفة وقته.. العمل العام- بالنسبة للمبدع أو المفكر- مشكلة حقيقية، وأذكر أن جابر عصفور عرض عليَّ عضوية لجنة في المجلس الأعلى للثقافة، فقلت له: لا يشغلني أبدا أن أدخل لجنة ما، فلا وقت لدي أضيعه. مع ذلك فإني أتوسط لآخرين كي ينضموا إلي اللجان. وعموماً فإن المبدع الحقيقي لا يهمش أبداً، فلم يكن أمل دنقل ـ علي سبيل المثال ـ في وظيفته. اكتفي بصفته كشاعر. كذلك كان يحيى الطاهر عبد الله، حتى عندما التحق بوظيفة اكتفي بتقاضي راتبها. الطيب صالح اسمه ذائع. ولم يكن للوظيفة دخل في ذلك. أنا اعتقد أن من يسعي إلي الوظيفة في المؤسسة الثقافية هو الذي يهمش نفسه. والناس ـ خارج مصر ـ يُدركون من هم المبدعون الحقيقيون. نجيب محفوظ لم يستطع أحد أن يهمشه. ولم يهبه «الأهرام» موقعه في الحياة الثقافية، لكنه نال المكانة الصحيحة بفنه وإبداعه. وفي رأيي أن المهمشين هم من يتولون مناصب قيادية لا يستحقونها. ويأخذون وظائف لا يدرون كيف يديرونها!
..........................
*المساء ـ في 23/5/2009م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:10 PM
علاقتي بنجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
..................

نحن نحتفظ بالصور الفوتوغرافية لأنها تستعيد حياتنا. تذكرنا بما قد ننساه. نسد الفجوات التي ربما يصنعها توالي الأعوام.
أضع الصور علي الأرض. أنشرها في أكبر مساحة. أتأملها. أستعيد العلاقة بيني وبين أصحاب الصور بيني وبين ما مضي من أحداث. أحياناً تبطئ ذكريات الصور في استدعاءاتي لها. وقد تأتي غير مترابطة. وتتحرك في الذهن بسرعة خاطفة. كأنها الومضات.
الصورة لي مع نجيب محفوظ. أتحدث. ويضع يده علي أذنه منصتاً. نشرتها الصحف في أكثر من مناسبة. تعيدني إلي اكتشافي الذي لم أعد له لنجيب محفوظ.
المصادفة وحدها هي التي قدمتني إلي أعظم الروائيين العرب. لأني كنت أتردد كل يوم. في إجازة صيف علي مكتبة المنيرة. وجدت فيها مكاناً مناسباً لا يبتعد بها عن البيت. وعن مشروع القراءة الذي بدأته. دون أن يشغلني السؤال: متى أتمه؟
بدأت قراءاتي بحرف الألف. كان آدم متز أول الأسماء. تبعته أسماء أخري لا أذكرها. وعرفت بعد ما يقرب من الأيام العشرة أن مشروعي لن يجاوز الأمنية المستحيلة. أدركني اليأس. وتشوش ذهني حول ما ينبغي قراءته. ولمحت في طريقي إلى خارج المكتبة كتاباً تركه قارئه مفتوحاً علي صفحاته الأولي. تابعت أحمد أفندي عاكف. الموظف الأربعيني المكدود. وهو يتجه عقب انصرافه من ديوان الوزارة إلي البيت الجديد في خان الخليلي. بدلاً من البيت القديم في السكاكيني. استغرقتني القراءة تماماً. فلم أترك الرواية حتي نبهني الموظف إلي موعد إغلاق المكتبة. وعدت في اليوم التالي لأواصل قراءة "خان الخليلي". ثم قرأت خارج المكتبة بقية أعمال نجيب محفوظ إلي "بداية ونهاية".
عدت إلي الإسكندرية. وفي وجداني أصداء من العالم السحري الذي أتاحته لي قراءة نجيب محفوظ. شعرت أنه من الصعب أن اقرأ لكتاب آخرين. بدت مسافة القيمة الروائية بينه وبينهم واسعة. وتفهمت فيما بعد ملاحظة سعيد السحار وهو يقود سيارته. وشقيقه عبدالحميد الروائي الذي ينتمي إلي جيل محفوظ يجلس إلي جانبه. وأنا في المقعد الخلفي. قال: نجيب هو أفضل الروائيين العرب علي الإطلاق. لا أحد يفوقه. ولم يظهر انفعال من أي نوع على عبدالحميد. تصورت أن الأمر بالنسبة له حقيقة لا تحتمل المناقشة.
حرصت منذ تلك الأيام أن أتابع كل ما يتصل بكاتبي المفضل. وكان في الأغلب عن نشاطه ككاتب للسيناريو "أحتفظ بورقة في مجلة تتضمن خبراً عن القاص يوسف جوهر والسيناريست نجيب محفوظ!". واتصلت صداقتي لعالم محفوظ الإبداعي. عندما نشر الجزء الأول من ثلاثية "بين القصرين" في الرسالة الجديدة. وكان ترددي علي ندوة كازينو أوبرا أول ما حرصت عليه. حين قدمت إلي القاهرة للإقامة الدائمة.
ثم تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ إلي صداقة. هي أثمن ما أعتز به في حياتي.
.................................
*المساء ـ في 15/11/2008م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:11 PM
من المحرر:
إلى رئيس جامعة الأزهر

بقلم: محمد جبريل
......................

رسالة ذيلت بتوقيعات كثيرة.. تتحدث عن أحقية خريجات معاهد القراءات التابعة لجامعة الأزهر في استكمال دراستهن الجامعية. بالالتحاق بكلية علوم القرآن الكريم التي يقتصر طلابها حتي الآن علي الشبان وحدهم من خريجي معاهد القراءات. وكما تقول الرسالة. فإن حرمان الفتيات من التعليم الجامعي يسد الطريق أمامهن للدراسات العليا. كما يحرمهن علي المستوي الوظيفي من حقهن في الوصول إلي الدرجات الوظيفية. وعدم توليهن الأعمال القيادية. لأن المؤهل الذي تمنحه معاهد القراءات هو مؤهل متوسط. لا يستطيع حامله الترقي في السلم الوظيفي. ولا يستطيع تولي المناصب القيادية. أما علي المستوي التعليمي فإن عدم استكمال خريجات معاهد القراءات دراستهن الجامعية يعني حرمان العملية التعليمية بالمعاهد الأزهرية ومدارس التربية والتعليم من الكوادر المتخصصة في تعليم القرآن الكريم.
المعلن أن الأزهر يوفر حافظة وحافظات القرآن الكريم بإحدي طريقتين: اختبار يجربه قطاع المعاهد. يتقدم له أي شخص. بصرف النظر عن مؤهله الدراسي. شريطة اجتيازه امتحان القرآن الكريم. ويعيب هذا النظام أنه وإن كان المتقدم يجتاز الامتحان في حفظه للقرآن الكريم. لكنه ليس بالضرورة كفئاً لتحفيظ القرآن الكريم. بالإضافة إلي ذلك فإن المسابقة التي يعلن عنها الأزهر الشريف سنوياً للتعاقد مع مدرسي القرآن الكريم وغيره من المواد الشرعية والثقافية. يتقدم لها خريجو الكليات الأزهرية. رغم عدم تخصصهم الدقيق في تعليم القرآن الكريم.
لقد استحدثت كلية علوم القرآن والقراءات في طنطا عام 1990. وتخرج في الكلية طلبة ذكور كثيرون. ونال العديد منهم درجتي الماجستير والدكتوراة. وكان مبرر إنشاء هذه الكلية هو عدم وجود معاهد قراءات للفتيات. ثم اتخذ فضيلة شيخ الأزهر قراراً بافتتاح معاهد قراءات للفتيات منذ ما يزيد علي 12 سنة. وانتشرت هذه المعاهد في أرجاء مصر. وبلغ عددها حسب آخر إحصاء 110 معاهد. ينتظم فيها حوالي 25 ألف طالبة. وتخرج في هذه المعاهد حتي الآن ثلاث دفعات عدد خريجاتها .300
أخطر ما في المسألة تقول الرسالة إبراز جامعة الأزهر باعتبارها متحيزة ضد المرأة. في عدم إفساح المجال لها لاستكمال دراستها. مثلما أفسحت المجال لطلاب المعاهد من الذكور. وهو ما يتلقفه المتربصون بالجامعة العريقة للنيل من تميزها الحضاري وعطائها العلمي.
ويبقي السؤال: إذا كان 32 ألف طالب في معاهد القراءات بنين. والبالغ عددها 130 معهداً. قد استحقوا إنشاء كلية علوم القرآن الكريم بنين.. فلماذا لا تحصل 25000 طالبة علي ما هو حق لهن بإنشاء كلية لعلوم القرآن الكريم بنات؟
الإجابة ننتظرها من الأستاذ الدكتور رئيس جامعة الأزهر.
.................................
*المساء ـ في 30/5/2009م.

د. حسين علي محمد
07-06-2009, 02:14 PM
محمد جبريل مع الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في حوار لا تنقصه الصراحة:

الكتاب الأكثر مبيعاً .. جزء من التصنيع "الإعلامي"
20% من الروايات الحديثة تستحق هذه التسمية
.............................................

قد يختلف قرَّاء الناقد الكبير د. محمد عبد المطلب في جرأة آرائه واجتهاداته. وقد يبلغ الاختلاف درجة الخصومة. لكن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان أن ما يصدر عن د. عبد المطلب هو تعبير عن قناعاته الشخصية التي تستند إلى قراءات متعمقة وتحليل وتعرف إلى الأبعاد الحقيقية للإبداع الذي يناقشه.
*قلنا ما رأيك في ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعاً، والتي يري البعض أنها تستهدف الترويج لبعض دور النشر؟
قال : هذه الظاهرة مرتبطة بمسألة تصنيع الكاتب والكتاب. كنا نعرف أن الكاتب يمر بمرحلة الطفولة والنضج، ثم الاكتمال. مثل نجيب محفوظ ويحيي حقي. وثمة لافتة ظاهرة هي أن المبدع بكتاب وحيد يحاول أن يفرض نفسه علي المجتمع الثقافي وهذا نوع من التزييف؛ لأن الخديعة توحي بأهمية النص. رغم أنه ليست هناك إحصاءات دقيقة، إنما هي جزء من التصنيع الإعلامي. وفي رأيي أن هذه الظاهرة تنطلق مما يمكن أن أسميه تصنيع النصوص فبحكم أني رئيس تحرير سلسلة "أصوات أدبية" أجد أن معظم النصوص التي اقرأها مصنعة تصنيعا حرفيا هناك أعمال مفردة خدمت إعلاميا! ومن ثم فان بعض المبدعين يقرأون هذه الأعمال ويجدون فيها ركائز أساسية ويتشبهون بها وقد تتبعت هذه الركائز فوجدتها تدور حول فساد السلطة. والشخوص المدمرة أخلاقيا والإرهاب والفتنة الطائفية وأولاد الشوارع لم تخرج رواية عن هذه الركائز وقد تجتمع فيها ويتم ذلك بشكل مقصود مما يدفع بالنص إلى الهبوط.
هناك أيضاً ظاهرة في النقد الأدبي تقول إن السرد ـ أو النصوص الحديثة ـ قد تمردت علي النصوص القديمة وعلي القواعد المحفوظة وهي بذلك تفتح لفاقدي الموهبة أن يكتبوا ما يكتبون، ويطلقوا عليه اسم «رواية»!
ثمة ترهلات وتقريرية تضر بالعمل الإبداعي، وثمة من يرى أن الواقعية السحرية منتعشة. ورأيي أن عشرة % أو عشرين% لا يستحق أن يسمي رواية، ما قرأته هو هذيان وخطأ في فهم الواقعية السحرية الواقعية في بعدها الفلسفي تقول إن غير المعقول يمكن أن يصدق علي ما هو معقول، أما ما نقرأه فهو قائم علي فهم خاطئ أدى بالواقعية السحرية إلى أشياء تبعد عنها تماما.
*قلنا: الملاحظ أن الجوائز المصرية والعربية يتحكم فيها مجموعة من النقاد. بحيث غابت قيمة تلك الجوائز؟
قال: الواقع أني عندما اقرأ أسماء أعضاء لجنة تحكيم جائزة ما أعرف فوراً من سيحصل علي الجائزة، وللأسف فقد تدخلت الآن دور النشر بما تملك من وسائل لتفرض اختيارها على المحكمين الذين يختارون الفائز. وهناك جهات تعطي الجوائز ثم تترجم النصوص ومن متابعتي أجد أن معظم النصوص اخترقت السقف الثقافي والديني اختراقا بلا فنية وبلا إبداع! ويوظف هذا الاختراق فنيا. لكن ما يحدث أنها مخترقة عمداً، وأعرف أن البعض أبلغ بنفسه عن كتابه إلى الجهات الرقابية كي يصادر فيحصل علي جائزة!
إنها نصوص أقل من العادية لكن لا ينظر فيها إلى القيمة الفنية، وإنما إلى ما تحمله من اختراقات للثقافة! لقد أصبحت الجهات الإعلامية هي التي تعطي الرنين الإعلامي. وهي التي تشير إلى من سيحصل علي الجائزة! ويسأل النقاد أنفسهم لماذا لا نكتب عن فلان طالما انه قد كتب عنه في الصحف؟ لماذا لا أسير في الموكب؟ وكلما كتبت الصحافة ساعدت النقاد علي تسويق العمل وعلي سبيل المثال فلو أننا نظرنا إلى جوائز الجامعة الأمريكية فسنجد أن من حصل عليها لابد أن يكون مخترقا. الاختراق هنا قد يكون لصالح الآخر؛ فالأعمال الفائزة وفق الشروط الخاصة!! خطورة الأمر أننا بهذه الكيفية نخدع الخارج نحن نعدد الطبعات ونقدم علي الترجمة وهي ظواهر لم تحدث لدى حقي ومحفوظ فيزداد الطلب من الأقطار العربية.
*قلنا : هل للنقاد دور في نشوء الظاهرة واتساعها؟
قال : أنا لا اعفي النقاد من هذا التردي الذي نعيشه. وبخاصة أن بعض النقاد الكبار يكتبون عن نص حقق شهرة أو ذيوعاً أو يتم الأمر مجاملة وأسوأ ما في النقد وبالذات بين الجيل الجديد أنه أصبح مثل الرواية يتم تصنيعه. إنه أشبه بعدة السباكة يحملها الرجل في حقيبته. عدة آلات محددة يتعامل بها مع جميع الأجهزة. والنقاد يتناولون العنوان والاستبطان والاسترجاع وكأن النصوص كلها أصبحت نصاً واحداً لا فرق بين هذا وذاك! والمؤسف أن هذا أدّى بدوره إلى أن الواقع الأدبي جعل المبدعين هم الذين يتابعون النقاد بدلا من أن يتابع النقاد المبدعين فالمبدعون ينشدون رضا النقاد الذين يكتبون عنهم وتحدث مزاحمة غير شريفة بين الرواية والشعر. لكن النص الشعر مازال محترما. لم يجر وراء تلك الظواهر المدمرة.
*قلنا: في كتابك "بلاغة السرد النسوي" قلت إن قراءة الشعر التي تفرغت لها حرمتك من متعة قراءة الخطاب الروائي ثم جاءت قراءات محددة بأسماء بعينها. لماذا الاختيار والترك؟
قال : اعتقد ان الاختيار في ذاته قيمة. ليس هناك ناقد يستطيع مهما أوتي من قوة ذهنية وبدنية أن يتابع كل النصوص فالاختيار مفروض عليه واختيار المرء كما يقول أبو هلال العسكري جزءٌ من مذهبه. لا أاستطيع أن اكتب عن كل الكاتبات. لكن الطباعة لا تسمح إلا بالاختيار. ولعلي أعترف أن هناك مبدعين ومبدعات لم أكتب عنهم. هم جديرون بالكتابة. ربما بدرجة أقوى ممن كتبت عنهم.
*قلنا: أنت من النقاد العاشقين للغة العربية.. ما انعكاس ذلك في قراءتك المختلفة؟
قال: هناك كارثة في النصوص الأدبية كلها، واللغة بخاصة. فهي مهلهلة وكتابها ليسوا فاقدي الموهبة. بل يفتقدون المعرفة اللغوية. ودون تحديد أسماء. فثمة خطاب روائي من 110 صفحات قرأته فوجدت به 293 خطا لغويا ونحويا فضلا عن العجمة والرطانة والألفاظ غير العربية. وقرأن نصا شعريا تعمد التعالم باللغة الانجليزية ويؤسفني أن أشير إلى أن النقاد المغاربة لهم دور في هذه الظاهرة؛ فهم يميلون إلى نحت كلمات لا أصل لها في اللغة العربية! لقد نحت السابقون علينا كلمات مثل الكليات والجامعة والأستاذ والمحكمة والنقض والاستئناف وهي كلمات عربية صحيحة. لكن الترجمة مفسدة. وهناك مترجمون يمثلون عاراً على الأمة العربية.
*قلنا: في تقديرك: ما مدي خطورة انتشار الشعر الشعبي في الأقطار العربية علي الفصحى؟.
قال: في كل لغات العالم هناك مستويات؛ مستوى لغة التخاطب والمستوي الفصيح وله سياقه الذي ينتشر فيه، والعامية لها السياق نفسه، ويجب ألا تكون هناك خصومة بين الطريقتين وأذكر أني كتبت دراسة عن رباعيات صلاح جاهين فوجدت أن 80% من كلمات الرباعيات فصيحة، وديوان سيد حجاب معظمه تقريبا فصيح.
لا خصومة بين الفصحى والعامية فلكل منهما سياقه المطلوب.
قلنا : أخيرا ما رأيك في الجيل الجديد من المبدعين؟
قال : للأسف هذا الجيل سريع الطموح يريد أن يقفز لكن القفز غير المحسوب يقود الي السقوط. ومعظم الجيل الجديد يقفزون. مما يؤدي إلى سقوط النص. وهذا ينسحب أيضاً علي النقاد الجدد.
.......................................
*المساء ـ في 16/5/2009م.

د. حسين علي محمد
11-06-2009, 01:34 PM
ندوة عن كتاب «مصر في قصص كتابها المُعاصرين»

تنظم ندوة مساء الثلاثاء القادم (16/6/2009م) فى مبنى هيئة الكتاب بالقاهرة عن كتاب " مصر فى قصص كتابها المعاصرين" للروائي الكبير محمد جبريل ، يتحدث فيها د . شبل الكومى ، د . صلاح قنصوة ، د . صلاح الراوى ، محمد قطب ، مهندس أحمد شعبان ...وغيرهم.

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:09 PM
من المحرر:
جحيم الكتابة

بقلم: محمد جبريل
......................

هذه أقوال لعدد من الأدباء والمفكرين أدعوك ان تشاركني تأمل ما تهبه من دلالات: ان جردت الأمم من تاريخها يسهل ابتلاعها "نابليون بونابرت". إذا لم تكن تستطيع القتال فلا تمنع عينيك من النظر "مثل شعبي لبناني". القرد الذي لديه ذيل لا يقفز فوق النار "مثل افريقي". الخائف لا يستريح من الهرب "أبوعلي الجورجاني". ما لا يقتلني يجعلني أقوي "نيتشة". ان الذين يستطيعون الانتصار هم الذين يؤمنون في قرارة انفسهم بقدرتهم علي ذلك "داروين". ان الخيل إذا بلغت نهاية المضمار بذلت قصاري جهدها لتفوز بالسباق فلا تكن الخيل أفضل منك. إنما الأعمال بالخواتيم "حكمة اغريقية". أخطر الأدباء هو الذي يبدل قارئه أثناء عملية القراءة. يتنبه إلي ما لم يكن رآه ولا عرفه من قبل "همنجواي". ان الذي يسعي إلي غاية جليلة يجب أن ينقطع عن التفكير في نفسه "نتاليا. بطلة رواية تورجنيف الشهيرة". إني موقن ان تضحيتي لن تذهب هباء. وأنها ستكون علي الأقل درسا معنويا لعقاب الغدر والخيانة والجبن "سلفادور الليندي قبل دقائق من اغتياله". يعرف كل امريء ان في عصرنا نوعين من الأدب: الأدب الغث الذي هو حقا غير جدير بالقراءة وهو المقروء غالبا. ثم الأدب الجيد الذي لا يقرأ "الفرنسي بولان". ان إحدي مشكلاتنا هي أننا لا نملك حضارة الغرب ولكننا نعيش علي أبوابها كشحاذين. لأننا لا نملك.أو لا نعتقد اننا نملك حضارة سواها. يقول أقوام: بلي. إننا نملك هذه الحضارة. وأقول: أجل. نملك ولكنها حضارة ماض فقط. فنحن مغتربون. إما في ماضينا الذي نعجز عن وصله بالمستقبل. وإما في مستقبل ليس مستقبلنا "شكري عياد". ما كان في استطاعة غيرك أن يفعله. فلا تفعله. وما كان في استطاعة غيرك أن يقوله. فلا تقله. وما كان في استطاعة غيرك أن يكتبه. فلا تكتبه. وإنما تعلق في ذاتك بذلك العنصر الفريد الذي لا يتوفر لدي أحد غيرك. واخلق من نفسك - بصبر وأناة. وبتعجل ولهفة - ذلك الموجود الوحيد الذي هيهات لأحد غيرك أن يقوم بديلا فيه "اندريه جيد". الحاسة الفنية لا يكاد يخلو منها إنسان. وان تفاوتت قدرات الناس علي الانفعال بالفن. واختلفت قيمة الأعمال الفنية ذاتها بالنسبة لمقدرة الناس علي التذوق. ووعيهم الثقافي "حسين فوزي". لعل في الحكايات الشفوية. المكتوبة. يكمن تاريخ البشرية الحقيقي وربما كان بإمكاننا أن نقف من خلالها علي فحوي هذا التاريخ أو التكهن به في أقل تقدير وذلك بصرف النظر عما إذا كانت هذه الحكايات تعالج الماضي أو الحاضر "ايفو اندريتش". ان حريتي هي الدعامة الوحيدة للقيم. فليس ثمة شيء يمكن أن يلزمني بأن اتخذ هذه القيمة أو تلك "سارتر" لنأخذ نمط المعماري. لكن هناك معماري ومعماري. معماري يبني بيتا للسكن. علي حين ان مايكل رانج يبتدع قبة سان بيير. ان تبني معناه أن تطبق قواعد استخدام المواد الأولية وتلاحمها وفقا لخريطة معدة. ان تطبق الذكاء الحركي. لكن أن تبدع. معناه ان تسهم في قوة الطبيعة ذاتها. أي أن تنتج من خلال عبقرية موازية للعبقرية الأولي "تيبوديه". ان القاريء لا يقف موقفا سلبيا محضا بل يعيد من جديد بناء رؤيا أو مغامرة ابتداء من العلاقات المجمعة علي الصفحة. مستعينا هو أيضا بالمواد التي هي في متناول يده. أي ذاكرته. فيضيء الحلم الذي وصل إليه بطريقته هذه كل ما كان يغشاه من الإبهام. ان الإبداع ليس مهمة المبدع وحده. وإنما يجب أن يشاركه فيه القاريء لأنه وجه العملة الآخر. أوافق علي ان القاريء طرف في علاقة طرفها الآخر هو النص.
نحن نبدع النصوص حين نقرأها ونحن بالقراءة نقيم حياة النصوص أو نشهد علي موتها "ميشيل بوتور" حين سئل وليم ستايرن: هل يستمتع بالكتابة؟ أجاب: كلا بالقطع! نعم اني أشعر شعورا طيبا عندما أجيد لكن ذلك الشعور يتخلله الألم الذي أعانيه كلما شرعت - كل يوم - في الكتابة. بصراحة. ان الكتابة جحيم.
...........................................
*المساء ـ في 24/4/2010م.

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:10 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (1 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

محمد جبريل: روائي وقاص مصري. له مجموعات قصصية وروايات عديدة. رباعية بحري تتألف من أربع روايات هي: أبو العباس، وياقوت العرش، والبوصيري، وعلي تمراز. انظر التفاصيل في الهوامش في ختام البحث.
بحري: أحد الأحياء في مدينة الإسكندرية الساحلية.
ليس المكان الروائي حيزاً جغرافياً أو بعداً هندسياً مجرداً تقع فيه الأحداث. وتتحرك فيه الشخصيات بأسرها: النامية والمسطحة على حد سواء فحسب أو عنصراً ثانوياً زائداً في الرواية لا قيمة لوجوده، ولا وزن لحضوره، ولا دور لتأثيراته في العناصر الأخرى، بل هو ركن أساسي من أركان البناء، وعنصر حيوي فعال تزداد قيمة حضوره بتداخل عناصره معاً في علاقات جدلية فاعلة، وجزء لا يتجزأ من البنيان الفني الذي يصور بجلاء مدى امتلاك الروائي الفنان لأدوات التشكيل الفني، وقدرته على الخلق والتواصل والتجريب.
ويساهم المكان بحضوره الفني المميز في العمل الروائي، وبما يحمله من أبعاد سياسية تاريخية واجتماعية نفسية في خلق المعنى والدلالة، ورسم الشخصية وتحديد أبعادها، وإبراز الرؤية المعبرة عن موقف صاحبها من الكون والحياة والإنسان، "والحال أن المكان لا يعيش منعزلاً عن باقي عناصر السرد، وإنما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية، وعدم النظر إليه ضمن هذه العلاقات والصلات التي يقيمها يجعل من العسير فهم الدور النصي الذي ينهض به الفضاء الروائي داخل السرد" [1].
ويلعب المكان باشتراكه مع العناصر الروائية الأخرى دوراً أساسيا في البناء والتشكيل الروائي الخلاق الذي يدعم البنيان الفني وينهض به، وسواء أكان هذا المكان واقعياً حقيقياً أم تخيلياً مصنوعاً فإن قيمته تزداد أهمية بمدى قدرة الروائي نفسه على خلقه وتصويره والتعبير عنه أو به، وصياغته صياغة جديدة تؤكد دوره الفعال ووجوده الحي، إذ تعطي قدرة الكاتب على خلق المكان الروائي وصياغته "عمقاً للأحداث والشخصيات من خلال العلاقة الجدلية التي تربط بينه وبين عناصر النص الروائي، فكلما اقترب المكان من مركزية النص الروائي كان أكثر عمقاً وكثافة" [2].
ويشكل المكان الفني في أعمال جبريل [3] الروائية عالماً زاخراً ممتداً مؤثراً مفتوح الدلالات، متقاطع الدوائر، متشابك الخطوط له علاقاته وأبعاده اللامتناهية القابلة للقراءة والتشكيل على الدوام، يتداخل مع العناصر الروائية الأخرى، ويشارك في صنع الحدث وتطور الشخصية، وبلورة الرؤية، وإنتاج المعنى فيبدو بذلك "شأنه شأن أي عنصر من عناصر البناء الفني يتجدد عبر الممارسة الواعية للفنان، فهو ليس بناء خارجياً مرئياًَ ولا حيزاً محدد المساحة ولا تركيباً من غرف وأسيجة ونوافذ، بل هو كيان من الفعل المغيّر، والمحتوي على تاريخ ما والمضمخة أبعاده بتواريخ الضوء والظلمة" [4].
ويتخذ جبريل من المكان بؤرة مركزية وقاعدة محورية في السياق الروائي العام تشدّ بقية العناصر إلى بنيتها، وتوظفها لتكون رمزاًَ لما هو أبعد وأشمل وأرحب أفقاً، فالمكان عنده لا يوصف لذاته أي "لا يوصف لمجرد تأكيد القدرة على ذلك، المكان جزء عضوي في الرواية، خيوط في نسيجها، يضيف إلى دلالاتها وإيحاءاتها وصورتها الكلية" [5].
ومما لا شك فيه أن لكل مكان روائي مفرداته وسماته، ومقوماته وأبعاده، وخصائصه وتفاصيله الفنية التي تميّزه، وتعيد خلقه في صور جديدة تختلف عن واقعية وجوده في صلب العمل الفني الذي تشكله مفردات اللغة، وترسمه وسائلها التعبيرية، وتجسده أدواتها التخييلية، وتساهم في إعادة بنائه طاقاتها الإيحائية.
ويتفنن جبريل في تقديم صور المكان في أعماله الروائية المختلفة، موظفا كل طاقاته في تجسيدها وإعطائها دلالات جديدة قد تكون معادلاً موضوعياً لما يدور في واقعنا المعيش من قضايا وأحداث فتبرز بذلك مدى أهمية تشكيل المكان، وصياغة مفرداته، وتقديم صوره، وإخراج عناصره في فتح مغاليق النص، واستنطاق دلالاته بوصفه مفتاحاً رئيساً لا غنى عنه للولوج في عالم جبريل نفسه بما يحمل من رؤى وأبعاد.
ولا تدل جماليات المكان عند جبريل على الثبوت "بل تدل على جغرافية متحركة متقنة الرسم من قبل المبدع الذي ينقلك من حارة إلى حارة عبر أزقة وشوارع لها بعدها التاريخي والزماني، ولها هالة حضارية تتفاعل فيها عواملها الثقافية المختلفة من تاريخية وفنية وشخصانية لها من المجد العلمي والإنساني والسياسي والتاريخي والفني ما لها من قيمة تحيل القارئ إلى مرجعيات ثقافية لها خلفيتها المتوارية التي لا يمكن فتح شفراتها إلا بالعودة إليها في منابعها" [6].
حي بحـري: الرمـز والقضيّـة
يغدو "حي بحري" في معظم أعمال جبريل الروائية والقصصية على حد سواء المكان البطل، المتحرك الفاعل الذي يرتبط بالزمان فيحتوي الحدث، ويحرك الشخصية، وينهض بالمعنى، ويشكل الرؤية، وينتج اللغة، متحولا بديناميكية حركية دائبة من مجرد إطار تزيني للأحداث أو وعاء عام لها إلى عنصر مشارك فعال متعدد الملامح والظلال التي تهب العمل الفني خصوصيته.
و"حي بحري" بكل ما فيه في معظم أعمال جبريل الروائية شخصية محورية خاصة متميزة الأبعاد، متغايرة الملامح، متجاوزة الدلالات، سخية التعاملات، ثرية الصداقات، ديناميكية الحركات، درامية اللوحات، متباينة الأحداث، متنوعة الظروف، عريضة الخطوط، فنانة التعبير، كثيرة التفاصيل، متلاحمة العلاقات، حميمية الصلات، متغيرة التوجهات، موزعة الخبرات تشغل فكر جبريل فتصبح شغله الشاغل، وعشقه الدائب الذي لا ينفك عنه أبداً.
فـ "لبحري" الإسكندرية مذاق خاص، ونكهة خاصة، وذكريات محفورة في أخاديد الذات، وحكايات متغلغلة في الأعماق منذ الطفولة وإلى الآن، جعلت منه السيد البطل في معظم ما كتب، والوجد المكاني اللازم في قلب جبريل الذي يسكن القاهرة بجسده، ويحيا بكل حواسه ومشاعره في أرجاء بحري والسيالة والأنفوشي والعطارين والمينا الشرقية، ومقامات الأولياء الصالحين فيرسم صورها ببراعة وإتقان، ويشكل لوحات عشقه لها بفنية واقتدار زاخر القسمات والملامح والظلال والرؤى والألوان معبراً عن تلك الخصوصية المميزة بقوله: "بحري هو الاختيار الطبيعي، أعرف ناسه ومساجده وبيوته وميادينه وشوارعه وأزقته، أستدعي الذاكرة فترتسم بانوراما المكان بكل أبعادها ... أنا لا أستطيع أن أتصور شخصياتي إلا نادراً –في غير تلك المنطقة التي تبدأ بسرى رأس التين وتنتهي بنهاية شارع الميدان، عالم يفرض نفسه في كل ما اكتب" [7].
ويتجاوز المكان في أعمال جبريل الروائية أبعاده الجغرافية والهندسية المرسومة إلى أبعاد جديدة مؤثرة في بنية العمل الفني التي تصوغها قدرة الفنان، وتشكّلها الرؤية وتخرجها الموهبة الفذة في ذلك، فللمكان في معظم ما كتب جبريل شخصيته الخاصة، وإيقاعه المتميز، ورموزه الدالة، ومفرداته اللائقة وعاداته وتقاليده وطقوس حياته، وعلاقاته المتشابكة التي تثري النص وتعمقه، وتنطلق به ليكون صورة بانورامية كبرى لما هو أوسع وأعمق، لأنه عند جبريل "ليس هو الأرض والسقف والجدران، ولا الأثاث ولا السكان المحددين، المكان هو العالم أو القضية" [8].
والمكان في أعمال جبريل زاخر الأشياء، ممتلئ القسمات، متنوع الفضاءات، موزع الدلالات، متغير متحرك لا ساكن ثابت، واقعي حقيقي حيناً، وفني خيالي حيناً آخر، تارة نجده ممتداً مفتوحاً، وتارة نجده محددا مغلقا وهو في الحالين معاً مؤثر فيما حوله، ومتأثر بما حوله، ومعبر عن وجوده الحي الفاعل في بقية العناصر المختلفة –معنى ومبنى- التي يتشكل العمل الفني بين أقطابها مجتمعة.
ففي روايته الأولى الأسوار يصبح المكان رمزاً كبيرا لقضية كبيرة ممتدة هي قضية البحث الدائب عن الحرية والخلاص في عالم سلطوي يصادر الوجود الإنساني ويعطل القوى العاملة، ويثبّط الفعل الجاد، ويورث الحسرة والألم والغربة والانكسار الذي لا يفضي إلا إلى الخيبة وانعدام الحس والشعور.
فـ الأسوار زنزانتها وعنابرها، وأقفالها وأبوابها وبواباتها الحديدية، وقضبانها وجدرانها، ونمرها النحاسية، وطرقاتها الحادة، وتساؤلاتها الكثيرة، وتحقيقاتها الطويلة، ولياليها الصعبة صورة مكانية حية لعالم غامض الملامح، مغلق الأبواب، محاصر الوجود، يُحرم فيه المرء من ممارسة أبسط حقوقه في الشعور بحرية وجوده وهو يتعرض للسب والشتم والتعذيب والضغط والتحقيق، فيُختزل وجوده إلى مجرد رقم عددي لا يدل على هوية وجوده.
فهذا العالم المكاني سجن سياسي كبير يمثل الإشكالية القائمة بين المواطن والسلطة التي لا تقبل الرأي الآخر، ولا تؤمن بحرية الفكر والتعبير، ويعدّ مناقشة قضايا الوطن الأم أو مشاركة الشعب أولي الأمر في صنع القرارات وتنفيذها محاولة للثورة والتمرد وقلب نظام الحكم يستحق أصحابها –بها- الزج في أقبية التعذيب أو النفي بعد التعذيب المتواصل إلى ما وراء حدود الوجود.
ويقدّم جبريل بفنية واقتدار لغوي مميز صورة هذا المكان البطل الذي يُسهم في تطور الحدث، وتنامي الفعل، وتصعيد الرؤية التواقة إلى مفارقة عالم الأسوار المُطارد إلى عالم الحرية الأرحب والأشمل واصفاًَ:
الأسوار: بقعة في جزيرة رملية يحدها الأفق من كل الجوانب، لا خطوط تليفون، ولا قضبان قطارات، ولا طرق رملية أو مرصوفة... الأسوار -من بعيد- مدينة أسطورية. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجي، أبراج الحراسة في الأركان الأربعة، مجهزة بالأنوار الكاشفة والمدافع الرشاشة، الممنوعات –ما عدا التقاط الأنفاس- تشمل كل شيء" [9].
وتؤكد الرواية طبيعة هذا السجن السياسي الخاصة التي قد تختلف عن طبيعة السجن العادي في صور التعذيب التي يتعرض لها السجين السياسي، وأشكال الضغط النفسي، وألوان التشييء التي لا تعترف بوجود الشخصية ودورها ومراحل القهر الممتد منذ الدخول، وأنماط المفارقة الساخرة بين المعقول واللامعقول، والممكن والمستحيل فالأسوار في الرواية هي السجن الدائم لأولئك الذين ثاروا على الظلم، ورفضوا الذل والخنوع، وتمردوا على القواعد والقوانين، وحاولوا رفع صوتهم ضد الطغاة والمتسلطين، والبيت الكئيب الذي لم يدخلوه طوعاً، ولن يفارقوه مختارين، وربما لا سبيل من الانعتاق من أسره أبداً مهما كان حجم المتغيرات فيما بعد.
فها هو المأمور يوزع السجناء على العنابر ويقول بلهجة آمرة وفي عينيه نظرات غضب يطوف بها على وجوههم:
أنتم الآن هنا، لا تزيدون على أرقام، العالم الخارجي فترة من حياتكم لن تعود، خير أن تسقطوها من الحساب تماماً، ربما انتقل يوماً إلى وظيفة أخرى، ربما يذهب الحراس ويفد حراس آخرون. لكن المعتقل سيظل هو بيتكم الذي لا سبيل إلى مغادرته. إذا ما حاول أحدكم أن يرفع صوته أو يرفض الأوامر الصادرة إليه، سيلقى النهاية تحت إحدى العربات: لأننا مطالبون بتوفير الذخيرة [10].
وتتكرر بوضوح في رواية المينا الشرقية صورة هذا المكان المغلق الغامض الذي يحجب معرفة العالم الرحب، فيسد الدروب، ويعيق الاتصال، ويمنع التواصل مع ما يليه، ويقطع الشعور بالوجود، فيستحيل المرئي إلى اللامرئي، ويتلاشى الإحساس بطعم الحياة، ويتنامى الشعور بالاغتراب النفسي والضياع بين الجدران العارية المغلقة، فنطالع من جديد الأبواب الحديدية تفتح تارة، وتغلق تارة أخرى، يصحبها الصخب حيناً، ويعتريها السكون حيناً آخر, فتختلط المرئيات عندئذ وتتشابك ثم يحل الظلام في الحجرة المغلقة، والزنزانة المقيتة، والراوي يصف تجربة "محمد الأبيض" في السجن السياسي، وقد اُتّهم بالتآمر والتخريب دون دليل قائلاً:
كانت لحظات الراحة الوحيدة هي لحظات الذهاب إلى دورة المياه، لكنها لا تطول ولا تتكرر، مرة واحدة في النهار، وكان ينتظر شيئاً خارج الزنزانة المغلقة، يفتح الباب الحديدي، ويدخل مَنْ لا يعرفه، لعله آخر مَنْ سيراه ثم ينتهي كل شيء، لا قراءة ولا فسحة ولا زيارة ولا أي شيء، مجرد أن يظل في الغرفة المصمتة المظلمة، يستعيد ما جرى، ويحاول التوقع، ينفذ الأوامر دون وعي وبلا تدبير، لا يشعر أنه نفذ الفعل إلا بعد أن يتمه بالفعل ... أهم ما كان يثيره أنه لم يعد يعرف ما في الخارج، في البيت أو الشركة، لا أحداث ولا تاريخ ولا ذكريات ولا توقعات [11].
وينقلنا جبريل في أعماله الروائية الأخرى بقدراته الفنية وطاقاته التعبيرية، وإيحاءاته الرمزية من العوالم الضيقة المغلقة إلى الرحبة المفتوحة الممتدة التي يصبح فيها المكان- بكل ما فيه- قاعدة محورية في السياق الروائي، فتلح عليه في معظم ما كتب صور الحياة في "حي بحري" الذي يشهد ميلاده وطفولته وشبابه، فنسير معه في شارع إسماعيل صبري حيث ذكريات الطفولة والشباب، ونجلس معه في البيت الذي قضى فيه أجمل اللحظات، ونتعرف في تطوافه بنا في الشوارع والدروب والحارات إلى صورة الحي الشعبي الخاص، فنقف عند شاطئ الأنفوشي، نشم رائحة البحر، ونتذوق طعم الحياة الإسكندرانية ونحن في "قهاوي" السيالة ورأس التين، ونصلي في جوامع الأئمة، ونتبرك بمقامات الأولياء الصالحين، ونشاهد الموالد والجلوات، ونشارك في الأذكار، ونطالع طقوس الطرق الصوفية، ونتطوح في حلقاتهم، ونتمنى العودة إلى شقاوة الطفولة ونحن نرى بعض الأطفال يلعبون في حدائق الشلالات: أولها اسكندراني، والاستغماية وعنكب يا عنكب، والبلى والنحل والطائرات الورقية، ونتفرج من بعيد على فتوات الحي في إحدى معاركهم، ونرقص في الزفة الإسكندرانية المارة في حي العطارين ونعود ونحن على يقين بخصوصية هذا المكان، وخصوصية الحياة فيه وهو يصل بين عالمي: البر والبحر.
ويبدو "بحري" المكان الرئيسي الذي تتحرك فيه الشخصية، ويتنامى الحدث، وتنعكس في مرآته الرؤية الفكرية الخاصة بالكاتب في معظم أعمال جبريل الروائية: ففي قاضي البهار ينزل البحر لا يبتدع جبريل المكان ابتداعاً، ولا يخلقه خلقاً تخيلياً جديداً بل يحتفي به احتفاء واقعياً مميزاً فلا يذكر الكثير من أسماء الشوارع والدكاكين والمقاهي والبيوت الشعبية الإسكندرية ذكراً عابراً، ولا يمر به مروراً سطحياً بل يغمس قلمه في مداد وجودها واصفاً ملامحها وأبعادها ومحتوياتها وكأنه مصور فوتوغرافي معني بأدق التفاصيل، وجغرافي طبيعي مهتم بمختلف التضاريس وهو لا يفعل هذا بمعزل عن مكونات النص الروائي الأساسية الأخرى وإنما يؤكد وصفها العناصر السردية الثانية وتأثيرها في الشكل والمضمون.
ويرى قارئ تقارير الرائد صفوت في الموجة الأولى [12] من الرواية مدى احتفاء جبريل بالمكان، ودقة وصفه لصوره وأبعاده، وإسهابه الفني في رسم لوحاته، وتشكيل خطوطها، إذ نجده يتحدث في البدء عن مكونات الشقة رقم 2 في البيت رقم 1 بشارع أبي العباس المرسي، وأثاثها القديم، وشقق البيت المقابلة والمجاورة، ومشربياتها ونوافذها الصغيرة المتصلة المطلة على شارع الموازيني، ودكاكينه الشعبية، ثم ينتقل إلى الحديث عن مدرسة البوصيري الابتدائية التي درس فيها البطل "محمد العطار" المطلة على شوارع ثلاثة وفصولها، وكلية التجارة ومكتبتها، وإدارة التخليص بمصلحة الجمارك، وينتهي بالحديث عن "قهوة البوري" وروادها.
أما في الصهبة فالمكان وسيلة للبحث عن معنى جديد للعالم، معنى يجلو غموض الواقع، ويكشف أسراره، ويرسم سبيل الانعتاق من قيوده، فالبطل المأزوم، منصور، هو ابن الأنفوشي الإسكندري الذي اعتاد السير في شوارع السيالة ورأس التين، والوقوف عند شاطئ البحر، والمشاركة في الموالد والجلوات، والصلاة في جوامع الأئمة إلا أن الصهبة طقس شعبي جديد عليه لم يألفه من قبل على الرغم من اعتياده التردد على مواكب الصوفية، وموالد أولياء الحي، فيلقي نفسه فيه، ليصبح مكان الصهبة بذلك بعداً محورياً من أبعاد النص الروائي، وعنصراً رئيسياً في تنامي الحدث، وتصعيد خط سيره، وانفتاح دلالاته التعبيرية، ورمزاً كبيراً قابلاً للتأويل والقراءة بتجدد النظرة في هموم الواقع الحي وقضاياه إذ
بدا المكان –في الصهبة- بأنواره وزيناته وأعلامه وبيارقه والزحام الهائل غريباً عما ألفه في موالد أولياء الحي، تلاغطت وتداخلت الأدعية والابتهالات والأذكار، تطوحت الأجساد في حلقات متقاربة ومتباعدة، تزاحم الكثيرون على الأرصفة وفي مداخل البيوت والشرفات والنوافذ والشوارع الجانبية [13].
ويعمّق المكان في رواية النظر إلى أسفل شعور البطل المأزوم، شاكر المغربي، –المولود في حي العطارين بالإسكندرية –بالوحدة والغربة والانسحاق النفسي ولا سيما بعد غياب والديه، فتشقيه الوحدة، ويمضه الفراغ، ويتعبه الانتظار، ففي رمضان مثلا يصور لنا شعوره القاسي بجمود المكان وسلبيته وأثره في نفسه:
أعدّ الطعام، وأضعه على المائدة، وأنتظر صوت المدفع حتى لو لم أكن صائما يعمق من الوحشة حولي وفي داخلي: الصمت السادر، صوت الطعام في فمي، حركة الملعقة، أطل من نافذة شارع عبد المنعم، أتعجّل عودة الحياة إلى الدكاكين المغلقة والشوارع الخالية من المارة [14].
ويجسّم المكان المغلق "عزلة شاكر بمعناها النفسي لا الاجتماعي، فهو حاضر وسط الناس لكنه سيكولوجيا لا ينفتح عليهم، يحتفظ بسره لنفسه أو في نفسه" [15]. ويجد نفسه غريباً بينهم عندما لا تشغله الوجوه ولا ملامحها، بل يملك عليه السر الذي يستحيل البوح به نفسه فيلتقط ويلمح، ويتأمل الصنادل والشباشب والأقدام العارية ثم يغادر المكان حاملاً تفاصيل ما رآه إلى عالمه السري.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:11 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (2 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

ويشكل المكان في روايتي الشاطئ الآخر [16] و زمان الوصل [17] بعداً مؤثرا وهاماً في البناء الفني، ورمزاً فنياً دلالياً، مفتوح الرؤى، متداخل الدوائر يجسد بوضوح إشكالية "الأنا" و"الآخر" فبحري الإسكندري في الشاطئ الآخر يمتد ليلتقي بالشاطئ الأوروبي في علاقة جدلية مثيرة تؤكد أثر الأول في الثاني، وتأثير الثاني في الأول كذلك، أما في زمان الوصل فيظل لـ "بحري" مذاقه المتميز، ورائحته الخاصة وفضاءاته المتنوعة رغم البعد والاغتراب في بلاد اليونان، ويظل "بحري" الوطن الأم الذي لا بد من العودة إليه والارتماء في أحضانه وقد لف البطل الشوق، ومضه الحنين إلى معانقة صور المكان واحتضان ذكرياته، واستعادة وجوده فيه، والسير في شوارعه وحواريه، والتردد على مقاماته ودكاكينه، والوقوف عند شاطئه ومحاولة التعرف على وجوه الأشياء الجديدة.
وإذا كان المكان في "المينا الشرقية" هو الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمقاهي والكازينوهات والخليج والموازيني وشارع الميدان الذي يشعر فيه البطل بالقلق والخوف والمراقبة والمطاردة وتلاشي الأمان، وغياب الطمأنينة بوجود العين التي ترصد، وتلاحق وتراقب، وتتتبع وتسجل وتنقل فإنه في نجم وحيد في الأفق [18] الرمز الفني المعبر عن اعتلال الروح وأزمتها الباحثة عن مخرج وخلاص في رحلة دائبة تجاه الأمان "الأصل" الذي شهد البداية، ولا بد من العودة إليه في النهاية.
ويجعل جبريل من حي بحري في رباعيته [19]: السيد البطل بشوارعه وحاراته ودروبه وزقاقه، وبيوتاته ودكاكينه، ومقاهيه، ومساجده ومقاماته، ومجالسه وحلقاته، وموروثه الديني والشعبي وتاريخه السياسي، ومفرداته الأدبية، وعلاقاته الفنية، وشخصياته الروائية، وعاداته وتقاليده وطقوسه، وعوالم بحره الأسطورية والواقعية ومواويل صياديه، وأغنيات أهله، وبانوراما حياته البرمائية، فلا يعبر في أجزاء الرباعية كلها – التي سماها إشارة إلى أهمية المكان الذي نشأ فيه وترعرع في أحضان بيئته الشعبية "حي بحري" ثم سمى كل جزء فيها باسم ولي من أولياء الله الصالحين في تأكيد واضح لأثر هؤلاء الأولياء في اعتقاد الناس – عن أبعاد المكان الجغرافية التي تبدأ بما يلي ميدان المنشية، وتمر بشوارع وحواري الموازيني والسيالة، وتنتهي بسراي راس التين، بل يعبر عن حيوية المكان بأبعاده السياسية والاجتماعية ودلالاته النفسية والفكرية وعلاقاته الجدلية المتبادلة مع عناصره الفنية الزمانية واللغوية.
والحياة في "بحري" تمور بالحركة، وتعجّ بالتراث الشعبي المنوع، وتزخر بالتفاصيل، وتحفل بالروحانيات الصوفية، وتبدو بقلم جبريل لوحات فنية تشكيلية ممتدة في الفن والواقع، مرتبطة الوشائج، متصلة العناصر، وثيقة الصلات، متمازجة الخطوط، متكثرة المعالم، ففيها نتجول في شوارع بحري، ونتسامر في مقاهيها، ونرتاد دكاكينها، وتقودنا خطانا إلى عالم البحر فنتابع ما يكون في حلقة السمك، ونشهد صراع المرء مع السيد البحر، ونلمس أثر ولاء الناس لأولياء الله الصالحين، وتمرغهم في مقاماتهم، وجلوسهم في ساحاتهم، وشكاياتهم لهم، وتبركاتهم بهم، ونتذوق طعم الحكايات الشعبية، وندرك إيمان الناس بالطب الشعبي والرُقى والتعاويذ والأحجبة على الصدور، والوصفات "البلدي"، والزار والعفاريت ونستمع بكل حب إلى الأغنيات الشعبية والأساطير الغريبة، والمواويل الإسكندرانية، ونغمض أعيننا في بيوتاته لنحلم بما قد يحلم به أهله من أحلام تعمق الإحساس بالجو الشعبي الزاخر أثناء القراءة والمتابعة في الأجزاء الأربعة مجتمعة.
وتزخر البيئة الشعبية بالأفكار والمعتقدات الشعبية التي يقدمها جبريل في لوحات رباعيته بلغة وصفية دقيقة تدل على خبرة ومعرفة شاملة ودقيقة تعبر عن محتوى آخر دلالي يميز المكان الشعبي ويجعله متفردا عن غيره في إيمانه بالغيبيات اللامنظورة، والمعتقدات الشعبية الغريبة في الطب الشعبي والعلاج الروحاني، فها هي "أنسية" المعذبة بتكرار الحمل والإجهاض، وتبدد حلم الإنجاب تلجأ إلى الروحانيات الشعبية في فصل "في انتظار ما لا يجيء" وقد
داخت من اللف على الحكيمات والمستشفيات والمشايخ والمقامات والأضرحة، كنست مقامات أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وخضر ونصر الدين، وزعت ما أخذته بنثره على جسمها وفي طست الحمام، لجأت إلى ضاربي الرمل وقارعي الودع، ومفسري الأحلام والأحجبة والقواقع والأصداف. واستعملت الدهانات والسفوف، اختلطت في أنفها روائح القرفة والزنجبيل والخلنجات وتين الغليل وعرق الجناح وحبة البركة وعود القرع والفانيليا [20].
وهي من فرط رغبتها في الولد تحلم حلماً يجد فيه زوجها أن الفرج قريب، فقد زارها في المنام رجل لا تعرفه وإن لم يبدُ غريباً عنها "يرتدي عباءة بيضاء ويضع على رأسه عمامة بيضاء، ويدس قدميه في خف أبيض" [21] يبشرها بالخير قائلا: "ربنا يعمل ما فيه الخير".
وها هي أم مهجة تبحث عن خلاص ابنتها من صمتها الحزين، ومعاناتها الكئيبة مع حبيبها هشام الذي سرت الإشاعة بين الناس بأنه أخوها في الرضاعة، فتزور الكودية مؤمنة بالأسياد والعفاريت والأرواح الشريرة والزار والحسد، متأثرة بأجواء الأحياء الشعبية ومعتقداتها في ذلك.
أصرت، فبدل عباس الخوالقة بلاط البسطة أمام باب الشقة، ربما السبب عمل يرقد تحت بلاطات البسطة، نصحت الكودية نظلة بزار، ما تعانيه مهجة ليس مرضا تعالجه الأدوية أو الأعشاب هذه أفعال الأسياد، فلن يبتعدوا إلا بزار.
بدأت بإحراق ما التقطته يدا محمود من النفايات المتكومة أمام البيتين الملاصقين والبيوت المواجهة، اشترى من سوق الدقاقين قطع الشبة وقصاصات الورق والملح والفكوك والبخور.
أغمضت عينيها تتذكر بقية الخطوات، رفعت كتفي مهجة من صدرها، دلكت جبهتها بالشبة والفاسوخ سبع مرات، قصت الأوراق على هيئة عروسة وخزتها بإبرة في العينين والرأس والجسد طرداً لأعين الحساد [22].
ويتفنن جبريل في معظم لوحات الرباعية في أساليب تقديم المكان والتعبير عنه موظفا طاقاته الفنية وقدراته التعبيرية، ومهاراته التشكيلية في خلق صوره، وتشكيل واقعه وتحريك مشاهده ووصف لوحاته، وسرد حكاياته، وتصوير عاداته وتقاليده، وتجسيد رؤيته بما يتناسب وطبيعة المكان الحي وأبعاده المحسوسة فيبدو شديد الدقة في رسم حدود المكان، وتحديد أبعاده الظاهرة وكأنه يلتقط صوراً حقيقية فعليّة للمكان نفسه بعدسة الفنانة اللاقطة، ففي فصل "الاستغراق" يفرض المكان نفسه على اللوحة فيغدو بطلها الرئيس، ومحورها المركزي في وصف جبريل الدقيق الذي يمسك بالصورة الكلية للمكان بكل تفاصيله ودقائقه.
تفتح النافذة..
تطالعك الميناء الشرقية باتساعها في مدى الأفق يقابلها سوق الكورنيش، يميل من أول الشاطئ إلى شواطئ أخرى حتى المنتزه، ومن انحناءة الترام عند حلقة السمك إلى الأنفوشي وراس التين، حدوة الحصان الهائلة، طرفاها من اليمين مبنى السلسلة ومن الشمال قلعة قايتباي يصل بينهما لسان حجري غير مكتمل، يصد الأمواج، وتأذن فتحته بدخول السفن وخروجها، لا سفن ضخمة للركاب، ولا سفن حربية، بلانسات ولواتس وفلايك ودناجل، تدخل الميناء الشرقية ثم تخرج إلى عرض البحر أو ترسو في الركن القريب من متحف الأحياء المائية والقلعة، تستقر نظراتك على المنتصف تماماً يصعب تحديد المساحة، فهي مياه يتصورها الخيال ميادين وشوارع وبيوتاً وحدائق مثل الإسكندرية تماماً وإن اختلف ناسها عن ناس الإسكندرية [23].
وتستوقفنا في معظم أعمال جبريل الروائية في حي بحري الشعبي صورتي المقهى الشعبي والبحر الممتد ومحتواهما الدلالي، وأبعادهما النصية الجمالية، ومعانيهما العديدة، وأثرهما في حياة الآخرين، ومدى انفتاحهما للآخر في علاقتهما الزمانية والمكانية، وتنامي وجودهما في بناء عضوي واحد متصل لا منفصل.
المقـهى الشـعبـيّ
يعدّ المقهى الشعبي في "بحري" مكاناً جمالياً مطروقاً، له تاريخه العام والخاص وبناؤه المميز، وجمالياته وملامحه واتجاهاته وعلاقاته وخصوصياته الفنية التي تشعرك بالألفة والانسجام، يقودك إليه جبريل لتلتقي بمن تريد، تجلس إلى بعضهم، وتشرب الشاي أو القهوة معهم، تحدثهم ويحدثونك، تشكو لهم ويسمعونك، تناقشهم ويحاورونك، تتفقون حيناً، وتختلفون حيناً آخر ويطول السهر، وتخرج منه لتعود إليه في الوقت نفسه الذي تعلم بوجودهم فيه لتبدأ المناقشات والسؤالات والمشاورات من جديد وكأنها سنة متبعة.
ويصبح المقهى بذلك بؤرة ضرورية تدعم الحكي وتنهض به، وتلف الحدث أو تومئ له، وتمهد للفعل، وتحرك الراكد وتستفز الساكن وتنطلق به إلى الآخر، وتفصح عن الرؤية والموقف ووجهة النظر، وتحيل إلى الحس والشعور، وتشير إلى التحول والتغيير، وتساير الواقع الإنساني في ديناميكيته الدائبة المتغيرة على الدوام.
ويحتفي جبريل بالمقهى الشعبي احتفاء كبيراً، يصوره ويحدده، ويعرّف به، وبوجوه تغيره عبر الزمن، وتباين أدواره، ومدى تأثيره في الناس وتأثرهم بوجوده وهو الجامع لفئات مختلفة وشرائح اجتماعية متباينة الرؤية، مختلفة الطباع، متنوعة المشارب.
ففي رواية قاضي البهار ينزل البحر يسهب جبريل في تصوير "القهوة" المكان الذي يتردد عليه البطل المطارد، محمد العطار، فيجيء في تقرير الرائد صفوت:
للقهوة باب واحد كبير، ست ضلف ضمت إلى بعضها من زمن يشي بذلك التراب وخيوط العنكبوت التي وصلت إليها بينها، وكراسيها تبلغ الثلاثين وربما أقل. صفت حول ثماني ترابيزات من الرخام المستند إلى أعمدة حديدية رفيعة.
في مواجهة المدخل "نصبة" صف عليها الموقد وغلاية الماء وأباريق الشاي والكنكات والأكواب وعلى الحائط برطمانات مغلقة وماشات وجوز وشيش، وفي الجانب ثلاجة من الخشب المبطن بالألومنيوم للمياه الغازية وألواح الثلج [24].
ومعظم رواد القهوة في الرواية من عمال الموانئ والجمارك والشيالين وصغار الموظفين المعروفين بدوام ترددهم على المكان لشرب الشاي والقهوة وتدخين الجوزة، ولعب الدومينو والكوتشينة والنرد، والمشاركة في الأحاديث التي يتبادلها الجميع ولذا فإن أي غريب عنهم يرتاد المكان يكون معروفاً لديهم.
وارتياد البطل المقهى وجلوسه فيه، وتردده عليه، ومشاركة مَنْ فيه الحديث: يثير شكوك رجالات السلطة الذين يلاحقون "البطل" بتهمة لا أساس لها ولا دليل عليها فتتوالى التقارير عن تردده على قهوة "فاروق" التي تقع كما ورد في تقرير الملازم أول عبده الدسوقي
في ناصية شارعي إسماعيل صبري ومحمد كريم يفصلها شارع صغير عن قهوة المطري على ناحية شارع الكورنيش يقابلها دكان حلواني متعدد الأبواب. روادها أخلاط من المهن والأعمار يجمعهم السكنى في شارع إسماعيل صبري والشوارع القريبة، وربما قدموا من المنشية أو اللبان أو العطارين لمجالسة أصدقاء في القهوة [25].
وتشي تحريات رجال الأمن وبيانات تقاريرهم حول تردد البطل على القهوة، وتبادله مع رواد القهوة الأحاديث وقراءة الصحف بأهمية المكان وأثره في الكشف عن ملامح الشخصية وصفاتها واتجاهاتها وأساليب حياتها المحصورة في دوائر مكانية مخصوصة لا يغادرها تتمثل في البيت ودائرة العمل والزاوية والقهوة فيصبح البطل محاسباً على قراءاته وكلماته وحواراته ومناقشاته ومداخلاته في القهوة وبين أصدقائه وزملائه.
ويثير تردد البطل "محمد العطار قاضي البهار" على قهوة "البوري" دون غيرها من قهاوي الموازيني ورأس التين سؤالات كبيرة في أذهان المحققين تؤكد لهم شك الإدارة الأمنية العليا في تصرفات وسلوكات، ومواقف البطل المناوئة للنظام السياسي القائم، وتكلّفهم محاولات الإجابة عنها وفهم دلالاتها وكشف المستور منها وتجلية الغامض فيها اقتحام القهوة، وإفراغ محتوياتها، والقبض على روادها، وإلحاق الأذى بهم واحداً واحدا، ومحاصرتهم بالأسئلة حول البطل، وتهديدهم بتوالي سلسلة الضرب والشتم والركل والتعذيب إن لم يعترفوا على البطل بما ليس فيه من التهم الملفقة عليه - عندما لم يعجبهم تأكيد الجميع طبيعة البطل الهادئة، وميله إلى الصمت واكتفائه بشرب الشاي وامتناعه عن اللعب والتدخين، ومشاركته العادية فيما يدور من مناقشات.
وبهذا لا يعد المقهى مكاناً ثانوياً لا قيمة لوجوده، ولا أثر لنشاطه، ولا وزن لدوره، ولا أهمية لعلاقاته، بل يصبح مكونا رئيسا من مكونات الرؤية الكلية يتأثر بها ويؤثر فيها، ويأخذ أبعاداً عميقة في التشكيل والبناء والتجسيد والإيحاء.
ويشعر البطل، منصور سطوحي، في رواية الصهبة بأهمية المقهى ودفء الوجود فيه فيتردد عليه ويجلس إلى رواده مثلما كان يفعل والده من قبل يناقش ويحادث ويقطع وأصحابه ساعات الليل الطويل بالمناقشات التي لا تنتهي، فيبدو المكان متحركاً لا جامداً، وناطقاً لا ساكناً، وحميمياً أليفاً لا غريبا مزعجاً، ومفتوحا لا مغلقا بما لا يتناهى من الأحاديث.
فها هو منصور يمضي إلى المقهى، فيتعرف إلى أصحاب أبيه، وجلساتهم المعتادة ومناقشاتهم الممتدة وأحاديثهم التي لا تنتهي وقد "استقبله دفء المكان ودخان السجائر، والبواري وأصوات النرد والنداءات ولغط الكلام" [26]. ويلتقي ببدر المنشاوي، وجابر محجوب وغيرهما، ويتحدثون فتشده أحاديثهم حول طقس الصهبة الشعبي: المرأة التي يشق عليها الإنجاب، والمزاد، ورفع النقاب والحفل والأدعية والدفوف، فيتنامى في داخله فضول المشاهدة فيمضي إلى مكان الصهبة وفي خاطره أحاديث المقهى حول طقوسها إلى أن يذوب فيها ممسكاً باللحظة الحاضرة وقد التصق بالمرأة وسار بها، منشغلاً بها عن سواها، ناسيا كل الاحاديث، متناسيا تفاصيل الحكاية التي سمعها في أحاديث رواد المقهى من قبل ليصبح مطارداً من الوهم، محاصراً من الشعور بالمراقبة في اليقظة والمنام، وليعود إلى المكان نفسه فيشعر بغربته عنه وتغيره عليه رغم ألفته له من قبل تأثرا بما عاشه في "الصهبة" بين الواقع والخيال، فقد
بدا له المقهى منذ قدم للمرة الأولى إليه عالماً مغايراً. أعاد النظر حوله: أفندية وعمال وصيادون وسائقو تاكسي وكارو وباعة يانصيب ومحاسيب لأولياء الله من ساكني الحي وحاملو مجامير وسماسرة وشيالون، ووجوه تنطق بالطيبة وأخرى تشي بالتخابث وبدل قديمة وجلابيب وسيلات. أدرك أن المقهى ليس مقصوراً على من ألِفَ رؤيتهم ومجالستهم، إنما هو مفتوح لكل مَنْ يتردد عليه حتى تجار المخدرات والقوادين والبلطجية [27].
(يتبع)

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:12 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (3 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

وإذا كانت أحاديث المقهى الشعبية في الصهبة هي بداية الفعل المحركة للشخصية الدافعة له إلى خوض غمار الممكن المستحيل في آن معاً، الرامزة إلى دلالات رؤيوية كبرى رغم شعبيتها فإنها في رواية النظر إلى أسفل متعددة متشابكة متلاحمة تتضافر مع بعديها الزماني والمكاني لتنسج خيوط الرواية الفنية ورغم انفتاحها تعمق إحساس البطل المأزوم، شاكر المغربي، بالعزلة والوحدة والفراغ، وتؤكد لأصدقائه الذين يجلسون بجواره شروده وانشغاله عنها بما لا يعلمون به وهو السر المؤلم الذي يحمله في داخله، ويسير به وحيداً منعزلاً خشية أن يصبح مكشوفاً مفضوحاً.
فيزيد المقهى بمن فيه من شعور البطل بعزلته ومعاناته الاجتماعية واستسلامه لعقدته الجنسية النفسية، فهو عندهم بجسده ولكن روحه متعلقة في جزيرة سره السادرة، فرواد مقهى بورصة النيل المطل على شارعي العطارين وعبد المنعم يتحدثون ويناقشون فيشاركهم أحياناً "بآراء لا يضيق بها أحد لمجرد التحدث وإظهار المشاركة" [28] ويلازم هذا الشعور البطل رغم عشقه للمكان وعودته إليه مرة تلو الأخرى كما يبدو في وصفه هذا:
أحرص على جلسات المساء في بورصة النيل، أجلس على كرسي بالذات، خلف الترابيزة القريبة من المدخل، استند إلى الجدار، وأواجه شارع عبد المنعم الممتد أمامي، لا أحب تغيير المكان.
قال لي عماد –ذات يوم- مداعباً:
هل اشتريته؟
قلت: الكرسي أو المكان؟
الاثنين.
أعدت إليه السؤال: ماذا ترى أنت؟
كنتُ أتابع المناقشات، أشارك بقدر ما تواتيني جرأتي، ربما مضت الجلسات فلا أدلي برأيي أو أعقب، يشغلني الوافد الذي يأتي في هذه الأيام، يمتد بأيام الصيف كلّها، أتسلل بالنظرات إلى أسفل الصنادل والشباشب والأحذية المفتوحة، لا تشغلني الوجوه ولا ملامحها، تبدو النظرات كأنها السهوم أو التحديق في اللاشيء، أوكد الأمر بالاعتذار بالشرود عن المتابعة [29].
وتعج رواية المكان "رباعية بحري" بصور هذا المكان الحي بفنية واقتدار بارع التشكيل، غني المعاني، متشابك الألوان، متداخل الظلال في لغة وصفية شعرية دقيقة تحبب إليك المكان وتقرّب منك الرؤية، وترسم لك لوحات الاتصال الإنساني الفاعل في مقاهي شارع العطارين والموازيني، وراس التين ولا سيما بين رواد قهوة المعلم كشك وقهوة مخيمخ الذين يترددون عليها لقضاء الوقت، والمودة والمؤانسة بالأحاديث التي لا تنتهي والسؤالات والتوقعات والتعليقات والمناقشات الممتدة.
والرباعية بحق لوحات بانورامية كبرى، اتصلت خيوط مكانها بخطوط الزمن، فتساوقت في نسيج متكامل أضفى على دلالتها وإيحاءاتها الكثير، وأضاء صورها الكلية ونقلها من عوالم السكون الثابت إلى عوالم الحركة والتنقل المتغير، فغدت الرواية المكان بكل دقائقه وتفصيلاته وملامحه، وأبعاده بدءاً من حدود أرصفته ونوافذ بيوتاته مروراً بشوارعه ودكاكينه ومقاهيه وأكشاكه وحلقاته ومجالسه وانتهاءً بمقاماته وجوامعه وموانيه وآفاقه البعيدة.
ويبدو هذا جليا في كل صفحة من صفحات الرباعية "ولو تتبعنا الرواية كلها بأقسامها الأربعة لرأينا احتفاء الكاتب بالمكان سمة يتكئ عليها في الصياغة فالمكان منطقة جذب لأبطاله وللقارئ أيضا، هو يحدثك عن المكان، ولا يمل الحديث حتى يجعلك شديد القرب منه أو أنك مقيم فيه، وبذلك حقق الكاتب صلة حميمة بين القارئ وبين بحري، فخلق نوعاً من المعايشة في المكان وعقد صلة وثيقة به، مما يجعلنا نألف المكان الذي يألف" [30].
البـحـر
البحر عالم زاخر مفتوح له إيقاعه الفني الخاص، وملامحه المميزة، وعلاماته الحضارية، ومفاتيحه الرامزة، وأبعاده المؤثرة، وحركاته اللامتناهية، وأعماقه السحيقة وعلاقاته الممتدة، وأنواؤه وعواصفه العاتية، وأمواجه المتقلبة، وأحواله المتغيرة دوماً، وناسه العاديون وأهله البسطاء وأشواقه وحنينه وأساطيره وحكاياته الشعبية، ومواويله وأغانيه، وصوره وفضاءاته التي تشكل مجتمعة صورة "بحري" الميلاد والطفولة والشباب.
ويبدو البحر في أعمال جبريل الروائية عالماً واسعاً جميلاً وشاقاً يحفل بالكثير ويجمع بين المتناقضات التي لا حصر لها، ويغدو بؤرة مركزية رئيسة تلتقي عندها أو فيها الشخصيات: تواجه قدرها ومصيرها المحتوم وتبحث عن المخرج والخلاص مما تعانيه أو تشد الرحال إلى البعيد المأمول أو تصارع الواقع الكائن أو تخوض غمار المستحيل أملاً في الحلم بالممكن.
ويبعث البحر الأحداث ويحرّكها ويؤثر في خط سيرها عندما يكون السيد البطل المؤثر والمتأثر حوله أو بما حوله: بواقعيته وفنيته، وجبروته، وقوته، وألغازه وأساطيره، وآماله وأحلامه، وهدوئه وصخبه، وبحارته وعماله، وسفنه ورحلاته، يحفل به جبريل فيقدمه بلغة شاعرية شفافة، ويصوره بحميمية وحب، وشوق وحنين، ويعيد صوغ مفرداته وتشكيل لوحاته من جديد في خيوط ممتدة منسجمة تجمع بين الأسطورة والخيال، وتربط بين الفن والحياة في ثنائيات مشتركة تكاد أن تكون حلقة جديدة طريفة في سلسلة أدب البحر العربي.
ففي البحر يجد بطل رواية قاضي البهار ينزل البحر الحرية والخلاص والراحة والأمان فينزل فيه مختاراً، متحرراً من كل القيود والحواجز، متحديا كل الحدود التي حالت بينه وحريته من قبل وقد مل الشعور بالمطاردة، والإحساس بالخوف والمراقبة، والقلق من المجهول.
نزل البحر. أسلم نفسه لأمواجه التي لم تكن عالية ولم تكن كذلك هادئة... وعلت الأمواج ومضت أزمان وأزمان وتوالى المد والجزر، وابتعدت أسراب النورس، وأكل رذاذ الملح واجهات البيوت على امتداد الشاطئ، وهدأ وجه البحر تماماً، وسكنت ملامحه وغاب قاضي البهار. فقط ثيابه ظلت في مكانها حتى تهرأت [31].
فالبحر عنده هو المكان الوحيد الذي نجح في الفرار إليه، ممسكاً بحرية وجوده، جاعلاً أمر غيابه –في أعماقه- دليل حضوره لا غيابه، تؤكد هذا الابتسامة الغامضة المحيرة كلما ثار السؤال حول غرقه وفشل قوى السلطة في العثور على جثته.
أما في الرباعية فأنت لا تستطيع أن تذكر بحري دون أن تصله بالبحر وتعبّر عنه به، فهو القوة القاهرة، والأسطورة الغامضة، والفضاء المفتوح الذي يشدك إلى نقطة المركز لتمسك بما يدور في الأطراف مؤثرا فيها حيناً ومتأثرا بها حيناً آخر، هو الثيمة الفاعلة في الحدث ومجراه، المحركة لسكونه، المنسّقة لإيقاعه، المنتظمة لعناصره الفنية الأخرى.
ويبدع جبريل في أجزاء الرباعية كلها في تصوير عالم البحر والمراكب والصيد وحلقة السمك والمزادات والفلايك والبلانسات والدناجل والقوارب الصغيرة، وشريط السواحل الضيقة، وأسراب السمان والنورس والنوات، وصيادو الإسفنج والمساومات والأكواب المترعة بدم الترسة وروائح الأسماك، والقوارب والطراحة والسنارات والحبال والأشرعة والرياح والأمواج وعرائس البحر.
فها هو قاسم الغرياني في الجزء الأول من الرباعية يستشعر الفرق الكبير بين عالم الصحراء الممتد وعالم البحر المفتوح الذي يتجاوز احتضان الأحداث وتأطيرها، ليتغلغل في كامل العناصر الفنية التي يتشكل منها البناء الروائي في ديناميكية جمالية ثرية تتسق مع حركة الشخصية في قلب الزمان، فالبحر عنده رغم غموضه قوة وطاقة وحياة وحركة دائبة وجرأة ومواجهة قائلاً:
لسنوات عملتُ جندياً في سلاح الحدود، كرهت الصحراء، سكونها، جمودها، امتدادها إلى خواء، الصحراء تبدأ رمالاً وتنتهي كما بدأت، بقدر ما كرهت الصحراء أحببت البحر، البحر نعرف أوله ولا نعرف آخره، نرى سطحه ولا نعرف ماذا في قاعه. حياة البحر لا تعرف الانطواء وأخذ الجانب، لا بد أن تصادق، تحادث، تسأل وتجيب، تبدي الدهشة والفرحة والأمل، تكشف ما بداخلك حتى لو كنت ذات طبيعة كتومة، البحر يفرض المصارحة، يفرض الجرأة والشجاعة أيضا، بمجرد الخروج إلى عرض البحر، أنت تواجه المجهول الأسماك الشرسة والنوات والأمواج العالية، وتمزقات الأشرعة وأعطال الآلات والدوار والبرد القارص والشمس اللاهبة [32].
وإذا كان البحر عند قاسم حياة لها طعمها الخاص، ومذاقها المميز، وإيقاعها المغاير لإيقاع الحياة على اليابسة فإنه عند مختار زعبلة الصداقة الحقة، والحرية المطلقة، والحب الأبدي، والحنين الجارف، والحياة بعينها التي لا يقبل بديلاً عنها أبداً، فهو كالنورس ربما يبتعد عن البحر قليلا لكنه لا يبتعد عنه إطلاقاً، لأنه وجوده وقوامه كما يصرح بذلك بحماسة رداً على قاسم: "البحر هو أنا" [33] مؤكداً أن لا وجود له إلا في عالم البحر الزاخر، فـ
صداقة البحر ليست ككل الصداقات، مَنْ يعمل في البحر، يتسرب حبه إلى دمه، لا يقوى على الابتعاد عنه، يظل في خاطره حتى يعود إليه.
قال: إذا خرجت السمكة من الماء، فماذا يحدث لها؟
قال حمودة هلول: تموت.
قال مختار زعبلة: هكذا أنا، ابتعادي عن البحر معناه الموت" [34]
لأنه يشعر أنه سيد نفسه الحر وهو في وسطه بعيداً عن سلطة الحاج قنديل وغيره، ونراه من فرط حبه يرسم على ذراعه وشماً للسمكة التي ترمز إلى الخير والرخاء.
ويبدو شيخ البحر العجوز "الجد السخاوي" في رباعية بحري –كعجوز بحر آرنست همنجواي- خبيراً بمعنى الحياة في هذا العالم المتقلب المتغير الذي لا يكف عن الحركة والاضطراب، مدركا أسراره، حذراً من تقلباته، واعياً بأحواله، فقد رافقه منذ زمن، امتحن صبره فيه وجلده على أخطاره، وقدرته على مواجهة نواته فأصبح المورد السخي في حكاياته واتجاهاته وأبعاده ولوحاته
يجيد التنبؤ بأحوال البحر، تيارات المد والجزر، وارتفاع الموجة، وسرعة الرياح، والنوات وسحب الأمطـار، وحرارة المياه، وكمية الرطوبة والضوء، ومواعيد السفر ومناطق الوفرة والجدب، والتطلع بفهم إلى الأفق [35].
ويظل البحر رمزاً مفتوح الدلالة، غير متناهي الأسرار، واسع المدى، زاخر الرؤى، متشابك الخطوط، منوع الأشياء، ولغزاً محيراً يدهش بعظمته مَنْ يقف أمامه، ويبهر من يخوض غماره جبروته، فيشده إلى كنه أسراره العميقة، ملقياً به في وجه المجهول، ليتعلم الجرأة والشجاعة والقوة والمهابة والمواجهة والصبر والمجاهدة شيئا فشيئاً في عالم يمور بالحركة، ويعج بالمتناقضات إذ يسافر بطل رواية نجم وحيد في الأفق في رحلة بحرية صعبة يحتمل فيها ما يحتمل من أجل لقاء نجمه الذي به خلاصه من الشعور بالملل الذي يحتويه والخـوف الذي يلفه ، والقلق الذي يغمره، وينغص عليه حياته.
والبحر في هذه الرواية طريق الخلاص، وجسر السكينة، وسبيل الراحة، ومحاولة الخروج من شرنقة الحياة الرتيبة إلى عالم الحياة الموّار الفاعل الذي لا تظل فيه الأشياء جامدة ساكنة بل تتحرك بحركة دائبة غير متوقفة أبداً فها هو بطلنا المأزوم والمعتل روحياً يتردد على المكان،
يجلس على الكورنيش الحجري يتطلع إلى أفق البحر، يحاول أن يفسر أسراره يدلي قدميه الحافيتين في الفراغ، يلتذ برذاذ الأمواج المتطاير، يرقب البلانسات والفلايك والطيور وغازلي الشبك وهم يسدون الثقوب في الغزل المتآكل. مجرد الجلوس بلا عمل، يهبه الإحساس بهدوء وسكينة [36].
كانت علاقة البطل بالبحر مع أنه ابن "بحري" عادية يكتفي فيها بالوقوف أو الجلوس على الشاطئ، يتأمل صيد السنارة والطراحة والجرافة أو يراقب أسراب النوارس تهبط على الأمواج، تلتقط بمناقيرها الأسماك المتقافزة وتعلو من جديد، ولكن بعد أن ملكت فكرة الرحلة عليه نفسه بحثاً عن خلاص لعلّته الروحية تعلّم على يد الكابتن كل شيء عن البحر: طرق الإبحار والغوص، ووسائل الصيد ومواسمه، ومواعيد الأنواء، وأنواع الأسماك والنوارس والطيور، وألفاظ البحارة والصيادين، والدوامات المتلاحقة، والتيارات الجاذبة والغرائب والخوارق والحكايات.
والكابتن رجل أمضى معظم حياته في البحر، بل "هو البحر نفسه" [37] يعرف الكثير عن البحار والمحيطات والأعماق وأسرارها المثيرة، وحكاياتها العتيدة، البحر حياته، وحياته البحر، والبحر عنده صديق ينبغي أن نظل يقظين عند التعامل معه، حذرين في التسليم له. وينقل الراوي لنا رأيه في البحر قائلاً:
البحر ليس هو السطح. هو الأعماق، عالم لا يقل صخباً عن عالم الأرض. وقطب حاجبيه:
"عدم رؤيتنا لما تحت الماء لا يعني أنه غير موجود."
ومطّ صوته ربما ليؤكد المعنى:
البحر صديقنا، نركبه ونصطاد منه، ونسبح فيه، لكن صداقته غير مضمونة، إنه مثل الأسد الذي اطمأن إليه مربيه، ثم تبين غدره بعد فوات الأوان [38].
والكابتن الخبير بعالم النوات والدوامات والتيارات، ومواعيد المد والجزر وحركة الطيور، تعلم الكثير من أسرار البحر التي ما تزال غامضة لا نهاية لها، يحب البحر ويذوب فيه حبا وخوفاً في الآن نفسه، فهو عنده كـ "الأب نحبه ونخشاه" [39]، وكالمعلم الذي يسأله ويناقشه ويتعلم منه أسرار الحياة، وهو "عالم آخر، دنيا أخرى لها جغرافيتها وتضاريسها وحياتها" [40].
وللبحر عالمه الخاص، وإيقاعه المميز، وقصصه الغريبة، وأساطيره العجيبة، وحكاياته الخارقة، وتأثيراته العديدة، ومؤثراته الكثيرة، وألفاظه الدالة، ورموزه الموحية ودلالاته البعيدة، وتكاد تكون حكايات عرائس البحر وجنياته الجميلات أغرب الحكايات التي تكرر التحذير منها لمن يتوق إلى معانقة المستحيل، وخوض غمار البحار.
فالجد السخاوي يحذر مَنْ معه من عروس البحر: المرأة الجميلة ذات الذيل المتهدل التي يخفق لها قلوب الرجال في البحر، وقد انشقت المياه عن جسمها البشري السمكي، ولوحت لهم بيدها، وغاصت في الاعماق لأنها "تضاجع الريح، ولا تلد إلا الإناث، وطعامها ثمار بعينها تنبت حيث تعيش" [41] وقد "تسحرك بجمال جسدها وبغنائها، وربما تدفعك إلى مصير مؤلم، تخضع لتأثير جمالها وعذوبة صوتها فتهمل قيادة قاربك واتجاهه حتى يرتطم بالصخور" [42].
ويفسر غرق جمعة العدوي، وغياب حودة التيتي واختفاء المليجي عطية باجتذاب عروس البحر لهم، وأخذهم إلى قاع البحر حيث يبدو العالم –هناك- كأنه الجنة لا تغري بالعودة إلى عالمهم الذي كان من قبل.
أما الريّس عبد الحافظ معوض و"الكابتن" فيحذران بطل رواية نجم وحيد في الأفق من جنيات البحر اللواتي يغنين بأصوات جميلة فيجتذبن المسافرين بأغنياتهن وينزلن بهم إلى البحر فلا يعودون، فقد "تظهر الجنية منهن في هيئات وأشكال لا نهاية لتحوراتها تحرّك الريح، وتذلل الأمواج، وتخضع الكائنات لإرادتها، هذا عملها: تغوي راكبي البحر، تجتذبهم، تهبط بهم إلى أعماق البحر إلى حيث لا يعودون" [43] ولذا يزمع البطل على تجاهل ما قد يسمعه من نداءات وأغنيات "حتى لو كانت العروس عروساً حقيقية فإنه ترك بحري للقاء نجمه لا يشغله ما يثنيه أو يعطله، وليواصل التجديف نحو المعنى الذي يشغله. يفتش عن المجهول والأسرار التي تلقي بظلالها على الكائنات من حوله، يظل يجدف حتى يصل بالقارب إلى حيث يوجد النجم، إلى حيث يجد الإجابة عن ما يشغله من أسئلة" [44].
(يتبع)

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:13 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (4 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

لغـة بحـري
تتخذ اللغة في رواية "بحري" البطل المكان أبعاداً جديدة غارقة في الصوفية لفظاً ومعنى وتعبيراً، فمعظم لغة لوحات الرباعية تقطر صوفية في ألفاظها ومعانيها وتراكيبها وعناوينها الفرعية، وحمولاتها الدلالية المكثفة.
ولا نجانب الصواب إذا قلنا: إن "بحري" بأجزائها الأربعة لا تخلو صفحة من صفحاتها من الألفاظ والتعبيرات الصوفية التي تشكل ملمحا فنيا بارزاً فيها يصعب معه حصر هذه الألفاظ وجمعها على نحو ما.
وهذه الألفاظ الصوفية "ألفاظ لا تعرف عن طريق منطق العقل والنظر بقدر ما تُفهم عن طريق الذوق والكشف، ولا يتأتى ذلك إلا لسالك يداوم على مخالفة الأهواء وتجنب الآثام، والبعد عن الشهوات، وإخلاص العبادات، والسير في طريق الله بالرياضات والمجاهدات في الطاعات" [45].
ولعل من أبرز ما تزخر به الرباعية من ألفاظ ومعانٍ صوفية مستوحاة من معجم الكتابات الصوفية التراثية: الأنس، والاتصال، والتجلي والستر، والحال والمقام، والحضرة والرؤيا، والسالك والمريد، والسر والسفر، والقرب والبعد، والكشف والمشاهدة، والمراقبة والمعرفة، والخوف والرجاء، والكرامات والهزات و…
وانظر هذه الألفاظ وغيرها –على سبيل المثال- في وصف الراوي لحال علي الراكشي وقد زهد في الدنيا وسار في درب الله.
صرف قلبه عن المخلوق إلى الخالق، خلّف دنيا الناس وراءه، مضى مع المسارعين إلى ظل الله أهل المجاهدة والاوراد، ألقى همومه في مياه البحر، فتلاحقه الأمواج إلى غير انتهاء، سرح في لا نهائية الأفق، استغرقته لحظات من التبري والتخلي عن كل الدعاوي والغايات وعاد إلى بداية البداية. قرأ في الوحي والرؤى والملائكة والشياطين والكرامات والمعجزات والمكاشفات والصفات واللوح والقلم وحقائق الرسل والأنبياء، والموت والقبر، والغيبيات والخوارق. قرأ في تقاليد الصوفية ومراسمها: الموالد السنوية، والأحزاب والأوراد وحلقات الذكر والسماع والإنشاد والعهد بين الشيخ والمريد [46].
وترتبط نصوص لوحات بحري في لغتها الشاعرية الوصفية الصوفية الدقيقة الدالة في رمزيتها، العميقة في إيحاءاتها، البعيدة في دلالاتها، الغنية بإشاراتها، الكثيفة في معانيها بالنصوص والأخبار والأحزاب والأوراد والكرامات والآثار والأشعار والطرق الصوفية التي تذوب في النسيج الروائي، فتغدو مكوناً أساسياً له، وقد عمد جبريل إلى تصدير بعض فصول بحري بأجزائها الأربعة بأقوال بعض الأولياء الصالحين ممن جاهدوا النفس، وأماتوا الشهوات، وزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، وقد صفت نفوسهم، وفرّوا إلى الله سائرين في دربه من أمثال: أبي الحسن الشاذلي، وابي العباس المرسي، وابن عطاء الاسكندري، وبأحزاب وأوراد بعض الطرق الصوفية ولا سيما الشاذلية، وبعض الأشعار الصوفية والأدعية المأثورة بما يؤكد سطوة الشعور الديني ، وسلطة المكان الديني في نفوس الناس، ومعنى التوجه إلى التصوف وأثره في الحياة الإنسانية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر يستهل الروائي فصل "في حضرة السلطان" [47] بالدعاء:
"ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، والآية القرآنية "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما." ومن ثم مداخلة عن أبي الحسن الشاذلي، وقد وصف له الناس ولياً براس جبل فصعد إليه يغترف من بحر علمه، ونور معرفته.
ويستهل فصل "متى يأذن الله؟" بدعاء شعري يعقبه بحوار رجل مع أبي الحسن الشاذلي
يا من تحل بذكره عقد النوائب والشدائد
يا من إليه الملتجى وإليه أمر الخلق عائد
يا حي يا قيوم يا حمد تنزه عن مضاد
أنت العليم بما بليت وأنت عليه شاهد
أنت الرقيب على العباد وأنت في الملكوت واحد
فرّج بفضلك كربتي يا من له حسن العوائد
* * *
قال رجل "لأبي الحسن: ما لي أرى الناس يعظمونك، ولم أر لك كبير عمل؟ قال الشاذلي: بسنة واحدة افترضها الله على رسوله تمسكت بها، قال: وما هي؟ قال الشاذلي: الإعراض عنكم وعن دنياكم" [48].
ويعيد جبريل حوار الرجل مع إمام العارفين وقدوة السالكين الشيخ أبي الحسن الشاذلي نفسه في فصل "أسواق من النور" [49] في الجزء الثاني من الرواية "ياقوت العرش". ويكثر جبريل من استهلال لوحات فصول الرباعية بأدعية وأقوال وتعاليم أبي الحسن الشاذلي، وأبي العباس المرسي أو أخبار من سيرهم في حب الله والشوق إلى نور جلاله، والذوبان في فيوضاته الإلهية كفصل [50]:
"السائر إلى الله" و"يا مريدي لا تضق بي" و"الغوث" و"المجاهدة" و"اتساع ضيق الأكوان" و"ارتحال إلى الأسمى" و"بحر الأنس" و"الوقوف على باب الولاية" وغيرها.
ويأتي ببعض الآيات القرآنية الكريمة أحياناً كما في فصل "رحلة الاتجاه الواحد" [51]، وببعض الأدعية والأناشيد والأشعار الدينية كما في فصل [52] "أولى مراتب السالكين" و"الحلقة" و"أصوات الأحلام القديمة".
ويمثل هذا التناص الصوفي الديني خلفية أساسية للوحات بحري في مختلف الفصول تتصل بواقع الرواية، وبنائها الفني الكلي، وتتساوق مع النسيج الفني، وتتواءم مع الرؤية التي تستدعي التراث الصوفي الزاخر بالمعارف والأخبار والإشارات والكرامات؛ لتشكل تمهيدا معقولاً للولوج إلى مضمون اللوحات، ومدخلاً ملائماً للاقتراب من الحدث الروائي الذي تصوره، وتؤدي وظيفتها في رسم الجو العام الذي يتلاءم وطبيعة المكان والزمان الروائي الذي تدور في فلكه الأحداث المتنوعة، وتساعد في تعميق الإحساس بسطوته بوصفه لبنة أساسية هامة وفعالة ومتأثرة ومؤثرة في مجرى الأحداث نفسها.
وتتكرر الإشارة إلى أسطورة جنيات البحر وعرائسه اللواتي يجتذبن المسافرين بأغنياتهن الجميلة، وينزلن بهم إلى قاع البحر إلى حيث لا يعودون في عالم "بحري" المليء بالحكايات والأخبار وخاصة في فصل "المرأة الجميلة ذات الذيل المتهدل" -في الجزء الأول من الرباعية "أبوالعباس"- الذي يحذر فيه شيخ البحر الخبير "الجد السخاوي" من عرائس البحر اللواتي قد يدفعن البحار إلى المصير المؤلم عندما يهمل قيادة قاربه فيرتطم بالصخور، فتأخذه إلى الأعماق السحيقة كما فعلت بحودة التيتي، وسباعي سويلم، وجمعة العدوي، والمليجي عطية.
وتمتلئ رباعية بحري بالتناصات الشعبية التي تعد خير ممثل للبيئة الشعبية الإسكندرانية، فنماذج التناص الشعبي في معظم فصول الرباعية منوعة المعاني، متعدّدة الدلالات، ممتلئة الإشارات، متكثّرة الرموز تعبر عن واقع الحياة المعقد الزاخر في لوحات تشكيلية عريضة.
فها نحن نمضي في موكب عرس ابنة الحاج قنديل فنسمع الأغنيات والمواويل التي تطغى على الأصوات الهامسة والمتشابكة في السرادق الواسع الكبير:
قاعد على الرمل وحدي في عز ظهريـة
الشمس قدحت دماغي يا ناري يا عنية
ومن هوا البحر ما شعرتش بحنية
تلسعني نار الجفا تحرقني –أتلوى
يا حلو عطفك لروحي ضل شمسية [53]
وتتعالى الأصوات منغمة يرافقها تصفيق:
اقروا الفاتحة لابو العبـاس يا اسكندرية يا أجدع ناس [54]
ويترامى من الشرفة المطلة على السرادق صوت العالمة تغني:
قطعني حتـت ----- أنا ملك ايديك
وعينية حـكت ----- حكت لعنـيك
آه يا وله يا وله [55]
وها نحن نسمع موال الصيادين الغلابة والمنكسرين الذين يأملون بتغير الحال، يترنمون به وهم على ظهور مراكبهم بصحبة الجد السخاوي:
أقوم من النوم أقول يا رب عدلها
بلدي قصاد عيني ومش عارف أعدلها
وادي ريس البحر محتار ما هو عارف يعدلها
سألت شيخ عالم بيقرا في معادلها
بين المسا والصباح ربك يعدلها" [56]
ونقف في فصل "الأسطى مواهب" مع بعض الأغنيات الشعبية القديمة الخاصة بإحياء الأعراس التي تحيي بها المغنية "مواهب" والمغني "حسن عشم" ليالي بحري السعيدة في زواج ابنة عباس الخوالقة الذي لم يتم.
فقد "أطلقت –فجأة- ضحكة عابثة، تمهد بها لدخول القهوة تبعتها بدندنة:
ما تخفش عليـه
أنا واحدة سجوريا
في العشق يا انـته
واخدة البكالوريـا
ما تخافش علـي
علا صوت حسن عشم مغنياً:
لا دلالي عليك يا دلالـي سنتين وأنا أحـب وأداري
أطلقت المرأة ضحكة مصحوبة بغنجة
عايق على خـدك شامـة وعينك منهم يا الله السلامة" [57]
وفي فصل "ذبالة" ورغبة في إعادة الفرحة إلى مهجة ابنة الخوالقة التي لم تكتمل فرحة زواجها الأول من هشام بسبب فرية "طه مسعود" الذي ادّعى أنهما اخوان في الرضاعة، تعلق الزينة، وتغني العوالم في زواجها من "فؤاد أبو شنب" وتمضي الزفة في شوارع الحي فيرقص الأولاد والبنات حولها ويغنون:
يا حلوة ضمي الغلة --- لتكوني قرعة تغشيني
يا حلوة ضمي الغلة --- لتكوني عرجة تغشيني
يا حلوة ضمى الغلة --- لتكوني حولة تغشيني
وريني شعرك وريني --- شعرك حلو عجبتيني
وريني رجلك وريني --- رجلك حلوة عجبتيني
وريني عينك وريني --- عينك حلوة عجبتيني
وتتعالى أصوات الأولاد والبنات
الحنة يا الحنة يا قطر الـندى يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهـوا" [58]
وهكذا تشكّل التناصات المتشابكة على تنوعها بعداً أساسياً من أبعاد التجريب الفني الروائي في أعمال جبريل الروائية وهي تتآزر بانسجام مع الشكل والمضمون، وتتساوق معهما من خلال العلاقات التناصية التي يبدو النص في ظلها متحركاً لا ساكناً ومنفتحاً لا مغلقاً، وقادراً على الإيحاء والتعبير لا عاجزاً، ومحركاً لفعل القراءة الواعية المنتجة التي تعيد تقديمه وإنتاجه من جديد في أشكال وصيغ متعددة ذات دلالات مختلفة قابلة للدرس والنقد والتأويل.
صـور مكانيـة أخـرى
رغم أن "بحري" في أعمال روائية كثيرة هو السيد البطل الذي ينهض بالحكي، ويدعم العناصر التخيلية الأخرى، فيؤثر في الشخصية، ويرسم ملامحها، ويتأثر بحركتها الدائبة فيه، المتّسقة وخطوط الزمن وأبعاده، وتشكلاته إلا أن جبريل لم يهمل المكان: الديني والتاريخي والشعبي والأسطوري، والواقعي الحقيقي والتخييلي الفني في أعمال روائية أخرى له من مثل: إمام آخر الزمان ومن أوراق أبي الطيب المتنبي وقلعة الجبل والخليج واعترافات سيد القرية وزهرة الصباح وبوح الأسرار.
ففي إمام آخر الزمان [59] يمتد المكان الواقعي امتداداً واسعاً له دلالاته الخاصة التي تتسق وفكرة الإمامة" السياسية الرئيسة التي يحاول الكاتب التعبير عنها، وينسحب برحابة وشمول إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي، الذي يتوق إلى تحقيق العدل والسلم على أرضه، فيشمل معظم المدن المشهورة في العالم الإسلامي التي تركت آثار ما شهدته من أحداث وحوادث تاريخية بصمات ثابتة في قلب الوجدان العربي الإسلامي محفورة على صفحات أوراقه الكثيرة مثل: البقيع والكوفة والنجف وكربلاء التي شهدت استشهاد الإمام الحسين في سبيل العدل والقسط والمساواة.
ويتناسب امتداد المكان مع تداخل الأزمنة وتوازيها في الرواية، وينهض بعبء الرؤية الممتدة الشاملة، فيأتي تارة معادلاً موضوعياً للرؤية التي ينطلق منها الروائي في التعبير، ويصبح رمزاً واسع الدلالة، غني الأبعاد، ثري الفكرة تارة أخرى في إشارته إلى مدينة الفتح والزهراء، ويكون الميلاد والبشير والخلاص عند سريان كلمات الإمام الجديد في أرجائه الفسيحة الممتدة في بعض الأحياء التاريخية العريقة المنتشرة على امتداد أرجاء العالم الإسلامي مثل: أسواق واجف والغورية والأشراف، وخان الخليلي، والحمراوي والحميدية والشورجة وسرقس والحيدرية والسيالة وغيرها.
ويتفق تعدد الأمكنة وتداخل الأزمنة مع الرغبة في تجسيد فكرة النزوع الدائب للبحث عن المخرج والخلاص في انتظار المهدي المخلص الذي سيملأ الأرض عدلاً ومساواة، والوعي التام بأهمية الفعل والتغيير ، ويتناسب مع الفترة الزمنية التي كتب فيها الكاتب روايته كما يصرح بذلك في نهاية العمل الفني من فبراير 1976 حتى يونيو 1982، في مدن الإسكندرية والقاهرة، وعمان، وبيروت، ومسقط، والرياض، والدوحة، والكويت، وأبو ظبي، والجزائر، ونواكشوط، والفجيرة، وتونس.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:14 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (5 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

ويبدو المكان في هذه الرواية على تنوع أنساقه، وأشكال تقديمه وأساليب التعبير عنه نقطة الارتكاز التي تقوم عليها حركة الوقائع، وبؤرة الصراع والتحوّل، ومحور الجدل والتشابك المترابط، المتعدد الذي لا يكتمل معناه إلا بتضافره مع بقية العناصر الروائية، وربما يشير تغير المكان وامتداده وتحوله بتعاقب الزمان إلى دلالات أوسع من كونه مجرد حيز جغرافي هندسي لا بد منه لتأطير المادة الحكائية.
فعلى سبيل المثال يصبح المكان –في الفصل الأخير من الرواية- نافذة مفتوحة على زيف الحاضر المعيش، ففي إحدى زوايا مقهى السيالة وُلدت كلمات البشارة والخلاص على لسان السيد الحفناوي، وفي أحياء الإسكندرية سرت معاني الكلمات الطيبة التي تناقض الشعارات البراقة من قبل، فتنذر من الجهل، وتبشر بالقادم، وترسم صور الحق لا الباطل، وفي ميادين المساجد تجمعت الجموع المتلاصقة كأنها الحجيج إيماناً بالمهدي الجديد "فانثالت على المكان، تضوعت في أرجائه، شملت الطارئ والمقيم هالات سماوية بدلت الحال غير الحال، فكشفت نصاعة الحاضر مقدار ما احتبل الماضي من مباذل ومساوئ وشرور" [60].
ولكن الطعنة الغادرة التي فاجأت الإمام فأفزعت أهل الأنفوشي فعَظُم الندب واللطم والبكاء عقب اغتيال الحلم والأمل والمستقبل والمعجزة جعلت المكان نفسه حاملاً للثنائيات الجدلية التي لا تنتهي –ربما- إلا بنهاية العالم، فالميلاد والخلاص، والحياة والموت، والحاضر والمستقبل، والكائن الواقع والمأمول الحلم، والحق والباطل، والأصل والصورة، ثنائيات ممتدة غير متناهية بدأت منذ زمن ولم تخبُ جذوتها بل تجذرت شرايينها في قلب الحاضر وربما ستواصل امتدادها إلى المستقبل القادم في المكان الرمز المفتوح المتغير بتغير كل ما حوله من عناصر قابلة على الدوام للتحول والتأويل.
ويشكل المكان بتداخله مع الزمان في رواية من أوراق أبي الطيب المتنبي [61] وحدة بنائية متواشجة الروابط، غير منفصمة العرى، متحدة العناصر، متنوعة الملامح حاولت تقديم صور مكانية حية نابضة بالحركة، مملتئة بالدلالات المجتمعية الآنية لمصر الإخشيدية التي تختلف في كنهها وجوهرها، وأبعادها وملامحها، وأنماط تشكلات بنياتها وخصوصياتها وطبائع ناسها عن غيرها من الأماكن التي عاش فيها، أو ارتحل إليها المتنبي من مثل: بغداد والشام.
ويتفنن جبريل في تقديم لوحات المكان التراثي التاريخي القائم آنذاك، وتشكيل مكوناتها، وتجسيد أدواتها، وإبراز مواصفاتها الجمالية مستخدماًَ أدواته الفنية، والأسلوبية واللغوية في رسم عوالمها، والتعبير عن مكوناتها القديمة بما يتوافق والشكل الفني الذي يضم الرؤية الفنية أساساً، ويزيد من إيهام القارئ بما يعبر عنه في لوحاته.
ففسطاط المتنبي في الرواية: مدينة الأمن والأمان والحكم والسلطان، والحلم والواقع، والأمل المرتجى في ظل كافور، والزعامة المهيبة مدينة عظيمة ليست كغيرها من المدن
بها بساتين فخمة، ومتنزهات تكسوها الخضرة، وأسواق كثيرة وشوارع وأخطاط ودروب ورحاب وأزقة تزدحم بالناس من الباعة والمارة وأرباب المعايش وأصحاب اللهو والملعوب، وإن بدت ضيقة بالقياس إلى شوارع بغداد أو الشام. تزخر بالوكايل والخانات والمتاجر التي تبيع من كل صنف، والمساكن الكثيرة والبساتين العظيمة والحمامات والشون والمناظر والرباع والفنادق والبرك والخلجان والجزائر والرياض والدور والقصور العالية. على جانبي الأسواق حوانيت بها كل ما يحتاجه المرء، ثمة الرفاءون والحباكون والرسامون وباعة الأقماع والبزازون والخلعيون والمجبرون وباعة الظرائف والمغازل والكتان من الشمع والصاغة والسروجية والحدادون والدقاقون [62].
ولا يكتفي جبريل بتصوير المكان القديم ذي البعد التاريخي بل يرسخ أبعاد المكان وسماته الخاصة في تصوير بيئته الشعبية: عاداتها وتقاليدها، واحتفالاتها بالأعياد والمواسم من مثل: عيد الغطاس، المتمثل في خروج العشرات من النصارى بصلبانهم إلى الكنيسة، وشرائهم الشموع وارتدائهم الثياب الفاخرة، وترديدهم الأغنيات والرقصات، وعيد النحر، والتهيؤ لاستقباله وقد
أقيمت الأفراح، ونصبت القلاع والقباب، وأوقدت النيران، وازدانت الشوارع والأسواق بالأنوار والبسط الثمينة، وامتلأت بالمآكل والمشارب والملابس الفاخرة وآلات الذهب والفضة والجواهر، والملاهي والغرف، والرصف، وسارت فرق الملاعب والراقصين والمغنين والمهرجين، وعلت القصور والبيوت بأنواع الزينة حتى الأخطاط والأزقة علقت في مداخلها قناديل وشموع وانشغل الناس بالبيع والشراء، وأعدوا أنفسهم لصلاة العيد [63]
بما يخلق عند القارئ شعوراً أكيداً بقدم المكان في صوره وعناصره ومفرداته، التي تقبل بشيء من القراءة والتأويل أن تكون الحاضر على اختلاف أمكنته وتنوع صوره.
وليس المكان التراثي التاريخي بمفرداته وجمالياته وأسراره وعلاقاته في رواية قلعة الجبل [64] مجرد إطار تزيني للأحداث، أو وعاء خاص بها بل هو مكون رئيسي من مكونات الخطاب الروائي، وعنصر أساسي من عناصر الرؤية الفنية تسهم في إنتاج معانيها ويُساعد في تكثيف حضورها وتعميق دورها في الوعي الإنساني.
و"قلعة الجبل" التي شُيدت بأمر من الناصر صلاح الدين الأيوبي تصبح في عالم الرواية –الجبريلي- محور الصراع وبؤرة الحدث، وإشكالية الوعي، وثنائية الجدل القائم بين فعل السلطة وإرادة الشعب إذ يصير رفض عائشة ابنة الشيخونية وأخطاطها الانتقال إلى دنيا قصور ودور وحدائق وبساتين قلعة الجبل حيث يقيم السلطان خليل، وتمسكها بالبقاء في بيتها بين أهلها وناسها، وشعورها الدائم بالحب والحنين إلى شوارع وأزقة وبيوت ودكاكين وأسواق حيّها، وتوقها الدائب إلى معانقة رموز المكان الذي شهد أجمل مراحل حياتها منذ الصغر صورة من صور الصراع الدائب بين عالمها الشعبي البسيط وعالم السلطان خليل وحاشيته وقواده وجنوده وأعوانه، وطرفاً من أهم أطرافه الرمزية الدلالية التي تؤكد البرزخ العظيم الذي يفصل بينهما في الظاهر والباطن، والداخل والخارج معاً.
فعائشة: الإرادة الحرة والتحدي العنيد، والتلقائية العفوية، والجمال الشعبي الساحر الآخاذ والتشبث الأكيد بجماليات المكان الذي عاشت في فضائه طفلة وامرأة وزوجة صارت المكان نفسه بكل ما فيه كما صار هو "سر وجودها، ومصدر تماسكها، وأداة قهرها في آن" [65] وقد حملت منظورها الجدلي معها ودارت به في فلك المكان.
وبهذا تصبح "قلعة الجبل" إشكالية للرفض والقبول، وجدلية للحرية والأسر، وثنائية للوعي والتزييف بين عالمين متمايزين في هويتهما ورؤيتهما وتجلياتهما، وفضاءاتهما وتشكلاتهما ومفرداتهما الخاصة، فها هي عائشة تحين إلى ناسها، وتشتاق إلى غرفتها المطلة على حدرة الحنة، وتستذكر زحام شوارع الشيخونية، وتفتقد شعورها بالأشياء وهي بعيدة عنها عندما صعد بها الجنود إلى القلعة أثناء انشغال الناس بالفرجة على محمل الحج، وفرض عليها السلطان الإقامة في قصر من قصوره الثلاثة دون رغبة منها، وجعل لها من الكنوز ما لم يجعله لغيرها، فقد
هال عائشة وهي تقف قبالة قصر السلطان، ذلك السور الهائل المحيط بالقلعة من حجر وأبراج وبدنات تنتهي إلى القصر الكبير، فالدور السلطانية الأخرى.
بدت القلعة مدنية، زاخرة بالقصور وقاعات الاستقبال ودور الحريم، ودور المال وطباق الحرس والجنود والاسطبلات وخزائن السلاح ومنازل الحاشية وقصور الوزراء والحمامات والمكتبات والحدائق والأسواق والمطاحن والأفران. شاهدت الأبراج والأبواب والمزاغل، وتعرّفت بتقضي الأيام إلى جامع سارية، وبئر يوسف، وجامع السلطان قلاوون، وقصر يوسف، وبئر السبع سواقي، وجامع المؤيد، والقاعات السبع، والقصور الجوانية وطوائف المماليك داخل الطباق.
تطلعت إلى برج المطار، بدت أسراب الحمام الزاجل على قمته، تمنت لو أنها تعرف كيف تخاطبه، لو أنها تعرف كيف تضع رسالة تحت جناح حمامة تنبه سكان حدرة الحنة إلى مكانها، ربما أمكنهم الوصول إليها.
أطلت على القاهرة ومصر: المآذن والقباب وأبراج الكنائس وأسطح البيوت والميادين والحدائق والشوارع والدروب والعطوف والقرافة، يختفي الناس أو يبدون كالأشياء الصغيرة، من الشرق يبدو جبل يشكر والقطائع وجبل ابن طولون، يلوح من بعيد النيل وأشرعة المراكب والأهرامات وشواشي النخيل والبساتين وحدائق اللوق المليئة بأشجار الفاكهة [66].
ومما لا شك فيه أن القدرة على تشكيل المكان، ورسم أبعاده، وخط حدوده، ووصف صوره، والتعبير به أو عنه يحتاج إلى لغة قادرة على الاستيحاء والتشكيل الذي يضفي على المكان طابعه الخاص، وهويته المحددة، وفنيته المميزة.
وجبريل في خطابه الروائي وبلغته الوصفية التصويرية يجعل المكان وكأنه شخصية حية فاعلة تتأثر بما حولها وتؤثر فيها من جديد في روابط مشتركة متصلة البناء، منسجمة اللغة وإن كانت متباينة في أشكال تقديمها الحكائي.
وإذا كان المكان في رواية الخليج [67] يمتد من أرض النيل إلى الخليج العربي امتداداً له فضاءاته المميزة، ودلالاته النفسية الخاصة، وإيحاءاته الرمزية الدالة على الشعور بالاغتراب والانسحاق النفسي الرهيب، والإحساس بالمطاردة والمراقبة، والتقوقع في دائرة الذات وعدم القدرة على الانفتاح على الآخر عند الوقوع في دائرة الحرب والسياسة من جهة، ودائرة المقبول والمرفوض والمطلوب والمفروض والممكن والمستحيل، والمسموح والممنوع من جهة أخرى، والبطل يواجه المجهول وغير المتوقع في سفره من الإسكندرية إلى عُمان فالكويت، ومضي سنوات طويلة على اغترابه في أرض تختلف في جغرافيتها وطبيعتها وعادات وتقاليد أهلها، وطرائق حياتهم وأساليب معاملاتهم عن المكان الذي عاش فيه من قبل، فإنه في رواية بوح الأسرار [68] يتجاوز حدوده المرسومة في قرية السمارة المصرية وتتغير صورته، وتضاف إلى أبعاده أبعاداً جديدة تكسبه أهمية مميزة، وتضفي عليه هالة من القداسة النوارنية فيصير هو البطل النوراني الأسطوري في ضمير الجماعات الشعبية الذي بالتردد عليه والبناء بجواره تحصل البشارة، وتتحقق العدالة، وتنتصر الحقوق، وتكتمل الصور؛ فأسطورة ولي الله فرج خليل "ابن شفيقة" تشكلت في السمارة التي شهدت خوارقه وكراماته في حياته ومماته على السواء.
فـ "لكل قرية وليها، وفرج خليل هو ولي قرية السمارة له ضريح ومقام وخليفة وتلامذة ومريدون، يؤمنون بكراماته ويذكرون الله تعالى" [69] ويترددون على زيارته، ويقصده الناس من المدن البعيدة والقريبة ومن مختلف القرى، يطلبون النصفة والمدد والشفاعة والبرء من العلل.
وهكذا تُكسِب أسطورة الولي المكان شيئا من القدسية التي تتجلى فيها الفيوضات الإلهية والكرامات الخارقة، فتسري في الحاضر وتمتد إلى القادم، وتحيا في الضمائر بدوام الشعور بفاعلية الأسطورة نفسها، وعمق تأثيرها في ذوات الآخرين.
أما في رواية اعترافات سيد القرية [70] فيلعب المكان الأسطوري في التراث الفرعوني دوراً كبيراً في الكشف عن أبعاد الشخصية وجوانبها المختلفة،وإبراز مدى تحولها وتغيرها، وقدرتها على البوح –بصدق- بما كان فيها، أو البحث الدائب عن مبررات تكفل لها الحياة في عالم مكاني أسطوري جديد يتسم بالهيبة والرفعة والخلود.
ففي قاعة الصدق في بهو المحكمة الإلهية الموقرة في العالم السفلي تتوالى إجابات سيد القرية الفرعوني "زاومخو" على أسئلة الآلهة الاثنين والأربعين سؤالاً التي يحاول فيها إقناع هيئة المحكمة بجدوى ما فيها، ولذا تتعدد أحيانا باختلاف القص الروائي على لسان الشخصية الرئيسة "زاومخو" صور المكان إلا أنها على تعددها وتنوعها واختلافها تتحرك في قلب القرية الفرعونية "ونيس" القريبة من مدينة "آثيت تاوي" متزامنة مع خط سير الزمان الروائي نفسه.
وهذا المكان الأسطوري بما يمتلك من خصائص وسمات وأبعاد وصلت إلينا من خلال ما جاء في كتاب الموتى وغيره، استطاعت اللغة الفنية بطاقاتها الإيحائية، وسماتها الوصفية، وقدراتها التشكيلية الفنية التعبير عنه:
قاعة الصدق، ازدان سقفها بلهب النيران وعلامات الحق، المقصورة تتصدر المكان، يجلس فيها أوزوريس على عرشه، يرتدي تاج "الآنف" بيمينه عصا الراعي، وبيساره عصا "النخخ" من أمامه رمز أنوبيس وأبناء حورس وآكل الموتى، في أقصى البهو من الخلف قضاة أوزوريس الاثنان والأربعون، يقضون في أفعال الراحلين من البر الشرقي إلى البر الغربي ما حسن منها، وما جانبه الصواب وما أسرف في الخطأ [71].
إن هذا المكان الواحد الذي قد تتعدد في ضوئه صور مكانية تتوالى أثناء السرد الروائي تكشف –إلى حد ما- عن طبيعة المكان، وناسه وأهله، مغاير للأمكنة الممتدة في زهرة الصباح [72] التي تتباين بتباين الحكي، وتختلف باختلاف المروي من القصص والحكايات والأخبار على لسان شهرزاد نفسها أو "زهرة الصباح" أو المتبولي أو الرواة الشعبيين، ورغم ذلك فإنها تحرص على استدعاء بيئة مكانية تتوافق والمرحلة التاريخية المختارة وهي المرحلة المملوكية في مصر، وهذه بيئة مكانية تغاير بيئة الليالي أصلا في الملامح والرؤى.
والمكان في ليالي جبريل الروائية مشتبك مع الزمن بعلاقات كبرى لا انفصام بينها تقدم نفسها بأساليب فنية مختلفة باختلاف مواد الليالي، وجوهر مضامينها وزوايا النظر فيها.
ومدينة القاهرة الشعبية على وجه التحديد والتخصيص هي بؤرة الحدث، ونقطة الارتكاز التي تتحرك في فضائها الرحب شخوص رواية زهرة الصباح الرئيسة والثانوية معاً، تحرك جذوة الحدث وتصعده، وتعمق خط سيره نحو الذروة بما تمتلك من قدرات واسعة على التحرك والتغيير.
والقاهرة التي يحرص جبريل على التصوير الفني فيها هي قاهرة البيوت والدكاكين والمساجد والقصور والحواري والأزقة والعطوف، والوكايل والخانات والميادين والأسواق والحارات التي كادت أن تكون فارغة في حين من الزمن وقد استشرى شر السلطة، وتمكن في أوصال المجتمع، وتغلغل حتى الأعماق فكان المكان نذير شؤم وبؤس وخوف وقلق وشقاء وانتظار إلى أنْ صار فعل التغيير بالكلمة المؤثرة، والحكمة المفيدة، والعبرة الأكيدة هو الخلاص الحقيقي المنشود فاستحال المكان حياة وسعادة وبهجة ورغبة، وأملاً وطموحاً في ظل الحرية والعدالة والمساواة.
إن هذا المكان الواقعي الفني في معظم أعمال جبريل الروائية شخصية حية نابضة تتنامى وتتطور، وتلتقي وتتصل، وتؤثر وتتأثر، وتصل وتقطع، وتشكل البنى وتتشكل في ظلها، وتعكس صورتها على غيرها من العناصر الفنية، وينعكس عليها شكل العلاقات الجدلية القائمة بين العنصر الواحد وما يقابله عندما تتجاوز العناصر، وتشتبك رموزها معاً لإنتاج المعنى والمساهمة في إبراز دلالات حضوره.
وبهذا تتعدد صور المكان، وتتنوع أشكال تقديمه، فتتنوع تبعاً لذلك أشكال قراءته، ومعاني تشكلاته اللامتناهية التي تتجاوز الأبعاد الجغرافية أو الهندسية المحددة، والأطر الثابتة الساكنة لتنهض بعبء الرؤية المُرادة بارتباطها بغيرها من عناصر البناء الفني، فيصير المكان الساكن متحركاً، والثانوي رئيساً، والرئيس بطلاً، والبطل محوراً، والمحور رمزاً، والرمز قضية، والقضية فكراً ممتداً شاملاً ينسحب –ربما- على العالم بأسره.
...............
(يتبع)

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:15 PM
المكان الروائي في أعمال محمد جبريل الروائية (رباعية بحري نموذجا) (6 ـ 6)
بقلم: د. سمية الشوابكة - الأردن

الهوامش والإحالات:
...................
[1] بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي، ط1، المركز الثقافي العربي،1990، ص 26.
[2] عوض الله، مها حسن، المكان في الرواية الفلسطينية، 1948-1988، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن، 1991، ص 329.
[3] محمد جبريل: قاص وروائي، ولد في حي بحري/ الإسكندرية عام 1938، وتلقى تعليمه الابتدائي في كتّاب "الشيخ أحمد" وروضة مدرسة القناة، وتابعه في مدرسة البوصيري الأولية، وواصل تعليمه في مدرسة الإسكندرية الثانوية، وتابع الدراسة حتى حصل على ليسانس الآداب/اللغة العربية، وانتقل بعدها إلى القاهرة ليعمل في الصحافة وما زال. له ندوة أدبية باسمه لرعاية إبداعات الأدباء الشباب، وله أكثر من تسع مجموعات قصصية منها: "تلك اللحظة" 1970، و"انعكاسات الأيام العصيبة" 1981، و"هل" 1987، و"حكايات وهوامش من حياة المبتلى"1996، و"انفراجة الباب"1997، و"حارة اليهود"1999، وله ما يربو على العشرين عملا روائيا منها: "الأسوار"1972، و"إمام آخر الزمان"1984، و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" 1988، و"قاضي البهار ينزل البحر"1989 ، و"الصهبة"1990 ، و"قلعة الجبـل"1991 ، و"النظر إلى أسفل"1992 ، و"الخليج"1993 ، و"اعترافات سيد القرية"1994، و"زهرة الصباح" 1995 ، و"رباعية بحري"1997/1998، و"المينا الشرقية"2000، و"نجم وحيد في الأفق2001"، وزمان الوصل2002" وغيرها. فاز مؤخرا بجائزة اتحاد كتاب مصر للتميز2009، للمزيد انظر: جبريل، محمد،حكايات عن جزيرة فاروس "سيرة ذاتية"، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 1998، ص 6-20، ويوسف، شوقي بدر ، ببليوجرافيا الرواية في إقليم غرب ووسط الدلتا، الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة،1994، ص330-347.
[4] النصير، ياسين، إشكالية المكان في النص الأدبي، ط1، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986، ص 8.
[5] جبريل، محمد، مصر المكان، ط2، المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،2000، ص 6.
[6] تبرماسين، عبد الرحمن ، جماليات مد الموج، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر، ص 4، غير منشور، 2002، مُرسل من الروائي للباحثة.
[7] جبريل، حكايات عن جزيرة فاروس، مرجع سابق، ص 75.
[8] جبريل، مصر المكان، مرجع سابق، ص 11.
[9] جبريل، محمد، الأسوار، ط2، مكتبة مصر ، الفجالة،1999، ص 63.
[10] جبريل، الأسوار، ص 60.
[11] جبريل، المينا الشرقية، ط1، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2000، ص 40، 41.
[12] جبريل، قاضي البهار ينزل البحر، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة، 1989، انظر ص 9-32.
[13] جبريل، الصهبة، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990، ص 10.
[14] جبريل، النظر إلى أسفل، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1992، ص 8 و9.
[15] مجدي أحمد توفيق، التداعي والنظام في "رواية النظر إلى أسفل، الثقافة الجديدة، ع 49، القاهرة، 1992، ص 56.
[16] جبريل، الشاطئ الآخر، ط2، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2002.
[17] جبريل، زمان الوصل،ط1،مكتبة مصر ، الفجالة،2002.
[18] جبريل، نجم وحيد في الأفق، ط1، مكتبة مصر، الفجالة، 2001.
[19] جبريل، رباعية حي بحري: أبو العباس، ط1،ج1،مكتبة مصر، الفجالة، 1997،ياقوت العرش، ط1،ج2،مكتبة مصر، الفجالة، 1997،البوصيري ط1،ج3،مكتبة مصر، الفجالة، 1998،علي تمراز، ط1،ج4،مكتبة مصر، الفجالة، 1998.
[20] جبريل، علي تمراز، ص 7.
[21] المصدر السابق، ص 13.
[22] جبريل، ياقوت العرش، ص 34.
[23] جبريل، علي تمراز، ص 216.
[24] جبريل، قاضي البهار، ص 27، 28.
[25] المصدر السابق، ص 67.
[26] جبريل، الصهبة، ص 38.
[27] المصدر السابق، ص 86.
[28] جبريل، النظر إلى أسفل، ص 30.
[29] المصدر السابق، ص 60، 61.
[30] لبيب ،حسني سيد ، روائي من بحري، الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة، 2001، ص 108.
[31] جبريل، قاضي البهار ينزل البحر، ص 105.
[32] جبريل، أبو العباس، ص 71، 72.
[33] المصدر السابق، ص 207.
[34] جبريل، أبو العباس، ص 210-211.
[35] جبريل، علي تمراز، ص 229.
[36] جبريل، نجم وحيد في الأفق، ص 26.
[37] المصدر السابق، ص 31.
[38] المصدر السابق، ص 42.
[39] المصدر السابق، ص 50.
[40] المصدر السابق، ص 59.
[41] جبريل، أبو العباس، ص 200.
[42] المصدر السابق، ص 200.
[43] جبريل، نجم وحيد في الأفق، ص 84.
[44] المصدر السابق، ص86.
[45] الشرقاوي، حسن محمد ، ألفاظ الصوفية ومعانيها، ط2، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، د.ت ص 5.
[46] جبريل، أبو العباس، ص 105، 106.
[47] انظر جبريل، أبو العباس، ص 41، والآيات القرآنية الكريمة: البقرة، 286، والأحزاب، 56.
[48] جبريل، أبو العباس، ص 53.
[49] انظر، جبريل، ياقوت العرش، ص 125.
[50] انظر، جبريل، أبو العباس ص 136-137، 192، 193، 234، ياقوت العرش، ص 109و 242-243، والبوصيري، ص 155-156، علي تمراز، 170-171، 184-185.
[51] جبريل، البوصيري، 16، 17.

د. حسين علي محمد
25-04-2010, 10:16 PM
[52] انظر، جبريل، أبو العباس، ص 122-184، والبوصيري، صاحب البردة، ص 30.
[53] جبريل، أبو العباس، ص 23.
[54] المصدر السابق، ص 23.
[55] المصدر السابق، ص 23.
[56] المصدر السابق، ص 73.
[57] جبريل، أبو العباس، ص 82، 83.
[58] جبريل، ياقوت العرش، ص 152، 153.
[59] جبريل ، إمام آخر الزمان، ط2، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع ،الإسكندرية،1998.
[60] جبريل، إمام آخر الزمان، ص196.
[61] جبريل، من أوراق أبي الطيب المتنبي، ط2،مكتبة مصر ، الفجالة،1995 .
[62] المصدر السابق، ص 14، 15.
[63] المصدر السابق، ص 115.
[64] جبريل، قلعة الجبل، ط2، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2000.
[65] الحمامصي، محمد أحمد ، تجليات المكان وتطور الوعي، دراسة في قلعة الجبل، الثقافة الجديدة، يونيو 1991، ص 76.
[66] جبريل، قلعة الجبل، ص 68، 69.
[67] جبريل، الخليج،ط1،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة،1993.
[68] جبريل، بوح الأسرار، ط2، دار الهلال ،ع 618،القاهرة،2000.
[69] جبريل، المصدر السابق ، ص 109.
[70] جبريل،اعترافات سيد القرية،ط1،دار الهلال،ع 546،القاهرة، 1994.
[71] المصدر السابق، ص 11.
[72] جبريل، زهرة الصباح، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1995.
...............
المصـادر والمراجـع
بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي، ط1، المركز الثقافي العربي، 1990.
تبرماسين، عبد الرحمن، جماليات مد الموج، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر، غير منشور، 2002.
توفيق، مجدي أحمد، التداعي والنظام في "رواية النظر إلى أسفل، الثقافة الجديدة، ع 49، القاهرة، 1992.
جبريل، محمد،حكايات عن جزيرة فاروس "سيرة ذاتية"، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 1998.
جبريل، محمد ، قاضي البهار ينزل البحر، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989.
جبريل، محمد، الصهبة، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990.
جبريل، محمد، النظر إلى أسفل، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
جبريل، محمد، الخليج، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة، 1993.
جبريل، محمد، اعترافات سيد القرية،ط1،دار الهلال،ع 546،القاهرة، 1994.
جبريل، زهرة الصباح، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995.
جبريل، من أوراق أبي الطيب المتنبي، ط2،مكتبة مصر ، الفجالة، 1995.
جبريل، محمد ، رباعية حي بحري:
أبو العباس، ط1، ج1، مكتبة مصر، الفجالة، 1997.
ياقوت العرش، ط1، ج2، مكتبة مصر، الفجالة، 1997.
البوصيري ط1، ج3، مكتبة مصر، الفجالة، 1998.
علي تمراز، ط1، ج4، مكتبة مصر، الفجالة، 1998.
جبريل ،محمد، إمام آخر الزمان، ط2، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع ، الإسكندرية، 1998.
جبريل، محمد، حكايات عن جزيرة فاروس "سيرة ذاتية"، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، 1998.
جبريل، محمد، الأسوار، ط2، مكتبة مصر ، الفجالة،1999.
جبريل، محمد، بوح الأسرار، ط2، دار الهلال ،ع 618، القاهرة، 2000.
جبريل، محمد، قلعة الجبل، ط2، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000.
جبريل، محمد، مصر المكان، ط2، المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 2000.
جبريل، محمد، المينا الشرقية، ط1، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2000.
جبريل، محمد، نجم وحيد في الأفق، ط1، مكتبة مصر، الفجالة، 2001.
جبريل، محمد، زمان الوصل،ط1،مكتبة مصر ، الفجالة،2002.
جبريل، محمد، الشاطئ الآخر، ط2، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002.
الحمامصي، محمد أحمد ، تجليات المكان وتطور الوعي، دراسة في قلعة الجبل، الثقافة الجديدة، يونيو 1991.
الشرقاوي، حسن محمد ، ألفاظ الصوفية ومعانيها، ط2، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، د.ت.
عوض الله، مها حسن، المكان في الرواية الفلسطينية، 1948-1988، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن، 1991.
لبيب، حسني سيد ، روائي من بحري، الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة، 2001.
النصير، ياسين، إشكالية المكان في النص الأدبي، ط1، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986.
يوسف، شوقي بدر ، ببليوجرافيا الرواية في إقليم غرب ووسط الدلتا، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1994.
----------
* أعمال الروائي محمد جبريل مرتبة حسب تاريخ صدورها.
***سمية الشوابكة: أستاذ مساعد في الجامعة الأردنية، ورئيس قسم اللغة العربية في مركز اللغات في الجامعة.

أهداب الليالي
26-04-2010, 12:02 AM
قبلة النقد د. حسين علي
متصفح غني بـ درر انتقائك أيها المبدع
تفتح طاقات رحبة من التأمل لـ نظمأ لقراءات متكررة

نشتاق شموسك النقدية أستاذنا القدير
دم بـ خير

د. حسين علي محمد
26-04-2010, 01:08 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أهداب الليالي http://arweqat-adb.com/vb/s-arweqat/buttons/viewpost.gif (http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=100815#post100815)

قبلة النقد د. حسين علي
متصفح غني بـ درر انتقائك أيها المبدع
تفتح طاقات رحبة من التأمل لـ نظمأ لقراءات متكررة

نشتاق شموسك النقدية أستاذنا القدير
دم بـ خير





شُكراً للمبدعة الأستاذة
أهداب الليالي
على التعليق الجميل، الذي أعتز به،
مع تحياتي وتقديري.