مشاهدة النسخة كاملة : مع الدكتور حلمي محمد القاعود
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:17 PM
جديد القاعود:
وجوه عربية وإسلامية
..........................
الطبعة ألأولي 2009م، المؤلف : د. حلمي محمد القاعود
الناشر : دار العلم والإيمان – دسوق ( مصر )
.................................................. ...
يتناول الكتاب عددا من الأعلام المعاصرين من خلال التركيز على أهم ملامح حياتهم الفكرية والأدبية والشخصية ، وهم في الغالب ممن خدموا الأمة خدمات جليلة ، وأهملهم الإعلام أو تجاهلهم تماما . وفي صفحات الكتاب تجلية لعناصر مهمة صنعت هؤلاء الأعلام ووضعت أقدامهم على طريق العمل العام ، نرى ذلك عند الشهيد أحمد ياسين والعلامة أبو الحسن الندوي والكاتب محمد حسنين هيكل والمؤرخ أنور الجندي .. كما نراه عند غيره من الأعلام مثل عمر التلمساني ورجب الطيب أردوغان وتيسير علوني ووديع فلسطين .
يهدف الكتاب إلى تقديم الايجابيات إلى الأجيال الجديدة التي يجب أن تتعرف عليها وتستفيد منها ، والتحذير من السلبيات التي تعطل مسيرة الأمة ، ويعد الكاتب بتقديم وجوه أخري لم يتضمنها هذا الكتاب .
ظهر الكتاب في المعرض الحالي 2009 مع مجموعة جديدة من الكتب للمؤلف من بينها : الورد والهالوك ، شعراء وقضايا ، الرواية التاريخية ، الرواية الإسلامية المعاصرة ، الحداثة :المفهوم والمصطلح ..
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:26 PM
د. حلمي محمد القاعود
....................
ولد في قرية المجد ـ محافظة البحيرة في جمهورية مصر العربية عام 1946م.
*حصل على شهادة الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة عام 1985.
*عضو هيئة التدريس في كلية الآداب بجامعة طنطا (قسم اللغة العربية).
*عَمِلَ أستاذاً مشاركاً بكلية المعلمين بالرياض (1989 ـ 1990م).
*حاز على جائزة المجمّع اللغوي بالقاهرة 1968 وجائزة المجلس الأعلى للثقافة 1974م.
*عمل رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة طنطا (2000-2004م).
*له العديد من المؤلفات المطبوعة في الإسلاميات والأدب والعلوم، منها:
**في الإسلاميات:
1-مسلمون لا نخجل.
2-حراس العقيدة.
3-الحرب الصليبية العاشرة.
4-العودة إلى الينابيع.
5-الصلح الأسود: رؤية إسلامية لمبادرة السادات والطريق إلى القدس.
6-ثورة المساجد .. حجارة من سجيل.
7-هتلر الشرق.
8-جاهلية صدام وزلزال الخليج.
9-أهل الفن وتجارة الغرائز.
10-النظام العسكري في الجزائر.
11-.. واسلمي يا مصر.
12-حفنة سطور.
13-التنوير: رؤية إسلامية.
14-دفاعاً عن الإسلام والحرية
في الإعلام:
1-الصحافة المُهاجرة.
في الأدب والنقد:
1-الغروب المستحيل (سيرة الروائي محمد عبد الحليم عبد الله).
2-رائحة الحبيب (مجموعة قصصية).
3-الحب يأتي مُصادفة (رواية).
4-مدرسة البيان في النثر الحديث.
5-موسم البحث عن هوية (دراسات في القصة والرواية)
6-محمد (ص) في الشعر العربي الحديث.
7-القصائد الإسلامية الطوال في الشعر الحديث.
8-الرواية التاريخية في أدبنا الحديث: دراسة تطبيقية.
9-الحداثة تعود.
10-الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر.
11-لويس عوض: الأسطورة والحقيقة.
12-الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني.
13-الرواية الإسلامية المعاصرة: دراسة تطبيقية.
14-حوار حول الرواية في مصر وسورية.
15-النقد الأدبي الحديث.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:28 PM
قراءة في كتاب «الصحافة المُهاجرة»
للدكتور حلمي محمد القاعود
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في 190 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار الاعتصام بالقاهرة الطبعة الثانية من كتاب الناقد المعروف الدكتور حلمي محمد القاعود "الصحافة المُهاجرة: دراسة وتحليل، رؤية إسلامية"، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت منذ ثمانية أعوام عن الدار نفسها.
ويقع الكتاب في أربعة أبواب تتناول ظاهرة الصحافة العربية المغتربة؛ حيث صدر الكثير من الصحف والمجلات العربية في باريس ولندن وقبرص … وغيرها.
ويرى المؤلف أنّ أصحاب هذه الصحف والمجلات هاجروا بها، أو أنشأوها، بعد الحرب اللبنانية الأهلية في منتصف السبعينيّات. ويرى أنه كان من المنتظر أن تُعالج هذه الصحف قضايا العرب والمسلمين بحيدة وانتصاف، ولكن كيف يتم ذلك، والظاهرة "كانت في المحل الأول تجارية تقوم لدى كثير من أطرافها على لعبة محرّمة وآثمة، إنها لعبة العمل لحساب من يدفع، والدفاع عنه بالباطل، وتزداد حرارة الدفاع كلما ازداد مقدار الدفع، ثم إن كثيراً من أطراف اللعبة لم يكونوا بمعزل عن التلوث الفكري والعقدي، بل كانوا قادةً وروّاداً في هذا المجال، وكان رائدهم الأول وهدفهم النهائي هو تلويث الإسلام، وتشويه الصحوة الإسلامية لحساب جهـات شتى، مع تقنين الطغيان في العالم العربي، وتكريس الاسـتبداد والقهر، وتجميل الوجوه القبيحة في عالم الفكر والسياسة. (ص143).
ولقد أضاف المؤلف إلى هذه الطبعة الباب الرابع ( ص ص143-179)، وهذا الباب عنوانه "بعد ثماني حجج"، يُثبت فيه الكاتب بالوثائق كيف كانت دعاواه صادقة في طبعة الكتاب الأولى، فهذا صاحب إحدى المجلات الأسبوعية ـ التي مازالت تصدر في باريس ـ يقول أثناء أزمة الكويت 1990م "وأعرف أنَّ هناك من سيُعيِّرني بأن لحـم كتفيَّ من العراق، ولن أتردّد في القول: نعم، هذا صحيح" (ص154).
لا نستطيع في هذه الزاوية أن نتناول كل زوايا ظاهرة الصحافة المُهاجرة: النشأة، والانحراف العقدي، والاستمرار في هذا الطريق الطويل الموحل، ولماذا استمرّت؟ وهل ستستمر في المستقبل؟
يكفينا ـ في النهاية ـ أن نقول: هذا كتاب جدير بالقراءة، ونرشحه لمكتبتك.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:30 PM
الشخصية الإسلامية في أدبنا الحديث
بقلم: أ.د.حلمي محمد القاعود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعرضت الشخصية الإسلامية في أدبنا الحديث إلى السخرية والزراية بطريقة غير مسبوقة في أدبنا العربي على امتداد تاريخه الطويل، وقد تفنن المعادون للتصور الإسلامي والموالون للتصورات المادية والاستعمارية في تصوير الشخصية الإسلامية تصويراً بشعاً وقبيحاً وفصامياً، يقوم على التناقض بين القول والفعل، والكلام والعمل، لدرجة أن المرء - من أي ملة كان - يعتقد من خلال هذا التصوير أن الشخصية الإسلامية لا تتفق وطبيعة الحياة، وأن الإسلام - وهذا هو الأهم - لا يصلح ليكون منهجاً وطريقة سلوك، فعلماء الدين ورموزه الذين تصوّرهم الأعمال الأدبية منافقون وكذابون وزناة ومرتشون ومصالحهم تسبق معتقداتهم! بل إن هذه الأعمال أسرفت في تصوير المسلم بصفة عامة، حين جعلته "يطبع" علاقاته مع الانحرافات السلوكية التي تتناقض مع العقيدة والشريعة، لدرجة أننا نرى البيت المسلم مثلاً، لا يخلو من "بار" لتقديم الخمور، أو قاعة للرقص الغربي أو الشرقي، أو أن هذا البيت لا يعرف أفراده الوضوء ولا يقيمون الصلاة، ولا تسمع منهم تحية الإسلام، ولا ذكر الله، ولا تعبيراً يدل على انتمائهم للعقيدة والشريعة.
وإذا كان الشعر العربي الحديث، قد حفل بمضامين غير إسلامية تدعو إلى أيديولوجيات غربية وأفكار فلسفية بعيدة عن الإسلام، أو حاول أن يشوه بعض الرموز والقيم الإسلامية، فإن الفنون الأدبية الدرامية، وبخاصة المسرح والقصة والرواية، ويتصل بها المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية المأخوذة عنها، قد أحرزت تأثيرات أكثر خطورة في تشويه الإسلام بعامة، ورموزه وقيمه بصفة خاصة؛ وذلك لقدرتها على غزو الوجدان والمشاعر لدى المتلقين بطريقة سهلة وبسيطة وغير مباشرة، بحكم أن الإنسان بطبيعته يستلذ عملية القص والحكي، ويستريح إليها فيما يشبه الحذر اللذيذ؛ لأنه يتابع أحداثاً وشخوصاً وعلاقات تتسلسل أمامه، وهو مسترخ، فيتقبلها غالباً دون عناء أو تفكير أو إعمال عقل بطريقة يقظة.. ويمكن القول بأن الأعمال الدرامية، قد جعلت صورة المتدين مرفوضة لدى قطاعات كثيرة من الناس، وجعلته رمزاً للزيف والانتهازية والسلوك الرخيص.
وفي السنوات الأخيرة، استطاعت بعض الحكومات المستبدة في العالم العربي (الإسلامي) أن تستغل الدراما مكتوبة ومصورة ومشخّصة، في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، من خلال استغلال بعض الحوادث والخلافات التي وقعت بين هذه الحكومات، وبعض الجماعات الإسلامية، فأشاعت الأعمال الدرامية التي أنتجتها حكومات الاستبداد أو ساعدت عليها أن ترسم صورة مقزّزة للإسلام ولكل من ينتمي إليه، بل إن هناك أعمالاً أغرقت في عدوانيتها وبجاحتها ضد الإسلام، فلجأت إلى التاريخ وزورته، وزيفت حياة بعض الشخصيات التاريخية وصورتها في حالة من الانحلال والمجون والزندقة، لتقول بعدئذ إن هذا هو الإسلام المطلوب، الذي يتوافق مع "الاستنارة" و"التقدم".
خطأ كبير
ومن المؤسف أن بعض المثاليين الذين يقاومون الفساد والانحراف والظلم، قد وقعوا في خطأ كبير، عندما انبهروا ببعض الأعمال الدرامية التي تصوّر علماء الدين في صورة فصامية متناقضة، وتحوُّل بعض الشخصيات من الاستقامة والطهارة إلى الانحراف والدعارة، وعدّوا ذلك فضحاً للفساد ومقاومة للظلم ونضالاً ضد الاستبداد والطغيان! والحق أن تعرية الفاسدين والظالمين والمستبدين والطغاة أمر محمود بل ومطلوب، بل وفرض على كل قادر ومستطيع، ولكن هل يأتي ذلك على حساب تشويه صورة الإسلام والمسلمين.. وإيهام الناس أن الإسلام منبع الظلم وأن علماءه والمنتمين إليه ليس فيهم رجل رشيد؟
هناك شيء في الأعمال الأدبية والفنية يسمى بالمعادل، والمعادل يعني أن نضع النماذج الخيّرة في مواجهة النماذج الشريرة، قد يكون المعادل حدثاً أو فكرة أو شخصية أو غير ذلك، وهمة هذا المعادل نسف الفكرة التي يرفضها الكاتب أو الفنان وترسيخ الفكرة التي يدعو إليها وينشغل بها، فإذا خلت الأعمال الأدبية والفنية من المعادل، فمعنى هذا أن صاحب العمل يؤكد الفكرة المطروحة ويؤمن بها، وإلا ماذا يقصد الكاتب وهو يجعلنا نتعاطف مع عاهرة كانت من قبل امرأة شريفة ومستقيمة ومتدينة؟ لا ريب أنه أمر مقصود، وخصوصاً إذا كانت قيمة الشخصيات من عمل الكاتب معوجة ولا تعرف الطهارة فضلاً عن الله!
دعك من حكاية الظاهر والباطن التي يسوّغ بها البعض قصور كاتب معين وعدم تقديمه للمعادل المسلم الصالح، فالعمل - حتى لو كان رمزياً- لا يستطيع أن يغفل هذا المعادل أو يتجاهله.
ويصبح الأمر مثيراً للتساؤل والدهشة والغرابة، عندما تنظر حولك فلا تجد شخصية إسلامية سويّة، لا على مستوى الأفراد العاديّين، ولا على مستوى الصفوة التي يمثلها علماء الدين في تخصصاتهم المختلفة، تتضمنها رواية أو مسرحية أو عمل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، إن الأعمال التي تضمنت شخصيات إسلامية قليلة بل نادرة، ولعل هذا كان من أسباب الدعوة إلى أدب إسلامي ينصف الإسلام من معظم الكتاب الذين أغرقوا في كراهية الدين الإسلامي، أو ابتعدوا عنه، أو فهموه فهماً قاصراً!
واقع الحياة
إن واقع الحياة يحفل بالشخصيات السوية والمنحرفة، والطيبة والشريرة، ومن غير الإنصاف، أن نزيّف الواقع، فلا نرى فيه إلا الشر والقبح والدمامة، وأن نصوّر الشخصيات الإسلامية تصويراً يتسم بالمغالاة والبعد عن الواقع، فلا نرى المسلم إلا صاحب وجهين ومنافقاً وانتهازياً وأفاقاً، وإذا كان بعض المعادين للإسلام يتسقون مع أنفسهم في هذا الاتجاه، فإن المسلمين الذين يسايرونهم يضعون أنفسهم في موقف الريبة والشك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
عن (موقع لها أون لاين ـ 15/4/2002م)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:32 PM
«لويس عوض: الأسطورة والحقيقة»
للدكتور حلمي محمد القاعود
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
..........................
«كان قدري أن أسبح ضد التيار في معظم ما أكتب إن لم يكن فيه كله، مع ما في هذه السباحة من متاعب ومصاعب، وأن أدخل إلى مناطق ملغومة، مليئة بالأشواك التي تُدمي وتجرح. وكان هدفي في النهاية هو كشف الحقيقة وتقديمها للناس دون من ولا أذى محتسباً ما ألقى عند الله».
بهذه الفقرة يقدم الدكتور حلمي محمد القاعود كتابه الجديد: "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة" للقارئ في ثلاثمائة وثماني عشرة صفحة من القطع المتوسط، والذي صدر مؤخرا عن دار الاعتصام بالقاهرة.
إن الاقتراب من عالم لويس عوض مغامرة محفوفة بالمخاطر والمحاذير، فالرجل رغم رحيله منذ خمسة أعوام مازال يُمارس سيطرته القاهرة؛ فتلامذته وأتباعه من العلمانيين والمراكسة يُسيطرون على وسائل الإعلام، ويمثلون مركز قوة خطيراً، كما كان الراحل يمثل منذ ثلاثين عاما، حينما كان المستشار الثقافي لأكبر جريدة في الشرف الأوسط، ألا وهي جريدة "الأهرام".
لكن الدكتور حلمي محمد القاعود توكّل على الله، واقتحم وكر الأفاعي، وأمسك رأس الأفعى! فهل يتركونه؟!
ليس بعيداً عن الذاكرة ما جرى للعلامة محمود محمد شاكر حينما أراد أن يتصدّى لجهالات لويس عوض التي كان ينشرها في الناس، فكتب أكثر من عشر مقالات في "الرسالة" (الإصدار الثاني في عامي 1964و1965م)، جمعها شاكر بعد ذلك في كتابه القيم "أباطيل وأسمار".
لقد أراد شاكر التصدِّي لجهالات لويس عوض، فكتب مقالات بدأها بعنوان "ليس حسناً"، وفي الأسابيع التالية "بل قبيحا"، "بل شنيعا"، فكان جزاؤه السجن وإغلاق مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" (1965م).
يقع الكتاب في ثلاثة أبواب:
الباب الأول بعنوان "السير والسلوك"، ويقع في ثلاثة فصول، في الفصل الأول يتناول المؤلف نشأة لويس عوض، ومفتاح شخصيته، وعلاقته بالآخر، وفي الفصل الثاني "المكونات والمرجعية، والفصل الثالث الحضور الثقافي والأدبي (ص ص21-97).
والباب الثاني بعنوان "الوصف والإنشاء"، ويتناول المؤلف فيه مؤلفات لويس عوض من خلال فصلين: الفصل الأول بعنوان "الوصف" ويتناول فيه جهود لويس عوض في النقد، والأدب المقارن، واللغة، والترجمة. والفصل الثاني بعنوان "الإنشاء"، ويدرس فيه رواية "العنقاء" وديوان "بلوتولاند" ومسرحية "الراهب" (ص ص99-188).
والباب الأخير (الثالث) بعنوان "الرؤية والفكر"، وفيه ثلاثة فصول، هي: السلطة والسياسة، والتشويه والتجميل، والإسلام والعروبة ( ص193-182).
ثم تأتي الملاحق وفيها خطاب من رمسيس عوض ضد غالي شكري، وملخص أخطاء لويس عوض (صفحة من كتاب العلامة محمود محمد شاكر "أباطيل وأسمار")، ومقالة لعبده بدوي، وأخرى لمحمد جلال كشك، ويتلو ذلك ثبت الأعلام، فالمصادر والمراجع، فالفهرس التفصيلي.
إن هذا الكتاب يكشف القناع عن ناقد ذاع صيته، بينما إمكاناته متواضعة، جد متواضعة، ويكفي ما قاله عنه العلامة محمود محمد شاكر: "إن إحساس لويس عوض باللغة ضعيف جدا، وأجنبي جدا، ومع ذلك فهو يعمد إلى النصوص الأدبية في لغة العرب، فيدرسها بمخرقة شنيعة، وبلا حياء".
لقد كان لويس عوض أكذوبة كبرى في حياتنا انطلت على الكثير، مما جعل ناقداً معروفاً مثل الدكتور جابر عصفور يقول عنه: "إن حياة لويس عوض كانت كلها جهداً متصلا وكفاحاً دائماً لتغيير الواقع الذي ظل يرفض ما فيه من تقاليد جامدة، وظلم اجتماعي، وغياب للحرية" (الأهرام 13/9/1990م).
ولقد ظلّت هذه الأكذوبة تستشري في حياتنا حتى جاء هذا البحث للدكتور حلمي محمد القاعود ليضع لويس عوض ـ بالدليل والبُرهان ـ في حجمه الحقيقي، بعد أن يتناول جوانب الهالة الأسطورية التي أحاطته، بأسلوب علمي أكاديمي موضوعي، يعتمد على مقولات لويس عوض وكتاباته بالدرجة الأولى، وما كتبه من كتب نقدية وإبداعية، فيُظهر أن كتابات الرجل متهالكة علمية، ويسرق كتابات الآخرين (كما فعل في كتابه عن جمال الدين الأفغاني)، وكتاباته الفنية متواضعة، ولا تصنع منه مبدعاً كبيراً.
أما كيف أخذ الرجل هذه الهالة، وكيف صار نجماً ذا سطوة على مُخالفيه في الرأي والعقيدة، فهذه تحتاج إلى شرح وإبانة يقوم بها الكتاب خير قيام.
تحية إلى الدكتور حلمي محمد القاعود وهو يسلك الطريق الصعب، ويقتحم وكر الأفاعي لينشر الحقيقة، ويدحر الأكاذيب.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:33 PM
«زهرة الصباح»: البحث عن الأمل.. والحلم بالنجاة
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
............................................
1. تمهيد
يعد محمد جبريل (المولود عام1938) من أغزر الروائيين المعاصرين إنتاجاً، وخاصة فى السنوات الأخيرة، حيث قدّم للمكتبة العربيى عدداً من الروايات والمجموعات القصصية والدراسات الأدبية، منها: "إمام آخر الزمان" 1984، "من أوراق أبى الطيب المتنبى" 1988، "قاضى البهار ينزل البحر" 1989، "قلعة الجبل" 1991، "الخليج" 1993، "إعترافات سيد القرية" و "السحار" و "رحلة إلى السيرة النبوية" و "آبات الستينان" و "زهرة الصباح" 1995، وقد انتهى مؤخراً من كتابه رباعية روائية عن منطقة رأس التين فى الإسكندرية،حيث ولد وعاش طفولته وصباه، ولعلة أراد أن يقابل رباعية الإسكندرية التى كتبها "لورانس داريل" قبل عده عقود من السنين، ولكن من خلال منظورة المصرى العربى الإسلامى الذى يظهر فيه دور مساجد "أبى العباس المرسى" و "البوصيرى" و "ياقوت العرش"، وغيرها من معالم المنطقة وآثارها.
وقد تخصّص جبريل، فى رواياته الأخيرة تقريباً فى استدعاء التاريخ، ليقدّم من خلاله قضايا معاصرة تصعب معالجتها مباشرة فى بض الأحيان، وخاصّةً ما يتعلق بالقيم الراسخة التى صارت غاية مشتركة تنشدها البشرية عامة، والعرب والمسلمون على وجه الخصوص، مثل الحرية والعدل والمساواة والشورى والكرامة والإنسانية وتوسّل إلى ذلك بالتاريخ الإسلامى والتاريخ الفرعونى والتاريخ الحديث، ثم استفاد فى روايته الجديدة "زهرة الصباح" بمعطيات "ألف ليلة وليلة" والتراث الشعبى الأسطورى فى إطار التاريخ المملوكى بمصر، ليناقش العديد من القضايا الكبرى.
ولا ريب أن الإطار التاريخى يستدعى مهارة فائقة فى الوعى بلغة الحقبة موضوع المعالجة الروائية، سواء على مستوى المعجم، أو مستوى المفردات الاجتماعية والإنسانية، أو القيم السائدة والعادات والتقاليد التى كان يعيش بها المجتمع آنئذ، ليتحقّق الإحكامُ الروائىّ، أو الصياغة الفنية الجيدة، وقد حقق محمد جبريل كثيراً من هذه المهارة فى روايتيه: "من أورا أبى الطيب المتنبى" و "قلعة الجبل".
وقد سبق جبريل نجيب محفوظ فى استعاره إطار "ألف ليلة وليلة" وشخوصها فى رواية له تحمل عنوان " ليالى ألف ليلة" ولكنة آثر استخدام لغته العصرية المألوفة التى يكتب بها رواياته، وركز على بعض القضايا من خلال مفاهيمه وبنائه الروائى الخاص، أما "زهرة الصباح" فتدخل فى إطار "ألف ليلة وليلة" بشكله الموروث، وتتقنع به بصورة شبه كاملة، لتنقل القارئ إلى عصر قديم، له نكهته الخاصة، ومذاقه المتميز.
2. المرأة المتسلحة بالمعرفة
تعالج رواية "زهرة الصباح" قضايا الصراع بين الحق والباطل، والشجاعة والخوف، والعدل والظلم، والتمرد والقمع، والإصلاح والإفساد، وتحاول أن تقد الدواء الشافى لهذا الصراع الذى يذهب ضحيته كثير من الناس قهراً وغدراً وانتقاماً، ومن خلال الحكاية المشهورة بين شهريار وشهرزاد تتّضح معالم هذا الصراع وأبعاده، سواء ما يتق شهريار وأسلوبه وتفكيره، أو تفكير الناس من خلال شهزاد وأبيها وزهرة الصباح وأبيها، وطوائف الشعب وطبقاته المختلفة.
"شهريار" مولَعّ بقتل الفتيات اللاتى يتزوجهن بعد ليلة الدُّخول بهنّ، ويقف طابور طويل من الفتيات فى انتظار مصيرهن، من بينهن "زهرة الصباح" ابنه "عبد الملك المتبولى" كاتب سرّ الدولة، ولكن شهرزاد تحكى للملك حكاية متتابة على مدى الليالى الألف، فتغير من طبيعته القاسية، وبتحول إلى الأستقامة والعدل، وما بين قسوة شهريار واستقامته، يعيش الناس بلاءً عظيماً، وقهراً لا حدّ له، ويصاحب ذلك خراب وعنف ودم وجاسوسية ووحشية وفساد وشذوذ وتشهير، وفى ظلّ هذا الوضع تحدث أحياناً بعض محاولات المقاومة والرفض، ولكنها تقابل بوحشيو وانتقام شديدين، حتى ترسخ الخوف فى النفوس، وصار الخوف فى ذاته عنصر قهرٍ داخلى يمارس سطوته على الناس كباراً وصغاراً، حتى شهريار نفسه لحق به الخوف أيضاً، وها هو ذا يقول لشهرزاد: "أيه السعادة" وأنا لا أطمئن إلى الرقاد فى قصرى؟!"، ومع ذلك بقى الحلم بالعدل قائماً فى الصدور والنفوس، وفى الخطب والمواعظ، وظلّ الناس يتساءلون عن الفارس المنقذ الذى يتحدى الخوف ويحقق الأمل الموعود أو المنتظر، وفى الوقت ذاته هناك لجوء إلى الله واستجارة به ليرفع البلاء ويكشف الغمّة، " واجتمع الفقهاء والوجهاء وعامة الناس فى الجامع الأزهر، يتضرعون إلى الله أن يكشف الغمّة، عَلَت دعوات الناس إلى الله بأن يكشف الغمّة.."
وقد انكشفت الغمة بفضل الله، ثم بفضل شهرزاد تلك الفتاة التى تشير إلى دلالتين أراد الكاتب فيما يبدو أن يوصّلهما إلى القارئ:
الأولى قيمة الثقافة والعلم والمعرفة فى تغيير الطبيعة البشرية وتحويلها من خانة الشر إلى دائرة الخير الرحيبة، فلولا ثقافة شهرزاد ووعيها العلمى والفكرى وحسن استخدامها للأفكار والقصص التى تحمل هذه الأفكار، ما استطاعت أن تغير شهريار وتحوله من حال إلى حال، وقد حرصت زهرة الصباح، أو حرص أبوها على تلقينها الثقافة والعلوم المتاحة فى ذلك الحين، بالإضافة إلى القصص والحكاات التى جمها من الرواة والكتب، كى تتسلح بها عندما يأتى عليها الدور بعد شهرزاد.
الدلالة الثانية فى تركيز الرواية على دور المرأة فى التغيير الإيجابى والفعال، ففى الوقت الذى تقع فيه رؤوس الكثير من الرجال عند محاولتهم للتغيير، فأن المرأة تحقق ما يعجز عنه كثير منهم، ولذا تستدعى الرواية عدداً من مشاهير النساء فى التاريخ للتذكير بقدرات المرأة وطاقاتها، مثل "تودد" الجارية التى همت العلماء بعد مناظرتها لهم، و "البدوية" التى آثرت زوجها على أحد الخلفاء، و "صفية" بنت ملك القسطنطينية، و"إبريزة" بنت نلك قيسارية، و "نزهة الزمان" بنت صفية وعمر النعمان، وغيرهنّ، ثم إن شهرزاد نفسها تمثل المرأة التى هزمت شهريار.
ومع تقدير الرواية لدور المرأة فى التغيير، فإنها لا تُلغى دور المجتمع تُعدّ المرأة جزءاً أساسياً فيه تشارك فى حركته، وتسعى لتحريرة ورفع الظلم عنه، وهو ما نرته عبر سطور الرواية.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:34 PM
(القسم الثاني)
3. "التوازى" مع حكايات "ألف ليلة وليلة".
يقوم بناء الرواية على فصول تحمل أرقام الليالى الألف، وما بعدها، ليست هذه الأرقام فى تسلسل الليالى الموروثة، وإنما تأخذ أرقام بعض الليالى وتترك بعضها الآخر، بل إنها تبدأ بالليلة الثانية قبل الليلة الأولى، ويشير الكاتب إلى أن ذلك بسبب اعتبارات الحكى، تُرى هل أراد الكاتب أن يزيد من أقتناعنا بالإطار التاريخى الذى يكتب من خلاله؟ أم ماذا؟ فى الحقيقة فإنى لم أر مسوّغاً ضرورياً للتقديم أو التأخير.
يقوم الراوى فى "زهرة الصباح" بدور مهم جداً، حيث يتولى تقديم الأحداث والأشخاص، ويقطع سردَهُ فى العديد من المواضع أو الفصول حديث الشخصيات نفسها من خلال الاسترجاع أو المونولوج، ولكن الراوى يبدو هو المهيمن الأول على البناء الروائى، والمتحكم فى مسارة بصورةٍ تقيه من الترهل والفضلات الزائدة على الحاجة، ومن هنا رأينا فصولاً تطول، وأخرى تقصر حتى تحتوى على فصل واحد فقط، وثالثة تحمل تضميناً فقط، لقصةٍ شعبية أو موّالٍ أو حدثٍ من الأحداث الروائية.
وتبدأ الأحداث بالعقدة الروائية فى تشابهٍ واضح م الراية القديمة "ألف ليلة وليلة"، حيث يتم إعدام البنات بالتتابع، كل بنتٍ فى ليلة، حتى تأتى شهرزاد وتوقف عمليات الإعدام انتظاراً للفراغ من قصّ حكاياتها المتداخلة والمتنوعة، "يأتى الصباح بنبأ إعدام فتاة جديدة" ولكن الجديد هنا، أن الناس يتألّمون لأنهم لأنهم يساعدون فيما يحدث ويباركونه.
هناك أيضاً تشابه آخر فى اعتماد البناء الروائى على الحكايات الداخلية الكثير، تقوم شهرزاد بروايتها، أو يحكى أشخاص أخرون، وتتنوع هذه الحكايات ما بين موروث أسطورى أو شعبى أو من حكايا "ألف ليلة وليلة" نفسها، مع دلالاتٍ معاصرة بالطبع، وبعض هذه الحكايات يتيح فرصة التمدّد الروائى فى أكثر من أتجاه، وخاصة تلك الحكايات الأسطورية التى تعتمد على الحيلة السحرية مثل الاستعانه بالخاتم المسحور.
يبدو أن البناء الروائى بصفةٍ عامة يحرص على صفة التوازى فى أبعادٍ شتى، وذلك لإبراز المفارقة السلوكية أو الفكرية، فعلى سبيل المثال يتوازى سلوك المتبولى (الحانق على شهريار، بسبب ابنته التى سيأتى عليها الدور فى الإعدام) مع سلوك شهريار نفسه، وخاصّةً بعد أن آلت له الأمور كلّها تقريباً منذ انشغال شهريار بشهرزاد، وعلى سبيل المثال أيضاً، يتوازى الواقع الروائى مع الحكايات التى ترويها شهرزاد، ففى الوقت الذى يشعر شهريار بأن بعض مساعدية ينوى الغدر به تقصّ شهرزاد حكايةً مماثلة هى "الحمّال والبنات" على أن التوازى بالقصص الشعبى من الواقع الروائى يبدو مهيمناً على بناء الرواية، كما يبدو أكثر تأثيراً فى الدلالة، وذلك لارتباطه بالوجدان الشعبى العام، ومن ذلك أيضاً ما تواجهه "زهرة الصباح" عند زواجها السرّى وتَوازيه مع قصة خضرة الشريفة، أسرها وعذابها فى ديار الأعداء، ثم تحريرها على أيدى الدراويش.
ولا ريب أن هذا التوازى فى البناء الروائى، قد ساعدت علية الحكايات الداخلية الكثيرة، وهو بدوره أسهم فى كسر رتابة السرد، وتخليصة من الترهل، كما أضاف إلية حيوية وتنوعاً ملحوظين، وإنْ تسبّب فى إصابته بتضخّم ملحوظ فى عدد الشخوص أو أسمائها، فقد كثرت أسماء الشخوص كثرةً ملحوظة أدت فى بعض المواقع الروائية، إلى ما يشبه الإرباك للقارئ فى تتبعه للشخوص الرئيسية.
لقد خضع انسياب الأحداث وحركة الشخوص إلى وعى هندسى حاد، مما أخضعها جميعاً للنهايات التى أرادها الكاتب، وأرادتها "ألف ليلة وليلة" ـ النصّ المستدعى ـ فقد انتصرت شهرزاد على شهريار، الذى تحول من وحش يعشق الانتقام ولا يبالى فى سبيل ذلك، إلى رجل وديع مسالم يعشق العدل، ويغدق على الجميع ويعطف عليهم، وبذا نجت "زهرة الصباح"، وإن كان والدها، قد تحول إلى زاهد يعيش أيامه الأخيرة فى خانقاه شيخو، ويقنع بما يأكل طَلَبَتُها من طعام وخبز وحلوى، وكان يوزع ما يتبقى من طعامه علىهؤلاء الطلاب، وقد أقنعه زوج ابنته بالعودة إلى القصر، ولكنه عاد مذهولاً، فاستحق الشفقة والرثاء والبكاء.
النهاية المهمّة فى الرواية هى الحلم، الذى يحلم به شهريار لإقامة مجتمع يسودة العدل وألمن والنظام والمساواة،وقد استدعى الكاتب نهايةً موازية لها، وهى اعتراف قبيلة "عَبْس" بأبنها الذى أستعبد طويلاً وهو "عنترة بن شداد"
على كلّ، فإن النهاية ـ كما صرحت ـ تهدف إلى أن يعود الناس إلى ممارسة حياتهم الطبيعية فى أمنٍ وسلام وطمأنينة، دون خوفٍ أو قهر أو رعب.
4. بيئة حافلة وزمان متدفق
تستدعى الرواية بيئةً مكانية وزمانية مطابقةً للمرحلة التاريخية، وهى المرحلة المملوكية فى مصر، وهو بيئة مختلف إلى حد ما للبيئة فى "ألف ليلة وليلة" حيث يتسع فيها المكان والزمان جميعاً.. أما "زهرة الصباح" فقد تحركت على رقعةٍ وادى النيل، ومدينة القاهرة تحديداً، فى أواخر العصر المملوكى، ولهذة المرحلة طابعها وملامحها، فقد شهدت الكثير من الصراعات والأحداث على أكثر من مستوى، وفى الوقت ذاته عَرفت تقاليدَ متنوّعة وطريفة فى شتى المناسبات، ومن ثم يمكن القول، إن البيئة المملوكية فى آواخر زمانها بيئة حافلة وحية، وتتيح للعمل الروائى فرصة العرض الحىّ الشائق الذى يَحُضُّ على المتابعة، ويير لدى المتلقى رغبة الاكتشاف.
تحفل الرواية بوصف الأماكن والطرقات والمعالم، التى تتميز بها القاهرة، أو مصر فى ذلك الزمان، وما أكثر الحديث عن القصور والبيوت والمساكن والمساجد والدواوين، ديوان الجيش وقاعة الإنشاء، ودار الوزارة وبيت المال والزردخانة، وديوان البريد، ودور كبار الأمراء، والقصر الأبلق، وقاعات البيسرية والدهيشة والبحرة، وألسواق والحدائق وغيرها، وإن كانت القلعة، بأبهائها وحجراتها وطوابقها ومداخلها وحراسها وسكانها، هى المكان الأبرز فى البيئة الروائية المكانية، حيث كان يعيش شهريار، يلفة عالم من الغموض والألغاز والأسرار، وخاصة ما يتعلق بمصير الفتيات اللائى يلقَيْن حتفهنّ، والسجناء والمذنبين الذين يواجهون الإعدام.
القلعة تبدو سجناً لشهريار، لا يخرج منه إلا نادراً فى المناسبات، ويَرهبه الجميع ولا يقترب مه إلا رجلان: ضائع أو مضيَّع، وتدور معظم الأحداث فى القلعة وما تضمّة من قصور وبيوت، أما بقيها فتجرى فى الشوارع والأسواق والميادين (حيث يجلس الرواة والحكاؤون) والمساجد.. وقد دخلت المقابر إلى المجال عندما تم التضييق على الرواة ومراقبة ما يقولون.
وتبدو البيئة القاهرية فى ذلك الزمان أقرب إلى البيئة التجارية فى عمومها، وإن كانت تضم أصحاب المهن والحرف المتواضعة، وهذه البيئة هى التى تنبت فيها الشخصيات الإيجابية بحكم أنها ألقرب إلى التأثر بما يقوله شهريار ويسلكه، حيث تنعكس عليها قراراته قبل أن تنعكس على غيرهم، فهى على كل حال تمثل ما يعرف الآن بالطبقة الوسطى التى تُعد عماد المجتمع وأساسه الفعال، ,على جانب ذلك فهى عنصر رئيسى من ناصر الصراع الروائى تدفعة إلى الذروة، وتتحكم فى نهاياته.
أما الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" فيبدو متدفّقاً أفقياً فى تتابع مسلسل، ولكنه يعود إلى الوراء فى أحيان كثيرة ويتجاوز الفترة الزمنية الروائية التى تمتد إلى ما بعد "ألف ليلة وليلة"، وذلك عن طريق الراوى أو الاسترجاع، فالراوى يملك قدرة واسعة على عبور المكان والزمان من خلال الحكايات الشعبية والتاريخية والأسطورية العديدة، فيمكنه مثلاً أن يعود مئات السنين ليتحدث عن الهلالية والزناتى وسيف بن يزن، وعنترة وكليب، وبذا ينفسح الزمان وتتّضح آفاق جديدة، ورؤًى مختلفة تعطى للزمن الحقيقى طماً متميزاً، وتكسر رتابة السرد الروائى، خاصة وأن الحكايات تأتى ـ كما سبق القول ـ لتوازى الأحداث الروائية فى السرد، ولنتأمل مثلاً، مايقوله الروائى فى بداية الليلة الخامسة بعد التسعمئة :
قال الراوى عن الصحصاح بن جندية، فى سيرة "ذات الهمّة" :
ـ لو عاش فى عصر عنترة، لجعله من رجاله، ولغدا عنترة بن شداد من غلمانه..
وقالت زهرة الصباح للجارية نسيم :
ـ ماذا لو بدَّلتِ اسمك إلى عُنيترة؟
قالت نسيم:
ـ وأنى لى أن أصل إلى عُنيترة! لقد قادت أخوتها بعد وفاة أبيها!
استطردت فى دلال
ـ أليس "نسيم" أجمل وأرقّ؟
قال زهرة الصباح:
ـ لكن عُنيترة صارت ـ بعد إسلامها ـ واحدة من المسلمين الغزاة الأوائل!
ويقوم الاسترجاع بالعودة إلى تاريخ الشخوص وسيرتهم الذاتية، أو إلقاء الضوء على الأحداث الروائية، كما نرى فى سيرة "عبد الملك المتبولى" وهو يقارن بين ما انتهى إليه من مكانةٍ وجاه عند شهريار، وكيف بدأت حياته منذ زمان بعيد:
"الرحلة طويلة، منذ أن أنهى حفظ القرآن فى الكتاب، وجلس إلى إمام المغاربة فى عموده بالجامع الأزهر، ثلاث سنوات وأربعة أشهر، أفادته حياة المجاورين، اختلاف المشارب والاتجاهات، والمناطق التى قدموا منها، دلّ على متأمرين فى طائفة البهرة، جعلوا من جامع الأقمر وكراً لنسج مؤامراتهم، بلغ شهريار ما له، فطلب استدعاءه، أدناه منه، وسأله عن اسمه وبلدته وأحواله، خلع عليه، وأمر بإلحاقة فى طباق القلعة"
ثمة ملمح آخر فى الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" هو انتماء اللغة إلى زمن الرواية الأصلى، فى العصر المملوكى، وكثيراً ما نجد معجم هذا العصر حاضراً فى عملية القصّ والوصف، بحيث يتشكل أمامنا العصر القديم بملامحه وأحداثه، ولنتأمل هذه العبارة مثلاً:
"قضت زهرة الصباح وأمهّا اليوم كلّه عند جدتها فى المغربلين، جرى فى القصر تطويش خمسة من العبيد السود، ليقوموا بحراسة حريم القصر، وخِدْمتهنّ، مع أنّ التطويش كان يجرى فى مداراةٍ داخل السراديب السفليّة،فإنّ عبد الملك المتبولى كان يشدَّ على الأم والابنة فتغادران القصر" .
و "التطويش" يعنى إخصاء الذكور بما يجعلهم غير قادرين على ممارسة الحياة الجنسية، مما يؤهلهم إلى خدمة النساء فى قصور السادة والحكام دون خوفٍ عليهنّ، وكان التطويش سائداً فى الفترة المملوكية وما بعدها، حتى انتهى بإلغاء الرق فى القرن الماضى تقريباً.
يمكن القول: إنّ لغة الرواية لغة تاريخيّة أو زمنيّة، تنتمى إلى التاريخ، وإن كتبت بصياغة العصر، وبذا يحقق الكاتب تناغماً ملحوظاً بين الأحداث والبيئة واللغة جميعاً فى إطاؤ تاريخىّ يتحدث عن عصرنا بصورةٍ ما.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:36 PM
(القسم الثالث)
4. ابطال الرواية.. والتغيير.
تحفل "زهرة الصباح" بكثيرٍ من الأشخاص، لدرجة يصعب معها تحديد الشخصية الرئيسية التى يمكن أن نتوقف عندها، فلا شهريار، ولا شهرزاد، ولا دنيا زاد، ولا عبد الملك المتبولى، ولا ابنته زهرة الصباح، ولا غيرهم، يمكن أن ينفصل فى دورة عن الآخر، وخاصّةً أن بعضَهم الواقعىَّ يقوم بدور موازى لبعضهم التاريخى (أو المستدعى تاريخياً) أيضاً فإنّ أرباب الحرف والمهن والتجار يقومون بدور رئيسى فى أحداث الرواية، وكأن الكاتب جعل منهم شخصية قائمة بذاتها فى مواجهة شهريار، وسكان القلعة، كذلك فإن هنالك نوعية أخرى من الشخصيات مجهولة الأسم والملامح تقوم بدور الرواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية على العامة، فى صورة موازية لأحداث الرواية الواقعية، وهؤلاء يمثلون نوعاً من المقاومة يزعج شهريار وأتباعه، لأن قصصهم تشير إلى ما يجرى فى القلعة وتُعلَّق عليه، ولعل الرواية أرادت أن ترمز بهم إلى نوع من المثقفين يختلف عن عبد الملك المتبولى مساعد شهريار، ويملك فى الوقت نفسة القدرة على العمل الإيجابى مهما كان الحصار شديداً والمقاومة دائمة، أمّا من يفتقر إلى الفعل الإيجابى أو الصدق فيما يقول، فإن الناس ينفضون من حوله بل ينقضون عليه، وهو ما حدث عندما خاض الراوى فى حارة الجودرية، فيما لا صلة له بقصص العرب، وحكايات الأيام الغابرة، وأخترع حكايات أخرى تخدم المتبولى وأعوانه.
ومع ذلك، فإن الكاتب قد أعتنى ببعض الشخصيات على وجه خاص، ورسمها بصورة معينة لتمثل حالةً ما، أو نموذجاً ما، يشارك فى الآداء الروائى المشترك.
أول هذه الشخصيات بالطبع "شهريار" وقد جعلته الرواية شخصية متحولة، حيّة، نطالع أعماقها، ونقرأ أفكارها، ونشاهد عملية تغيّرها على يد شهرزاد، من إنسان قاسٍ متوحشاً، يجد لذة فى اإنتقام ومتعة فى القتل، إلى شخصية أخرى تسعى إلى العدل وأحترام آدمية الإنسان والحفاظ على كرامتهم.
وفى البداية تطرح الرواية أسباب شهوة "شهريار" للانتقام وقسوته فى معاملة الناس، فتخبرنا أن الخيانة الزوجية كانت سبب كرهه للمرأة، وانتقامه من النساء، وقتله لكل فتاة بعد أن يدخل بها، ويبدو حين يطلب عروس اليوم التالى إنساناً آخر غير الذى كان أمس، إنّ شهريار يبدو شخصية مزدوجة، وخاصةً حين يجتمع إلى شهرزاد ويستمع إلى قصصها فينسى وحشيته، ويتحول إلى إنسان رقيق، وكأنه لم يأمر بالقتل أبداً! بل أنه إنسان محب للثقافة والمعرفة، ولعل حبه هذا اتضح بعد تأثير شهرزاد عليه، فقد أمر بإعادة تأسيس مكتبة لقصر، وتزويدها بما تحتاجه من الكتب بعد أن عانت طويلاً من الإهمال ونهب الخدم والحراس معظم ما فيها، وخصص المكافآت لمن يزوّد بما فى حوزته من نفائس المخطوطات وكتب القدامى والمحدثين،وعين للمكتبة خُزّاناً وخَدماً وفراشين، ووفر ما يحتاج إليه النساخ والمطالعون من الأقلام والمحابر والورق، وأمر النساخ أن يكتبوا بعض المؤلفات القيمة بماء الذهب، وغير ذلك من مظاهر العناية بالمكتبة ورعاية القراء والاهتمام بالعلماء والأدباء والشعراء..
تصور الرواية شهرذاد وقد غيرت شهريار حتى زهد فى الدنيا، وندم على ما فرط فى قتل النساء والبنات، وتوبته إلى الله عن ممارسة الظلم، مما حداها على أن تُعلَّ على حديث له بأنّ طبيعته تختلف عما يظهره، ثمَّ تظفر شهرزاد بالعفو والحياه، لأنه رآها عفيفةً نقيّة، ومن أجل أن ترعى أولادها الثلاثة.
وبدأ شهريار مرحلة تغييرٍ شاملة فى أرجاء الدولة، فغاب الخوف بعد أن غابت اليد الباطشة، وسادت العدالة والمساواة والرحمة لدرجةٍ أدهشت الناس، حيث نظروا فى البداية إلى الأمر بشئ من الريبة، ثم أطمأنوا بتوالى الأحكام الصائبة فى حكمه، وأيقنوا أن الله أذهب ما فى نفسه من مشاعر غاضبة، وشفى صدره.
لقد حققت الرواية، من خلال تغيُّر شهريار بالثقافة والفكر، صورة الحاكم/ الحلم، والإنسان/ المثال، بدلآً من أت تجعله عرضةً للعقاب على يد المظلومين الذين أوذوا، وصبوا طويلاً على القهر والكيد، وكأنها تطرح حلاً لما يعانيه الناس يتمثل فى تثقيف المسؤول وملء رأسه بالمعرفة حتى يعود إلى جادة الصواب، وإن كان هذا الحل ليس ناجحاً دائماً، فكثيراً من الطغاة كانوا من المثقفين الأذكياء، ولم تمنعهم الثقافة أو الذكاء من التوحّش وقهر العباد.
أمّا "شهرزاد" فهر رمز المرأة المثقفة الجسور، التى تواجه الخطر بصبر وإيمان، رباها أبوها الوزير "رندان" أحسن تربيّة، وعلّمها وثقّفها، فاستفادت بكل هذا فى ترويض شهريار وتحويله عن الطغيان والقتل، وكشفت عن مشاعره الإنسانية الطيبة، وأحبته، وأنجبت منه، وافتدت أختيها "دنيا زاد" و"زهرة الصباح" وبقية بنات جنسها، ومثلت "الفتاة القدوة" للأخريات وخاصةً "زهرة الصباح" التى راح أبوها يلقنها ما يصل إلى سمعه من معلومات وحكايات حتى تتسلح بها فى مواجهة شهريار حين يأتى الدور عليها.
لقد تطابقت صورة شهرزاد فى الرواية مع صورة شهرزاد فى "ألف ليلة وليلة" ولكنها هنا تحولت إلى رمز أكبر، بحكم موقعها الصعب المتأزّم الذى يجعلها بين الحياة والموت، يطلع الصباح كل يوم ويتوقع الناس أنها قتلت بيد شهريار، ولكنهم يكتشفون أنها مازالت على قيد الحياة، حتى انتصرت فى النهاية، وكأن الرواية تبشر بانتصار الشعوب وعودة السلام إلى جنباتها، وفى الوقت نفسه تؤكّد على قدرة المرأة المثقّفة فى وقت التدهور والمأساة، "من كان يتصوّر أن الحدّوتة وحدها هى التى أفلحت فى وقف مسلسل الإعدام؟! " .
وتبدو "زهرة الصباح" فى الرواية ظلاًّ واقعياً لـ "شهرزاد" أو موازياً واقعياً لها، فهى تقتفى خطاها، فى العلم والمعرفة والثقافة، وتعيش محنتها حين تنتظر دورها، بعد أن يقضى شهريار عليها، فتقوم بقصّ الحكايات عليه أملاً فى أن تطيل عمرها بعض الوقت أو تَفْلِت من مصيرها المؤلم، لذا تتحلّى بقدر من الشجاعة وحبّ الحياة فى قلب المحنة، وتوافق على الزواج سرّاً من الشابّ التاجر "سعد الداخلى"، ابن التاجر "الداخلى الملوانى" وهو من التجار المرموقين الذين حققوا أموالاً كثيرة وأقتنوا الدوابّ والأراضى فى الريف، ويحرص دائماً على أن يرعى الله فى كل أعماله والتمسك بأحكام الدين، ويبتعد عن أهل الخلاعة والفسوق، ومن أجل "زهرة الصباح" قَبِلَ أن يكون مجرّدَ خادم فى قصر المتولى والدها، حتى لا يكتشف أمره، وتعيش معه "زهرة الصباح" حياةً يظلَّها الخوفُ وعدم الأمان، وكأنها تحتمى بالزواج ممّا تتوقعه وتراه! بيد أن نجاح شهرزاد فى تغيير شهريار، يحقق لها أمان كما حققه لبنات جنسها وأبناء جنسها جميعاً.
وكما بدت "زهرة الصباح ظلاً موازياً لشهرزاد، فإنّ عبد الملك المتبولى والدها، يبدو كذلك ظلاً موازياً لشهريار مع الفارق بين الرجلين، فإذا كان شهريار يهوى الزواج بالفتيات ثمّ يقتلهنّ، فإن المتبولى يحب ابنته ويحرص بكل السبل على أن تبقى حيّةً ولا تتعرّض لمصير الأخريات، ويجمع الرجلين، بعدئذ وقبله، التصرف بقسوةٍ ووحشية وقمع العباد، وإن استطاعت شهرزاد أن تغيّرهما بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فينتهى الأول إلى إقامة العدل، ويتحول الثانى إلى زاهد فى الدنيا مذهول كأنه نسى نفسه والناس!
ومع تضخّم الرواية بالشخصيّات، خاصّةً الجوارى والعبيد والضحايا، فإن هناك بعض الشخصيات الثانوية المهمة، لأنها تقوم بالتوصيل أو التواصل بين الشخصيات الرئيسية، وتلقى الضوء على سلوكها وفكرها، وخاصّةً فى الأماكن المغلقة أو المستعصية على العامّة،وأولها "القلعة" وقصورها وغرفها، ويمكن أن تُعدّ الدلاّلة "حمدونة" أو الجارية "نجوى" من الأمثلة الدالة على ذلك، أيضاً فإن بعض هذه الشخصيات تمثل الآداه الفاعلة أو التى لا بد منها مثل شخصية "مسرور" السيّاف، الذى يتحرّق شوقاً فى كل آن لتنفيذ أوامر سيده بقطع الرؤوس على النطع، وهو هائل القامة، أسود البشرة، يغطّى الشعر الأكرت رأسه إلى الأذنين، وأهم ما يميز سحنته شفتان غليظتان كأنهما منفصلتان عن بقية الوجه، وقد جعلته شهرزاد يقضى شهوراً دون أن يؤدى واجبة اليومى المتمثل فى الإطاحة برأس الفتاة التى تُزف إلى شهريار.
وتقدّم الرواية نماذج عديدة للضحايا، وإن كانت لم تتوقف أمامهم كثيراً ولعل ذلك يرجع إلى كثرتهم، مثل: "معروف خضر" و "بهاء زينهم" و "عقيل البابلى" و "طاهر العجمى" و "جعفر الوزان" وغيرهم.وواضحّ أن كثرة الشخوص فى الرواية تبير عن طبيعتها التى تعالج قضية عامة تهم جميع الأفراد فى المجتمع، لذا جاء بعضها جاهزاً ومرسوماً من الخارج، باستثناء الشخصيات الرئيسية فى أثناء القراءة من الداخل أو الخارج معاً، كما يتبدّى فى شهريار "شهريار" وظلة الموازى عبد الملك المتولى، وشهرزاد وظلها الموزاى زهرة الصباح.
5. لغة تاريخية.. فى سياق عصرى :
تتميز الصياغة لدى محمد جبريل بخصائص مشتركة، تكاد تنسحب على معظم رواياته، فهمو حريص على أن تبدو الجملة الروائية قصيرة وبسيطة قدر الإمكان، كما يحرص على إسقاط أدوات الربط بين الجمل تبعاً لذلك، ولعل هذا يعود إلى تأثره بلغة الصحافة التى تحرص على الإيجاز، ومن علائمه تقصير الجلة من حيث التركيب وإسقاط الرورابط، ولكت لغته فى مجموعها ـ كما قلت فى مناسبة أخرى ـ نقيّة، وبعيدة عن الترهلّ والمفردات الزائدة.
الجديد، هنا، هو استخدام اللغة التاريخية الملائمة للإطار التاريخى فى الرواية، ولا نعنى باللغة التاريخية أنها لغة قديمة سادت فى هذا الزمان الذى جرت فيه أحداث الرواية، ولكنها تستخدم مفردات المعجم الذى يشير إلى تاريخية اللغة فى سياق عصرىّ، وقد أشرنا إلى فى الفقرة الرابعة، فمفردات العادات والتقاليد والمسميات والتقسيمات الإدارية والوظائف والرتب والألقاب.. الخ، كلها نجدها ائمة فى لغة السرد الروائى، يذكر الكاتب بدقةبل أنه يأتى أحياناً بفقرات مسجوعة على غرار الأسلوب المسجوع الذى كان شائعاً فى ذلك العصر، ولنقرأ، مثلاً الفقرة التاريخية التى تصف "مريم الزنّارية" مع ما فيها من طرافةٍ عصرية أحياناً:
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:37 PM
(القسم الرابع)
..............
"كأنها فضّة نقيّة، أو بلطية من فسقيّة، أو غزالة من بريّة، بوجةٍ يُخجل الشمس المضيئة، وعيونٍ بابلية، ونهودٍ عاجية، وأسنان لؤلؤيّة، وبطن خماسية، وأعطاف مطويّة، وسيقان كأطراف ليّة، كاملة الحسن والجمال، ورشيقة القدّ والإعتدال.." .
بيد أنّ الرواية تحرص على أن تقد ذلك العصر من خلال وصفٍ حرّ ينقلنا إليه وإلى معالمه، تأمّل، مثلاً، وصف مسيرة أحدِ المواكب التى أشتهر بها :
"سار الموكب من حىّ الطبّالة، على الجسر الطويل بين بركة الرطلى والخليج الناصرى، فى المقدمة حملة المشاعل، ثمّ المئات من فرس الديلم، يرتدون الثياب الموشاة بالقصب، ويحملون الحراب، ثم حملة العصىّ، يتقاذفونها فى الهواء، فراكبوا الجمال، يضربون كؤوساً معدنية، وركب الآلتية ظهور الحمير، يضربون على الطبل، أو يعزفون على آلات النفخ، يتبعهم الصُّحبجيّة وأولاد عبد السلام، بثيابهم الواسعة، الملوّنة المزركشة، يتقدمون ويحيطون بالهودج، الذى جلست "شهرزاد" فى داخله، تنثر عليه خائف الذهب والفضة ".
والأمر يسير على هذا النحو فى وصف الأماكن والمجالس والقصور، بما يتلاءم مع الصورة التاريخية التى تنبض بالحياة من خلال اللغة الحية أيضاً، فإنّ الحوار ينطبق عليه ما ينطبق على الوصف، وتعبّر اللغة عن دلالاتٍتاريخية خاصةً بذلك العصر، وأنماط السلوك فيه، فضلاً عن الحوار فى البناء الروائى وقيامه بدوره ى عملية الكشف والنفسير والشرح، وربط الحاضر بالماضى، وتوقع الأحداث الآتية، مثلاًُ، أن نقتطف الجزء التالى من الحوار الذى دار بين زهرة الصباح وزوجها سعد الداخلى، حيث كان يتهيّأ للخروج من البيت وهى تبدى إشفاقها عليه:
ـ أظلّ فى خوف عليك، منذ خروجك من البيت، حتى عودتك إليه!
تلاعب بأصابعه شأن المتحيّر:
ـ جعلنى أبوك خادماً فى قصره.. لكننى كذلك أشرف على أعمال أبى.
فوّتت المعنى:
ـ وبماذا تقدّم نفسك للمحتسب؟
وهو ينزع الشارب الأسود من فوق شاربه المائل للاصفرار:
ـ كما تعلمين.. أغادر القصر متخفيّاً، وأعود إليه متخفيّاً..
استطرد وهو يتهيأ لاحتضانها:
ـ أنا عند أبى مشرف على أعماله. أما هنا، فأنى سعيد بأن أكون خادماً لمحبوبتى الجميلة.
وكما نرى، فإنّ الحوار، مع كفه لطبيعة العلاقة بين الزوجين، وظروف الزوج الذى يتخفى للوصول إلى زوجته، بالإضافة إلى التعريف بطبية عمله، فإنه يشير إلى الوظيفة التاريخية الهامة التى كانت سائدة فى عصر الرواية وهى وظيفة المحتسب، وكانت مهمّته مراقبة الأسواق، والآداب العامة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، من خلال مساعديه الذين يختارهم من بين المؤهلين لهذه المهمّة.
وعلى هذا النحو يمضى الحوار فى المواضيع الأخرى حاملاً الدلالة التاريخية، وقائماً بمهمّة الكشف والإيضاح، تؤازره فى ذلك عملية تضمينٍ واسعةُ النطاق تعتمد عليها الرواية، ويتنوع التضمين ـ الذى ينتمى إلى الموروث ـ ما بين موّال، وحكايةٍ شعبية، وأسطورة، وإن كان الموّال أكثرها حضوراً من حيث الإبقاء على صيغته الأصلية.. أما الحكاية أو الأسطورة فقد تتعدّل صياغتها اللغوية لتكون أقرب إلى القارئ المعاصر..
إنّ الموّال، وهو صورة من صور الزَّجَل، يبدو أقرب إلى روح الشعب ووجدانه، فضلاً عن لهجته الدارجة القريبة من الفصحى، وقد أكثرت الرواية من تضمينه بحكم تسجيلة لأحزان الناس ومعاناتها فى واقعها وحياتها، فاهتمّ به الرُّواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية فى المقاهى والميادين والحارات، واستدعته الرواية، ليؤكّد على اللغة التاريخية، ويتوازى مع الأحداث ودلالاتها، لذا نجد بعض فصول الرواية تقتصر على موّالٍ واحد فقط، لتكثف من دلالته، ولتؤكد على الأمل فى النجاة وعبور المحن، ولو بالموت، ففى الليلة الثامنة بعد الثلاثمئة مثلاً، يقول الراوى:
الـدنـيـا غـازيـّة مـا داِمـتْش للـنّاس ولا لـيـّهْ
ولا دامِتْش لمصرى ولا للرُّومى اللى نشا سور اسكندريّهْ
ولا دامتش لسيدنا داود اللى فتل الحديد، ولان لما بقى مَيّهْ
ولا دامتش لـسيـدنا سليمان اللى طاعـه الإنس والجنيّهْ
ولا دامـت لسيف اليزل اللى سعى وجـاب كـتاب المِيّهْ
ولا دامتش لأبو زيـد وديـاب أيـام حـروب الهلاليّةْ
والموّال هنا هو كلّ الفصل الروائى، واعترض المجال السردى ليؤكد على حقيقة الموت التى تطال الجميع بلا تفرقة ولا تمييز، وكأنّ الرواية بهذا الفصل الموّال، تؤكد مسبقاً على مصير شهريار المحتوم مهمه علا فى الأرض وجعل أهلها شِيَعاً.
ولا يقتصر التضمين بالموًال على هذا الفصل، ولكنه يتكرّر فى مواضع أخرى تشى بالحزن والألم، ولعلّ أكثرها توفيقاً الليلة الثامنة والثلاثون بعد الثمانمئة، حيث أنشد الراوى موّالاً، منه هذه الأبيات:
وكـلً سـاعَهْ نقـولْ بكرَهْ حا تتعدّلْ
ومهما نسعى نـلاقى الـزهر بَـهْدلْنا
ظـروفنا هيّـه كِـدَهْ حلفتْ ما تتعدّلْ
مـا دام معاهْ حَـظّ.. أحـوالُه بتتعدّلْ
وصاحب العقل فى الدنيا عايشْ مظلوم
والتضمين بالحكاية الشعبية قد يشمل القصة كاملةٍ، مثل حكاية القديس الذى ذبح الوحش وانتصر عليه، كما فى الليلة التاسعة بعد الأربعمئة، أو إشارات تستدعى الشخصية الشعبية مع ملمح من قصتها، كما نرى فى استدعاء عنترة وكليب والهلالية وغيرهم على مدى صفحات الرواية، ممّا يعطى المذاق التاريخى للرواية بعامّةٍ وللغتها على نحوٍ خاصّ.. وإن كان الحصاد فى النهاية عصرياً وقائماً بالقرب منا.
6. رواية الحلم بالنجاة:
وبعد..
فإن "زهرة الصباح" حلقة جديدة من حلقات البحث عن الأمل، والحلم بالنجاة من خلال إقامة العدالة والمساواة والرحمة، ورفض الشرّ والقسوة والانتقام الأعمى،
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:38 PM
قضية التماثيل .. ووطن الأماثيل!
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
..................................
كتب مكرم محمد أحمد في الأهرام يوم الثلاثاء الماضي 4- 4- 2006م ؛ مقالا حول موقف مدير الجامعة الأميركية بالقاهرة ، من مواد الثقافة العربية التي قرر المدير إلغاءها من مقررات الدراسة بالجامعة ، وهي المواد المتفق عليها في " بروتوكول " بين الحكومتين المصرية والأميركية . ولم يستجب المدير لمناشدات الأساتذة والطلاب بالإبقاء على مواد الثقافة العربية مع هامشيتها وبساطتها ، وتخلى عن منهج الجامعة الذي يقوم على الحوار والتفاهم ..
واضح أن السيد مدير الجامعة الأميركية يتحرك وفقا لسياسة بلاده الصليبية الاستعمارية التي أعلنت الحرب على الإسلام ( وليس الإرهاب لأنها أول من صنعه ورباه وغذاه) ، وراحت بالصلافة والعجرفة تأمر الحكومات العربية والإسلامية بإلغاء الإسلام من إعلامها وتعليمها ، وثقافتها وفكرها ، تحت مسمى تغيير الخطاب الديني .. ولم تعبأ أميركا الصليبية الاستعمارية – وهى التي لا تتمسك بقيم المسيحية ولا تعاليم المسيح – بأية قواعد قانونية أو مواثيق دولية في حق الدول المختلفة في المحافظة على ثقافتها وهويتها ، ومن ثم جاء قرار مدير الجامعة الأميركية ، صادما للأمة بوقاحته واستفزازه وعنصريته..
هذا الحدث الجلل الذي يعبر عن هوان الأمة على نفسها ، لم يستوقف كتاب المار ينز في بلادنا ، ولكنهم هاجوا وماجوا لأن فضيلة المفتي أصدر فتوى تحرم التماثيل ، وتطوّح بعضهم في حلقة الذكر " الاستعماري" تعبيرا عن كراهيته للإسلام وثقافته، وراح يصف المفتي بممالأة السلفية ، والانتماء إلى طالبان ، ووصل الأمر بواحدة من إياهن إلى المطالبة أن يغلق شيخ الأزهر والمفتي فمهما ، ولا يتكلمان بل لا ينطقان بأية فتوى طالما هناك قانون ودستور يحكمان البلاد !
كتاب المار ينز موتورون من الإسلام وثقافته ، يتعاملون مع شرائع الأرض والسماء بود وتسامح ما عدا الإسلام . يعلموننا ليل ونهار أن الغرب ليس واحدا ، وأن اليهود الغزاة ليسوا واحدا ، ولكنهم يضعون الإسلاميين جميعا في تصنيف واحد، يطلقون عليه كل ما يحمله القاموس اللغوي من معان سلبية وشريرة ورديئة وبذيئة .
قبل فترة رفض الأنبا شنودة تزويج المطلقات والمطلقين من النصارى الذين تحكم المحاكم بانفصالهم ، لأن ذلك في رأيه مخالف للإنجيل ، ولم ينبس واحد من كتاب المار ينز ببنت شفة ، ولا أظنه يستطيع .. لسبب واحد ، وهو أن غير المسلمين يحمون شرائعهم ،ويستطيعون الرد المؤلم والموجع على من يتعرض لها . أما الإسلام فهو الحائط الواطئ الذي يقفز عليه كل سفيه وعميل وبائس دون أن يخسر شيئا ،أو يتأثر بشيء !
وكنا نتصور أن كتاب المار ينز – ومعظمهم من اليسار المتأمرك ومرتزقة النظام – يمكن أن يكون لديهم حد أدنى من الخجل والحياء ، فيوجهون أقلامهم إلى معالجة القضايا الحيوية التي يضج الناس منها على المستويات المختلفة كافة .. ولكنهم للأسف لا يستطيعون مواجهتها مواجهة جادة ومخلصة وصادقة . فهم يعملون لحساب من صنعوا مشكلات الوطن ومن فاقموا من أزمته ومتاعبه وآلامه.. والعبد لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه سيده.
لقد أصبحنا أمثولة بين أمم العالم في التخلف والعجز وقبول الذل والاستسلام لما يفعله الآخرون بنا ، وصرنا نخرج من مأزق إلى آخر ، ومن محنة إلى أخري ، وانظروا ما ذا جرى لنا على مدى شهرين فقط: موت ألف مصري في عبارة الرجل المحصّن- كارثة الطيور التي أذهبت الثروة الداجنة وأوقفت حال الناس وحرمت الفقراء من طعم اللحوم – اشتداد الغلاء وكان السكر في مقدمة السلع والتليفونات في مقدمة الخدمات ، ولن يكون الوقود الذي أعلنوا عن قرب رفع أسعاره آخر السلع ، لأنه سيشعل الأسعار تلقائيا – امتداد طابور البطالة – تبديد أموال الدولة في المظهريات وإنفاق المليارات فيما لا يفيد وفقا للجهاز المركزي للمحاسبات ...
القوم لم يتوقف سعارهم المحموم في حملتهم على فتوى المفتي بسبب التماثيل ، ولكنهم تجاهلوا ما يعانيه المصريون من قهر واستبداد ونظام فاسد ينتفش فيه الفاسدون والمنافقون ويستأسدون ..
إننا نتساءل : هل يأخذ كتاب المار ينز بكل الفتاوى في الأمور الإسلامية أساسا ؟ إن بعضهم لا يفيق من الخمر ، وبعضهم لم يركع ركعة واحدة .. وبعضهم لا يقبل أن يعطي فقيرا قرشا واحدا بدعوى أن الدولة مسئولة عنه، وبعضهم لا يهتز ضميره وهو يمارس الرذيلة أو يأخذ ما ليس له من أموال المسلمين .
لقد صرنا أمثولة الأمم .. بل أماثيل في سياستنا واقتصادنا وثقافتنا وواقعنا وأخلاقنا وحاضرنا ومستقبلنا .. ومع ذلك فالقوم مشغولون بقضية التماثيل التي أثاروها في العام الماضي ، وصنعوا من أجلها مناحة ملأت الدنيا لأن رئيس حي أو مدينة لم يضع تماثيل لآلهتهم المزعومة في إحدى الحدائق ..
ويا وطن الأماثيل .. لابد من فجر جديد.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:39 PM
عبدالمنعم سليم جبارة.. رجل لا يحبّ الضجيج
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
.................................
كنت كلما دخلت عليه مكتبه أداعبه بالآية الكريمة، "ومزاجه من تسنيم" (المطففين/27).. وكان يبتسم ابتسامة هادئة، ولكنها تعبِّر عن فرح عميق، فقد رزق بفتاة سماها "تسنيم" بعد ولد سماه "زياد". كان اسم "تسنيم" نادراً، ولكنه اسم قرآني جميل، صارت صاحبته اليوم عروساً في الدراسات العليا بعد أن تجاوزت العشرين.
مرَّ الزمان سريعاً مذ قابلته لأول مرة في مقر مجلة "الدعوة" بالتوفيقية عام 1976م، كان هادئ السمت، قليل الكلام، يهتم بما هو مفيد، لا يحفل بالثرثرة، ولا يبدي انفعالاً، ولكنه يتجه نحو العمل، العمل فقط، وحوله كوكبة من الشباب، صاروا اليوم مبرزين في أعمالهم، "صلاح عبدالمقصود"، وكيل نقابة الصحفيين، "بدر محمد بدر" مدير تحرير "آفاق عربية"، "أحمد عز الدين"، مدير تحرير "المجتمع"، وغير هؤلاء من جيلهم والجيل التالي بعدهم أعداد أخرى حققت نجاحات في ميدان عملها الصحفي والثقافي والفكري، تعلمت من "عبدالمنعم سليم جبارة" وعملت معه.
تعرفت إليه بواسطة صديقي الراحل "جابر رزق"، وكانا يديران مجلة "الدعوة" في ظل الأستاذ "عمر التلمساني" والأستاذ "صالح عشماوي" ـ رحم الله الجميع ـ وكانت "الدعوة" آنئذٍ تصدر شهرية، وتغطي مع مجلة "الاعتصام" التي كنت محرراً بها نشاط الحركة الإسلامية، وتعبِّران معاً عن رؤية إسلامية لأحداث تلك الفترة التي أعقبت حرب رمضان، والإفراج عن المعتقلين من التيار الإسلامي، والسماح بهامش من الحرية التعبيرية.. كان لي شرف الكتابة في الدعوة، وخاصة بعد إعلان مبادرة الرئيس الراحل "أنور السادات" بزيارة القدس المحتلة، والتفاوض مع الكيان الغازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة.
توطدت معرفتي بعبدالمنعم سليم جبارة بعد ذلك، وكان هناك مفارقة طريفة، وهي أننا تزوجنا في عام واحد (عام1 978)، ثم تعاونت معه فيما بعد حين أعيد إصدار مجلة "لواء الإسلام" التي صار رئيساً لتحريرها، وكنت أتولى تحرير القسم الأدبي فيها، حتى سافرت إلى العمل بالخارج، وجاءت حرب الخليج الثانية (احتلال الكويت من جانب العراق)، فأغلقت "لواء الإسلام" تحت ضغط الأحداث ومضاعفاتها، فلم أقابله إلا لماماً، ولكني كنت أتابع مقالاته المستمرة والدؤوب في العديد من المجلات والصحف: "المجتمع، الأحرار، الشعب، الحقيقة، آفاق عربية، وغيرها". وكان فيما يكتبه ملتزماً بالرؤية الإسلامية النقية التي لا تتأثر بالدعاية السائدة، ولا تنخدع بالأقوال التي تصدر عن خصوم الإسلام، كان يرى الأشياء كما يوجب الإسلام أن تُرى، لا كما يريد الآخرون أن نراها. ثم إنه يصوغها في عبارات علمية دقيقة بعيدة عن الانفعال العاطفي أو الهجاء السياسي.. فقد كان يرصد ما يراه، ثم يبدي رؤيته الإسلامية في وضوح، لا يراوغ ولا يخاتل ولا ينافق، وكانت مقالاته في معظمها تتجه نحو معالجة القضية الفلسطينية ومستجداتها على الساحة السياسية والعربية، منطلقاً من فهم محدد يؤمن أنَّ الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين واستعادة بيت المقدس.
لقد تخرج عبدالمنعم سليم جبارة في كلية الآداب، وكان تخصصه في "الجغرافيا"، وهو ما ساعده في تحليلاته السياسية على استيعاب أحوال العالم الإسلامي، بل العالم كله، فقد كانت الدنيا تحت ناظريه يعرف تضاريسها الجغرافية كما يعرف تضاريسها السياسية، ولذا جاءت كتاباته عميقة، تشير إلى وعي جاد بما يدور على خريطة العالم.
وكانت تجربته الإنسانية زاخرة وعامرة، مع قسوة بعض جوانبها ومراراته وبشاعته، فقد ولد في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1930م لعائلة ميسورة في مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، ومكّنه المستوى المادي المرتفع لأسرته من دخول جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً). وانضم وهو طالب في ا لجامعة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وشارك في عمليات الفدائيين ضد المستعمرين الإنجليز بمنطقة قناة السويس في أوائل الخمسينيات، واعتقل عام 1955 وظلَّ بالمعتقل حتى أفرج عنه عام 1974م بعد أن قضى نحو عشرين عاماً ذاق فيها مرارة السجن وبشاعة التعذيب وقسوة الظلم، وقد عبَّر "نجيب الكيلاني" ـ رحمه الله ـ عن هذه المحنة في روايته المؤثرة "رحلة إلى الله"، وكان صديقاً لعبدالمنعم سليم ورفيقاً له في السجن، بعد محاكمات 1965م، وقد أشار "نجيب الكيلاني" إلى علاقته بعبدالمنعم مذ كانا طالبين في الجامعة، الأول كان طالباً في الطب، والآخر في الآداب، وسجلها في كتابه الضخم الذي ترجم فيه لنفسه "لمحات من حياتي"، وأذكر أنني حين ذكرت له بعض الوقائع التي وردت في الكتاب، وحكاها لي نجيب شفاهة، ضحك، ولم يعلق، كعادته، وكأنه يستحي أن يشير إلى ما تعرَّض له في المعتقل، على العكس من صديقه "جابر رزق" الذي سجَّل ما جرى وحدث بصراحة بالغة، وكان الهدف منها كشف الممارسات الوحشية لبعض البشر الذين ماتت قلوبهم، وهو ما عبَّر عنه أيضاً الكاتب الراحل "مصطفى أمين" في كتابه المشهور "سنة أولى سجن" وأشار فيه إلى ما أصاب المعتقلين السياسيين من تعذيب بشع!
لقد خرج "عبدالمنعم سليم" من غياهب الظلمات وهو في الرابعة والأربعين من العمر، لم يتزوج، ودون وظيفة، فعمل في وزارة التربية والتعليم موجهاً بالتعليم الثانوي، وفي عام 1976م انضم إلى مجلة "الدعوة"، ثم أعير إلى الإمارات العربية المتحدة ليعمل في مجال التدريس، ويؤسس مع آخرين مجلة "الإصلاح"، ثم ترك الإمارات وعاد إلى مصر بعد سنوات.
الميزة الرئيسية التي تميز عبدالمنعم سليم، هي أنه لا يحب الضجيج، بمعنى أنه يريد أن يخدم دينه ودعوته إلى الله في صمت، فلا يسعى إلى الأضواء، ولا يجري وراء البريق، ولا يستشعر "الأنا" التي تعبِّر عن حب الذ ات أو النفس، إلا في مواقف التضحية والبذل، حينئذٍ يقدم نفسه وروحه، في صمت ودون ضجيج. إنَّ بعض العاملين في مجال الحركة الإسلامية والدعوة إلى الله تتسلل إليهم آفة "النرجسية" أو "حب الظهور" أو "الانتفاخ الكاذب". ولكن رجلنا كان متواضعاً، أو حريصاً على التواضع الذي يدخله في دائرة الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. هو يريد أن يقول كلمته في هدوء ثمَّ يمضي، وكأنَّه لا يريد أن يعرف أحد أنه هو الذي قال، ولعلَّ ذلك كان من وراء كتابته مئات المقالات بأسماء مستعارة، حيث كانت بعض المطبوعات تحمل له أكثر من مقالة، فيوقع بأسماء مثل: أبوزياد، أبوطارق، د. سيد الفضلي، د. أحمد عبدالحميد البنهاوي، وغيرها..
وأذكر أنَّ كاتباً يحمل اسمه ـ وهو من تيار آخر ـ احتج كتابة بأنَّ تشابه الاسمين يوقع صاحبنا في مآزق مع التيار الذي ينتمي إليه، فأضاف الراحل الكريم إلى اسمه لقب العائلة "جبّارة" دون أن يجد في ذلك غضاضة، ليفرِّق الناس بين الاسمين.
إنَّ تواضع "عبدالمنعم سليم جبّارة" في الحياة والدعوة الإسلامية، يجعله نموذجاً للداعية الإسلامي، الذي تمكن الإيمان من قلبه، فلم تشغله زخارف الدنيا ولا عرضها الزائل، وفي الوقت نفسه يقدم درساً حياً وبليغاً إلى "المغرورين" أو "السفيانيين" الذين يدورون حول أنفسهم وذواتهم، ويتناسون أنَّ الخدمة في ميدان الدعوة الإسلامية تقتضي التواضع أو إنكار الذات، ليكون عملهم خالصاً لوجه الله، وأشهد أني ما رأيت الرجل يوماً يضع نفسه في مستوى فوق مستوى المسلم البسيط الذي يرجو رحمة ربه وعونه.. مع أنه كان في مواقع تتيح له أن يتيه وينتفش ويزهو ويفاخر.. ولكنه كان ينظر إلى الآخرة متخلقاً بأخلاق الإسلام والسلف الصالح.
ولعل ذلك كان من وراء التكريم الإلهي له، وهو التكريم الذي تبدَّى عند وفاته، فقد ظلَّ واقفاً عل ى قدميه، يصلي ويتهجَّد ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي، وهو الليلة المباركة التي يرجح العلماء أن تكون ليلة القدر، فقد اختاره الله وهو يصلي، وتمَّ دفنه يوم الجمعة، ورأى من رافقوه إلى مثواه معالم كرامات تدل على أنَّه من المقبولين إن شاء الله.
هذا الرجل الطيب والداعية الذي ينكر نفسه، كان مثالاً للمسلم الذي يعرف القناعة والرضا بقدر الله، تقول عنه زوجته: "كان زوجي نسمة لطيفة في حياته ومماته، كان معلماً منذ أول لحظة ارتباطنا، منذ أن ارتضينا هذا الطريق نقطعه معاً إلى الجنَّة، فبدأنا بشقة صغيرة في شبرا الخيمة، ولم اشتر فستان زفاف، بل استعرت فستان أختي، وعقدنا زواجنا بمسجد صلاح الدين بالمنيل في حفل عائلي صغير، ثم فتحت علينا الدنيا أبوابها، فتدفق المال، ولكن كل هذا كان في يده لا في قلبه. لم يغيره فيض العطاء بعد طول الحرمان؛ لأنَّ قلبه قد تعلق بأمل آخر.. الجنة، رغم حياته الزاخرة لم يكن يذكر ما حدث له إطلاقاً، بل كنت أعرفه من الكتب ولا أحدثه فيه، كان يشعر بأن ما يقدمه لدعوته هو كنزه، فكان أحرص ما يكون عليه، وعلى ألا يطلع عليه أحد، فلا أذكر أنه روى لنا ما حدث معه في السجن إلا مرة واحدة، كنا نشكو من شدة الحر، فشرد ببصره قليلاً ثم قال: سبحان الله، لقد كانت تأتي على الأخوان أيام في سجن قنا نظن فيها أنَّ الموت يكاد ينالنا من شدة الحر. وإذا بالمولى عزَّ وجل يرسل ما يلطف به الجو فيخفف عنا والجنود حولنا في ذهول. وحينما كنت أرى إصابات جسده من أثر التعذيب وأسأله عنها كان ينكر بشدة ويتهرب من أسئلتي..".
وأكتفي بهذا القدر من شهادة الزوجة الصابرة، وما تضمنته من حفظه للقرآن الكريم ودأبه على قراءته وتلاوته باستمرار.. لأقول: "إنَّ عبدالمنعم سليم جبّارة" يقدم أنموذجاً لخدمة الإسلام في صمت ودون ضجيج ودون رياء أيضاً.. رحمه الله، وجعل مست قرَّه في الفردوس الأعلى.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:41 PM
لغة عصام الغزالي الشعرية
لا تستعصي على بحر أو قافية .. وتقوم على معجم إسلامي
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
...........................
لغة الشعر عند عصام الغزالي تتميز بالسلاسة واللين والمطاوعة، وهي مثل العجينة في يده، يشكّلها كيف يشاء، دون تكلف أو عناء، ولا تستعصي على بحر ولا قافية، وهي بصفة عامة تقوم على معجم قرآني، إسلامي يلحظه القارئ بوضوح عبر قصائده، منذ بداياته حتى الآن، وذلك يعود بالطبع إلى رؤيته الإسلامية للكون والحياة، وثقافته القائمة على الوعي بالتراث الإسلامي.. إلى جانب ثقافة التخصص التي كوَّنت حياته العلمية والعملية.
والمعجم الإسلامي يتدفق عبر المفردات والتراكيب، بل الصورة والبناء الشعري جميعاً، ويستطيع القارئ أن يطالع في معظم القصائد مفردات الطهارة والتسبيح والتوبة والتقوى والاستغفار والترتيل والصلاة والجنة والحور العين والفتوى والنور والتكبير والصبح والاغتسال والابتهال والصبر والعفة والرزق والبراءة والقضاء والشهادة والزكاة والصحابة والمنابر والبدر، والرسول { والقرآن الكريم والحرام والحلال والهلال والسلام والوضوء والكوثر والمسك والآيات والتوحيد والرق المنشور، والشفاعة والبشارة والاعتصام والفجر والصيام... إلخ.
وهذا المعجم يعطي بلا شك إشعاعاته الإسلامية في القضايا التي طرحها الشاعر عبر قصائده أو التجارب الشعرية التي يعالجها بصفة عامة، كما أنه يعطي مذاقاً خاصاً للغة الشاعر وصياغته الشعرية، يختلف بالطبع عن المعجم العادي أو المعجم المخالف الذي يلجأ إليه شعراء آخرون، لا يؤمنون بالتصور الإسلامي، أو يؤمنون به ولكنهم لا يطبقونه في تجاربهم الشعرية لسبب أو لآخر.
إن المفردة الإسلامية في القصيدة لدى عصام الغزالي تعطيها خصوصية من حيث البناء أو التركيب فضلاً عن الرؤية، ولعل قصيدته "عدالة الطين"، تعد من أفضل الأمثلة الدالة.. يقول فيها:
أقاضيكم أمام الله فاحتفظوا بحجتكم إلى حين
فلا التزيين يقنعني بموقفكم ولا التخويف يثنيني
ولا الأوراق تجعلكم على حق بأصباغ وتلوين
ولا العدل الذي أرجوه عندكم فأطلب منه تمكيني
@@@
أحاسبكم أمام الله فانتظروا سيحييكم ويحييني
ويوقفنا ويسأل وهو علاَّمٌ.. ويفصل في البراهين
@@@
أقاضيكم وحسبي اليوم أن خاصمتُ في رفق وفي لين
وحسبي الله في تأجيل مظلمتي وفي إهدار تأميني
أقاضيكم.. وحسبي الله في عجزي أمام عدالة الطين.(1)
إن القصيدة تطرح فيما يبدو مظلمة خاصة وقعت على الشاعر، ولكنها في الإطار العام تناقش قضية أوسع تتعلق بالعدالة المطلقة، والعدالة العرجاء أو العدالة الظالمة التي لا تشفي غليل المظلومين، والشاعر يعلن هنا ثقته في العدالة المطلقة التي تتم أمام الله سبحانه، ويسحب هذه الثقة من العدالة العاجزة التي يكنِّى عنها بعدالة الطين، وبين "الثقة" و"سحب الثقة"، نجد المعجم القرآني أو المعجم الإسلامي يحكم البناء الشعري، مفردة وتركيباً وتصويراً.
إن الشاعر يبدأ قصيدته بجملة "أقاضيكم أمام الله"، والظرف "أمام" يحسم المسألة ويعطينا ما نسميه بثقة الشاعر في العدالة الإلهية، وبالتالي "سحب ثقته" في العدالة الدنيوية العاجزة عن الوفاء بالحقوق. ولفظ الجلالة المضاف إليه يؤكد وجوده في التركيب على انتماء الشاعر واعتقاده، لذا فإن ثقته المطلقة في ربه تقول لخصومه "فاحتفظوا بحجتكم إلى حين"، كأنه ينبههم إلى أن العدالة الدنيوية وإن حكمت لصالحهم فلن تلغي بحال العدالة الآخروية التي تتم بين يدي الله. ثم نرى الشاعر يؤكد على ثقته بالعدل الإلهي من خلال رفض الخوف والتزييف والتزوير.. ولا "الأوراق تجعلكم على حق.."، بل إنه يكرر أن العدل الذي يرجوه ليس عند هؤلاء الدنيويين الذين يستخدمون الترهيب والترغيب.
وفي خطاب الشاعر لظالمه ما يؤكد أيضاً على إيمان واثق بالبعث والحساب الدقيق يوم الحشر، "فانتظروا سيحييكم ويحييني"، وهو إيمان واثق بأن الله علاَّم الغيوب يعلم السر وأخفى: "ويوقفنا ويسأل وهو علاَّم.." وهو إيمان واثق يدل عليه تكرار لفظ الجلالة أربع مرات، وتكرار الضمير العائد عليه أكثر من مرة، والإتيان بوصفه الدال عليه "علاَّم".. هذا الإيمان الواثق يزرع الأمل في نفس الشاعر التواقة إلى العدل الحقيقي، والرافضة للعدل الخادع الذي يصنعه التخويف والتزوير والتزييف... ومن ثمَّ، فإن مخاصمة الشاعر لظالميه في رفق ولين لا تعني أن حقه قد ضاع، وإنما سيأتي في يوم مشهود.. وفي هذه المرحلة، فإنه يكتفي بربه... "وحسبي الله في عجزي أمام عدالة الطين".
إن الإيمان الواثق بعدالة الله يختلف عن غيره من السلوكيات والمعتقدات، ولو تصورنا شاعراً غير واثق بالعدالة الإلهية، يواجه هذه المظلمة، فإن المرجح أنه سينتقم من الظالمين الذين "أهدروا تأمينه"، أو على أحسن الفروض سينخدع بتزييفهم ويستسلم لهم، وكلا الأمرين لا يتفق مع الرؤية الإسلامية.
شفافية وطهر
وفي قصائد "عصام الغزالي" معجم يفيض شفافية وطهراً، وصفاء، ولعل قصيدته "تركة تاجر مسك"(2) من خير الأمثلة على ذلك، وهي تنقلنا إلى أجواء الزهادة والطيبة، وتأمل دلالة "المسك" على رائحة من نوع خاص، ترتبط غالباً بالمسجد وروَّاده، وأذكر ونحن في زمن الطفولة البعيد، كان هناك من يأتون إلى مسجد القرية ويوزِّعون علينا عطر المسك، أو يحملون صناديق خشبية لها باب من الزجاج، تضم أنواعاً مختلفة من العطور، أبرزها المسك، يعرضونه للبيع، وكنا ونحن أطفال نمد أيدينا للبائع كي نصيب شيئاً من روائحه مجاناً، وقصيدة "تركة تاجر مسك" رثاء لراحل عزيز هو والد الشاعر، ويمكن أن تحمل دلالة رمزية دون افتعال بدءاً من مطلعها الذي يقول فيه:
يا تاجراً للمسك لا في السوق بالمال
خلَّفت ريح المسك في الذكرى وفي الآل
فارقتني والدمع في عيني محتبسٌ
لكن ريح المسك حولي أصلحت بالي
كما أن القصيدة تحمل معجماً دالاً على الشفافية والطهر والصفاء، ويتردد في جنباتها مفردات: الآيات، القرآن، البعث، المصحف، صوت الحق، التنزيل، النور، الترتيل، ظل الله، العفو، الإقبال، الربح الإلهي، الدين، الخروج من الضيق، المحراب، بيت العلم والقرآن، فضلاً عن العطر والمسك وحاملهما... وتأتي أهمية هذا المعجم من أن الشاعر يطرح من خلاله مفارقة التركة التي تشمل متاعاً دنيوياً، والتركة التي تحمل ميراثاً من القيم والمثل العليا، فضلاً عن الدين، وهذا ما تركه الراحل العزيز:
يا حافظ التنزيل في صدر وفي شفة
يرقى بك الترتيل من حال إلى حال
والنور حول الوجه من رفق ومن دعة
والظل ظل الله من عفو وإقبال
خلّفت ما خلَّفت من دين وتربية
أحن على الأبناء من عمٍّ ومن خال
أغنيت من قدَّرت أن الله مخرجهم
من كل ضيق نالهم من غير إذلال
يا تاجراً للمسك إرث المسك ثروتنا
تربو مع الإنفاق من علم ومن مال
ثراء لغوى
وتبرز أهمية المعجم الإسلامي في الشعر هذه الفترة خاصة، حين نعلم أن المنشور على الساحة الأدبية أو معظمه، يبدو بعيداً عن هذا المعجم، بل معادياً له، بل معادياً للذوق العام، ولست في حل الآن من إيراد نماذج له، ولكن الشاعر مع اهتمامه بالمعجم الإسلامي في الإطار الشامل، يستفيد بالمعجم الشعبي والمعجم العلمي، وكلاهما ليس نقيضاً للمعجم الإسلامي، بل داعم له، وصانع مزيداً من الثراء اللغوي والشعري.. ويلاحظ أن كمية المستخدم من المعجمين تبدو قليلة..
ويبدو المعجم الشعبي في أفضل استعمالاته مقروناً بالحديث عن الوطن، والتعبير عن حبه، وتظهر مفردات وتركيبات "ترعة الكفر"، وروضة التوت" و"حظيرة الدواجن"، و"الشطوط"، و"الطبلية"، و"القلة"، و"الموت في الوطن".. عبر قصيدته "مصر 1970م"(3) لتقدم نوعاً من المقاومة في وجه الهزيمة والضياع السائدين في تلك الفترة، يقول الشاعر:
أنا فيك يا بلدي أموت.. فلا أموت ولا العشيرة
أنا من ترابك زهرة مالت عليه لكي تنيره
@@@
أنا ترعة الكفر العجوز وهامة البرج الشهيرة
وأنا المآذن والنخيل ودوحة التوت الكبيرة
أنا حين تجمع أسرة "طبلية" عند الظهيرة
أنا في تماثل من يخفُّ إذا القلوب أتت سريره
في "قلة" الماء التي يطفي الظميّ بها الهجيرة
أنا في عيون هريرة.. وعطاء سنبلة فطيرة
أنا مصر تشرق في ابتسامة طفلتي ذات الضفيرة
إن المعجم الشعبي يشير إلى تجذّر الانتماء الوطني، وتداخله في النسيج الشعوري، لدى الشاعر، فالمفردة الشعبية ليست مجرد ديكور يزين به أبياته، ولكنها دلالة على عمق نفسي وروحي يربط ما بين الشاعر والوطن.. تأمل "قلة الماء" التي يستخدمها المصريون، وخاصة في القرى، لتبريد ماء الشرب منذ آلاف السنين، ودلالتها في التعبير عن خصوصية الوطن، تجد أنها نقلت القصيدة مع مثيلاتها من المفردات والتركيبات الشعبية من تعبير مجرد إلى تمازج واندماج بين الوطن والمواطن، أو بين الشاعر والوطن.
مفردات عصرية
أما المعجم العلمي أو العصري، فقد ورد في قصيدة واحدة يحمل عنوانها دلالة علمية عصرية أيضاً، وهو "سوق اللدائن"(4)، واللدائن هي المصنوعات البلاستيكية التي ظهرت في عصرنا، وهي مرادف لمفردات شتى، مثل التضخم والأشعة والكهرباء والشرائط والمعارض والسرعة والأضواء، والشاعر يستخدم المفردات العلمية أو العصرية للمقارنة بين نوعين من القيم.. قيم الخير وقيم الشر، والقصيدة في مجملها إدانة للعصر وتقلباته التي تكون غالباً ضد الإنسان، يقول في مطلعها:
يا عصر فلسفة "البلستك" والغثاء
من لي بعودة فلسفات الأقوياء؟
عصر التضخم، والصراخ، طغى على
القيم الجميلة ضاحكاً في كبرياء
عصر اللدائن، والأشعة، والجنون
والانتحار تقدماً، والكهرباء
هل عالم هذا الذي أحيا به
أم غابة الإنسان: حقد واعتداء؟
وإذا كانت "سوق اللدائن" تحمل دلالة عصرية، فإن العديد من عناوين قصائد عصام الغزالي تحمل الدلالة ذاتها، ويكفي أن نطالع مثل هذه العناوين في مجموعة شعرية واحدة من مجموعاته: رقص بالقنبلة، أوراق اعتماد، شد الرحال، قصيدة بقلم كاتم الصوت، كتابة التاريخ بالأرجل، مرثية رجل في جهنم، فات ميعاد العمل، خواطر مواطن في حديقة الحيوانات(5)، والعناوين في مجموعها تنبئ عن معايشة شاعر لمجتمعه معايشة حميمة، كما تخبرنا عن معاناته القاسية في بعض الأحيان مما يجري في هذا المجتمع.
الهوامش:
..............
(1) هوى الخمسين، ص89.
(2) أهددكم بالسكوت، ص102 وما بعدها.
(3) لو نقرأ أحداق الناس، ص40 41.
(4) دمع في رمال، ص 38 39.
(5) انظر صفحات 12 14 20 65 84 103 104 على التوالي في مجموعة "دمع في رمال".
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:42 PM
عصام الغزالي.. هارب من الأضواء!
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
...........................
هذا شاعر من طراز خاص، درس الهندسة، وتخرج في جامعة القاهرة، 1972م، ثم درس علوم الدين والشريعة الإسلامية، وتخرج في كلية أصول الدين بالرياض عام 1398هـ 1978م، فهو يمزج في ثقافته بين العلم والدين، وبين التجربة والوحي، ويملك بهذا أفقاً عريضاً ومتسعاً للرؤية والتصور، وإذا أضيف إلى ذلك حس فني مرهف وموهبة شعرية ساطعة، أدركنا لماذا هو شاعر من طراز خاص.
وأحمد عصام الدين الغزالي خليل، أو عصام الغزالي، كما يعرف بين الأدباء والشعراء، من شعراء السبعينيات في مصر، وينتمي إلى الشعراء الذين سميتهم "بالورد" في مقابل من سميتهم "بالهالوك"، وكان بودي أن أخصص له فصلاً في كتابي "الورد والهالوك" ـ صدرت منه طبعتان: 1993م، 1994م ـ لولا ظروف حالت دون أن تكون دواوينه تحت يديَّ.
وقد أنتج عصام الغزالي شعراً كثيراً ضمته خمس مجموعات طبعها جميعاً على نفقته الخاصة وهو من المميزات التي تجعله طرازاً خاصاً مع أن هناك من دور النشر فيما أعلم من يرحب بنشر إنتاجه، ولكنه آثر أن يوزع شعره من خلال دار الوفاء في المنصورة، وهي المدينة التي ولد فيها عام 1945م، ويعيش فيها حتى الآن.
ومجموعاته الخمس هي "الإنسان والحرمان" 1970م، "لو نقرأ أحداق الناس" 1978م، "أهددكم بالسكوت" 1994م، "دمع في رمال" 1995 (إصدار ثان) ثم "هوى الخمسين" 1999م.
وعصام الغزالي يأخذ موقفاً من الحركة الأدبية، أو تأخذ منه الحركة الأدبية موقفاً، فهو يعيش مثلي بعيداً عن أضواء القاهرة وصحافتها ونقادها، ويستشعر تبعاً لذلك أنه مظلوم، ومعه حق، مع أن كاتباً صحفياً كبيراً كتب عنه في عموده اليومي، ولكنه يحتاج مع ذلك إلى ناقد متخصص يغازل شعره أو يطارحه الدرس والنقد، ثم إن رؤيته الإسلامية التي تتضح في شعره تجعل الحركة الأدبية
ومعظمها مشدود إلى تصورات مغايرة تتجاهله ولا تحتفي بموهبته، وفي داخل هذه الحركة من لا يلتفت إلى التصورات أو القيمة الفنية أساساً، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالعلاقات العامة وخاصة في مجال النشر والتعريف، وعصام الغزالي من النوع الذي ينفر من هذه العلاقات... فهو يعتز بذاته اعتزازاً كبيراً، يجعله يترفع عن استجداء الاهتمام بشعره وطلب التعريف به.. هذا وغيره من الأسباب جعل شعر عصام الغزالي بعيداً عن قطاعات عديدة من الجمهور، وإن كانت القطاعات التي قرأته وعرفته قد تمسكت به شاعراً مرموقاً له خصائصه الشعرية، وسماته الفنية.
وبصفة عامة، فإن شعر عصام الغزالي يدور حول محاور عديدة، منها ما هو تقليدي مثل الغزل والرثاء والإخوانيات والتوبة والاستغاثة والهجاء والغربة، ومنها ما هو مستجد ومستحدث مثل المواجهات الثائرة الغاضبة الحالمة ضد عناصر القهر والاستبداد والطغيان ثم مطالبته بالعدالة الاجتماعية، ورفض العنصرية، ولا ريب أن الشاعر يعالج محاوره معالجات متفاوتة، منها ما هو أقرب إلى الرصد والتسجيل، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى طرح الحلول والإجابات، ولكن الرؤية بشكل عام محكومة بالتصور الإسلامي، الذي يصل بالشاعر أحياناً إلى حد الزهادة في الحياة. ويصوغ الشاعر تصوره أحياناً في إطار يذكرنا بشعراء الزهد في العصر العباسي، خاصة شعر أبي العتاهية، في قصيدته "قالت لي الريح" يقول:
لا شيء تحميه البيوت
الكل: من يحيا يموت
المد يتبعه انحسار والبريق له خفوت
الحال ظل، يستحيل له دوام أو ثبوت
في آخر اللحن المغرد سكتة.. قبر صموت
الرزق في بحر تصارع فيه ملاح وحوت
وكلاهما في البحر مبتلع وللأمواج قوت
والرؤية الإسلامية في شعر عصام الغزالي تستوجب دائماً الاستعانة بالحق سبحانه وتعالى، والتوبة والرجوع إليه، وما أكثر القصائد التي يبتهل فيها الشاعر إلى البارئ سبحانه أن يعينه ويلطف به، وأن يحميه من الفتنة، وأن يساعده على العفة، وأن يتمم له ومن معه النور:
غريبان طوبى لنا يا أبي
وفي عالم الظفر والمخلب
تعبنا وجئنا نريح الخطى
ونستاف عطراً بأرض النبي
فيا رب أتمم لنا نورنا
بأيماننا ساطع الكوكب..
وفي قصيدته "في نور التوبة" يقف أمام ملك الملوك، ويهرول ملبياً ويقول:
ملك الملوك أتيته ومهرولاً لبيته
من سار في طلب الهدى فالله هذا بيته
ألقٌ توضأ بالجلال من المهابة سمته
إنا يبشرنا كتابك، والكتاب تلوته
ودنوت للحجر الذي لولاك ما قبلته
وغمرت صدري من تدفق زمزم وعمرته
فاقبله سعياً في سبيلك دون ذنبي سقته
وانفحه نوراً ملء قبر موحد.. لك موته
واجعله عوناً للضعيف على صراطك فوته
ولا يعني ذلك أن الشاعر يعتزل الناس أو المجتمع، فزهده والتزامه باب الله، لا يمنعانه أن يغوص في أعماق الواقع غضباً وسخطاً وتمرداً وثورة، ولعل مجموعته "لو نقرأ أحداق الناس" تعطينا دليلاً على هذا الغوص، فقد كانت قصائد المجموعة قبل حرب رمضان 1393ه، تضج بالرفض للهزيمة العسكرية في جبهات القتال، والهزيمة الداخلية في الوطن، فضلاً عن هجاء المهزومين وتعرية سلبيتهم، وفضح تخاذلهم، ولنقرأ على سبيل المثال قصيدته: "برقية إلى ربان سفينة تغرق" التي كتبها ضمن منشورات اتحاد طلاب هندسة القاهرة عام 1972م يقول فيها:
زميلك وسَّع شرخ القنوط
و"مات" وعقّد كل الخيوط
وخلَّى الحمولة وشك السقوط!
إذا كان يمكن فتح الخطوط
توجّه سريعاً لأدنى الشطوط
تماسك.. تحرك قبيل الهبوط
أخاف عليك من "الأخطبوط"
وبالطبع، فإن الشاعر يعيش مثل جيله، غربة زمانية حادة، قسوتها تفوق قسوة الغربة المكانية، ويزيدها قسوة غربة الشعر أيضاً في "زمان غريب" فالشاعر يمزج بينه وبين الشعر حتى يصيرا كياناً واحداً:
أنا الشعر، أرخوا عليَّ الستارا
فإن الزمان الجميل استدارا
غريب أنا، في زمان غريب
كطفل رأى وجهه المستعارا
فبيني وبين المرايا قناع
وبيني وبين العيون الحيارى
فهذا زمان "الجناة الضحايا"
وهذا زمان "البغايا العذارى"!!
ولعل في النماذج السابقة، ما يكفي لبيان رؤية الشاعر وتصوره للعالم والكون من حوله، حيث يقدم لنا الشاعر القابض على الجمر الذي يدفع ثمن قبضة حريقاً وألماً، ولكنه لا يتراجع، في الوقت الذي نجد فيه من ينكرون شيئاً اسمه الوطن أو القيم، تفتح لهم أبواب النشر والمؤتمرات الخارجية والداخلية، ويحظون أيضاً بالدعاية الإعلامية!.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:43 PM
المآذن الكيدية !
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
..................................
مشكلة كتاب المارينز وأشباههم من كتاب اليسار المتأمرك وكتاب لاظوغلي ، أنهم لا يستطيعون إخفاء مشاعرهم العدوانية ضد الإسلام والمسلمين . هم ليسوا علمانيين ولا ليبراليين ، ولا يساريين حقيقيين ، ولكنهم عدوانيون وكفى ! عدوانيتهم لا تتجاوز الإسلام والمسلمين إلى آخرين ، لأنهم لا يجرءون ، ويعرفون ماذا سيحدث لهم لو فعلوا ، ومهما ارتدوا من أقنعة الموضوعية والاستنارة والحرية ، فهم لا يسمحون أبدا للإسلام أن يكون شريكا، مع أنه صاحب البلاد ، ودين الأغلبية الساحقة ، ودين السلام والتسامح الذي يقبل جميع المخالفين الذين لا يقبلونه ولا يترفقون به بل لا يعاملونه بالمثل ، أو كما يعاملون اليهود والنصارى والبوذيين والصابئة والهندوكيين وغيرهم !
لقد استغل بعضهم حادثة الإسكندرية , وخروج متطرفي النصارى بالسيوف والسنج في الشوارع ، وقتلهم مسلما عجوزا استجارت به امرأة لحمايتها ، فراحوا يكيلون الاتهامات للمسلمين وللإسلام ، ويرددون الاسطوانة المشروخة التي تتحدث عن الدولة الدينية (!!) التي نعيش فيها ، ويلعب فيها البعض باسم الدين أو يستخدمه وفقا للهوى ، مع أن دستورنا كما يقولون يؤكد أننا دولة مدنية !ثم راحوا يكررون حديثهم عن بناءا الكنائس وتكافؤ الفرص في الوظائف بين المسلمين والنصارى والتمييز ضدهم في وظائف المحافظين ، ثم يشيرون إلى ما يسمى أشرطة الكاسيت " الحقيرة " في الميكروباص وسيارات الأجرة التي تشكك في عقيدة النصارى الدينية وتسخر منها ، ومناهج التعليم التي غيرت الأسماء المشتركة في كتب القراءة من عادل وسعيد التي يتسمى بها المسلمون والنصارى إلى أسماء إسلامية صريحة حاسمة .. ثم يدعى هؤلاء أن تحويل المسلم من دينه إلى النصرانية يدفعه إلى تغيير المكان بل إلى الهجرة من مصر ، وينتهي هؤلاء الكذابون إلى ضرورة مواجهة ما يسمى كتب الفقه الشعبية ذات الطابع الوهابي .. حتى يتم القضاء على تعصب المسلمين ضد النصارى وتحقيق المواطنة الحقيقية .
واحد من كتاب المارينز المتحول عن اليسار المتأمرك يرتدي مسوح الشجاعة ليقول آن الأوان أن نتحدث بوضوح ونسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، وقد أثمرت شجاعة المذكور عن اقتراح قانون موحد لدور العبادة بدلا من هذه " المآذن الكيدية " (!) التي ترتفع فورا ، وتسابق الزمن كلما بنيت ولماذا لابد أن يكون الجامع مواجها للكنيسة على هذا النحو الاستفزازي – حسب تعبيره؟؟
المآذن الكيدية مصطلح خسيس دنيء صعقني ، لا يقوله إلا عدو للإسلام ، أو لا يسكن هذا الوطن ، أو ينتمي إلى شرائح خونة المهجر الذين يرتزقون بمعزوفة اضطهاد النصارى المزعوم في مصر !
" المآذن الكيدية !" في بلد سكانه كلهم مسلمون بالعقيدة أو الثقافة عدا فريق التطرف النصراني ، وفريق الخونة الذين يرفعون الأجندة الأميركية ، وفريق العملاء الصرحاء أو المستترين ! وهم بحمد الله قلة قليلة ، ولا قيمة لهم ، ولو استقووا بأميركا أو لاظوغلي ، وكتبوا في الصحف وتكلموا في أجهزة إعلام ينفق عليها المسلمون أو دافعو الضرائب .
كيف تكون المئذ نة كيدية ، والمسلمون يرفعونها في بلدهم ، في الوقت الذي يرفع فيه المتطرفون النصارى أبراج كنائسهم ببساطة متناهية مع دعم حكومي ودعم أميركي أيضا؛ مع أن الكنائس تفيض عن حاجة النصارى ، ولا تمتلئ بروادها حتى في أيام الأعياد والمناسبات ، وبعضها في المدن الجديدة ما زال مغلقا لعدم وجود رواد !! هل صارت قضية بناء الكنائس قضية القضايا ، أما المآذن فهي " كيدية " حسب زعم كاتب المارينز؟؟ !!إن الكاتب الذي يتملق النصارى ليحصل على منصب صحفي غير مرموق في جريدته الماركسية المتأمركة يسب الإسلام والمسلمين ، ويتهم المجتمع المصري بالتمييز ضد النصارى من خلال الأسطوانة المشروخة ؛ وينسى أويتناسى أن القلة النصرانية المتطرفة وهى تتحرك مستقوية بأميركا الصليبية الاستعمارية ،قد تجاوزت حدود المواطنة ، بعد أن أطمعها النظام البوليسي الفاشي ، فراحت تدعي أنها صاحبة الوطن ، وأن المسلمين غرباء، وأن اللغة القبطية يجب أن تحل محل اللغة العربية ( لغة الغزاة !).
لو أن الكاتب المغمور الذي يريد أن يصعد على سطح الشهرة بسب الإسلام والمسلمين ، طلب الحقيقة ؛ لعرف أن حكومة الولايات المتحدة تدعم التطرف النصراني ،وتحارب الإسلام والمسلمين في التعليم والإعلام والصحافة ، وتفرض على حكومة القاهرة عدم تعيين أي مسلم – يعرف دينه وليس شيوعيا أو أرزقيا أو لاظوغليا – في الإذاعة أو التلفزيون أو الصحف القومية أو القضاء أوالجامعة أو الجيش أو الشرطة .. بل تمنعه من دخول النقابات والنوادي ..
هل تقدر حكومة القاهرة أن تعتقل نصرانيا في الفجر كما تفعل مع العشرات بل المئات من الأخوان المسلمين والحركات الإسلامية والناشطين السياسيين في الأحزاب وحركات المعارضة الأخرى ؟
ليت الكاتب المنافق الأفاق المغمور في الصحيفة الحكومية الميتة يبحث عن طريق آخر للشهرة غير طريق الكذب والادعاء ، لأن مثقفي الميكروباص من أمثاله لا قيمة فكرية أو أدبية لهم ، فهم أبواق تردد ما يملى عليهم من دهاقنة الشر والكيد ، ولو كان كذبا صراحا ، دون أن ينظروا حولهم ، ويعرفوا الحقيقة التي يزعمون التحدث باسمها ، وكنت أتمني أن يقارن فقط بين شرائط الميكروباص " الحقيرة " التي يزعم أنها تهاجم النصرانية – وهو كذاب أشر – مع ما تبثه القنوات الفضائية الصليبية التي يقوم عليها متعصبون عملاء ، يفترض أنهم ولدوا على أرض مصر . ولكن الكذاب أعمى ؛ يرى القشة في عين غيره ، ولا يرى العمود في عينه وعين من يدافع عنهم . ولنا عودة إن شاء الله .
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:45 PM
محاكمة الأستاذ الجامعي!
بقلم: أ.د حلمي محمد القاعود
.........................
أقصد محاكمة المدرس الجامعي الذي سطا على الإمام القرطبي ، واستباح تفسيره العظيم ، وأغار على أجزاء منه قصها ولصقها وباعها لطلابه في جامعة كفر الشيخ الوليدة ، ولم يجد حرجاً أو غضاضة في الزعم أنها دراسة مستخلصة من تفاسير القرآن ، وعنونها بعنوان ضخم ومثير " في النص القرآني " ، ومع أن الزميلة جريدة " وفد الدلتا " نشرت عن ذلك فى عدد أغسطس 2007م تحت عنوان صارخ : " أستاذ جامعي يسرق الإمام القرطبي" ، فإن رئيس جامعة كفر الشيخ المحترم ، حتى يومنا هذا لم يتخذ قراراً ، ولم يُسائل المدرس الجامعي الذي ينتمي إلى الحزب الوطني ، وينوب عنه في مجلس الشعب الموقر .. لماذا يا معالي رئيس الجامعة لم تتخذ قراراً حتى اليوم ؟ وما الذي يُخيفك من مساءلة المدرس المذكور الذي يفترض أنه يخضع لعدة رؤساء بعدك : رئيس القسم ، الوكيل ، العميد ، النائب ؟ هل تمنعك الحصانة البرلمانية من مساءلته إدارياً ، وإخلاء ساحته إن كان بريئاً ؟ أو إنه يملك حصانة القرب من وزير التعليم العالي الذي شرّفه – كما يتفاخر – في بيته ، وشرب لديه الشاي بعد أن تناول الغداء لدى زميله الآخر نائب الدائرة ؟
ليس المقصود الآن هذا المدرس ، وإن كانت لنا عودة إليه إن شاء الله تعالى ، بعد أن نتناول المحاكمة الهزلية التي انعقدت للأستاذ الجامعي ، وسادها التخليط والمغالطة والمكايدة ، على شاشة تلفزيون الريادة – رحمه الله – ذات ليلة من ليالي البؤس في المحروسة !
ضم العرض أو المحاكمة الهزلية للأستاذ الجامعي المصري عضواً في لجنة السياسات ومسئولة جامعية تنتمي إلى الحزب الحاكم ، بالإضافة إلى مجموعة طلاب أتوا بهم على طريقة برنامج المذيعة التي أعدت فتيات بائسات ليعترفن أنهن فتيات ليل ، نظير مبلغ تافه .. وكان الطلاب في برنامج المحاكمة قد لقنوا – كما هو واضح من السياق – الأسئلة وطريقة عرضها بحيث يبدو الأمر متقناً وطبيعياً .. ولكنى وغيري من المشاهدين لم يُصدقوا ما رأوه ..
تحدث الطلاب عن عدم التواصل بين الأستاذ وطلابه ، واستعلاء الأستاذ عليهم ، وعدم وجود وقت لديه كي يُجيب على أسئلتهم ، وأشياء أخرى طريفة منها على سبيل المثال أن أحد الأساتذة رفض أن يشرب أحد الطلاب ماء إلا بعد أن يردد دعاء قبل الشرب ، بالإضافة إلى القضايا المعروفة حول الكتاب والزحام في القاعات والمدرجات وعدم استقبال الأساتذة للطلاب الجدد ..
كان مقدم البرنامج الذي لا يُجيد غير هجاء " المحظورة " ، ومدح " المحظوظة "، و الإشادة بأزهى عصور الديمقراطية ، يُثير من خلال الثرثرة موضوع العمل السياسي في الجامعة ، وليته ما أثاره .. فقد كان الكلام حوله سخيفاً لا يغنى ولا يُسمن من جوع !
لقد سبق أن تناول أساتذة جامعيون وغيرهم مشكلات الجامعة ، وحقوق الأساتذة الضائعة ، وأيضا السلبيات التي تجرى من بعضهم ، وكاتب هذه السطور سجل عشرات المقالات في هذه الصحيفة وغيرها على مدى ربع قرن من الزمان ، أملاً في إصلاح الحال ، ولكن الحال كانت تسوء أكثر فأكثر لأسباب لم يستطع صاحب العرض المهزلة أن يعالجها أو يُشير إليها ، واكتفى باستعراض ما يقوله طلاب " لاظوغلي " على الشاشة ، وتصفيق " الكورس " عند جمل بعينها ، وعبارات بذاتها .
إن تطاول الطلاب على أساتذتهم في برنامج تلفزيوني لا يعنى إصلاح حال الجامعة ، ولا يؤدى إلى معالجة الخلل الكبير الذي جعل الجامعة المصرية تحتل المراكز الأخيرة في ترتيب الجامعات الإفريقية ولا أتكلم عن الترتيب بالنسبة للجامعات العالمية ، فأمره معلوم للكافة . وهو لا يسرّ إلا الأعداء !
والذي لا يريد أن يقتنع به المسئولون عن أمر التعليم في بلادنا ، أن المرحلة الأساسية سبب انهيار المرحلة الجامعية ( المناهج ، والمدرسون ، والإدارة ، ووباء الدروس الخصوصية ) ، وتشترك هذه العناصر أو بعضها في تعميق الضعف الجامعي .. يُضاف إليه التدخل الأمني الذي لا يوجد له نظير في العالم باستثناء دولتين عربيتين أو ثلاث .. وهو ما يدفع كثيراً من أساتذة الجامعة إلى الانضواء تحت " الرضا الأمني " أو القبول الأمني ، كي يجدوا لأنفسهم مكاناً يُحقق طموحاتهم ويفي بالتزاماتهم المادية حتى لو كانت سرقة الكتب كما فعل أساتذة كثيرون ، ومنهم المدرس القديم الذي يتمتع بالحصانة في كفر الشيخ وسطا على الإمام القرطبي ، ولم يُسائله رئيس جامعته حتى الآن !
والعجيب أن القوم يعنيهم هجاء الإسلام والمنتسبين إليه أكثر من المعالجة الحقيقة لأمراض المجتمع ، وعلى رأسها ضعف الجامعة وتخلفها . إذا افترضنا جدلاً أن أستاذاً في رحلة أو لقاء خارج المحاضرة ، مع طلابه ، ورأى أن يُعوّد طلابه على الارتباط بالله في سلوكهم وأعمالهم ، وطلب من تلميذه أن يدعو ربه قبل أن يتناول الماء .. ماذا في ذلك ؟ وما هي الجريمة الكبرى التي ارتكبها الأستاذ الذي لم يسرق الإمام القرطبي ولم يُعكر مزاجه أحد حتى هذه اللحظة ؟
لقد ذكرتني هذه الواقعة بأمر آخر حدث منذ سنوات ، حيث صنع وزير سابق للتعليم أسطورة خرافية روّجت لها صحف النظام وعملاؤه . فقد ادعى أن هناك متطرفين في المدارس يُحرّضون التلاميذ أو يمنعونهم من تحية العلم في بدء اليوم الدراسي . وحاولت أن أعثر على ظل من الحقيقة لهذا الأمر فلم أجد ، ولا أظن أن متطرفاً أيا كان يستطيع أن يمنع التلاميذ من تحية علم الوطن ، حتى لو افترضنا وجود حالة شاذة ، فهي استثناء لا يُقاس عليه . ومع أن القوم يُرددون كثيراً أن هناك غزواً وهابياً لمصر ، فإني أروى لهم قصة طريفة تتعلق بأحد أبنائي قبل عقد أو أكثر من الزمان ، فقد كنا عائدين من السعودية ، وفى المدرسة الابتدائية طلبوا من ابني أن يتقدم ليُحيى العلم بوصفه مندوب المدرسة ، فنسي وبدأ يُردد النشيد الوطني للسعودية الذي تعود عليه منذ طفولته :
سارعي للمجد و العلياء
مجدي خالق السماء .. حتى وصل إلى المقطع الأخير :
وارفعي الخفاق أخضر / يحمل النور المسطر / ردّدي الله أكبر / يا موطني عاش الملك للعلم والوطن "
وضجت المدرسة بالضحك ، حتى الغزو الوهابي كما يُسمونه " يُحيى العلم " .. فمن أين نبتت الأسطورة والخرافة ؟
اسألوا الوزير الأمني أو الجستابو ، الذي لا يعنيه أمر الوطن ، بقدر ما يعنيه التشهير بالإسلام والمسلمين .
إن معالجة ضعف الجامعة وتخلفها معروف لجميع من يعنيهم الأمر ، وتتمثل في الارتقاء بالأستاذ الجامعي مادياً ومعنوياً ، وتحقيق الاستقلال الذاتي للجامعة ودعمها بالمعامل والمكتبات والميزانية المحترمة لتمويل البحوث ، وتحريرها من قبضة الاحتلال البوليسي الفاشي ، وتخليصها من أشباه الأساتذة والمدرسين الذين أهدروا كرامة الجامعة وهيبتها بالتصفيق للحزب الحاكم والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات بالإضافة إلى اللصوص الذين يسرقون جهد غيرهم جهاراً نهاراً ولا يجدون في ذلك منكراً أو عيباً ، والذين تحولوا إلى سماسرة للكسب غير المشروع بالوقاحة والبجاحة .. أما محاكمة الأستاذ الجامعي على شاشة تلفزيون الريادة – رحمه الله – بهذه الطريقة الهزلية ، فهو أمر لا يحتاج إلى تعليق ، بقدر ما هو عنوان على فجاجة الدعاية الرسمية وتسطيحها للوعي ، وتغييبها للعقل . ولله الأمر من قبل ومن بعد !
................................
*المصريون ـ في 30/10/2007م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:46 PM
أخطر من جلد الصحفيين !
بقلم:أ.د. حلمي محمد القاعود
.........................
آثرت الانتظار حتى ينجلى غبار ما سمّى فتوى جلد الصحفيين التى أثارت جدلاً كبيراً وخلطاً أكبر ، واستغلها بعض خصوم الإسلام للتنديد بما يُسمى " الدولة الدينية " التى يُؤيدها النظام الحاكم ويُشجعها !
وهو أمر لو تعلمون عجيب . فما كان النظام الحاكم يوماً موالياً للإسلام وتشريعاته ، وما كان الإسلام يوماً منشئاً لدولة دينية فيها كهنوت وغفران وحرمان .
ويجب أن نعلم أن المسلم يجب أن يؤمن بما نزل به الوحى إيماناً مطلقاً ، حتى لو أزعج الغزاة الصليبيين الاستعمارين أو الغزاة النازيين اليهود . وحين يقرر الحق سبحانه وتعالى أن حدّ قذف المحصنات المؤمنات الغافلات ثمانيين جلدة ، فيجب أن نقول : سمعنا واطعنا . ولا نقول : " إنها دولة دينية " تُعيدنا إلى القرون الوسطى المظلمة فى أوربا . فالمرأة المحصنة البريئة يجب أن تظل سمعتها فوق التشويه والتجريح والادعاء الباطل ، والحدّ لردع من تُسوّل له نفسه العدوان على الأبرياء .
والخطأ في الفتوى المذكورة هو قياس حدّ القذف على الصحافة والفكر ، واستغلاله لتصفية حسابات سياسية أو تنافسية ، وهو من التأويل الباطل الذى يدخل تحت مسمى " التدليس " حيث يُجيز للسلطة أن تأخذ بتلابيب أصحاب القلم الحرّ ، لإسكاتهم وقطع ألسنتهم ، وترك الفساد يخرج لسانه للشعب المظلوم فى وقاحة غير مسبوقة .
ويبدو أن فريقاً من خصوم الإسلام ، وجدوها فرصة مناسبة للتركيز على مسألة جلد الصحفيين ، وهم الذين سبقوا أن وصفوا من تحدث عنه أو أشار إليه ، بالشيخ المستنير ، لأنه أباح ربا البنوك ، واستقبل الغزاة فى رحاب الجامع العريق ، وأقر الصهيونى المتوحش على خلع حجاب المسلمات فى فرنسا بقوة القانون .
ونسى هؤلاء وغيرهم ، أن ما جرى للأزهر المؤسسة والتعليم والمستقبل ، يمثل كارثة من أخطر الكوارث التى تفوق كارثة جلد الصحفيين وأصحاب الفكر . فالمعهد العريق أُصيب بنكسة خطيرة عقب تطويره بالقانون 103 لسنة 1961 ، حيث فرّ منه الطلاب بسبب ضخامة المقررات التى تجمع بين مقررات التعليم العام ومقررات الأزهر السائدة .. وكاد يفرغ من الطلاب تماماً ، مما اضطر بعض المسئولين إلى قبول نفايات الشهادة الإعدادية والشهادة الابتدائية من طلاب أميّين لا يحفظون القرآن الكريم الذى هو أساس التعليم فى المؤسسة العلمية العريقة ، ولا يملكون حداً أدنى من الوعى يؤهلهم للدراسة الحقيقية التى تخرجهم أئمة وخطباء ومعلمين ، وكانت النتيجة على عينك يا تاجر ، حيث صار " الضعف المشين " سمة عامة ، تحكم خريج الأزهر الذى لا يُحسن قراءة ولا نطقاً ولا فهما فى الغالب الأعم ، واشتكى الناس من الواقفين على المنابر والمتقدمين لإمامة الناس ، ومن صاروا معلمين لأبنائهم فى معاهد الأزهر المعمور !
وعندما أسفرت المؤامرة الصليبية الصهيونية ، وكشفت عن وجهها البشع لتدمير الأزهر تحت مسمّى تغيير الخطاب الدينى ( الإسلامى وحده ) ، تطوّع علماء السلطة وفقهاء الشرطة بتقديم خدماتهم مقابل فتات لا يغنى ولا يسمن ، مثلما فعلوا بالتطوّع لتقديم حيثيات جلد الصحفيين وإسكاتهم وفقاً لقياسهم الخاطئ .
لقد بدأت الكارثة بتقليص سنوات الدراسة فى الإعدادى والثانوى حتى صارت سنوات الأزهر فى التعليم مثل سنوات التعليم العام ، ثلاث فى الإعدادى وثلاث فى الثانوى .
وبعد أن كان الطالب الأزهرى يدخل المرحلة الإعدادية حافظاً للقرآن ، اكتفى القوم بحفظ أجزاء منه يمتحن فيها الطلاب امتحاناً صورياً ، وكأنه لم يحفظ ، ويعللون لذلك بأنه سيتم حفظه مع تخرجه إن شاء الله ، ولكن النتيجة على أرض الواقع تقول شيئاً آخر يعرفه كل من له أدنى صلة بطلاب الأزهر ومستواهم التحصيلى .
ثم تدفقت التنازلات التى قلّصت المناهج والمقررات الأزهرية فى علوم اللغة والشريعة كما وكيفا ، فتم دمج مقررات مع بعضها ، وإلغاء كتب عميقة وإحلال كتب سطحية يؤلفها بعض المشايخ " الموظفين " من أجل مكافآتها السخية . واقترب الأزهر من التعليم العام فى المناهج والمقررات مما جعل التحويل إلى الأزهر ومنه أمراً سهلاً وهيناً لتحقيق غايات الطلاب الفاشلين هنا وهناك .
فى الوقت ذاته كانت تجرى عملية تضييق واسعة النطاق على مكاتب تحفيظ القرآن ، وحرمان المحفظين من مكافآتهم ، صحيح أنه تعرض كل عام على شاشة التلفزة وبمناسبة ليلة القدر عملية توزيع جوائز ضخمة على الفائزين فى مسابقة حفظ القرآن – وأغلبهم من الدول الإسلامية – ولكن التحفيظ داخل الوطن البائس متروك أمره لأهل الخير فى الغالب ؛ لأن القوم يريدون التوفير فى ميزانية الأزهر المعمور ، وردّ الوفر إلى خزينة الدولة ، والحصول على نسبة منه بحكم القانون ، وهو ما أدى إلى تقليص ميزانية الأزهر بصورة غير مسبوقة ، جعلت بعض الغيورين فى المجلس النيابى يطالبون بزيادتها ، دون أن يدركوا السرّ الذى يحتفظ به بعض طلاب المال !
ثم كانت الكارثة الأكبر ، وهى إلغاء فقه المذاهب من أجل توزيع كتاب اسمه " الفقه الميسر " يُقدم صورة أولية للفقه الذى يفترض أن يدرسه متخصصون . وبالتالى فإن صاحبه يحصل على مكافأة ضخمة بعد أن يُلقى بفقه المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة فى عالم النسيان ، ويخرج بعض " المطيباتية " من فقهاء النظام ليقولوا : من يُريد الاطلاع على فقه المذاهب فليرجع إلى كتبها !!
إذاً ما الفرق بين الأزهر والتعليم العام ؟ بين التخصص والدراسة العامة ؟
القوم لا يعنيهم ذلك ، ربما يعنيهم دون أن ندرى ، ولكن الأمر فى كل الأحوال ، يُهيئ لما قيل من قبل عن اعتزام السلطة إلغاء الأزهر وضمه إلى وزارة التربية والتعليم ، حتى لا يكون هناك تعليم إسلامى من الأساس ، وتتكرر التجربة التونسية التى نفذها الشيوعى السابق المتأمرك الحالى المدعو " العفيف الأخضر " حين كان وزيراً للتعليم العالى التونسى ، وألغى جامعة الزيتونة العريقة التى كانت معنية بدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية ؛ إرضاء للسادة الذين يُزعجهم الإسلام ويعملون على اسئصاله بكل الوسائل والسبل .
الجريمة الأخطر وهى تدمير الأزهر التاريخ والمستقبل وحصن الإسلام ، لا يلتفت إليها السادة المنزعجون من الدعوة إلى جلد الصحفيين ، ولكنهم لو فقهوا لعرفوا أن جلد الصحفيين مجرد عرض لمرض سيفتك بالأمة كلها وليس بالصحفيين وحدهم . والله غالب على أمره .
................................
*المصريون ـ في 6/11/2007م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:47 PM
التغيير الديموغرافي فى مصر !
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
............................
هذا التعبير استخدمه رجل أعمال طائفي متعصّب في التدليل على تديّن الشعب المصري ، وميله إلى الحجاب والالتزام .. وربما كان يقصد بالتغيير الديموغرافي تزايد الأغلبية الإسلامية في العدد .. وقد نقل عنه أنه سيبث قناتين فضائيتين بجوار قناة قائمة تبث حالياً ، وذلك لمواجهة الحجاب والتديّن ، ومع أنه نفى أنه سيحارب الحجاب أو يضيق به لأنه حرية شخصية ، فقد أعرب عن قلقه من تغيّر الواقع في مصر ، والاتجاه نحو الفرز الطائفي ، سواء في ملابس النساء ، أو المدارس ..
لم تكن هذه أول مرّة يتحدث فيها الرجل الطائفي المتعصب عن المظاهر الإسلامية التي تؤرقه ، فقد وقف موقفاً غير مفهوم من المادة الثانية في الدستور ، وطالب – مع العلمانيين والشيوعيين ومثقفي الحظيرة وكتاب البلاط – بحذفها في التعديلات الدستورية ، على أساس أن مصر دولة علمانية ، ويجب الفصل فيها بين الدين والدولة .
ثم إنه لم يكتف بذلك بل استغل المناقشات الجارية حول برنامج الحزب الذي يتصور الإخوان المسلمون أنه يمكن تشكيله والاعتراف به ؛ فقال : إننا لا ننتظر من الإخوان أن يسمحوا لنا بترشيح " قبطي " لرئاسة مصر .
وواضح أن الرجل الذي يدعى أنه يفهم في المواطنة جيداً ، يتكئ على قوة راسخة تجعله يجرح مشاعر الأغلبية الساحقة الكاسحة ولا يُبالى بمواضعات المجتمع ، ويُخرج لسانه لأكثر من 96% من الشعب المصري متحديا ومتعجرفا .. فهو يملك الآن أكثر من عشرة مليارات دولار ، مما يجعله واحداً من أغنى أغنياء العالم ، ويحظى بدعم الدولة الكبرى في المعمورة ؛ التي سمحت له أن يذهب إلى العراق ويستثمر فيها تحت القصف والتفجيرات وفوق أنهار الدم والرماد ، ثم إنه ينتمي إلى الطائفة التي تشعر أنها فوق الأغلبية ، وأن لها أنيابا وأسنانا ، وأنها صاحبة البلد ، ونأمل ألا يزاحمها اليهود في هذا الادعاء بأنهم أسبق وأنهم أحق بملكية هذا البلد التعيس البائس !
السيّد المتعصّب ، يمنّ على الناس بأن موظفيه أغلبيتهم من المسلمين أو كلهم من المسلمين ، وهذا أمر حسن ، والأحسن منه أن أكثر من سبعين مليوناً من المسلمين في هذا البلد موضع اسثتمار وربح وكسب بالمليارات لشركاته ومؤسساته ، وأنهم لو توقفوا عن التعامل معه وقاطعوا بضاعته ( الهوائية ) لما وجد مليماً واحداً يدخل جيبه أو يضاف إلى رصيده في البنوك المحلية أو الأجنبية .. ثم إنه يعلم أن شركاته الكبرى تعتمد على البنوك المصرية التي تموّله بالمليارات وأصحابها كما يعرف مسلمون من الذين يلبسون الجلاليب والسراويل الطويلة والشادور الإيراني أو الأفغانى الذي غيّر الديموغرافية السكانية فى بلده !
كنت أتمنى من السيد المتعصب أن يراجع طائفته ، ويقنع الغلاة فيها ، بأن التمسك بأهداب العدوّ الصليبي الاستعماري المتوحش ممثلاً في الولايات المتحدة وأوروبا لن يُفيدهم ولن يحميهم ، وسبق لأمثالهم أن تمسكوا بأهداب السفاح الفرنسي " نابليون بونابرت " وحاربوا معه بقيادة الخائن " يعقوب " الذي كرنك في الرويعى – كما يقول جدنا الجبرتى – وأطلق البارود على أهل المحروسة منحازاً إلى الغزاة الفرنسيين المتوحشين . وكانت نهايته عبرة لمن يعتبر .
وكنت أتمنى من السيد المتعصب أن يفقه أن فرنسا العلمانية مثلا أو حتى اليونان ترفض أن يكون رئيسها من غير المذهب الكاثوليكي أو الأرثوذكسي الذي يعدّ المذهب الرسمي في البلاد ، فما بالك لو كان مسلماً ، علما أن عدد المسلمين في فرنسا يفوق عدد طائفته في مصر .
ثم وهو اللبيب الذكي يعلم علم اليقين ، أن الإخوان لو صنعوا " عجين الفلاحة " فلن يسمح لهم بقيام حزب ، لأسباب محلية وخارجية ، ويعرفها أدنى من له علاقة بحركة السياسة فى البلد البائس التعيس 1
إن السلطة تسمح بحزب يعمل فى وضح النهار داخل الكنيسة ، وبرعاية المسئول عنها ، ويتدخل فى سياسة الدولة " عمال على بطال " ، يسانده حزب فى الخارج يقول فى السلطة ما قاله مالك فى الخمر ، ومع ذلك تهدهده السلطة وتتودد إليه ، وتسمح بالوساطة بينه وبينها من خلال بعض الشيوعيين الذين تأمركوا ؛ وتطلبه ليعقد مؤتمراته داخل البلاد ، وليكون هجومه عليها بعيداً عن الدعاية العالمية ، فى الوقت الذى تقبض فيه يومياً أو بصورة شبه يومية على الإسلاميين قبيل الفجر ، وتروّع أهليهم ، وتعبث بأثاثهم وبيوتهم ، وتصادر أموالهم ، وتغلق محلاتهم ومكتباتهم ومؤسساتهم ، وتنزع عنهم وسائل التعبير والنشر التى يمكن أن تسيطر عليها .. فهل يظن السيد المتعصب حقاً أنه يمكن للنظام أن يسمح بقيام حزب للإخوان أو غيرهم من الإسلاميين ، يمارس حريته وحركته مثل حزبى الكنيسة فى الداخل والخارج ؟
ومن غير الغريب وأمره كذلك ؛ أن تكون القناة التلفزيونية التى يبثها صادمة للأمة جارحة لمشاعرها فيما تذيعه وتنشره على الناس ..
فهى تعتمد اللهجة العامية دون اللغة العربية الفصحى ، انطلاقا من مقولة طائفية تدعى أن العامية المصرية هى اللغة الهيروغليفية القديمة – لغة أهل البلد الأصليين ، وليس الغزاة من أمثالنا .
ووصل استخدام العامية المبتذل إلى نشرة الأخبار التى تذاع من حين لآخر تحت عنوان سخيف .
ثم إنها تذيع أفلاماً صادمة للذوق العام والفطرة الإنسانية ( جنس وعنف ورعب ) مما يأباه المسلمون وغير المسلمين .. ووصل بها الأمر إلى إذاعة أفلام تكتب عليها بالعامية ما معناه أنها " للكبار فقط " ! هل من المقبول فى بلد تؤمن جميع طوائفه بالحياء أن تتحول قناة تلفزيونية – يُفترض أنها عربية – إلى سينما للكبار فقط؟
ثم وهو الأدهى ، تقدم القناة الطائفية المتعصبة ، أفلاماً تدعو إلى الشذوذ والمثلية ، وتجعل ذلك مسألة عادية لا غرابة فيها ، فهل هذه تجليات العلمانية الطائفية ؟
ثم وهو الأكثر بشاعة ، الحرص على أن تكون القناة بدءًا من مذيعيها ومذيعاتها وضيوفها – فى معظمهم – متغربة وداعية تغريب ، مع أن الناس يُحبون الانتماء إلى أصولهم الشرقية – وبلاش الإسلامية – وليسوا فى حاجة إلى أن يكونوا غراباً يقلد حمامة !
لو أن السيد المتعصب فقه حركة المجتمع المصرى المسلم ( وكله مسلمون بالعقيدة أو الثقافة ) لعرف أن احتشام الفتيات مسلمات وغير مسلمات ، وازدياد الداخلين فى سلك الرهبنة ، هو نوع من المقاومة الشعبية لمن يريدون تغيير هوية الأمة ، ويُصرّون أن تكون تابعاً حقيرا ، للمستعمرين الصليبيين المتوحشين ، ولعرف أن هذه المقاومة الشعبية استجابة فطرية لبواعث داخلية نفسية ترفض الاندماج فى الانحلال والسطحية والفجور ..
أيها السيد: عد إلى رشدك ، ولا تتجاوز خطوطك الاقتصادية إلى اللعب بالنار ، فذلك خير لك وللوطن .. حتى يقضى الله أمراً كان مفعولا .
................................
*المصريون ـ في 3/11/2007م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:48 PM
جائزة الشجاعة المدنية
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
.......................................
ذهب الكاتب المصري الشيوعي ( سابقا ) " على سالم " إلى مقر السفارة الأمريكية في لندن ، وتسلم من السفير يوم الأربعاء 19/11/2008م جائزة الشجاعة المدنية ، وقدرها 50 ألف دولار أمريكي .
في الوقت ذاته كان الغزاة النازيون اليهود يًحكمون حصارهم بمساعدة بعض العرب المسلمين حول قطاع غزة ، حيث لا يجد أهل القطاع وقوداً ولا كهرباء ، ولا دواء ولا غذاء ، ولا يستطيعون الخروج من المعابر ولا يدخلون ..إنهم ينتظرون الموت الجماعي أو الإبادة الجماعية على يد الغزاة النازيين اليهود !
كان " على سالم " صاحب أغنية " على الممر " منتشياً بالجائزة ، وسعيداً بمن سلموها له من الأمريكان والصهاينة ، وقال مفاخراً ومباهياً : " إن الجائزة مهمة جداً من الناحية المعنوية ، لأنني سعيد أن الناس ترى ما أفعله " ، وأعرب على سالم عن سعادته بأن هناك أناساً يمكن أن يقدروا عمله ، وقال إن الجائزة التي تمنحها مؤسسة ترين في الولايات المتحدة ، اعتراف بكل دعواته إلى السلام مع الكيان النازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة ، ومعارضة من جانبه لما أسماه التطرف الإسلامي ، حيث إن هناك – كما يرى – ارتباطاً بين غياب السلام والتطرف !
من حق على سالم ، أن يعتقد بالأفكار التي تناسبه حتى لو تناقضت مع مواقف سابقة كانت تبدو أساسية وعضوية ، ومن حقه أن يؤيد الغزاة النازيين اليهود ، وهم يقتلون الشعب الفلسطيني ويسحقونه ويحاصرونه حتى الموت ، ومن حقه أن يؤيد جيش الغزو الصهيوني وهو يطوّر القاعدة العسكرية الصليبية الاستعمارية المتوحشة في فلسطين ، ويهدد الدول العربية والإسلامية بالدمار والخراب والهلاك ، من حق على سالم أن يؤيد ويبارك ما يفعله العدوّ الصهيوني ، والأب الروحي المتوحش في واشنطن وعواصم الغرب ..
من حقه أن يفعل كل شيء ، ولكن ليس من حقه أن يفرض على الأمة أفكاره ورؤاه التي تقضى بالتفريط في عقيدتها وأرضها وكرامتها ومقدساتها .. ليس من حقه أبدا ، ما معنى معارضته لما يسمى " التطرف الإسلامي " ؟ هل يقصد المقاومة الإسلامية للقتلة الغزاة اليهود ؟ هل يقصد التمسك بالدين الإسلامي مثلما يتمسك بدينهم الغزاة النازيون اليهود ؟ ويمنحون دارسي الدين اليهود امتيازات مادية ومعنوية ؟ إن كان يقصد ذلك فنحن نرفض أفكار على سالم في هذا السياق ونؤكد على أن الأمة الإسلامية مهما تعرّضت للقهر والذل والهوان لن تبيع إسلامها وعقيدتها وأرضها ، وستقبض عليها كما تقبض على الجمر !
إن على سالم ، السعيد بالخمسين ألف دولار ، يجب أن يتذكر أن الرئيس السادات ذهب إلى القدس المحتلة قبل ثلاثين عاماً أو يزيد ، وخاطب القتلة الغزاة في عقر احتلالهم ، وقدم لهم كل التنازلات الممكنة كي ينزلوا عند إرادة السلام ، ويسلّموا الحقوق التي اغتصبوها إلى أهلها ، ولكنهم رفضوا ، وحوّلوا الأمر إلى مفاوضات تعقبها مفاوضات ، تليها مفاوضات دون جدوى وفى الوقت نفسه ، لا يتورعون عن قتل الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري بالطائرات والمدفعية والدبابات والصواريخ ، ويزرعون الضفة والقدس والجولان بالمستوطنات وحواجز التفتيش والإرهاب ، وتشديد الحصار على الشعب الأعزل ، ويتحدثون – يا للفجور – عن الإرهاب والتطرف ، فهل هذا هو السلام يا علىّ ، يا صاحب جائزة الشجاعة المدنية ؟
ثم ما معنى الشجاعة المدنية .. هل تقابل الشجاعة العسكرية ؟ وهل الشجعان العسكريون الصهاينة والصليبيون يؤسسون للاستسلام والانهزام أمام جبروتهم الاستعماري باسم الشجاعة المدنية ؟
أليس غريباً يا على أن يكون الشجعان المدنيون الذين يؤسسون للهزيمة وقبولها ورفض المقاومة وتكاليفها ، من اليساريين التقدميين الاشتراكيين ؟ سبقك إليها أهل كوبنهاجن وجمعية السلام ، بل إن غلاة رافضي المقاومة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية هم من اليساريين ( المدعو عبد ربه على سبيل المثال ! ) ، ثم إن الشيوعيين المصريين والعرب كانوا أول من نادي بالتعاطف مع الغزاة النازيين اليهود في فلسطين ، ووصفوا حرب الإنقاذ والنجدة للشعب الفلسطيني التي شاركت فيها الدول العربية بأنها " حرب قذرة " ! وتضامنوا علناً مع حزب " المابام " – العمال - اليهودي بقيادة بن جوريون - ؟! وأخيراً اختزلوا الصراع مع الغزاة النازيين اليهود في " التطبيع " ! لقد نجح " هنري كورييل " في اللعب بالمخ العربي عن طريق اليسار العربي لصالح العدوّ الصهيوني ، وحوّل عداءه من المقاومة للغزو النازي اليهودي ، إلى عداء للإسلام ، وكل ما يمت للإسلام بصلة !
ومع ذلك – يا علىّ – فهناك شيوعيون محترمون – كانوا ينفقون على التنظيمات الشيوعية من جيوبهم وأملاكهم ، لأنهم كانوا يعتقدون بصحة النظرية الشيوعية ، وأن غايتهم مقاومة الاستعمار والاستبداد ، وللأسف فقد رحل كثير منهم ، أو صمتوا ، أو أصيبوا بخيبة وصدمة في الرفاق الذين صاروا على استعداد لبيع أي شيء من أجل مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ، وانظر حولك في الصحافة والإعلام وحزب السلطة والتنظيم الطليعي !
تمنيت يا على سالم – يا صاحب "أغنية على الممرّ " ، أن تدين مرّة واحدة ، حصار غزة أو قتل الفلسطينيين في الشوارع والحواجز وغرف نومهم ، أو إقامة المستوطنات أو الهجرة غير المشروعة إلى فلسطين التي يقوم بها اليهود من أنحاء العالم .. ولكنك لم تفعل أبداً ، بل تكررت زياراتك لفلسطين المحتلة ومدنها وكتبت عن الغزاة النازيين معجباً " بتحضرهم " وحياتهم ومعيشتهم ، حتى منحوك درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن جوريون عام 2005م !
لاشك أنهم مدينون لك يا على بأكثر من جائزة قيمتها خمسون ألف دولار ، فأنت تستحق أكثر من ذلك ، فقد كنت شجاعاً في قبول الهزيمة ، ورفض المقاومة والموافقة على تسليم المقدسات ! مثلك كثير .. ولكن المقاومين أكثر ، وأحباب الإسلام بلا عدد ، وتلك الأيام نداولها بين الناس !
.........................................
*المصريون ـ في 25/11/2008م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:51 PM
نجيب الكيلاني أول روائي إسلامي
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
.........................
يُعدُّ نجيب الكيلاني (1931-1995م) الروائي الإسلامي الأوَّل في اللغة العربية، حيث قدَّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الروايات والقصص القصيرة، وهي غالباً محمومة بالتصوُّر الإسلامي وصادرة عنه، ومن خلال هذا الإنتاج القصصي الغزير استطاع أن يقدِّم النموذج الإسلامي في الرواية والقصة.
وقد مرّ إنتاجه الأدبي الروائي بمراحل ومستويات عدة، يمكن أن نضعها في أربعة إطارات:
ويمثِّل الرّواية الرومانسية، ويضم العديد من رواياته، وقد عبّر من خلالها عن هموم النَّاس والعلل الاجتماعية المتفشية بينهم، مثل الفقر والجهل والأمراض المتوطنة والسلبية والتخلف، ومزج ذلك بالعواطف المشبوبة والخيالات الحالمة والآمال المجنِّحة، ويمكن أن نرى أمثلة على ذلك من رواياته: الطريق الطويل، الربيع العاصف، الذين يحترقون، في الظلام، عذراء القرية، حمامة سلام، طلائع الفجر، ابتسامة في قلب الشيطان، ليل العبيد، حكاية جاد الله..
ويمثِّل الرواية التاريخية، التي تستلهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بصفة عامة، وقد استدعى التاريخ واستلهمه ليقدِّم النماذج الإنسانية المشرفة من حضارتنا، ويرصد جهاد الآباء في شتى جوانب الحياة، دفاعاً عن الدّين وسعياً لتأسيس مجد غير مسبوق، وفي بعض الأحيان كان يستدعي التاريخ ليعالج من خلاله قضايا راهنة أصابت الأمَّة بالإحباط واليأس، ويوقظ به الأمل في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق إحياء الهمَّة وبعث العزيمة والإصرار، وفي كل الأحوال فإنَّ استلهام التاريخ في الرّواية عند "نجيب الكيلاني"، كان إبرازاً لمعطيات الإسلام العظمية، وإمكاناته الهائلة في تحويل الإنسان المسلم إلى صانع حضارة وباني مجدٍ وجندي ظافر في معاركه ضد الشرّ والتوحُّش، ويمكن أن نجد عدداً كبيراً من رواياته التي عبَّرت عن ذلك، مثل: نور الله، قاتل حمزة، أرض الأنبياء، دم لفطير صهيون، مواكب الأحرار (أو نابليون في الأزهر)، اليوم الموعود، النداء الخالد، أرض الأشواق، رأس الشيطان، عمر يظهر في القدس.
ويمثِّل الرواية التي يمكن أن نسميها بالرواية الاستشرافية التي عبَّر فيها عن هموم المسلمين خارج حدود العالم العربي (دول آسيا الوسطى التي كانت أو ما زالت تحت الستار الحديدي الشيوعي من الاتحاد السوفييتي والصين-إثيوبيا- إندونيسيا-نيجيريا)، واستطاع أن يكشف للعالم مأساة داميةً أصابت ملايين المسلمين المنسيين الذين لا يتحدَّث عنهم أحد إلاَّ نادراً، ولا يعرف عنهم المسلمون في العالم العربي إلاَّ القليل، وفي الوقت ذاته توقَّع انتصارهم وتحرّرهم، وهو ما حدث بالفعل في أكثر من مكان وبخاصة في الدول الإسلامية التي استقلَّت أو تحاول الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتعدّ رواياته: ليالي تركستان، الظل الأسود، عذراء جاكرتا، عمالقة الشمال، من أشهر رواياته في هذا الإطار.
ويمثِّل الرواية عند نجيب الكيلاني في المرحلة الراهنة، وهي التي نُطلق عليها الواقعية الإسلامية، ويعبِّر فيها عن القضايا الاجتماعية التي تهمّ جموع المستضعفين في الوطن، ويبرز فيها ما يلقاه النَّاس من ظلمٍ وقهرٍ واضطهاد، ويتخذ من تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية عناصر أساسية يرتكز عليها في بناء هذه الروايات، وأيضاً فإنَّه يطرح عبر سطورها رؤية الجيل الجديد للأحداث، وموقفه من قضايا الحرية والعدل والأمن والرخاء والمستقبل، وتُعدُّ روايات الأربع أو رباعيته التي أنتجها على مدى عامين تقريباً، ونشرت على مدى شهورٍ متقاربة ـ وهي: اعترافات عبدالمتجلي، امرأة عبدالمتجلي، قضية أبو الفتوح الشرقاوي، ملكة العنب ـ من أفضل النماذج وأبرزها في الدلالة على هذا الإطار، وهي موضوع دراستنا.
والواقعية الإسلامية تختلف بالضرورة عن الواقعية الأوروبية (الانتقادية والطبيعية)، والواقعية الاشتراكية (الماركسية)، وإن كانت هنالك أسس موضوعية وفنية قد تجمع بينها جميعاً..
فالواقعية الأوروبية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي، حتى لو كانت تدعو إلى تشاؤم عميق لا أمل فيه، في حين تحتّم الواقعية الإسلامية أن يثبت الكاتب في تصويره للشرّ دواعي الأمل في التخلُّص منه فتحاً لمنافذ التفاؤل حتى في أحلك المواقف، ولو أدَّى إلى تحريف الموقف بعض الشيء.
أمَّا الواقعية الإسلامية، فإنَّها ـ مع انتقادها للواقع ـ تنطلق في انتقادها من التصوُّر الإسلامي الذي يكون دائماً منصفاً، فلا يبالغ ولا يهوّل، أيضاً لا يتحامل بسبب المغايرة في الانتماء، ولا يحبِّذ الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون، فضلاً عن أنَّ الأمل في الواقعية الإسلامية، هو أمل إيماني يقوم على أساس نُصرة الحقِّ في كل الأحوال، حياة وموتاً. إنَّها باختصار ترفض التشاؤم كما ترفض التفاؤل الذي يقوم على الخداع أو التزييف، ثم إنَّها تستقي مادتها من الحياة الاجتماعية، ومشكلات العصر على إطلاقها، وتختار شخوصها من عامة المجتمع وجميع طبقاته؛ لأنَّها تعتقد بأنَّ الخيرَ والشرَّ ليسا قاصرين على طبقة بعينها، ولكنَّهما موجودان في النفس البشرية، ايّاً كانت طبقتها أو انتماؤها الطبقي، وأنَّ الإنسان يمكن أن يكون خيِّراً أو شرّيراً ِوفقاً لاختياره، وعوامل أخرى مؤثِّرة في هذا الاختيار من قبيل التربية والتوجيه والقدوة والظروف المحيطة...إلخ، لذا؛ فإنَّ الطبقة ليست هي العنصر الحاسم في الصراع بين الخير والشرِّ، وإنَّما الإرادة الفردية ومكوناتها.. وهو ما يتسق مع التصوُّر الإسلامي:}فَألهمها فُجُورها وتقواها*قد أفلحَ مَنْ زَكَّاها*وقد خَاْبَ مَنْ دَسّاهَا{[سورة الشمس: 9،8].
وإذا كانت الواقعية الانتقادية والواقعية الاشتراكية توجهان سهام نقدهما للطبقة الوسطى (البرجوازية) لأنَّها ظلمت الطبقة الدُّنيا، وأنزلت بها أسوأ أنواع القهر والغبن، عندما وصلت إلى السلطة، فإنَّ الواقعية الإسلامية، ومن خلال روايات نجيب الكيلاني، تنتقد الفئة الظالمة والأفراد الظالمين أيّاً كان انتماؤهم، إلى الطبقة العليا أو الطبقة الوسطى أو الطبقة الدُّنيا، على السواء، فهناك من يوجّه إليهم الانتقاد ممَّن يُعدّون في الطبقة العليا أو الطبقة الوسطى (الحكام-الضباط-رجال الأعمال)، وهناك من يوجِّه إليهم الانتقاد من الطبقة الدُّنيا (العمال، الفلاحين، صغار التجار)، وهكذا فالشرُّ موجود في كل الطبقات، والخير أيضاً.
والواقعية الإسلامية من هذا المنطلق تمثل الصياغة الفكرية والتطبيقية لمفهوم الأدب الإسلامي، في صورته المقبولة والمؤثِّرة في مجال الرواية والقصة على وجه الخصوص، حيث تحقِّق الغاية الخلقية والفنية لعملية الإبداع الأدبي، وإذا كانت بعض التيارات الأدبية تعارض أن يكون للأدب غاية خلقية، فإنَّ الواقعية الإسلامية لا يمكنها أن تتخلّى عن هذه الغاية التي ألحّ عليها كثيرون في الماضي والحاضر. لقد أكدّ "أوسكار وايلد" على الرسالة الخلقية للفنِّ بالمعنى الواسع، وتعني هذه الرسالة لديه: مساعدتنا على فهم الحياة، وقد آمن بهذه الرسالة أفلاطون وأرسطو من قبل، ثم مونتاني وموليير من الفرنسيين، وبن جونسون ودكتور جونسون من الإنجليز.
إنَّ التعبير عن هموم المظلومين والمقهورين والمستضعفين من عامة النَّاس يمثِّل لبّ الرسالة الخلقية للواقعية الإسلامية، وهو ما ألحَّ عليه كثيراً أدب نجيب الكيلاني بعامة، ورواياته بخاصة، فالطبقة الدُّنيا المظلومة المقهورة المستضعفة، حاضرة في رواياته حضوراً مستمراً دائماً، ونماذج المظلومين والمقهورين والمستضعفين تملأ صفحات كثيرة في أدبه، إلى جانب الاهتمام أيضاً بالنماذج العادلة والقوية والظافرة وفق المفهوم الإسلامي. وهذا الاهتمام بقضايا المجتمع من خلال هذه النماذج أو تلك يأتي استجابة لتوجيه إسلامي كي نهتم بأمور المسلمين اليومية والاجتماعية.
ولعل اهتمام نجيب الكيلاني بحياة الفلاحين في القرية المصرية وما يجري لهم، وأيضاً تعبيره عن بسطاء المدينة وما يعانونه، يُمثِّل ملامح استجابته للتوجيه الإسلامي بالاهتمام بأمور المسلمين الذي يترجم عنه في واقعيته الإسلامية ذات الرسالة الخلقية، وإذا أضفنا إلى ذلك تصدِّيه بالانتقاد للفئة المتحكِّمة وفساد رجالها والمحيطين بها، وأيضاً انتقاده لانحراف الأفراد من العامة مع بيان سبب هذا الانحراف، فإن الصورة تكتمل في أذهاننا لأسلوب الأدب الإسلامي ومنهجه في معالجة هموم المجتمع وقضايا الأمَّة ومشكلاتها.
ومن الجدير بالذكر أنَّ نجيب الكيلاني بذل جهداً تنظيريَّاً مهماً في هذا السياق، للتعريف بمفهوم الأدب الإسلامي وأبعاده، في عديد من الكتب والبحوث المنشورة، أهمها كتابان، أوَّلُهما "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، وثانيهما "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، وفيهما يوضِّح علاقة الأدب بالدين، ومفهوم الالتزام الإسلامي في الأدب، ويقارن بين المذاهب الأدبية السائدة، ويعرض لمناقشة بعض القضايا التي تتعلَّق بالأدب الإسلامي وتثير العديد من التساؤلات، سواءً من المؤيِّدين للأدب الإسلامي أو المعارضين، مع إشارة لبعض الأدباء الإسلاميين في العصر الحديث أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد محرَّم، وتقديم نماذج معقولة للأدب الإسلامي. كما ركَّز على الدعوة إلى الاهتمام باللغة العربية الفصحى في الكتابة والتعبير بوصفها البيان الأدبي الأرقى للأسلوب.
إنَّ كفاح نجيب الكيلاني لتقديم الرواية أو القصة الإسلامية، يمثِّل انعطافة كبيرة في مسيرة الأدب الإسلامي، ليس في مواجهة أعدائه فحسب، بل في مواجهة بعض ضيقي الأفق الذين يرون في الأدب عموماً ترفاً يجب أن يترفَّع عنه المسلمون، وما علموا أنَّ العلاقة بين الأدب والدين علاقة حميمة، أو كما صوَّرها (هنري برجسون) بأنَّها علاقة نسب، عندما قال: إنَّ الفنَّ ابن الدين. ونسوا أو تناسوا أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستجيد الشعر ويستنشده، وكان يحثُّ حسّاناً على استخدام شعره في معركته ضد المشركين، وأنَّ عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه يُعدّ أوَّل ذواقةٍ للشعر وناقدٍ له من الخلفاء الراشدين.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ دخول نجيب الكيلاني إلى مجال الواقعية الإسلامية في الرواية، يعد نقلة أكثر تطوراً وعمقاً؛ لأنَّه يواجه المجتمع بمشكلاته المزمنة والمؤرِّقة مواجهة جادة ملتزمة، مع ما قد تجرُّه عليه هذه المواجهة من متاعب شخصية واجتماعية تعوّدها منذ مطلع شبابه.
ثمة ملمحٌ أخيرٌ تختلف فيه الواقعية الإسلامية عن الواقعية الانتقادية والواقعية الاشتراكية، وهو الناحية الأسلوبية، فالواقعيون - بعامة- لا يحبون المبالغة في العناية بالأسلوب؛ لأنه وسيلة لا غاية، والأهمية كلها للمنطق، وللطريقة التي تسود بترتيب الأحداث والتعبير عنها.
والواقعية الإسلامية ـ فيما أتصوَّرـ تحرص على الأسلوب وتعنى به؛ لأنَّه يمثل ـ بطريقة ما ـ عناية باللغة وارتقاء بها وسموّاً ببيانها، وهو ما يعني في حقيقة الأمر الحرص على قيمة جمالية كبرى من قيم البيان العربي، ولعلَّ التفوُّق الأسلوبي لدى بعض المشاهير، كان سبب شهرتهم في المجال الروائي، سواءً كانوا مخلصين للواقعية الانتقادية أو الواقعية الاشتراكية أو الرومانسية أو غيرها، بدءاً من مصطفى لطفي المنفلوطي حتى نجيب محفوظ، مروراً بآخرين من أمثال علي الجارم، محمد فريد أبو حديد، محمد سعيد العريان، محمد عبدالحليم عبدالله، عبدالحميد جودة السحَّار، فتحي غانم...
وقد اهتم نجيب الكيلاني بأسلوبه الروائي، الذي تحدَّثنا عنه في موضع آخر، اهتماماً كبيراً، ولعلَّ ذلك يرجع إلى كونه شاعراً أيضاً، يملك القدرة على الأداء اللغوي الجيِّد، كما يملك معجماً غزيراً يتيح له فرصة للتعبير الدقيق والمتسامي عن مختلف المشاعر والأحاسيس، والصور والمشاهد.
يبقى بعدئذ، أن نشير إلى أنَّ الواقعية الإسلامية عند نجيب الكيلاني، تظلُّ وفيّة للقضايا الإنسانية الكبرى التي تعني الإنسان المسلم في حاضره ومستقبله، وتترفع في الوقت ذاته عن القضايا المبتذلة والرخيصة التي تتسافل به أو تهبط به إلى درك الحيوانية حيث تبحث عن الإشباع الغريزي وحسب.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:53 PM
العصا الغليظة!
بقلم : أ.د.حلمي محمد القاعود
...........................
كالعادة؛ أبت السلطة البوليسية الفاشية أن تتوب عن سلوكها القمعي الإرهابي ضد كل من يخالفها أو يحكم القانون والعقل والمنطق ؛ فأشهرت عصاها الغليظة في وجه قضاة مصر الشرفاء الذين أبرءوا ذمتهم أمام الله والناس ، وأعلنوا أن جريمة التزوير قد حدثت في دائرة بندر دمنهور الانتخابية ، وأن المرشح الخاسر قد أعلن فوزه في سابقة غير مسبوقة ولا مقبولة..كان إعلان القضاة من الجرأة والشجاعة مما جعل الأمة تحتفي بهم وتلتف حولهم، وأيضا كان إعلانا لتنقية ثوبهم الأبيض الذي يحرصون على بقائه ناصع البياض أيا كان الترهيب أو الترغيب الذي يمارسه النظام الديكتاتوري الحاكم !
لقد أعلنت السلطة من خلال مجلس القضاء الأعلى التابع لها عن إجراءات عقابية ضد القضاة الذين تحدثوا عن التزوير ، وأبلغوا الأمة حقيقة ماجري في الدوائر الانتخابية عامة ، وبندر دمنهور خاصة ، ورأى المجلس أن قلة من القضاة دون العشرة تحدثت إلى الفضائيات ووصفت الانتخابات بأوصاف رديئة –يعني بالتزوير –مما يعرض البلاد للفتن ويعصف بالاستقرار ، وطلب المجلس تحويل القضاة المذكورين إلى التحقيق الفوري أمام النائب العام .
هذا هو المضمون العام لبيان المجلس المذكور الذي جاء ليؤكد حرص السلطة على الاستمرار في ممارساتها الاستبدادية، بدلا من الرجوع إلى الحق والتحلي بفضيلة الاعتراف بالخطأ ، وتصحيح الوضع المقلوب الذي أعلن خسارة الفائز ، وفوز الخاسر.
إن المستشار نهى الزيني التي بدأت الإعلان بضمير حي عن جريمة التزوير ، وتلاها نادي القضاة الذي أعلن من خلال لجنة متابعة الانتخابات التي شكلها عن شهادة سبعة وثلاثين ومائة قاض قالوا في شهادتهم بالأرقام أن هناك مايقرب من ستة عشر ألف صوت هي الفارق بين الفائز الرسمي والخاسر المظلوم.. لقد احتكم القضاة إلى الشعب وحمايته ، لأنهم رأوا أن السلطات المختصة تقر التزوير وتؤيده ، وأن الشكوى إليها هي من قبيل الحرث في البحر بل إن عواقب الاستعانة بها ستكون تنكيلا وحصارا ومطاردة!!
كان من المفترض أن يهب المجلس لمعاقبة من شاركوا في جريمة التزوير ، ومن قبلوا إملاء السلطة المستبدة لإرادتها التي أهدرت كرامة القضاء ، وأزرت بنزاهة القضاة وحيدتهم ، ولكن المجلس آثر تهديد القضاة بالعصا الغليظة إن لم يغلقوا أفواههم متهما إياهم بالعمل السياسي !! في حين أنهم يعلنون رأيهم فيما وصلت إليه الأوضاع الانتخابية من استهتار بالقضاء ، واعتداء على القضاة، ومحاولة تحميلهم وزر التزوير الذي يجب فضحه وإعلانه على الملأ لأن ذلك من صميم عملهم واختصاصهم .. أليسوا المشرفين على سير العملية الانتخابية والحريصين على نزاهتها وشفافيتها ؟!
لقد استنكرت ثماني منظمات لحقوق الإنسان بيان المجلس المذكور ، وحذرت أن يكون ذلك مقدمة لمذبحة جديدة للقضاة ، كما أعلنت قلقها من لغة التهديد التي تغلف البيان .. وهو مايعني أننا بصدد حملة تخويف لكل قاض يتحرك ضميره في اتجاه الحق والصدق والعدالة التي هي من صميم عمل القضاء في كل الظروف والأحوال .
من المؤكد أن نادي القضاة قد أزعجه بيان العصا الغليظة ، ومن المؤكد أيضا أنه سوف يتخذ موقفا يناسب مضمون البيان ودلالاته ، ومن المؤكد كذلك أنه لن يرضخ للتهديد أو التخويف .
أما مايخص الأمة فيجب أن تكون على مستوى الحدث ، وهى كذلك بالفعل لأنها تساند القضاة الذين يعبرون عن ضميرها وإرادتها ، وقد قدمت الأمة كثيرا من التضحيات في سبيل حريتها وكرامتها ، وهى لن تدخر جهدا في سبيل تقديم المزيد من هذه التضحيات.
ولعل السلطة تتسق مع نفسها فيما تقول وتفعل ، فإذا كانت حقا تريد حياة ديمقراطية حقيقية فعليها أن تقبل بتبعات الديمقراطية الحقيقية من نزاهة وشفافية ، وقبول للفوز والهزيمة في الانتخابات ، وتداول سلمي للسلطة .. أما إذا كانت مصرة أن المسألة لاتعدو ديكورا ينصب ليراه العالم الخارجي ويعتقد أن لدينا ديمقراطية ؛ فلتعلن ذلك على الملأ . . وبعدها فليكن لشعبنا قراره الذي يراه ملائما سواء بالمشاركة في اللعبة أو التعبير عن إرادته الحقيقية بانتزاع الحرية من بين أنياب النظام المستبد الفاشي.
تحية لكل صاحب ضمير في هذا الوطن سواء كان من القضاة أو من غيرهم .. والنصر للشعوب الحرة !
............................................
*المصريون : في 28 - 11 - 2005م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 03:55 PM
جابر عصفور.. والطاهر وطار
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
..........................
"الطاهر وطار" كاتب جزائري يساري, كتب إلى وزير الثقافة المصري ينتقد مؤتمر المثقفين الذي انعقد أول يوليو الحالي, ولكن هذا الانتقاد لم يعجب صديقي اللدود "جابر عصفور" وزير الثقافة التنفيذي (أمين المجلس الأعلى للثقافة), وأرجع صديقي اللدود موقف "الطاهر وطار" إلى تحالفه مع الجماعات الإسلامية الجزائرية!! المؤتمر حضره قرابة مئتي كاتب ومفكر معظمهم من الشيوعيين القدامى وبعض الليبراليين, واثنين من المحسوبين علي التيار الإسلامي، أحدهما وزير سابق, والآخر أستاذ قانون.
المفارقة أن "جابر عصفور" كتب قبل أيام في "الأهرام" يشيد برواية "الزلزال" لـ "الطاهر وطار"؛ لأنها تتعمق في شخصية الإرهابي.. أي المتدين المسلم! وعدّه رائداً في هذا السياق.. بالطبع فإن مؤلف "الزلزال" لم يتعاطف مع "الإرهابي" وقدمه في صورة بشعة دون أن يقدم المقابل غير الإرهابي من المتديّنين الصالحين!
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:01 PM
أزمة القضاة .. وكتاب لاظوغلي!
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
.........................
شاهد العالم جموع الشعب المصري وهي تتعرض للضرب والسحق على أيدي جيوش الأمن المركزي وفرق الكاراتيه الأمنية التي ترتدي ملابس مدنية . وشاهد هذه الفرق وتلك الجيوش وهي تسحل الناشطين وتضربهم بالجزمة ! كما شاهد شوارع وسط القاهرة، وقد أغلقتها لوريات البوليس وملأتها خوذات الجنود ورشاشاتهم وبنادقهم ! كل ذلك لمنع الشعب المصري من مؤازرة القضاة الشجعان ، ومساندتهم ضد النظام البوليسي الفاشي الذي حول مصر إلى عزبة خاصة يتحكم فيها ، وفي مقدراتها كيف شاء ، دون أن يدرك ما يدور حوله في العالم ،وما يدور داخل الشعب المصري من سخط وغضب وثورة .. ويظن أن " النبّوت " سيحميه ويبقيه إلى أبد الآبدين .
لقد انتصر القضاة الشرفاء في المرحلة الأولى من نضالهم الوطني ضد النظام البوليسي الفاسد ، وانتزعوا براءة أحد المستشارين ، وبدءوا مرحلة جديدة لإثبات استقلال القضاء ، وحفاظه على القانون واستعادة كرامته التي أهدرها الجلادون في الانتخابات ، وشوارع وسط البلد بضرب القضاة في اللجان الانتخابية أو سحلهم في الشوارع .
القضاة ميزان العدالة ، والعدل صفة من صفات الخالق سبحانه وتعالى ، ونظام الكون ، لا يستمر إلا إذا قام على العدل، وهناك عبارة خالدة نحفظها جميعا ، وهى : العدل أساس الملك – أي أساس الحكم ، وأساس الحضارة – ولكن النظام البوليسي الفاشي يصر على أن يقوم بناء الوطن على الظلم والمحسوبية والفساد والاستبداد ، ولا يعنيه أن يهان قاض أو أستاذ جامعي أو محام أو مهندس أو طبيب أو طالب أو مواطن عادي.. الوحشية التي يوجهها النبّوت هي القول الفصل في منهج النظام البوليسي الفاسد ، وبعدئذ لا يهم أن يكون الوطن مستباحا للصوص الكبار والمنافقين والأفاقين وشهود الزور وأبواق البهتان والغرباء الطامعين .. بل لا يهم أن يقدم الوطن بثرواته ومعتقداته وأناسه هدية للأعداء والمتربصين تحت مسميات شتى!
بيد أن ظاهرة شاذة وغريبة فجعت الأسماع والأبصار ، وهي قيام كتاب لاظوغلي ومثقفي الميكروباص بإهانة القضاة في الصحف والقنوات التلفزيونية ، دون خجل أو حياء ، واتهامهم بأنهم قلة خالفت القانون(!) وتحدثت في وسائل الإعلام ، واشتغلت بالسياسة ، وهو محض كذب وافتراء لا أساس له من الصحة بدليل براءة أحد المستشارين المحالين إلى مجلس الصلاحية بهذه التهم . ثم كان الاتهام البوليسي الذي ألح عليه كتاب لاظوغلي وأبواقها في الصحف والتلفزيون ، وهو تحرك القضاة بناء على تخطيط الإخوان المسلمين ودعمهم ! وكأن القضاة دمى يحركها الأخوان دون إرادة أو رغبة !!
ألح كتاب لاظوغلي في الصحف الحكومية ، وفعل مثلهم مثقفو الميكروباص من خدام السلطة في القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية ، على علاقة الأخوان بالقضاة ، مما يوحي بأن الأخوان يحركون الأحداث في كل اتجاه ، حتى القضاء يحركه الأخوان ليحصدوا مقابلا لهذا التحريك ، أو الدعم !وكأن القوم يدارون بهذه الاتهامات عار القبض والضرب والسحل للأخوان في شوارع وسط البلد .. ياله من نفاق ، ويالها من وحشية !
إلى هذا الحد وصلت إهانة كتاب لا ظوغلي ومثقفي الميكروباص للقضاة ، وما دروا أن القضاة يملكون إرادتهم ملكية كاملة ، وأنهم في جمعيتهم العمومية ، وناديهم ، وهم يكافحون منذ عشرين عاما من أجل استقلال السلطة القضائية ، وإبعاد هيمنة السلطة البوليسية الفاشية عن مقدراتها ، وقد قام الشعب المصري بدعم القضاة ومؤازرتهم ، لأنهم قاموا بواجبهم في الدفاع عنه ، وعبروا عن رغباته وأمانيه في إلغاء قانون الطوارئ والقوانين سيئة السمعة ومحاسبة المزورين في الانتخابات التشريعية الأخيرة ولو كانوا من بينهم ، وأيضا محاسبة الجلادين الذين اعتدوا على بعض القضاة وحبسوهم مثل الدجاج ، سواء في لجان الانتخابات أو أمام ناديهم بالقاهرة ، فضلا عن المطلب الأساسي ، وهو إصدار قانون السلطة القضائية الذي أعده القضاة بأنفسهم ، وليس الذي أعدته الحكومة . إن كتاب لاظوغلي ومثقفي الميكروباص تجاهلوا اعتداء الجلادين من أفراد البوليس الفاشي على القضاة في لجان الانتخابات وسحلهم لأحد القضاة ووضع الحذاء على وجهه أمام نادي القضاة ، وشحنه في " بوكس " الجلادين ، ولم يشفع له أنه مستشار ورئيس محكمة!
إني أتمنى من نقابة الصحفيين أن تحاسب كتاب لاظوغلي ومثقفي الميكروباص الذين أساءوا إلى القضاة ، وشاركوا في الحملة البوليسية الفاشية ضد أشرف رجال الوطن؛ الذين تعتز بهم مصر وتفخر منذ زمان بعيد أثبتوا فيه قدرتهم على قول الحق وإحقاق العدل ، ولو كان بيع السلطان في المزاد ، كما فعل العز بن عبد السلام رضي الله عنه .
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:02 PM
كامل أمين.. شاعر الملاحم الإسلامية
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل ربع قرن تقريباً، رأيت رجلاً أبيض الشعر، متواضع الهيئة، يدخل مكتب رئيس التحرير لإحدى المجلات الأدبية، ويتحدث حول أعماله الشعرية، وقصائده التي يرشحها للنشر، كان متحمساً حماسة الشباب، مع أنه كان في ذلك الحين يبدو قد جاوز الستين بسنوات، عرفت أن الرجل هو الشاعر "كامل أمين"، واسمه الكامل: "كامل أمين محمد"، وكان له موقف من الحياة والمجتمع، يقوم على التصور الإسلامي، ويرفض التصورات العلمانية والماركسية التي كانت سائدة في الواقع الثقافي آنئذ، وهو ما جعل القوم المهيمنين على الصفحات الأدبية في الصحف والمنابر الثقافية ودور النشر الرسمية، يقفون منه موقفاً سلبياً، ويرفضون نشر إنتاجه الشعري والأدبي.
وفي مرحلة تالية، أتيح له أن يجد فرصة مناسبة لنشر بعض أعماله، سواء في الصحف أو المجلات أو دور النشر الرسمية، ولكن عودة الماركسيين والعلمانيين إلى الهيمنة مرة أخرى حجبه عن القراء وعن الساحة الأدبية بصورة شبه كاملة!
وقبيل وفاته في الأسابيع الماضية اشتد به المرض، فتوسطت له كاتبة إسلامية عند بعض ذوي النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها كي يعالج لدى المستشفيات المتخصصة على نفقة الدولة، ووعد هؤلاء بعلاجه، ولكن مر الوقت والمرض يرعى جسد الشاعر المسن الفقير، وتجاهل ذوو النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها أمر الرجل، حتى قضى نحبه، دون أن تكلف الصحف الرسمية وغير الرسمية نفسها عناء نشر خبر في سطرين عنه، ولم تستطع أسرته أن تنشر نعياً له!! وبالطبع لم يكتب أحد عنه شيئاً، لا مقالاً، ولا تحقيقاً ولا متابعة، مما يحظى به صغار الأدباء اليساريين والعلمانيين، عندما يصابون بالكحة أو الأنفلونزا!
وسمعت أن الكاتبة الإسلامية التي توسطت من أجل علاج شاعرنا الراحل، أعادت الكرة مرة أخرى من أجل نشر إنتاجه الشعري والأدبي الضخم، ولكن القوم لن يسمعوا لها لسبب بسيط جداً، وهو أن كامل أمين "ليس يسارياً ولا علمانياً"، وقبل ذلك وبعده، فهو يعبِّر عن تصور إسلامي يرفضه اليساريون والعلمانيون جميعاً!
نشأته
ولد كامل أمين، في مدينة "طنطا" عاصمة مديرية الغربية، في الخامس من يوليو سنة 1915م، وقد تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية أولاً، وواصل دراسته بعدئذ في المدارس المصرية، واشتغل موظفاً في وزارة الري "الأشغال"، وعاش حياة متواضعة حتى أحيل إلى التقاعد، وقد منح تفرغاً لبعض الوقت من وزارة الثقافة.
نشر الشاعر قصائده في المجلات الأدبية والإسلامية، وكانت "الرسالة" تتزين بقصائده، وبمطولاته، وفي المرحلة الساداتية كان ينشر في "الأهرام"، و"الثقافة"، و"الهلال" وغيرها، واتسم شعره بقوة السبك، ووضوح العبارة، وقرب الألفاظ، وإيثار الموضوع الإسلامي، والدفاع عن الفكرة الإسلامية في مواجهة خصومها.
من بناة الملاحم في الشعر الحديث
ويعد كامل أمين من الشعراء البناة للملحمة في الشعر العربي الحديث، وكما نعلم فالملحمة لم تكن معروفة في شعرنا العربي الذي تغلب عليه صفة الغنائية، أي المقطوعات والقصائد التي يعالج من خلالها الشاعر موضوعه أو تجربته. الملحمية كانت من سمات الشعر اليوناني القديم، والشعر الروماني القديم أيضاً، والشعر عند اليونان والرومان كان وسيلة للتعبير المسرحي والملحمي، بحكم معتقداتهم وتصوراتهم، حيث كانت تقوم على الوثنية وتعدد الآلهة، وصراع هذه الآلهة مع البشر، وخاصة أبطال وقادة اليونان والرومان. لقد امتزجت الوثنية عند هؤلاء بالأسطورة والخرافة، وهو ما عبر عنه شعراء الإغريق والرومان في أعمال ملحمية شهيرة ترجمت إلى معظم لغات العالم، ومنها: أجا ممنون، ألكترا، حاملات القرابين...
ومع أن العرب قبل الإسلام كانوا وثنيين، وكانت لهم أساطيرهم وخرافاتهم، إلا أن طبيع تهم وبيئتهم ورحلتهم في المكان والزمان، جعلتهم ينتمون إلى القصيدة الغنائية دون المسرح والملحمة، وفي بدايات عصر النهضة، سعى "محب الدين الخطيب"، ليكون للعرب والمسلمين ملاحمهم التي تقوم على تاريخهم الحقيقي، وفيه من الصراع بين الحق والباطل، ما يفوق أساطير اليونان والرومان وخيالاتهم، وقد ذهب إلى "أحمد شوقي" أشهر شعراء العصر الحديث آنئذ، وعرض عليه فكرة نظم الملحمة إسلامياً، ولكن "شوقي" صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه، فذهب الرجل إلى "أحمد محرم" وعرض عليه الفكرة، فقبلها على الفور، وبدأ في النظم ونشر الملحمة "الإلياذة الإسلامية" أو "مجد الإسلام"، في مجلة "الفتح"، على أجزاء، وكان محرم بذلك أول من راد هذا الطريق وعبّده لغيره من الشعراء العرب المحدثين، المفارقة أن "شوقي" فاجأ الناس بعد ظهور "إلياذة محرم" بنشر "مطولته" ولا أقول ملحمته المعروفة باسم "دول العرب وعظماء الإسلام"، ترصد حركة الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه، ولكن لم تكن لها قوة ملحمة "محرم".
جاء "كامل أمين" ليحقق أول ملحمة عربية إسلامية مكتملة فنياً، ولم يكتف بملحمة واحدة فقط، ولكنه كتب أكثر من ملحمة، وساعده على ذلك قدرته الكبيرة على النظم وطواعية اللغة، ودراسته الجيدة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
كانت أول ملحمة يكتبها هي ملحمة "السماوات السبع" عام 1957، وكانت بداية متواضعة من حيث المستوى الفني، تلتها ملحمة "عين جالوت"، وإني لأعدها أعظم ملاحمه على الإطلاق، ليس لضخامتها أو تعبيرها عن معركة خالدة في حياة الإسلام والمسلمين، حيث كان الانتصار كبيراً ورائعاً وفريداً على التتار الغزاة، ولكن لأنها استطاعت أن تبني فنياً لحظة من أروع لحظات التاريخ الإسلامي، وتثبت بحق أن تراثنا التاريخي فيه ثروة هائلة من الأحداث والوقائع الباهرة التي تفوق خيال اليونان وأساطيرهم، كما تفوق ما لدى نظرائهم من الرومان.. ومع أن الشاعر أنجز هذه الملحمة عام 1968 (العهد الناصري)، فإنها لم تنشر إلا عام 1975م (المرحلة الساداتية).
تابع الشاعر كتابة ملاحمه التاريخية، فكتب ملحمة "القادسية" عام 1978م، عن المعركة العظيمة التي خاضها المسلمون ضد الفرس، وانتصروا عليهم فيها.
وهناك ملحمة أخرى هي الملحمة "المحمدية" عام 1979م، وترصد السيرة النبوية، وقد تناولتها في كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث".
إن "كامل أمين" في احتشاده لكتابة الملحمة التاريخية الإسلامية ليعد صاحب جهد فريد وكبير ونادر، نقل الشعر العربي من الغنائية إلى الملحمية، وأغناه بهذا التراث، فضلاً عن توظيفه في ميدان جديد يبعده عن كثير من السلبيات التي تصاحب الشعر الغنائي.
مجموعة دواوين
ومع ذلك، فإن "كامل أمين" أصدر مجموعة من الدواوين التي تضم قصائد غنائية معظمها يدور حول الدفاع عن الإسلام واستنهاض الأمة وشحذ عزيمتها لمواجهة المحن والأزمات والصعاب والتغلب عليها.
أصدر عام 1947م ديوانه "نشيد الخلود"، وفي عام 1964م أصدر ديوانه "المشاعل"، وأصدر عام 1979م ديوانيه: "مصباح في الضباب"، و"عندما يحرقون الشجر".
ومن المؤكد أن أوراقه التي تركها بعد رحيله، تضم كما علمت شعراً كثيراً لم ير النور، في ظل الحصار المفروض على التوجه الإسلامي بصفة عامة، سواء كان شعراً ملحمياً أو غنائياً.
ويحسن أن نتناول نموذجاً من شعره، قبل ختام هذه السطور؛ لعلنا نرى فيه بعض خصائص شعره، يقول في إحدى قصائده "صيحة مسلم"، مدافعاً عن اللغة العربية "لغة الضاد" وربط الهجوم عليها بالمؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين:
رحمة الله والسماء عليها / كانت الضاد للكتاب لسانا
وبها كان يهبط الروح جبريل / ويوحى للمصطفى القرآنا
أيها المفلسون من كل شيء / فارقونا وهرّجوا في سوانا
كل تاريخنا ديون عليكم / لا تظنوا استرداده إحسانا
كل وجه لكم بألف يهوذا / ألف قابيل واغلٌ في دمانا
قد تركنا كتابنا فضللنا / بعد أن كان في الكتاب هدانا
أيها المسلمون في كل أرض / التقوا حول دينكم حيث كانا
ولعل تسمية القصيدة "صيحة مسلم"، تتناغم مع صوت الجهارة الذي يسودها، واللغة المباشرة التي لا تلجأ إلى المجاز كثيراً، والتعبير القوي العميق عن القضية التي يدافع عنها، ويستبسل في سبيل المنافحة عن حماها، فهو مستمسك بالضاد التي صنعت مجداً، وكانت وسيلة الخير الإلهي الذي أصاب المسلمين وهو القرآن الكريم، وبالإضافة إلى ذلك، فهو يرى أن الضاد طريقنا لاستعادة المجد، وتقدم الصفوف، أما الذين يحاربون اللغة، فهم "يهوذا" و"قابيل"، ويدلل على خسارة الأمة وضلالها بترك كتاب الله، ويوجه نداءه إلى المسلمين كافة بالالتفاف حول الإسلام والتمسك به؛ لأنه طوق النجاة.
رحم الله "كامل أمين"، فقد استمسك بإيمانه وكرامته حتى مات في صمت، مؤمناً زاهداً كريماً.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:03 PM
توابع نجاح الإخوان المسلمين
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
.............................
أصاب نجاح الإخوان المسلمين في المرحلة الأولى للانتخابات التشريعية الراهنة؛ كتائب الدعاية الحكومية بصدمة عنيفة أفقدتهم صوابهم ، وجعلتهم لايحترمون المنطق ولا المنهجية في مخاطبة الجمهور الذي يخاطبونه عبر الإذاعات المرئية والمسموعة والمقروءة، ولم يتورعوا أن يكذبوا على الناس دون خجل أو حياء بادعاء أمور غير حقيقية على الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي بعامة .. يتربع خادم السلطة على كرسيه في التلفزيون مثلا ويأخذ في الهجوم على الجماعة المحظورة ، ويركز على كلمة المحظورة ليلفت الانتباه إلى أنها ليست قانونية ويجب معاقبتها على مشاركتها في الاهتمام بقضايا الشعب البائس وهمومه ، ثم ينتقل إلى الحديث عن شعارهم الغامض " الإسلام هو الحل" ، ويتحفنا بالكلام عما يحدث في أوربة من عدم الخلط بين الدين والسياسة مع أن ملكة انجلترا رئيس الكنيسة البروتستانتية ، وجورج بوش يرى أن السماء أرسلته ليحرر بلاد المسلمين من الإرهاب ويحول دون قيام إمبراطورية إسلامية من إندونيسيا إلى إسبانيا .... الخ
أفراد كتائب الدعاية الحكومية يحاكون البهلوانات في دفاعهم عن النظام البوليسي الفاشي الذي يستخدمهم ويفتح لهم أكياس العطاء ، فهم يدعون أنهم مع التعددية واحترام الآخر وإتاحة الفرصة للجميع في منافذ التعبير والحرية ، ولكنهم في حقيقة الأمر يحاورون أنفسهم ، ولا يسمعون إلا صوتهم وصوت سادتهم المستبدين بدليل أن اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحف الحكومية لاتتيح فرصة لوجود أي طرف إسلامي يدافع عن الإسلام أو أفكار التيار الإسلامي ، وإذا حدث ووجد هذا الطرف فهو واحد من اثنين إما مهمش في الحوار أو ساخط علي التيار الإسلامي لأسباب شخصية .. وهكذا تسقط دعاواهم ببساطة شديدة !!
مشكلة السلطة وكتائب الدعاية التي تدافع عنها وعن حزبها المتسلط أنها تصادم الشعب المصري في أخص خصائصه الحياتية والإنسانية وهو الإسلام ..لقد تناسوا أن الدين بصفة عامة مكون أساسي من مكونات المجتمع ، وأن كل المحاولات المحمومة التي بذلت منذ احتلال نابليون لمصر والشام حتى اليوم لإبعاد الشعب المصري عن دينه وإسلامه قد باءت بالفشل الذريع ، وكلما ظنت السلطة وخدامها من التغريبيين وأشباههم أن الشعب يمكن أن يتخلى عن إسلامه، فاجأهم الواقع بغير ما يتوقعون .. وقد فاجأ الشعب المصري سلطته المستبدة وكتائب دعايتها بانتخاب أكثر من أربعين نائبا في ظل الحملة الشرسة التي شنتها السلطة المستبدة وأجهزتها المهيمنة .
من المؤكد أن شعار "الإسلام هو الحل "ليس غامضا كما يتوهم رجال الدعاية السلطوية ، بدليل هذا الانتصار الكبير الذي حققه الإخوان في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية الحالية ، وهو ما أثار الذعر في أوساط النظام الحاكم وتابعيه من كتائب الدعاية الكاذبة ، مما دفع بعض المراقبين إلى توقع تدخل السلطة في المرحلتين الثانية والثالثة بصورة أكثر شراسة وفجاجة لتزوير الانتخابات لحساب مرشحيه، وإسقاط مرشحي الإخوان المسلمين ومن يتعاطف معهم من مرشحي المعارضة ..
إني هنا لاأدافع عن الإخوان ؛فهم أقدر على الدفاع عن أنفسهم ، ولكن ما أريد قوله هو أن الإسلام حقيقة واحدة لايمكن تجزئتها ، وهو ما يعني أن الشعار الذي يرفعه الإخوان أو غيرهم من الحركات الإسلامية ليس غامضا ، لأن التصور الإسلامي يؤسس لرؤية تناغي الحياة وتعمل لها كما تعبد الله وتعمل للآخرة ..
وإذا كان الشعب المصري اليوم يجد في هذا الشعار حلما جميلا يمكن أن يعبر عن طموحاته في مواجهة القهر السياسي ، والفساد الشائع في كافة المرافق الاجتماعية ، والنهب المنظم الذي يقوم به كبار رجال السلطة تحت مظلات قانونية (!!) وخراب التعليم ، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية ، وازدياد الفوارق بين الأغنياء ( ومعظمهم من أهل السلطة وأشياعها ) والفقراء ، وانهيار الطبقة الوسطى التي كانت عماد المجتمع ، فضلا عن تفشي البطالة بدرجة غير مسبوقة في تاريخ الشعب المصري في العصر الحديث .. فهو يعود إلى فطرته التي يعبر عنها دينه خير تعبير ،ويعلم أنه دين العدل والرحمة والعفة والمساواة والأخوة والكرامة الإنسانية والمستقبل المضيء ..
وأظن أن كتائب الدعاية للسلطة لاتلفت إلى أحلام الشعب وتطلعاته وأمانيه.. ولكنها تلتفت إلى مصالحها الخاصة وأنصبتها من المال العام ، الحرام عليهم وعلى مستخدميهم ؛ ولذا فهم يستميتون في الدفاع عن النظام البوليسي الفاشي وينحدرون في دفاعهم إلى درجة مشينة ومرفوضة من صاحب كل حس إنساني نقي ونظيف!!
في السبعينيات رفع صديقي المرحوم "جابررزق" شعار " المسلمون قادمون"، وجعله عنوانا على غلاف مجلة الدعوة ، مما أغضب الرئيس الراحل أنور السادات .. وقد آن الأوان أن يأتي المسلمون ليحلوا مشكلات أمتهم ، وينتهي عصر استبعادهم من الحياة العامة ، ويكون لهم حق ارتفاق فهم ليسوا أبناء الجارية على أية حال !
.................................................. ...
*المصريون ـ في 18 - 11 - 2005 م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:03 PM
العصا الغليظة!
بقلم : أ.د.حلمي محمد القاعود
...........................
كالعادة؛ أبت السلطة البوليسية الفاشية أن تتوب عن سلوكها القمعي الإرهابي ضد كل من يخالفها أو يحكم القانون والعقل والمنطق ؛ فأشهرت عصاها الغليظة في وجه قضاة مصر الشرفاء الذين أبرءوا ذمتهم أمام الله والناس ، وأعلنوا أن جريمة التزوير قد حدثت في دائرة بندر دمنهور الانتخابية ، وأن المرشح الخاسر قد أعلن فوزه في سابقة غير مسبوقة ولا مقبولة..كان إعلان القضاة من الجرأة والشجاعة مما جعل الأمة تحتفي بهم وتلتف حولهم، وأيضا كان إعلانا لتنقية ثوبهم الأبيض الذي يحرصون على بقائه ناصع البياض أيا كان الترهيب أو الترغيب الذي يمارسه النظام الديكتاتوري الحاكم !
لقد أعلنت السلطة من خلال مجلس القضاء الأعلى التابع لها عن إجراءات عقابية ضد القضاة الذين تحدثوا عن التزوير ، وأبلغوا الأمة حقيقة ماجري في الدوائر الانتخابية عامة ، وبندر دمنهور خاصة ، ورأى المجلس أن قلة من القضاة دون العشرة تحدثت إلى الفضائيات ووصفت الانتخابات بأوصاف رديئة –يعني بالتزوير –مما يعرض البلاد للفتن ويعصف بالاستقرار ، وطلب المجلس تحويل القضاة المذكورين إلى التحقيق الفوري أمام النائب العام .
هذا هو المضمون العام لبيان المجلس المذكور الذي جاء ليؤكد حرص السلطة على الاستمرار في ممارساتها الاستبدادية، بدلا من الرجوع إلى الحق والتحلي بفضيلة الاعتراف بالخطأ ، وتصحيح الوضع المقلوب الذي أعلن خسارة الفائز ، وفوز الخاسر.
إن المستشار نهى الزيني التي بدأت الإعلان بضمير حي عن جريمة التزوير ، وتلاها نادي القضاة الذي أعلن من خلال لجنة متابعة الانتخابات التي شكلها عن شهادة سبعة وثلاثين ومائة قاض قالوا في شهادتهم بالأرقام أن هناك مايقرب من ستة عشر ألف صوت هي الفارق بين الفائز الرسمي والخاسر المظلوم.. لقد احتكم القضاة إلى الشعب وحمايته ، لأنهم رأوا أن السلطات المختصة تقر التزوير وتؤيده ، وأن الشكوى إليها هي من قبيل الحرث في البحر بل إن عواقب الاستعانة بها ستكون تنكيلا وحصارا ومطاردة!!
كان من المفترض أن يهب المجلس لمعاقبة من شاركوا في جريمة التزوير ، ومن قبلوا إملاء السلطة المستبدة لإرادتها التي أهدرت كرامة القضاء ، وأزرت بنزاهة القضاة وحيدتهم ، ولكن المجلس آثر تهديد القضاة بالعصا الغليظة إن لم يغلقوا أفواههم متهما إياهم بالعمل السياسي !! في حين أنهم يعلنون رأيهم فيما وصلت إليه الأوضاع الانتخابية من استهتار بالقضاء ، واعتداء على القضاة، ومحاولة تحميلهم وزر التزوير الذي يجب فضحه وإعلانه على الملأ لأن ذلك من صميم عملهم واختصاصهم .. أليسوا المشرفين على سير العملية الانتخابية والحريصين على نزاهتها وشفافيتها ؟!
لقد استنكرت ثماني منظمات لحقوق الإنسان بيان المجلس المذكور ، وحذرت أن يكون ذلك مقدمة لمذبحة جديدة للقضاة ، كما أعلنت قلقها من لغة التهديد التي تغلف البيان .. وهو مايعني أننا بصدد حملة تخويف لكل قاض يتحرك ضميره في اتجاه الحق والصدق والعدالة التي هي من صميم عمل القضاء في كل الظروف والأحوال .
من المؤكد أن نادي القضاة قد أزعجه بيان العصا الغليظة ، ومن المؤكد أيضا أنه سوف يتخذ موقفا يناسب مضمون البيان ودلالاته ، ومن المؤكد كذلك أنه لن يرضخ للتهديد أو التخويف .
أما مايخص الأمة فيجب أن تكون على مستوى الحدث ، وهى كذلك بالفعل لأنها تساند القضاة الذين يعبرون عن ضميرها وإرادتها ، وقد قدمت الأمة كثيرا من التضحيات في سبيل حريتها وكرامتها ، وهى لن تدخر جهدا في سبيل تقديم المزيد من هذه التضحيات.
ولعل السلطة تتسق مع نفسها فيما تقول وتفعل ، فإذا كانت حقا تريد حياة ديمقراطية حقيقية فعليها أن تقبل بتبعات الديمقراطية الحقيقية من نزاهة وشفافية ، وقبول للفوز والهزيمة في الانتخابات ، وتداول سلمي للسلطة .. أما إذا كانت مصرة أن المسألة لاتعدو ديكورا ينصب ليراه العالم الخارجي ويعتقد أن لدينا ديمقراطية ؛ فلتعلن ذلك على الملأ . . وبعدها فليكن لشعبنا قراره الذي يراه ملائما سواء بالمشاركة في اللعبة أو التعبير عن إرادته الحقيقية بانتزاع الحرية من بين أنياب النظام المستبد الفاشي.
تحية لكل صاحب ضمير في هذا الوطن سواء كان من القضاة أو من غيرهم .. والنصر للشعوب الحرة !
............................................
*المصريون : بتاريخ 28 - 11 - 2005م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:04 PM
وداعاً عميد الأدب الإسلامي المقارن
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
...........................
ودّعَنا يوم السبت الثامن والعشرين من شوال 1425ه، الموافق الحادي عشر من ديسمبر 2004م، علم من أعلام الأدب الإسلامي ودراساته المقارنة، وهو الأستاذ الدكتور "حسين مجيب المصري" عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عاماً، قضاها في البحث والدرس والتعليم والإبداع.. وقد رحل الرجل كالعادة دون أن يذكره أحد في المجال الإعلامي والصحفي باستثناء "خبر صغير" نشرته إحدى الصحف مدفوناً وسط أخبار أخرى موسعة تتحدث عن أشباه أدباء وكتاب يهتمون بالدعاية أكثر من اهتمامهم بالتجويد والإخلاص.
عرفت الرجل قبل ثلاثين عاماً أو يزيد، ولعل الذي عرفني به صديقه الأديب الكبير الأستاذ "وديع فلسطين"، ولكنه شكا إليه ضعفاً في بصره، الذي فقده فيما بعد، مما اضطره إلى استئجار من يقرأ له ويكتب.
كان يرحمه الله يتحرك في غرفته نشطاً، يطلعني على بعض الكتب ويحدثني في بعض القضايا، ومع أني لم أمكث طويلاً، فقد خرجت ببعض كتبه القيمة ودواوينه الشعرية، وانطباع بتواضع الرجل وإخلاصه للعلم والبحث والأدب، دون أن يهتم بعرض الدنيا ومتاعها الزائل.
لم يكن الرجل يتقن فن العلاقات العامة الذي صار يتقنه أشباه الأدباء والكتاب، ولذا لم يرشح لأية جائزة ثقافية في بلده لا تشجيعية ولا تقديرية، مع أنه بمنطق العلم والأدب يستحق أن ينال أعلى جائزة يمنحها الوطن، ومن المفارقات، فإن دولاً إسلامية عديدة منحته جوائزها الكبرى ودرجة الدكتوراه الفخرية كما فعلت جامعة مرمرة في تركيا، والحكومة الباكستانية، ودولة قازاخستان وغيرها.
وفي الوقت الذي نرى فيه أدباء وكتاباً محدودي القيمة الأدبية والثقافية، على خريطة الأبحاث في الدراسات العليا بالكليات المختلفة، فإن حسين مجيب المصري لم يُطرح موضوعاً لرسالة ماجسيتر أو دكتوراه، والأمر نفسه فيما بتعلق بالحياة الثقافية، فلم يتناوله أحد من الكتاب أو النقاد، باستثناء بعض المقابلات القليلة القصيرة والمقالات وكتاب وحيد، أصدره صلاح حسن رشيد بعنوان: حسين مجيب المصري، تجربة فريدة في الشعر العربي الحديث، أصدرته مكتبة الآداب في القاهرة عام 2004م.
لقد تعرض لظلم كبير في عمله في الجامعة أيضاً ويبدو أن هذا قدر الذين يعكفون على العلم والبحث، فيظلمهم أهل "الفهلوة" والباحثون عن الدنيا والوجاهة والمناصب، ولا ريب أن ذلك كله قد أصابه بالإحباط وخلف في نفسه كثيراً من الأسى نراه عبر مقطوعات شعرية تقطر ألماً ومنها:
أنا من خبت في سعي
أنا من حرت في أمري
غثاء ضاع في سيل
وطير ضل عن وكر
هباء بين أرواح
ودمع سال في البحر
كلامي رجع أوتار
ولكن أين من يدري؟
وشعري نفح أزهار
ولكن من يرى شعري؟
ولد "حسين مجيب المصري" في مدينة القاهرة عام 1916م، وجده لأمه "محمد ثاقب باشا"، كان وزيراً للري في عهد الخديوي إسماعيل، وكان جده لأبيه حسني باشا المصري من كبار الأعيان في القطر المصري، التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية وفيها قرأ كتب الرافعي وجبران ودواوين شوقي وحافظ وزهير وغيرهم من الشعراء، وسطعت موهبته الشعرية في مدرسة السعيدية الثانوية في الجيزة عام 1932 فنشر أولى قصائده بعنوان "الوردة الذابلة"، وكانت مرثية لابنة عم له توفيت، وكان رحمه الله يعتز بهذه القصيدة اعتزازاً كبيراً.. ويذكر أن حلاقاً كان بجوار بيتهم أثر فيه تأثيراً كبيراً، حيث كان يحفظ كثيراً من عيون الشعر العربي، ويلقيه على مسامعه وهو فتيً يافع، فحببه إلى الشعر وحبب الشعر إليه، مما أحدث نقلة كبيرة في حياته، فجعلته يعيش بالتنغيم والنظم والإيقاع، وهي ظاهرة واضحة في أشعاره التي نشرها، وضمتها دواوينه الستة.
لقد نظم الشعر بالفرنسية، وترجم الشعر عن الإنجليزية، وكانت مسيرته مع اللغات حافلة بالتفوق والجهد الكبير، لقد أجاد ثماني لغات إجادة تامة، وساعده على ذلك انتسابه إلى معهد اللغات الشرقية الذي درس فيه الأردية والإيطالية والألمانية والروسية، وكان يترجم منها إلى اللغة العربية ما يروق له من شعر ونثر.
وقد استخلص من دراساته المقارنة لآداب الشعوب الإسلامية أن الأدب العربي ركيزة أساسية ورصيد يستمد منه شعراء وأدباء هذه الشعوب كثيراً من المعاني والقيم، وهناك تشابه واضح بين الأدب العربي وآداب هذه الشعوب من حيث التأثر بالإسلام وقيمه، والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فنجد مثلاً في الشعر التركي ما يسمى بالرمضانيات يصف فيها الشاعر مظاهر الاحتفال في هذا الشهر، وكذا الحال في الشعر الأوردي والفارسي... وهو ما ينطبق على موقف هذه الآداب من قضية فلسطين والقدس.
إن اهتمام "حسين مجيب المصري" أستاذاً جامعياً وأديباً وشاعراً بآداب الشعوب الإسلامية، واطلاعه عليها في لغاتها الأصلية التي يجيدها، وكونه أول من اشتغل بالأدب الإسلامي المقارن جعله مرجعاً، ويعود إليه الأساتذة والطلاب، وجعل منه عميداً للأدب الإسلامي المقارن، فقد أخلص له، وبذل جهداً مادياً في البحث والتنقيب والاطلاع، في الوقت الذي كان زملاؤه وغيرهم يفضلون الطريق السهل، وهو التوجه نحو الآداب الأوروبية الأكثر رواجاً، والأفضل عائداً مادياً، ولكن "حسين مجيب المصري" آثر أن يشق طريقه في ميدان صعب ومجهد ومكلف، يبتغي من ورائه خدمة دينه وأمته الإسلامية، وكان هذا الطريق هو "الأدب الإسلامي المقارن"، الذي صار علماً عليه. وقد أنتج الرجل عشرات الكتب التي زادت على السبعين كتاباً.
وظل حتى آخر أيام حياته يعمل بجد ودأب وكان آخر كتاب ينوي نشره هو "بدائع إقبال في الأوردي"، وآخر كتاب كان ينوي أو يعمل في تأليفه كان حول المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة: العربية والتركية والفارسية، ولا أدري هل انتهى منه أم لا؟
فوجئت به ذات يوم في العام الماضي يرسل إليَّ على عنواني البريدي رسالة رقيقة طلب فيها كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث"، لأنه بصدد المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة، لم أكن في مصر وأخبرتني الأسرة بمضمون الرسالة، فحمل له ولدي النسخة الوحيدة لدي وذهب بها إلى مسكنه واستقبله الرجل استقبالاً كريماً، والأهم بعد ذلك أنه أرسل إليَّ رسالة مليئة بالعاطفة الحارة العميقة، وكنت أود نشرها لكنها ليست تحت يدي الآن.. وهي في مجملها تدل على إخلاصه للعلم، والأدب، وتواضعه الجم، وزهده في الدنيا ومتاعها الفاني.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:05 PM
حوار مع الناقد الإسلامي الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود
«الحب يأتي مصادفة» أذاقتني طعم السعادة
حاوره: أ.د. حسين علي محمد
ــــــــــــــــــ
(القسم الأول)
"حلمي محمَّد القاعود" اسم يعرفه العاملون على الساحة الإسلامية، كما يعرفه خصوم الإسلام من المثقفين العرب أيضاً، هو حاضر في أذهان الجميع بما يكتبه من آراء جريئة، وأفكار قوية، ومقالات حادة لا تعرف المراوغة أو المداورة.
في المجال الأدبي، هو ناقد أصيل وكبير. منذ بداياته، وصفه الأديب الكبير "وديع فلسطين" في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر في السبعينيات من القرن الماضي بأنه أفضل النقاد الشبان، وفي عام 1968م فاز في مسابقة مجمع اللغة العربية، التي كان يتنافس عليها كبار الأدباء والكتَّاب، وكان عمره آنذاك لا يزيد عن الثانية والعشرين، وفي عام 1974م فاز في مسابقة "يوم الأرض" الخاص بالشعب الفلسطيني ببحث عن شعراء المقاومة الفلسطينية، وهي المسابقة التي كان يقيمها المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة الآن).
ومع أنه يقف من المؤسسة الثقافية موقفاً مخالفاً؛ فقد رأت أنه لا بدَّ من تكريمه بوصفه أبرز أدباء محافظة البحيرة، وذلك في مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد بمدينة دمنهور عام 1998م، وأهدته درع التفوق.
في حياته الجامعية، يمثِّل صورة للأستاذ الجامعي الجاد، الصارم من غير قسوة، الحازم في غير شدة، وخاصة في مجال الدراسات العليا، حيث يأخذ طلابه بالعمل الدؤوب، والبحث المستمر، والاهتمام بالجزئيات مثل الاهتمام بالكليات، وهو كذلك أيضاً في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، حيث تكون مناقشاته ـ كما شهد زملاؤه وطلابه ـ درساً تطبيقياً وعملياً، يعلِّم الطالب كيف يصل ببحثه إلى التفرد والإضافة.
"القاعود" صدر له مؤخراً كتاب مهمّ يعدُّ مرجعاً في بابه، هو "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" عن هيئة قصور الثقافة في أكثر من ستمائة صفحة، وصدر عنه كتاب في سلسلة "أصوات معاصرة" بعنوان: "نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" من تأليف "ثروت مكايد عبد الموجود"، كما صدر له كتاب ثالث بعنوان: "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، وكانت هذه الإصدارات، بعد فترة انقطعت فيها إصداراته الأدبية والفكرية، مدخلنا إلى لقائه وسؤاله عن أثر صدور هذه الكتب بالنسبة له فقال:
ـ في الحقيقة، فإنني ـ مع ظروفي الصحية المضطربة كما تعلم ـ لم أتوقف أبداً عن القراءة والكتابة، إلا لضرورة قاهرة، وطوال السنوات الست الماضية، صدرت لي بعض الكتب القليلة، منها كتاب "دفاعاً عن الإسلام والحرية" عن دار الاعتصام، وكتاب "حوار بين الرواية في مصر وسورية"، وقبلهما صدر كتاب "الرواية الإسلامية المعاصرة"، كما صدر كتاب "الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة" عن الانتفاضة الثانية، ولديَّ بعض المخطوطات لكتب أخرى، ولكن تصفية دار النشر، التي كانت تنشر لي باستمرار، لأسباب مالية، فضلاً عن تراجع سوق الكتاب، وعزوف الناشرين عن الكتب الأدبية، أو الكتب التي لا تدرّ ربحاً كبيراً، أو الكتب التي لا تعبِّر عن وجهة نظرهم، جعلني استرخي في البحث عن ناشر يعوِّض ناشري الأول، وكما تعلم فالمؤسسة الثقافية الرسمية لا تنشر لأمثالي؛ لأنَّها تريد كتَّاباً بمواصفات خاصة، لا تتعلق بالكتابة أو الموضوع، وهي مواصفات لا تتحقق في شخصي..
بالطبع نشر الكتب السابقة في أواخر العام الفائت أسعدني للغاية؛ لأنَّ ما كتبته يصل إلى الناس وقد يؤثر في بعضهم، أو يثير لديه الرغبة في مناقشة قضايا أدبية أو ثقافية أو فكرية بصفة عامة، ولا أخفي أن الكتاب الذي ظهر عن روايتي "الحب يأتي مصادفة" أدهشني، فقد أعادني إلى ما يقرب من أربعين عاماً، كنت أكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية بمفهوم إسلامي قبل أن تظهر الدعوة إلى الأدب الإسلامي من خلال رابطته العالمية. الأكثر إدهاشاً أن الكاتب "ثروت مكايد" الذي قرأ روايتي وكتب مؤلفه حولها، أعاد إلى نفسي الثقة في كتابة الرواية مرة أخرى، فقد قرأها بحب شديد، ووجه إليها بعض الانتقادات السلبية، ولكنه أبرز جوهرها وإيجابياتها بطريقة رائعة، ومن المفارقات، أنَّ اليساريين شنوا حملة ضارية على هذه الرواية إبَّان ظهورها في مجلتهم التي كانت تسمَّى "الطليعة"؛ لأنَّ أحد شخوصها ـ أي الرواية ـ كان يسارياً فاشلاً ومتهافتاً .. ومع ذلك فقد أشارت صحف عديدة في مقدمتها "الأهرام" بالرواية، واحتفت بها حفاوة شديدة، ولكن كتاب "ثروت" أذاقني طعم السعادة بطريقة أفضل.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:06 PM
(القسم الثاني)
ومن خلال هذه الإجابة، وبمناسبة إشارة الدكتور "القاعود" إلى المؤسسة الثقافية، سألناه:
ولكن يا دكتور، كتابك "الرواية التاريخية" الذي صدر مؤخراً نشرته المؤسسة الثقافية الرسمية "هيئة قصور الثقافة".. فلماذا تأخذ موقفاً ـ لا أقول معادياً، ولكن مخالفاً لهذه المؤسسة؟
أجاب بهدوء:
ـ تعلم أنَّ المؤسسة تأخذ مني ومن كل المنتمين إلى الإسلام منهجاً وتطبق موقفاً معادياً، فالفريق المهيمن عليها ممَّن يسمَّون باليسار، أو اليسار المتأمرك لا يحبون الإسلام، فهم الآن أكثر ولاء للولايات المتحدة وخططها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقد تأصلت لديهم كراهية الإسلام شكلاً وموضوعاً منذ قام "هنري كورييل" الصهيوني بتشكيل أول حزب شيوعي فعَّال في مصر فترة الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه المجموعة في سيطرتها على نشر الكتب أو المجلات أو الصحف، أو على الإدارات الثقافية المختلفة، لا تفتح المجال إلا أمام التابعين لها فكراً وسلوكاً، أو اللائذين بها من أصحاب المصالح والمنافع، وأنا لست من هؤلاء بالتأكيد.. وقد نشرتُ عشرات المقالات في الصحف المصرية منذ أوائل التسعينيات ـ كما تعلم ـ لكشف أوجه القصور والفساد في حركة هذه المؤسسة، وسأضرب لك مثالاً واحداً: كيف تقبل بوصفك مواطناً أياً كان انتماؤك ـ أن تحتفل باحتلال وطنك على يد الغزاة الأجانب؟ إنَّ المؤسسة الثقافية جعلت احتلال نابليون لمصر مناسبة للاحتفال، وغطت على الجريمة بالقول: إنَّها علاقات ثقافية.. يعني إيه؟ إني لا آخذ موقفاً مخالفاً أو معادية من المؤسسة.. بل هي التي تتخذ موقفاً معادياً من الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية.
بخصوص كتابي، فقد ظلَّ في الهيئة التي نشرته أكثر من تسعة أعوام، وقال بعض الموظفين الرسميين إنه لن ينشر "ولو على جثته"، وقد اضطررت لخوض معركة ثقافية طويلة المدى، حتى تدخل بعض الفضلاء لنشر الكتاب، وتم نشره بعد السنوات التسع! قارن ذلك بالكتب التي يتم تجميعها لكتَّاب السلطة ـ وهي عبارة عن مقالات رديئة لا فكر فيها ولا جهد ولا موهبة ـ وتنشر بأخطائها وخطاياها، ويكافأ أصحابها بمكافآت ضخمة.
*إذاً القضية هي قضية موقف، وصراع بين اتجاهات فكرية؟
ـ بالتأكيد هي كذلك في جانب مهم منها، ولكن الجانب الآخر يعبِّر عن جانب سلوكي، يرتبط بالانتهازية الرخيصة التي يمارسها البعض، ويفرض على الآخرين أن يمارسوا النفاق والتملق كي يستفيدوا من المؤسسة الرسمية، وعليك أن تتذكر أنَّ قيادات المؤسسة تنتمي إلى اليسار المتأمرك الذي جعل همَّه التشويش على الإسلام وتصوراته، بل واستئصاله إذا استطاع، وأظنك تذكر ما جرى في مؤتمر التحديات الثقافية الذي انعقد في أول يوليو 2003م تحت رعاية وزارة الثقافة، وما قيل في هذا المؤتمر من رفض للإسلام، والدعوة إلى العلمانية.
* لكن، ما هو تقويمك للواقع الثقافي الآن، والواقع الأدبي بصفة خاصة؟
ـ لعلي فيما سبق من كلامي أشرت إلى رأيي بصفة عامة في الواقع الثقافي والأدبي، إنه باختصار واقع فاسد؛ لأنَّه يحارب الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية، ويدعو إلى الثقافة الاستعمارية وخاصة في جوانبها السلبية، تسليع المرأة، تفتيت الأسرة، رفض التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية، الدعوة إلى الإباحية، رفض وجود ثوابت في الإسلام، محاربة الحجاب، الدعوة إلى التبعية للغرب الرأسمالي، تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو النازي اليهودي، التقليل من قيمة القدس العتيقة، التشهير بالجهاد والحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين، الدعوة إلى إخراج التصور الإسلامي عن مجال القضية الفلسطينية.. وهكذا..
وفي المجال الأدبي، يتم الإلحاح على قضيتين أو مسألتين: الأولى: الترويج للإباحية في الأعمال الإنشائية، والأخرى: التشجيع على الطعن في المقدسات الإسلامية بحجة كسر "التابوهات"، وسوف نلاحظ أنهم لم يقتربوا من "تابو" السياسة أبداً؛ لأنهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم! لذا لم نر أدباً تنشره المؤسسة الرسمية ذا قيمة في الأغلب الأعم.
حتى مكتبة الأسرة فرَّغوها من مضمونها، ونشروا كتباً معظمها تافه أو محدود القيمة، لتحقيق أغراض شخصية، أما الكتب الجيدة والمهمة فقد كانت قليلة، ولجؤوا أحياناً إلى تشويه بعضها، بالحذف، كما جرى لكتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.
ولا تنس أنهم في مجال النقد الأدبي ألحوا على مذاهب الحداثة وما بعدها مثل البنيوية والتفكيكية والشكلانية والنسوية والنقد الثقافي، وهي بنت بيئتها التي لا تتلاءم مع أدبنا وظروفنا، وتغتال المعنى اغتيالاً تاماً في معظمها لحساب ثقافة وحشية مدمرة، ولعلك قرأت كتاب "الخروج من الـتيه" ـ دراسة في سلطة النص ـ لعبد العزيز حمودة، الذي صدر قبل شهور في سلسلة "عالم المعرفة"، إنه يفضح هذه النظريات ويكشف تهافتها وتهافت من يروّجون لها في واقعنا الثقافي، الذي صار فاسداً في مجمله، غريباً عن فطرة الشعب والأمة جميعاً.
وبهذه المناسبة سألنا الدكتور "القاعود":
* كنتم ممن هاجم "الحداثة"، وأصدرتم كتيباً حولها، فما رأيكم الآن فيما صارت إليه الحداثة التي يتنافس حول ترويجها الآن بعض الكتَّاب والنقاد؟
ضحك الدكتور القاعود، وأجاب:
ـ لقد انتهت الحداثة منذ زمان يا دكتور، وانتهى ما بعد الحداثة، وها هي العولمة تدق الأبواب من جديد لتعيد سيرة الاستعمار الصليبي العسكري الذي توارى مع منتصف القرن الماضي، ففيم يتنافسون الآن؟ اسمع: هناك بعض الناس حتى الآن لا يعرفون معنى الحداثة، ويفهمونها على أنها تعني التجديد، والتجديد مطلوب في كل زمان ومكان؛ لأنَّه التطور الطبيعي للأشياء وفق سنن الله التي فطر الناس عليها، ولكن الحداثة التي يريدون استنباتها في بلادنا العربية المسلمة تعني الانقطاع، أي ترك الدين والتاريخ والعادات والتقاليد..الخ، وبناء عالم جديد يقوم على التجربة والواقع، وعلى الحداثي أن يخطّ طريقاً جديداً بعيداً عن الوحي والمواريث مهما كانت مقدسة! أي لا مكان للإله ولا للعقيدة الدينية، وقد نشأت نظريات ما بعد الحداثة لتجعل الفرد هو سيّد نفسه في كل شيء، وخاصة إذا كان أوربياً أو أمريكياً، وها هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تؤكد على نظريات جديدة تنسف ما سبق، وتعلن جهاراً نهاراً أنَّ العالم قرية واضحة، يجب أن يخضع كلّ من فيها لهيمنة القوة التي تملك المال والسلاح ووسائل الاتصال، كما يجب أن تفتح أبواب الدول والعواصم لمنتجات هذه القوة دون رسوم أو جمارك أو حوائل، وإلا فالعصا الغليظة كفيلة بتأديب من يقف في مواجهتها، والذرائع ملقاة في الطريق: أسلحة الدمار الشامل، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحر، معاداة السامية، دعم الإرهاب.. والعراق وأفغانستان من أوضح الأمثلة والنماذج التي ترفع أمام كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز حدوده.
الذين يتنافسون حول الحداثة الآن إما غير فاهمين لمعناها الحقيقي، أو بسطاء يتعاركون حول السراب! وقد انتهت الحداثة، وما بعد الحداثة، ودخلنا في عصر جديد! لن يبقى فيه إلا من يحافظون على هويتهم ويفتدونها بالدم والدموع والعمل والإيمان.
*سؤال آخر.. يرتبط بهذا الموضوع، وهو النقد السائد في الساحة الأدبية، هناك من يقول بأزمة خانقة في النقد تسيطر على الساحة بأسرها، فهل ترى حقاً أنَّ هناك أزمة نقدية؟
ـ إذا أدركنا الخلل الذي يحكم الحياة الأدبية بصفة عامة، استطعنا أن نقول إنَّ هناك أزمة نقدية حقيقية، فالفساد الذي يخيِّم على الواقع الأدبي، من خلال المؤسسة الرسمية، حوَّل الأدباء إلى جماعات وشلل متنافسة، ليس على الإبداع أو خدمة الثقافة، وإنما على المغانم والمكاسب التي يمكن جنيها من هذه الجهة أو تلك، ومن ثم فقد روَّجت كل "شلة" لأعضائها، ووجدت النقاد الخاصين بها، وهم عادة نقاد يكتبون بلغة غير مفهومة، ولكنها دائماً تكرس أعمال الشلة، وترفعها إلى أعلى عليين.. من ليست له شلة أو جماعة لن يذكره أحد، فضلاً عن أن ينقده، وبعض الأدباء تحوَّل إلى رجل علاقات عامة ليسوّق أعماله أو كتاباته لدى الصحف وأجهزة الدعاية من تلفزة وإذاعة وندوات ومحاضرات وغيرها، ويستكتب النقاد ـ خاصة في الصحافة ـ الذين يملكون مساحات أو نوافذ دائمة.. الأغلبية التي لا تملك القدرة على العلاقات العامة، ماتت كمداً وحسرة، وخاصة إذا كانت ذات توجه إسلامي واضح.
وقد رأيت ما جرى بالنسبة لجيلكم، حيث سيطر "الهالوك" على مرافق النشر والنقد والدعاية، ولكن النتيجة كما توقعت أنهم ذهبوا، ولم يبق من آثارهم شيء، وبقى "الورد" هو الأقدر على التعبير، والأقدر على الإنشاد، مع أنه كان ضعيف الصلة بالمؤسسة الرسمية والجماعة أو الجماعات المهيمنة عليها.
* لعل هذا يقودنا إلى سؤال عن الأدب الإسلامي، هل أنت راضٍ عمَّا يقدَّم من نماذج أدبية للأدباء الإسلاميين، وعن مستوى الأدب الإسلامي بصفة عامة؟
ـ هذا السؤال جيد للغاية، فهناك من يشنِّع على الأدب الإسلامي، بل هناك من ينفي وجوده أصلاً، ولعل أكثر المقولات رواجاً في هذا السياق، أنَّ الأدباء الإسلاميين لم يكتبوا أدباً، وإنما كتبوا كلاماً وعظياً يصلح للمنابر فقط! ولكن الحقيقة غير ذلك. الأدب الإسلامي شعراً ونثراً موجود، وله نماذجه الجيدة والجميلة، وهي تفوق ـ من وجهة نظري ـ كثيراً من النصوص التي يكتبها الآخرون، ولكن المشكلة أنَّ هذه النماذج قليلة نسبياً في الشعر، وقليلة إلى حدّ الندرة في الفنون السردية، القصة القصيرة والرواية والمسرحية، مع أنَّ هذه الفنون هي الأكثر رواجاً الآن، ويتقبلها الناس بصورة ملحوظة.
قبل سنوات، كانت الفنون السردية الإسلامية شبه غائبة، ولكن مسابقات رابطة الأدب الإسلامية العالمية أحدثت تطوراً جيداً في هذا المجال، فقد أفصحت المسابقات عن كتابٍ مستواهم جيد في كتابة الرواية الإسلامية، وقصص الأطفال، ويبقى أن تعلن الرابطة عن مسابقات في المسرح الإسلامي، وتكرر مسابقاتها في مجالات الرواية وقصص الأطفال والقصة القصيرة؛ لأنَّ المسابقات تكشف المواهب المخبوءة، وتشجع المواهب الراسخة، وتساعد بصفة عامة على زيادة الإنتاج الأدبي، وخاصة في المجال السردي.
الأمور تتطور بشكل عام، والأدباء الإسلاميين يجوِّدون أدواتهم، ويسعون إلى الأفضل، وأتوقع في السنوات العشر القادمة ـ إن شاء الله ـ أن يكون لدينا وفرة في الإنتاج الأدبي الإسلامي شعراً ونثراً.
* بالمناسبة، ما تقويمك لدور رابطة الأدب الإسلامي العالمية؟
ـ الرابطة حدث مهم، جاء مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري ونهايات القرن الرابع عشر، ودورها مهم في تجديد الأدب العربي بصفة عامة، فهي تعيده إلى طبيعته التي ظلَّ عليها إلى مطلع العهد الاستعماري في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث تغيَّرت طبيعة الأدب العربي القائمة على التصور الإسلامي، إلى احتضان تصورات غربية مادية بعيدة عن روح الإسلام ومقاصده. وإذا عرفنا أنَّ المسلمين في عصرنا يعيشون الاضطهاد في أسوأ أنواعه على الصعيدين الخارجي والداخلي، وأنَّ الإسلام يعدُّ خطراً داهماً على المستعمرين الغزاة والمستبدين الطغاة، ويقرنونه بالإرهاب والإظلام، لدرجة أنَّ تجار المخدرات واللصوص الكبار والقوادين والعاهرات والقتلة والمفسدين؛ يلقون معاملة أفضل من دعاة الإسلام وأنصار تطبيقه في الحياة العامة.. إذا عرفنا ذلك فإنَّ وجود الرابطة في هذه المرحلة بدعوتها إلى الأدب الإسلامي يعدُّ أمراً مهماً، لأنَّها تمثل حائط صدّ يدفع بقدر طاقته عن هوية الأمة، ويسعى، ولو بخطوات محدودة، إلى نشر صور التسامح الإسلامي من خلال النماذج الأدبية الإسلامية.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:07 PM
(القسم الثالث)
.............
إنَّ البعض يطلب من الرابطة ما يطلبه من مؤسسة حكومية ذات إمكانات كبيرة، وهذا أمر فوق الطاقة؛ لأنَّها تملك إمكانات محدودة للغاية، ومع ذلك تنشر مجلة فصلية، وتقيم الندوات والمؤتمرات في إطار قدراتها، وتستفيد من المقترحات والرؤى التي يطرحها المخلصون في الساحة الأدبية، والأيام كفيلة ـ إن شاء الله ـ بدفعها إلى الأمام خطوات أسرع وأفضل.
*نريد أن نتوقف عند الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي، وبصفتك واحداً من العاملين المستقلين في هذا المجال، بما تنشره من مقالات أسبوعية وشهرية عديدة، وما تؤلفه من كتب ودراسات في المجال الإسلامي.. فما هو الصورة التي تراها الآن؟ وما مآخذك عليها؟
ـ لا ريب أنَّ الإسلام هو محور حياة الأمة، شاء البعض أو أبى، والإسلام في صورته العملية التطبيقية يقود الأمة إلى الخير ـ إن شاء الله ـ لو أحسن التطبيق، وتمثَّل الناس روحه وجوهره، ولم يتوقفوا عند الشكل الخارجي أو المظاهر العامة فحسب. إنَّ العبادات وخاصة الصلاة مطلوبة، لتكون ـ في حال الإخلاص ـ صلة دائمة تصل العبد بربه وخالقه وسيد الكون بلا منازع. هذه الصلة هي التي تحرِّك الجماهير لبناء الحضارة وتنمية الموارد وتحسين الواقع الاجتماعي ومواجهة الأخطار وتحقيق الأمن والسلام. والأمة بعواطفها المشتعلة مع الإسلام قلباً وقالباً. والإسلام هو عنصر المقاومة الذي يخشاه الطغاة المستبدون والمعتدون المتوحشون. والحركة الإسلامية عنصر بعث للأمة وتجديد للإسلام ونشر له بفتح القلوب ودخول الصدور وإنعاش النفوس. ولا يتحقق ذلك إلا بفهم الإسلام فهماً عميقاً وشاملاً، على يد علماء داعين فاقهين مخلصين، لا يخافون في الله لومة لائم، حينئذٍ تكون الحركة الإسلامية قد اهتدت إلى الرشد، وركَّزت على الأولويات التي يتفق عليها جميع العلماء، وابتعدت عن عناصر الخلاف والفرقة والتشرذم والانحراف إلى مسالك تؤدي إلى أبواب مسدودة.
إنَّ الساحة الإسلامية من الأطلنطي حتى الفلبين، مليئة بالجمعيات والحركات التي تسعى إلى خدمة الإسلام، ولكنها تواجه اليوم بالإعصار الصليبي الاستعماري الجامح، الذي يستغل ضعف الحكومات الإسلامية في ضرب هذه الجمعيات أو الحركات، والتضييق عليها، ووصمها بالإرهاب، مع أنه هو الذي صنع الإرهاب الأكبر، وصدَّره إلى بلاد المسلمين، ثم اخترق بعض الجماعات الإسلامية، ووجهها عن طريق "الريموت كنترول" لتسلك طريق العنف، ويقال إنَّه موَّل كثيراً من العمليات التخريبية في العالم الإسلامي، ليقول ـ بعدئذٍ ـ للعالم: هذا هو الإسلام: دم، وعنف، وشرّ، وجهل، وتخلف، وظلام!
وقد نجح الإعصار الصليبي الاستعماري بالفعل في تحقيق نجاحات عديدة داخل بلاد المسلمين، بحيث صار "العمل الإسلامي" جريمة مؤثمة في العديد من البلدان الإسلامية، ويُحاكم المتهم بهذه الجريمة أمام محاكمة عسكرية لا تقبل استئنافاً ولا نقضاْ، وذلك بعد التعذيب الوحشي والملاحقات والمصادرات التي تصيبه وتصيب من معه.. كل هذا؛ لأنَّ الإعصار الصليبي الاستعماري يدفع بعض العاملين في الحركة الإسلامية، بقصد أو دون قصد، لانتهاج العنف رداً على المظالم والجرائم التي ترتكبها بعض الأنظمة.. فينسى الناس ـ عن طريق الدعاية المركزة والمستمرة ـ ما تفعله هذه الأنظمة ويتذكر فقط أنَّ الإسلام عنوانه موجود لدى حركات العنف، مما يعني أنَّ المسلمين لو أرادوا التقدم والتحرر فعليهم أن يتخلوا عن الإسلام، ويعيشوا كما يعيش الغرب الصليبي الاستعماري في حياةٍ؛ البقاء فيها للأقوى، مع نهب المتعة على حساب كل قيمة خلقية، حياة أقرب إلى الحياة الحيوانية الوحشية في الغابة، ولكن بطريقة مهذبة على الطريقة الاستعمارية المهذبة التي ترفع شعارات إنسانية، وهي تسحق وتقتل وتشرد وتنهب دون أن يهتزّ لها جفن!
العمل الإسلامي، يحتاج إلى حكمة وصبر، وتجنب الدخول إلى المناطق الملغمة بالخلافات المذهبية والطائفية، واعتماد رحابة الصدر للمخالف في الفروع كما يقول الأصوليون؛ لأنَّ الخطر المحدق بالجميع، لن يفرِّق بين مذهب وآخر، أو طائفة وأخرى، بل إنه يتعامل مع كل من يحمل اسماً إسلامياً ولو لم تكن له علاقة حقيقية بالإسلام، على أنَّه مسلم يجب التخلص منه أو إخضاعه بالإذلال والتبعية.
ثم إنَّ العمل الإسلامي يجب أن يعتمد السلوك والتطبيق لمفاهيم الإسلام الصحيحة في المنزل والشارع والمكتب والمدرسة والمصنع والحقل والعلاقة مع غير المسلمين. إنَّ الدعوة بالنموذج هي خير الأساليب، أعني النموذج الصالح المجتهد المتفوق الناجح، والاكتفاء بالخطابة والصوت العالي والزعيق لن يقدِّم هذا النموذج، ولكن حين يراه النَّاس يتحرَّك على قدمين يقلدونه ويتبعونه لأنهم يحبون الصالحين المجتهدين المتفوقين الناجحين.
إني أحذر من الدعوة بوصفها مهنة تدرّ على صاحبها ربحاً، أو شهرةً، أو جاهاً، أو تجعله عنصرياً يشعر أنه الأفضل إسلاماً أو الأحقّ بتوجيه الآخرين ودعوتهم. الدعوة تحتاج إلى تجرّد وإخلاص وبذل وعطاء وتواضع وتوجه نحو الله وحده. العمل الإسلامي لا ينجح ولا يتقدَّم إلا تحت ظلال "إنكار الذات" ونسيان الأنانية، بهذا نجح السلف الصالح، وسينجح الخلف الصالح أيضاً بإذنه تعالى لو اقتدى به.
هناك مخلصون كثيرون، ولكن يعوزهم التنسيق والإعداد والتخطيط والوعي بما يجري ويدور في الأفق الإسلامي وخارجه، ومعرفة فقه الأولويات الذي يقدم إطفاء الحرائق على كنس الدار!
* خطر لي أن أسألك عن دور الصحافة الإسلامية في العمل الإسلامي، والأدب الإسلامي، فقد كنت تشارك في تحرير "الاعتصام" و"الدعوة" و"النور" و"لواء الإسلام" وغيرها من الصحف التي أغلقت أو التي تصدر الآن؟
ـ لا شك أنَّ هذه المجلات، وخاصة "الاعتصام"، كانت تلعب دوراً مهماً في إيقاظ الوعي الإسلامي والدفاع عن الإسلام وقضايا المسلمين في شتى أرجاء الأرض. كان موقف هذه المجلات بصفة عامة، ولما يزل، موقفاً دفاعياً بالدرجة الأولى، وإن كانت لا تهمل الموقف البنائي الذي يعرِّف بأصول الدين وقيمه وتشريعاته، وعندما وقعت مصر اتفاقية الصلح مع العدو النازي اليهودي عام 1979م، كان مطلب الغزاة وسادتهم الأمريكان، هو إغلاق هذه المجلات، وبالفعل أغلق كثير منها بالتتابع، وفقاً لقانون الصحافة الذي صدر عقب توقيع الاتفاقية، ولم يتمكن أي من هذه المجلات من معادة الصدور بناء على القانون الجديد؛ لأنه يضع شروطاً مستحيلة التحقيق، الجريدة الوحيدة التي صدرت هي جريدة "وطني" التي يصدرها بعض النصارى، وتنطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية، بل إنها في المرحلة الانتقالية ما بين وفاة صاحب الامتياز، وصدورها عن مؤسسة وفقاً للقانون، لم تتوقف عدداً واحداً، مما يؤكد أنَّ القانون مقصود به الصحافة الإسلامية تحديداً؛ لأنها تقود المقاومة الفكرية ضد الهيمنة الاستعمارية الأمريكية والغزو النازي اليهودي لفلسطين وما حولها.
ومن المؤكد أن الصحافة الإسلامية تقوم بدور مهم للغاية في التعريف بموقف الإسلام من القضايا المطروحة، وتدافع عما يراد بالإسلام والمسلمين، وفقاً لإمكاناتها المادية والتحريرية.
وبالنسبة للأدب الإسلامي، فقد كانت تنشر بين حين وآخر، بعض القصائد أو القصص، وقد أسستُ في "لواء الإسلام" المحتجبة باب "أدبيات" للعناية بالأدب الإسلامي وقضاياه، وكان في أول الأمر صفحتين، ثم امتد إلى أربع صفحات، وظلّ حتى احتجبت المجلة بفعل ظروف قاهرة، وهناك الآن في معظم المجلات الإسلامية التي تصدر في العالم العربي صفحات مخصصة للأدب الإسلامي، وإن كان المأمول أن تزداد هذه الصفحات عدداً، وترقى إعداداً، وتعظم مادة؟
*سأحاول أن أصل إلى نهاية الحوار بسؤال أو سؤالين، حتى تستريح بعد هذه الجلسة الطويلة التي يبدو أنها أرهقتك، وأقول لنتوقف عند الجامعة.. كيف تراها بصفتك أستاذاً جامعياً ورئيس قسم اللغة العربية سابقاً، وعازفاً عن أي منصب جامعي كما أعلم؟
ـ الجامعة مثلها مثل المجتمع، أصابها ما أصابه من ضعف وخلخلة وأمراض، تراجعت التقاليد الجامعية، وصارت القوانين والقرارات تحاصرها وتحاصر هيئة التدريس بقصد إبعادها عن أداء دورها تجاه المجتمع والأمة، وأعداد الطلاب الكبيرة تفوق طاقتها وقدراتها. هناك أكثر من مليون طالب جامعي أو في المرحلة الجامعية، بعض الكليات لا تتسع لنصف عدد طلابها، بل لربع عددهم، وهيئة التدريس أقل من العدد المطلوب بكثير، وعضو هيئة التدريس اليوم ـ في الغالب ـ لا يملك مقومات التدريس وتقاليده وقيمه، وبسبب التدخل من خارج الجامعة، ازداد الصراع بين الأساتذة على المناصب الإدارية، وسقط البعض في فخ العمل لحساب السلطة قبل العمل لحساب العلم، وأشياء أخرى كثيرة تثير الكثير من المواجع، قد أكتب عنها في يوم ما، وأمر الدراسات العليا سيء وأكبر من أن نعالجه هنا، ولكن شيئاً واحداً يجب أن نذكره، وهو أنَّ الجامعة التي كانت مستقلة وفاعلة في عهد الاستعمار البريطاني، فقدت اليوم استقلالها وفاعليتها، وصارت مطية لأصحاب الهوى الذين لهم أذرع غليظة وقبضات حديدية وقلوب حجرية!
*اسمح لي أن أوجه إليك آخر سؤال حول أخبارك الأدبية الجديدة؟
ـ يا سيدي أنا لست رجلاً مهماً يُسال عن أخباره، فأخباري التي يجب أن تسألني عنها تتعلق بالأمل في الله أن يرحم المسلمين من الهزائم والآلام المتلاحقة، وأن يوفقهم ولو إلى عمل واحد من أعمال الخير التي تهمهم جميعاً وتقرِّب فيما بينهم.
أخباري ـ إن صحَّ أن يكون لي أخبار ـ تتمثَّل في رغبتي أن أنشر بعض الكتب الخاصة بالثقافة الإسلامية، والنقد الأدبي في الرواية والشعر، ولديَّ مشروعات كثيرة، لا أدري هل سأكتبها أم لا؟ أسأل الله أن يعينني على تنفيذها، أو تنفيذ بعضها.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:09 PM
تجار الدراما.. وإرهاب الحكومات!
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
..........................
يلعب معظم تجار الدراما والأفلام والمسرحيات من كتاب ومخرجين ومنتجين وغيرهم دورًا مزدوجًا في خدمة القوى الاستعمارية الدولية والحكومات العربية التابعة لها، وفي الوقت نفسه يزعمون أنهم يقدمون صورة الإسلام السمح من خلال أعمالهم وكتاباتهم.
هذا الدور المزدوج يمثل حالةً من حالات انحطاط الدراما والفن، لأنها تُحوّلها إلى صورة دعائية فجة للحكومات التي تحتفي عادةً بالأعمال التي تتناول عنف بعض الجماعات، وتغدق على المشاركين فيها كثيرًا من الرعاية والامتيازات والشهرة والجوائز، فضلاً عن العوائد المادية والأدبية التي تأتي نتيجة لشراء الجهات الإعلامية الرسمية (التلفزة والإذاعة) لهذه الأعمال، واستضافة أصحابها في البرامج والصحف والندوات والمؤتمرات وإجزال العطايا والهدايا والجوائز لهم!
أهم ما يُميز هذه الأعمال هو إدانتها للإسلام، وليس للقائمين بالعنف أو الإرهاب، وسبق أن كتبت عن هذا الملمح تفصيلاً في أكثر من مناسبة، ولكن الذي أريد أن أؤكد عليه هو تقديم الصورة القبيحة الدموية الجاهلة التي يعيشها بعض الأفراد، والسلوكيات التي يُمارسونها في واقعهم وحياتهم بوصفها من خصائص الإسلام الطبيعية ومعطياته الحقيقية.
إنهم مثلاً لا يقدمون شخصًا ضلّ الطريق، وانساق إلى العنف في ظل ظروف معينة ونتيجة لأسباب خاصة، ولكنهم يقدمونه كأنه نبت شيطاني تغذيه جهات أجنبية (؟) يستسلم لها استسلامًا كاملاً، ولا يوجد له في أعمالهم الفنية والدرامية مقابل إسلامي حقيقي، يقدم الإسلام بسماحته ورحمته وكرمه وتعففه وشرفه وكبريائه وعزته.. إن المقابل الذي يقدمونه هو المسلم الذي "تأورب" أو "تغرّب" أو تثقف بالثقافة الأوربية الغربية بكل ما فيها من قيمٍ مغايرة وسلوكيات مختلفة.. وتفيض على هذا المقابل الغريب ملامح الإنسانية الرقيقة والبشرية المسالمة؛ سواء كان شيوعيًّا أو وجوديًّا أو إلحاديًّا أو سكيرًا أو عربيدًا أو إباحيًا بصفةٍ عامة.
بل إنَّ المفارقةَ تتأتي في بعض الأحيان حين يقدمون صورة المتشدّدين والمتزمتين من غير المسلمين، فهم يقدمونهم في صورةٍ محبوبةٍ جميلة.. فهذه الزوجة غير المسلمة مثلاً، حين تأخذ من زوجها غير المسلم موقفًا حادًّا وعنيفًا؛ لأنه يلعب الورق أو يشرب الخمر، لا يصورونها جافة خشنة قاسية الملامح كما يصورون الشخصيات الإسلامية التي يزعمونها متشددة أو متطرفة، بل يقدمونها في صورة الإنسان الباحث عن الأخلاقِ والمروءة والشرف مما يجعل الجمهور يؤيده ويقف من ورائه!
وواضح أن إنتاج الأعمال الدرامية التي تعالج العنف والإرهاب- كما يزعمون- تأتي في سياق دولي عدواني تقوده جهات استعمارية معروفة، ليست غايتها التعريف بسماحة الإسلام ومسالمته بقدر ما تهدف إلى تشويهه وتنفير الناس منه وأولهم المسلمون العوام الذين حرمتهم الحكومات الإسلامية من دراسة الإسلام ومعرفة أصوله الصحيحة وقواعده السليمة، وفرضت عليه حصارًا استئصاليًّا في كل مكانٍ يمكن أن يكون فيه فعّالاً ومثمرًا للإسلام والمسلمين بدءًا من الإعلام والتعليم والثقافة حتى القضاء والنيابة والمؤسسات العسكرية والبوليسية.
إن الإسلام لا يقرّ العنف أو الإرهاب ضد أي أحدٍ من الناس، فما بالك بالمسلمين إخوة الدين وأشقاء العقيدة وأهل الوطن ورفاق المجتمع..؟ إنها حالة واحدة فقط يفرض فيها الإسلام على القادرين حمل السلاح ويُجبرهم أن يرفعوه ضد الغزاة الذين يعتدون على الأوطان ويردعون البلاد والعباد.. أما الاعتداء على الآمنين والمسالمين، فهو أمر يرفضه الدين نصًّا وتطبيقًا.
ولا شك أن العنف الذي عرفته بعض البلاد العربية في العقود الأخيرة، هو ظاهرة غريبة ليست مألوفة في مجتمعاتنا الإسلامية المسالمة، وقد انحسرت هذه الظاهرة التي كانت تتبناها مجموعات محدودة، نتيجة لعوامل صنعتها السلطات الحاكمة في الأغلب الأعم.
وكان يمكن لتجار الدراما أن يُعالجوا هذه المسألة في سياق عام ضمن ظواهر اجتماعية أخرى موضحين أسبابها والدوافع التي قادت إليها. ولكن تجار الدراما، وأغلبهم شيوعي أو علماني أو مرتزق يسعى إلى الكسب بأيةِ وسيلة ولو كانت حرامًا، وجدوا الفرصة سانحة، فصنعوا بالوحي البوليسي أو التطوع التلقائي مسلسلات وأفلامًا وتمثيليات، وقاموا بالترويج لها في أجهزة الدعاية التي تسيطر عليها الدولة تؤكد على عدوانيةِ الإسلام وفقدان البديل الإنساني الذي يمثله المسلم المعاصر.. وأضافوا إلى ذلك حالة دعائية مفتعلة تقول إن هناك من يكفرهم؛ وإنهم مهدّدون في حياتهم، وإنهم معرضون للاغتيال، ومعظم ما يقولونه تهويل لا أساسَ له في الواقع، يشبه بعض الرسائل المجهولة التي تصل إلى كتاب الصحف والمجلات ردًّا على بعض مقالاتهم، ويأتيني شخصيًّا كثير منها على الشبكة الألكترونية (النت)، باسم المجلات والصحف والمواقع التي أكتب فيها، ولا آبه لها؛ لأنها في الأغلب الأعم رسائل "فشنك" لا قيمة لها، ولكن القوم صنعوا من أنفسهم ضحايا، وصنعوا من أنفسهم أبطالاً وشهداء، وهم في الحقيقة لا يتجاوزون مخبري الشرطة وعملاء المباحث.
إن العنف صناعة حكومية في أغلب الأحوال، صنعتها سجون الاستبداد وما يجري فيها من تعذيبٍ وحشي، لا تقره شريعة ولا عقيدة ولا قانون، وصنعتها ممارسات حكومية ظالمة، جعلت الناس تفقد الأمل في العدل والمساواة والكرامة، وصنعتها ممارسات حكومية إجرامية فقدت الرشد والاتزان، ففاقمت من الفقر والتخلف والقهر، وساندت النهب والفساد والانحراف، وخلفت فيالق من العاطلين والمتسكعين بلا عمل ولا هدف ولا غاية، وصار القانون في حماية الأقوياء، وضد الضعفاء.. وانهار التعليم والعلم والثقافة والصناعة والزراعة، ولعبت الدول الكبرى بجواسيسها وعملائها وأتباعها في كل مرافق المجتمع والحياة التي يعيشها العرب والمسلمون؛ ثم كانت الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الحكومات العربية الإسلامية بمحاربة الإسلام ودعاته، والتضييق على الفكر الإسلامي في الإعلام والتعليم والثقافة والمساجد، وتفريغ الأزهر والتعليم من العلوم الشرعية الإسلامية والعربية.
كل هذا لا يذكره تجار الدراما، ولكنهم يركزون على جانبٍ واحدٍ فقط، هو تقديم المسلم الإرهابي الدموي الذي لا يتورع عن القتل وسفك الدماء واستحلال دماء الآخرين واستباحة كل شيء، وامتلاك قلبٍ من الصخر لا يأبه للضعف الإنساني ولا يصغى لخفق القلوب!
إن تجار الدراما، وخاصةً الشيوعيين- أو من كانوا كذلك ثم تأمركوا- والمرتزقة الذين جاءوا من قاع المجتمع، يرتكبون جريمةً حقيرةً في حقِّ المجتمع والوطن والأمة، وقبل ذلك الإسلام والمسلمين، وهم يخونون بلادهم ويخدمون أعداءها، ولو ادَّعى بعضهم أنه مطلوب على قائمة "الموساد"!
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:10 PM
ولا عزاء لأدونيس فى نوبل
بقلم: د.حلمى محمد القاعود
.........................
قبل أيام كتبت عن جائزة نوبل التى مُنحت فى أكتوبر 2006م للروائى التركى (( أورهان باموك ))، الذى كتب عدّة روايات تعالج الصراع بين الشرق الإسلامى والغرب الصليبى ، وتنحاز للطرف الثانى بصفة عامة ، حيث عبّر عن إدانة بلاده بسبب المذابح المزعومة ضد الأرمن والأكراد التى يدعيها الغرب ، وقلت إن (( باموك )) لو أدان مذابح الغرب الاستعمارى الصليبى ضد العراقيين والأفغان والبوسنيين ، مثلا.. ما كان قد حصل على جائزة نوبل أبداً .
كان عدد من الكتاب العرب وغير العرب من الذين ينتمون إلى العالم الإسلامى ، ينتظرون الحصول على الجائزة ولكن " التركى " سبق بها . وكان من بين هؤلاء الكتاب على أحمد سعيد ( أدونيس ) ، وهو من الطائفة النصيرية ( التى تسمى بالعلوية ) الحاكمة فى دمشق ، وانتمى إلى القوميين السوريين، وبعد الوحدة السورية المصرية ترك سورية احتجاجاً على الوحدة وعاش فى بيروت ، ويُقال إنه " تنصّر " وتم تعميده فى جامعة القديس يوسف ، التى منحته درجة دكتوراه الفلسفة فى الأدب عن كتابه الشهير " الثابت والمتحول " الذى صدر فى ثلاثة أجزاء .
وأدونيس ، الذى ولد عام 1930م فى قرية قصابين باللاذقية ( معقل الطائفة النصيرية / العلوية ) ، هو فى الأصل شاعر ، أصدر مجموعة كبيرة من الدواوين ، من أشهرها : أغانى مهيار الدمشقى ، دليلة ، قالت الأرض ، وقدم قراءة للشعر العربى القديم ، ومختارات منه محتذيا فى ذلك الشاعر الرائد " محمود سامى البارودى " مع الفارق الزمنى والفكرى بين الاثنين .
وأبرز أفكار أدونيس ، التى عبّر عنها بصورة واضحة وصارمة مبثوثة فى مجلة "مواقف " ، فضلاً عن شعره ، هى رفض الإسلام ، والإيمان بمقولات لينين عن الدين بصفة عامة ، وكان يمثل فى الستينيات مع مجموعة من الشعراء اللبنانيين ما يُسمى بشعراء الرفض . والرفض ليس التمرد على الاستبداد أو الظلم أو التخلف ، ولكنه رفض الإسلام والعروبة والوحدة ،ثم تبني ما يسمى الآن بالحداثة بمفهومها الغربي، ويركز دائماً على أن الحياة العربية ليس بها محور غير الانحطاط وأن العربى لا يخرج عن كونه طفلاً أو هيكلاً عظمياً ، وأنه ليس الله فى المنطقة العربية هو الميت ولكنه كذلك العالم والإنسان . وأن القرآن " خلاصة تركيبية لمختلف الثقافات التى نشأت قبله "، وأن عودة العربى إلى نقائه الأول لا يمكن أن تتحقق إلا فى ضوء عودة الشاعر يوسف الخال إلى المسيح !
وشعر " أدونيس " يمتلئ بعدد من الرموز التى تدور حول النار ، وفينيق ، والصلب ، والجلجلة ، والطوفان والمطر ، والجرح ، والوثنية . ثم إنه يتخذ من " مهيار الديلمى " الشعوبى القديم رمزاً له فى " مهيار الدمشقى " .
ومن أشعاره : " إننى مهيار هذا الرجيم / إننى خائن أبيع حياتى / إننى سيد الخيانة " . ومنها : " لا الله أختار ولا الشيطان / كلاهما جدار / كلاهما يُغلق لى عينى " أو " أعبد فوق الله والشيطان / دربى أنا أبعد من دروب / الإله والشيطان " أو " خريطتى أرض بلا خالق / والرفض إنجيلى " .
وبعد أن انتهى " أدونيس " شاعراً بحكم الزمن وتقدم السن واحتضان الأنظمة الشمولية له ، واحتفائها به فى مناسباتها المختلفة ، بل واختلاق المناسبات التى تدعوه إليها ، وتقيم له الأفراح والزينات ، وتُضىء له الشاشات الصغيرة ، ليعبّر عن استعلائية مرذولة ، واحتقار للآخرين وخاصة من الشعراء والنقاد والمفكرين الذين ينقضون أفكاره وتصوّراته ، فقد راح يعزف على وتر آخر ، يصب نغماته فى آذان الغزاة اليهود والغرب الاستعمارى . وبدلاً من أن يقف مع شعوب الأمة العربية فى كفاحها ضد الغزاة والأعداء ، فإنه ينعطف تحت مسميّات براقة ، ليلوى أعناق المضطهدين من أمته نحو قضايا هامشية ، وكأنه يؤكد على صواب ما يفعله الغزاة والأعداء .
من ذلك مثلاً خطابه الذى وجهه إلى السلطات اللبنانية عام 2001م فى جريدة الحياة ، والانتفاضة الفلسطينية الثانية فى عنفوانها يطالبها فيها بمنع عقد مؤتمر " مراجعة الصهيونية " . إنه لا يُشير أبدا إلى المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطينى ، وعدوانها المستمر على جنوب لبنان وتحليق الطائرات اليهودية فى السماء اللبنانية التى يعيش تحتها .
إنه يرى أن " الثقافة العربية " هى الثقافة المجرمة الآثمة التى يجب أن توجه إليها اللعنات ، لأنها تنشغل بمطاردة اليهود وتدمير الغير ، والنتيجة أنه لم تعد لدينا قضية إنسانية (!) تتجاوز حدود أنانيتنا ولماذا لا يمكن أن نحارب إسرائيل ونسالم فى الوقت نفسه الفن والأدب اللذين ينتجهما كبار الأدباء والفنانين اليهود خارج إسرائيل وداخلها ؟ "
لا شك أن الشاعر الكبير أدونيس لايدرى شيئاً عن واقع الصراع الجارى بين الغزاة النازيين اليهود ، وبين من يفترض أنهم شعبه وأهله وأنه واحد منهم . ولا ندرى هل لديه علم عما يقوله عنا أدباء اليهود وفنانوهم وصورة العربى فى قصصهم وأشعارهم ومسرحهم ؟
هل تزعجه العمليات الاستشهادية ، وعمليات المقاومة عموماً ، ولا يُزعجه قصف بيروت وغزة وخان يونس والمخيمات الفلسطينية ؟
وهل ما يقوله أدونيس عن " ثقافتنا المتوحشة " له علاقة بالمؤتمرات التى انعقدت فى برشلونة وغيرها وشارك فيها مع نفر من اليهود الغزاة ؟
لا ريب أن أدونيس كان يتهيأ بكلامه وأفكاره ليتلقى جائزة نوبل ، ولكنها للأسف أخطأته ، وذهبت إلى " درويش " أكثر عشقاً للأوربيين ، وهو التركى " أورهان باموك " .
ويبدو أن بعض الجهات العربية لم يرضها أن يحزن " أدونيس " الذى طال انتظاره لنوبل ، ولم تأت ، فجهزت له نوعاً من التعويض الذى يجعله موجوداً على الساحة ، ولو أعاد إنتاج كلامه القديم ، فقد قررت مكتبة الإسكندرية استضافته لمدة أسبوعين ضمن برنامج يُسمى الباحث المقيم ، يلقى فيه أربع محاضرات ، ويلتقى عدداً من رواد المكتبة المختارين بدقة ، فيلقى محاضرة عن " الثابت والمتحول " فى الثقافة العربية : قراءة لكتابه الثابت والمتحول " وأخرى عن " الذائقة الشعرية " وثالثة عن " الشعر والفكر " ورابعة عن " الشعر والهوية " .. وبذا تكون مكتبة الإسكندرية قد قدمت عزاءً مناسباً لأدونيس الذى يرى ثقافة أمته لا تهتم بالإنسانى الذى يحيى الذات وتحيا بها الذات وتساعد الآخرين على الحياة . لكنها مشغولة بتشويه الإنسان اليهودى والاستعمارى طبعا وقتله والتضحية به ونفيه !!
أما رأيه في المصريين الغزاة ، فهو أمر يحتاج إلى كلام كثير ، ويكفى أنه يرى أن كل شىء يبدأ بالفراعنة ينتهي بالموت والخراب ، وسماهم في عهد الوحدة مع سورية بالرمل والغربان ..!!
ما رأيكم دام فضلكم فى أسطورة " أدونيس " الذى يرى فيمن يقتلنا إنسانية وتحضراً ، ويرى فى ثقافتنا توحشاً وتخلفاً ؟
....................................
*المصريون ـ في 1/11/2006م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:12 PM
المرأة المسلمة والأعاصير الغربية
بقلم: د.حلمى محمد القاعود
.........................
تمثل المرأة في التفكير الغربي الاستعماري الحديث محورًا مهمًّا من محاور الصراع ضد الإسلام والمسلمين ، الذي غايته - أو محصلته - هيمنة الغرب الصليبي على مقدرات الأمة الإسلامية ، والسيطرة على إرادتها ، واستنزاف مواردها ، وإدخالها دائرة التبعية المطلقة من منظور السيّد الخادم .
ولا يكفّ الغرب الصليبي عن إثارة موضوع المرأة المسلمة في شتى المناسبات الممكنة ، وبوساطة الأقلام المحلية والأجنبية ، ليكون بديلاً
عن القضايا الأساسية التي تعنى الأمّة وتشغلها وتؤرقها مثل : الحريّة والشورى والتعليم والثقافة والإدارة والبحث العلمي والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية ، وما إلى ذلك من قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بواقع المسلمين ومستقبلهم .
إن الإلحاح على قضية المرأة وإثارتها في الأدبيات المطروحة يثير من الرّيبة أكثر مما يثير من اليقين ، وخاصّة أن الأمر تجاوز المؤسسات الغربية الصليبية إلى المؤسسات العالمية أو الدولية التي يفترض أنها تمثل أمم الأرض جميعًا ، وأعني بها مؤسسات الأمم المتحدة .
إن معظم بلاد المسلمين الآن تغصّ بالمدارس التي تعلّم البنات ، والكليات المخصّصة للبنات ، فضلاً عن المؤسسات التعليمية المشتركة للبنين والبنات ، فضلاً عن امتلاء الشوارع ومؤسسات العلم والإنتاج والمستشفيات والمصالح الحكومية والجمعيات الخاصة والعامة ، والمجالس الشعبية والنيابية بالنساء من مختلف الأعمار والتخصّصات ، مما يعني أن المرأة المسلمة لا مشكلة جوهرية لديها .. صحيح أن هناك مشكلات محددة تصنعها التقاليد الظالمة والعادات السخيفة ، ولكن من قال إن هذه العادات أو تلك التقاليد تمثّل حالة عامة في المجتمات الإسلامية تحتاج إلى عملية تحرير ؟ وتحرير ممن ؟
إن الإسلام يحقق للمرأة ما لا تحققه لها المجتمعات الغربية الصليبية و لقد أعزّ الإسلام المرأة ، وحقق لها إنسانيتها، وراعى ظروفها الطبيعية والبيولوجية فألزم المجتمع - ممثلاً في الأب أو الزوج أو الأقارب - بحمايتها وصيانتها ورعايتها ، وفضلاً عن ذلك فقد جعل الإسلام للمرأة ذمّتها المالية الخاصة ، وحقوقها المادية التي لا يجوز لأحد أن ينال منها أو يستبيحها .. في الوقت الذي تحوّلت فيه المرأة الغربية الصليبية إلى مجرد سلعة يتداولها رجال الأعمال ، ومنتجو السينما والتلفزيون ، ومنظمو حفلات ملكات الجمال المحلية والعالمية ، وغيرهم من رجال المافيا والدعاية وشبكات الدعارة وما شابه .. ولعل هذا يفسّر سرّ زيادة عدد النساء الأوروبيات الداخلات في الإسلام أكثر من الرجال .
إن المرأة المسلمة تؤدي دورها الإنساني بكفاءة وتفوّق وسعادة ، فهي مدبّرة منزلها ومربّية أولادها .... وحافظة أسرتها دون ادّعاء عريض ، أو صراخ بغيض ، وهي على مستوى الجمهور الكبير في البلاد الإسلامية - تواجه مع الرجل - صعوبات الحياة وقسوتها بما يشبه البطولة ، وتسعى - مع الرجل - إلى توفير أساسيات الحياة في صبر وجهاد عظيم ، ثم إنها تذهب إلى المدرسة وتتعلم وتتفوّق وتنافس الرجال ، دون أن تكون هناك قيود أو سدود ؛ اللهم إلا ما يفرضه الخلق الإسلامي والقيم الكريمة التي يتحلى بها الرجال والنساء معاً .
بيد أن العالم الصليبي يصر على تصدير انحلاله ، أو انحلال بعض النماذج النسائية عنده إلى أمتنا . ويتخذ من بعض المقولات العامة طريقًا عامًا لعملية التصدير والإقناع بها .. إنه يطرح قضيّة المساواة المطلقة بين الرجال والنساء في كل شيء ، دون مراعاة لخصائص كل من الرجل والمرأة ، بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان ، ويطمح من وراء ذلك أن يكون عدد النساء مثلاً مساويًا لعدد الرجال في الحكومات والمجالس النيابية والإدارات المحلية ومواقع السلطة في كل مكان .
نقل عن السيد "كوفي عنان" أمين عام الأمم المتحدة قوله : "لا أستطيع أن أفكر في أي قضيّة ترتبط بمنظمة الأمم المتحدة إلا وكانت تتعرض لقضية المرأة وتتداخل فيها . فالمرأة أصبح لها دور مساوٍ للرجل في تحقيق السلام ، والأمن وحقوق الإنسان ، لذلك فإن من الحق ، بل من الضروري ، أن تكون المرأة ممثلة في مواقع السلطة واتخاذ القرار لتحقيق هذه الأهداف . وأن تكون نسبة تمثيلها في هذه المراكز مساوية لعدد الرجال لأنها تملك القدرة نفسها والأداء المتميز لخروج خططها إلى حيّز التنفيذ (الأهرام : 7/ 16 / 2000 ) .
وهذا القول ، مع ما فيه من مبالغة ، لا يخلو من خيال واسع ، يبتعد عن أرض الواقع ، وحقائق التكوين الإنساني البيولوجي للرجل والمرأة . كما وأنه غير محقق في أي دولة على مستوى العالم مهما كانت دعواها في تحرير المرأة.
إن قدرات المرأة - مهما تفوقت في المجالات الإنسانية والإدارية والعلمية - تظل مرتبطة بالمجال الأساسي والرئيس للمرأة ، وهو الإنجاب وتربية الأبناء ، وتكوين الأسرة ، وهذه مهمة من أشرف المهام وأنبلها .
وإذا كانت بعض المجتمعات الغربية الصليبية قد أهملت شأن الأسرة ، ولم تعد تعدّ بها ، فإن الأسرة - وفقاً للفطرة الإنسانية - كيان ضروري ، لا تستطيع المجتمعات الطبيعية التفريط فيه ، أو النظر إليه بعدم مبالاة .
إن " كوفي عنان " يطمح إلى أن تكون نسبة المرأة بين موظفي الأمم المتحدة 50% ، حيث وصلت الآن إلى ما يقرب من 38.9 % ، وهدف خطة "عنان" من ذلك أن يقدم نموذجًا عالمياً لأمم الأرض كي تحذو حذوه ، وتصنع مثله ، وتجعل المرأة مساوية للرجل في الوظائف القيادية والإدارية ، واتخاذ القرار ، مما سيعطي المرأة فرصة الاهتمام بقضاياها وهمومها التي تلح عليها دول الغرب الصليبي . ومن هذه القضايا : التطرف الديني والأيديولوجي وتأثيره السلبي في المساواة بين الرجل ، وعدم الاعتراف بالأم المراهقة والأم العزباء ( خارج نطاق الزوجية ) ، وتنفيذ خطة بكين على الصعيدين الدولي والإقليمي ، والحدّ من الممارسات الضارة ( من وجهة نظر هذه الدول ) مثل ختان الإناث والزواج المبكر والزواج بالإكراه وتعدد الزوجات .
وكما نرى فإن هذه القضايا التي تطرح في المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة ، وآخرها "مؤتمر نيويورك 2000" أو الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة ( المرأة 2000 ) ، تصدر عن تصوّر غربي يركّز بالدرجة الأولى على المفاهيم الإسلامية الأساسية حول المرأة ؛ لنسفها ، وإحلال السوك الغربي الإباحي محلّها !
فالتطرّف الديني - مثلاً - مفهوم غير واضح وغير محدد ، ولكن المفهوم من الكتابات الغربية والكتابات المحلية المشايعة له : أنه السلوك المعادي للحرية والإنسانية وللمرأة أيضًا ، وفكرنا الإسلامي يرفض هذا السلوك ويدينه ، ولكن القوم يقصدون من وراء طرح مفهوم التطرّف الديني نبذ الإسلام ، وعدم تحكيمه في قضايا المجتمعات الإسلامية بصفة عامة ، والمرأة بصفة خاصة ، وبالطبع فإن القوم يرون ارتداء الحجاب تطرّفًا ، وأداء الصلوات تطرّفًا ، والزواج الإسلامي تطرّفًا .. وهكذا .
أما موضوع الأم المراهقة والأم العزباء ، فهو إصرار من جانب الدول الغربية الصليبية - ومن خلال الأمم المتحدة - على إلزام الدول الإسلامية بتقنين الإباحية ، وفرضها على المجتمع الإسلامي بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان .. أي يصبح من حق أي فتاة أن تمارس الزنا مع من تريد ، وتحمل منه ، وعلى المجتمع الإسلامي أن يقرّ هذا السلوك ، بوصفه أمراً واقعًا يترتب لصاحبته حقوق الاعتراف والمشروعية وطلب المساعدة المادية والمعنوية!
ولنا أن نتصوّر كيف يكون الواقع الاجتماعي حين نسمح لبناتنا بممارسة الزنا والولادة غير الشرعية ، ثم يتوجب علينا بعدئذٍ أن نقرّ هذا الوضع ونتماهى فيه ؟
لا ريب أن تصدير الإباحية والانحلال إلى مجتمعاتنا عدوان سافر على قيمنا وأخلاقنا وحقوقنا الإنسانية المشروعة في الاعتقاد والتصّور والتفكير والحرية .
وقس على ذلك ما يتعلق بمسائل الختان والزواج المبكر وتعّدذ الزوجات ، وغيرها من أمور لها طبيعتها في المنظور الإسلامي الذي يختلف اختلافًا جذريًّا مع التصور الدولي الصليبي وغاياته . وإذا كانت المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي تتصدى لهذا القهر الدولي الصليبي بما تستطيع ، فإنه من المؤسف ، أن تتولى مجموعة من النساء العاملات في المجال النسائي والجمعيات النسائية على الأرض الإسلامية الترويج لهذه المفاهيم والدعوة لها ، والدفاع عنها ، في الوقت الذي تتناسى فيه حقوق الأمة كلها في الحرية والشورى والأمل .
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 8/3/2004م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:13 PM
مدينة أكادير تحتضن الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي
بقلم: د.حلمى محمد القاعود
.........................
عقد الملتقى الدولي للأدب الإسلامي دورته الثالثة بعنوان "دورة محمد المختار السوسي" في مدينة أكادير بالمغرب الأقصى، بتنسيق بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة ابن زهر، و المكتب الإقليمي لدول المغرب العربي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، و مجلة "المشكاة" المغربية.
كان ذلك أيام 21، 22، 23، شوال 1421هـ، الموافق 16، 17، 18، يناير 2001مو كان موضوع الدورة هو، "النقد التطبيقي بين النص و المنهج".و قد افتتح الملتقى أشغاله بحضور والي ولاية أكادير، و رئيس المجلس البلدي، وبكلمات كل من قيدوم كلية الآداب، و رئيس الرابطة و نائبه، و رئيس مكتب البلاد العربية، و رئيس المكتب الإقليمي لدول المغرب العربي. تلا ها قراءة قصيدتين للشاعرين: جابر قميحة من مصر، و الراضي اليزيد من المغرب.و بعدها توجه المشاركون إلى المعرض الذي نظم على هامش الملتقى، ثم إلى حفل شاي بالمناسبة.
ثم انطلقت جلسات العروض و البحوث المقدمة للدورة يتقدمها عرض الدكتور عماد الدين خليل، بعنوان: " إشكالية النقد التطبيقي لدى الأدباء الإسلاميين".ثم توالت العروض في خمس جلسات موزعة على أيام الملتقى، اشتملت كل جلسة على ستة عروض.
و في ما يلي بيان لأسماء الأساتذة المشاركين في الملتقى، و عناوين عروضهم و بحوثهم المقدمة فيه:الجلسة الأولى: في محور: النقد التطبيقي إشكالات و مفاهيم. 1. الأستاذ عباس ارحيلة، من المغرب: "النقد بين الغلو في التنظير و القصور في التطبيق".
2. الأستاذ إبراهيم وليد قصاب، من الإمارات العربية: "الاتجاه الديني و الخلقي في النقد التطبيقي عند العرب".
3. الأستاذ عبد الرحيم الرحموني، من المغرب: "مزالق النقد التطبيقي: قراءة نقدية في كتاب (مقالات في النقد الإسلامي تأصيل و تجريب، للأستاذ سعيد الغزاوي)".
4. الأستاذ صالح أوزكاي: "شروط النقد التطبيقي و ضوابطه".
5. الأستاذ مصطفى رمضاني، من المغرب: "النقد المسرحي بين النص والعرض".
6. الأستاذ عمر بوقرورة، من الجزائر: "النص بين التألق و الاضطراب". الجلسة الثانية: في محور: النقد التطبيقي و الشعر.
1. الأستاذ العربي المنزيل، من المغرب: "النقد التطبيقي و القصيدة الإسلامية المعاصرة".
2. الأستاذ بوجمعة جمي، من المغرب: "الفطرة السوية و الخصائص العقدية في إبداعات شعرية عربية، تحليل و نقد".
3. الأستاذ محمد ناجي، من المغرب: "المرجعية الدينية عند ابن قتيبة في نقده التطبيقي".
4. الأستاذ عبد الجليل هنوش، من المغرب: "التذوق و أسرار النص، قراءة في المنهج النقدي عند محمود محمد شاكر". 5. الأستاذ عبد الرحمن حوطش، من المغرب: "الملامح الفنية في ديوان نجاوى محمدية للشاعر عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله".
6. الأستاذ محمد الأمين، من المغرب: "قراءة نقدية في ديوان (القادمون الخضر)، للشاعر سليم عبد القادر". الجلسة الثالثة:
1. الأستاذ محمد الواسطي، من المغرب: "تجليات الأدب الإسلامي عند أبي تمام في قصيدته فتح عمورية".
2. الأستاذ جابر قميحة، من مصر: "شرائح النثر في شعر بهاء الدين الأميري".
3. الأستاذ محمد الحسناوي، من سوريا: "خماسية الأميري: هدية الأدب الإسلامي للأدب العالمي".
4. الأستاذ محمد خضر عريف، من السعودية: "الإسلام و العروبة في شعر محمد حسن فقي".
5. الأستاذة خديجة الفيلالي، من المغرب: "حضور القرآن في شعر أحمد مطر".
6. الأستاذ محمد بلاجي، من المغرب: "تجليات القدس في الشعر العربي الحديث".الجلسة الرابعة: في محور: النقد التطبيقي و السرد. 1. الأستاذ محمد بسام ساعي: "الفن القصصي في الأدب الإسلامي و نقده". 2. الأستاذ سعد أبو الرضا، من مصر: "الصراع بين القيم و المذاهب الأدبية في الرواية الإسلامية".
3. الأستاذ حلمي محمد القاعود، من مصر: "مملكة البعلوطي و نموذج القرية الأسلامية".
4. الأستاذ عبد السلام أقلمون، من المغرب: "تحليل و دراسة آخر أعمال أحمد التوفيق الروائية:غريبة الحسين، أو موسم الهجرة إلى الجنوب".
5. الأستاذ عيسى باطاهر، من الإمارات: "النقد و الالتزام عند الشيخ أبي الحسن الندوي، مع قراءة في كتابه: مسيرة حياة".
6. الأستاذ محمد همام، من المغرب: "الاعتراف و التوبة في السيرة الذاتية المغربية".الجلسة الخامسة: في محور: محمد المختار السوسي مبدعا و ناقدا. 1. الأستاذ محمد خليل: "محمد المختار السوسي ناقدا".
2. الأستاذ البشير التهالي: "مفهوم الأدب عند محمد المختار السوسي بين التاريخي و الجمالي".
3. الأستاذ محمد الحاتمي: "المعرفي و الأدبي في الكتابة الرحلية- نموذج (من الحمراء إلى إليغ) لمحمد المختار السوسي".
4. الأستاذ المهدي السعيدي: "محمد المختار السوسي شارحا للشعر: (الثريدة المناغية للعصيدة)".
5. الأستاذ أحمد الهاشمي: "الأثر الإسلامي في أعلام الأماكن بسوس".
6. الأستاذ أحمد أبو القاسم: "صناعة الشعر و نقده في المدرسة الإليغية بين النظري و التطبيقي: محاكمة إبداعية".و قد كان الملتقى مسرحا للمناقشات العلمية، و القراءات الشعرية التي شارك فيها شعراء مبدعون من المشرق و المغرب.
و تميز بالحضور الكثيف في جلسات المؤتمر كلها، و بغزارة البحوث المقدمة للملتقى، و كثرة المداخلات المناقشة للبحوث المقدمة فيه، و كذلك حضور عدد كبير من الشعراء الإسلاميين.
و اختتم الملتقى أعماله بقراءة التوصيات التي أسفر عنها، و هي كما يلي:توصيات الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي 1. طباعة البحوث المقدمة في هذا الملتقى، مع الاستفادة من المداخلات المنهجية التي حدثت خلاله، و تيسيرها للباحثين و المهتمين.
2. تنشيط نشر الأدب الإسلامي و دراساته، و البحث عن سبل تجاوز الصعوبات و العقبات القائمة.
3. البحث عن أساليب ناجعة لتواصل أفضل بين أقطار العالم الإسلامي فيما يخص الإبداع الأدبي الإسلامي.
4. تخصيص ندوات و مؤتمرات لبحث قضايا تهم مجتمعاتنا الإسلامية، منها: صورة المرأة في الأدب- أدب الطفل- المسرح بين النص و العرض- النقد الإسلامي والمناهج المعاصرة- الأدب الإسلامي و العولمة- الأدب الإسلامي و تقنيات الإعلام الحديث- إبداع الشباب في إطار الأدب الإسلامي- الأدب الإسلامي و المناهج الدراسية- السيرة الذاتية إبداعا و نقدا- أعلام الأدب الإسلامي المعاصر.
5. الاهتمام بترجمة الأعمال الأدبية الإسلامية، من العربية و إليها.
6. الاهتمام بتوفير النصوص الأدبية الإسلامية المناسبة للأعمال الدرامية، و خاصة التي تقدم في الفضائيات.
7. الاهتمام بإيجاد صيغة منهجية للحوار مع الآخر بما هو مفيد.
8. الاهتمام بتطوير موقع الرابطة على شبكة الإنترنت العالمية، و إتاحة الفرصة لعرض أنشطة المكاتب الإقليمية من خلالها.
9. عقد الملتقى الدولي الرابع للأدب الإسلامي في مدينة فاس، و تسمية الدورة باسم علال الفاسي، و يكون موضوعها: "الرواية المعاصرة بين الواقع والتطلع".
10 تكليف المكتب الإقليمي في المغرب العربي بإصدار بيان إعلامي باسم الملتقى يتضمن تحية لانتفاضة الأقصى المباركة، و شكرا للجهات الداعمة والمساهمة في إنجاح هذا الملتقى، و نص التوصيات التي صدرت عنه، و توزيع هذا البيان على وسائل الإعلام المتاحة. و الله ولي التوفيق.
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 12/3/2001م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:13 PM
فرنسا والحجاب .. إنهم أناس يتطهرون !!
بقلم: د.حلمى محمد القاعود
.........................
كان قوم لوط من الشواذ ، يمارسون الفحشاء مع أمثالهم من الرجال ، وعدوا الشذوذ هو الأصل ، والطهارة هى الاستثناء ، ولذا حاربوها وحاربوا الداعين إليها ، وعلى رأسهم سيدنا لوط عليه السلام ، وكانت تساعدهم فى حربهم ضد الطهارة زوجه التى كانت تنقل أخباره إلى قومه ،وكانت نهاية هؤلاء القوم طبيعية حين انقلبت بهم الأرض فصار عاليها سافلها ، ومعهم زوج لوط ، الذى أنجاه الله ومن آمن به .
وقد وردت قصة لوط وقومه فى أكثر من سورة على امتداد القرآن الكريم ، وأكدت القصة دائما على النهاية التى يستحقونها وهى التدمير بخسف الأرض وإمطارهم بحجارة من سجيل لقد وردت القصة فى سور منها :هود ،والحجر ،والأنبياء ،والشعراء ،والعنكبوت .والنمل ،والصافات ،وسأكتفى بإيراد آيات سورة النمل لكشف التفكير المعوج الذى يجادل به قوم لوط ، مع أنهم كانوا أصحاب عقل وبصر : (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون .أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون .فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ،إنهم أناس يتطهرون .فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين .وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) (النمل:54- 58 ).
وتكشف الآيات أن قوم لوط أصروا على شذوذهم وإجرامهم ،وكان ردهم على الاستفهام الإنكارى التوبيخى من جانب لوط عليه السلام هو طلب إخراج لوط ومن معه لأنهم أناس يتطهرون ، الطهارة والعفة والنقاء مسوغات الطرد من الديار عند الشواذ والمنحرفين ..
معاناة المسلمين في فرنسا
وهذه المسوغات بعينها هى ما يرفعه الصليبيون الاستعماريون المتعصبون فى فرنسا ضد المسلمين ، دع قضية الحجاب جانبا ، وانظر إلى مجمل ما يعانيه المسلمون من تمييز عنصرى بشع وكريه فى أرجاء البلاد الفرنسية ،مع أنهم يمثلون القوة الثانية بعد الكاثوليك ،ويبلغ عددهم أكثر من خمسة ملايين مسلم ،منهم ثلاثة ملايين يحملون الجنسية الفرنسية ،والباقى من المقيمين الذين قضوا فترات طويلة هناك فلا يوجد وزير مسلم واحد فى فرنسا ،ولا يوجد مسئولون مسلمون فى الإدارات الفرنسية حتى المستويات الدنيا ..والمسلمون يسكنون غالبا فى الأحياء الفقيرة ،ويعيشون مستوى اقتصاديا أقل من اليهود والكاثوليك ..ومع ذلك فهم يخدمون الدولة الفرنسية بإخلاص ، ويعطونها جهدهم وعمرهم ، ويأبى عليهم المتعصبون أن يكون لهم وجود إنسانى أو كيان محترم ..بل يريدونهم عبيدا بلا دين ولا عقيدة ولا ثقافة ولا هوية !.
الحجاب يقضي على النظام الجمهوري!!
إن فرنسا تمتلئ بالنساء العاريات والداعرات والمدمنين والشواذ والإباحيين ، ولكن ذلك لا يشغلها ولا يمثل لها مشكلة خطيرة ، فقط يشغلها استراتيجيا وقوميا حجاب المرأة الفرنسية المسلمة الذى يعلن من وجهة نظرهاعن هوية صاحبتها الإسلامية ..صار الحجاب علامة وشارة لدى فرنسا المتعصبة الظلامية ،وليس جزءا من العقيدة الإسلامية التى تلزم المرأة بالطهارة والعفة والنقاء ..ويجب التخلص من هذه الشارة وتلك العلامة لأن ذلك يخل بالمعادلة العلمانية ويقضى على النظام الجمهورى ؟!.
مشابهة بين منطقين
ولا ريب أن المشابهة قائمة بين قوم لوط فى منطقهم المعوج ضد المتطهرين ،و المتعصبين الفرنسيين ضد الحجاب ،وكلا الطرفين يملك عقلا وبصرا وعلما وفقها ،ولكن الشذوذ والتعصب ضربا بظلامها على الجميع ،وإذا كان قوم لوط قد نالوا جزاءهم قديما ،فلا أظن المتعصبين الفرنسيين سيفلتون من العقاب الإلهى قريبا أو بعيدا.. وصدق الله إذ يقول " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " الكهف ، فالظلم هو سبب الهلاك ومقدمته فى كل مكان وزمان !.
ليست قضية حجاب
القضية فى كل الأحوال ليست قضية الحجاب ، وإن كان الحجاب جزءا منها ، إنها قضية الإسلام الذى يكرهه الصليبيون المتعصبون ، ويحاربونه ليل نهار ، ويحققون انتصارات عظيمة ( في هذا المضمار ) .. .. ومع كل هذه الانتصارات الصليبية الاستعمارية ، فإنهم يخافون الإسلام والمسلمين ،لأن قيمه ضد طموحاتهم الشريرة وغاياتهم العدوانية وسلوكهم الإجرامى ضد الآخر استعمارا ونهبا وإذلالا واستعبادا .
المفارقة!!
والمفارقة أن الإسلام ينتشر فى عقر دارهم ،وبين أبنائهم الذين يهديهم الله تعالى إلى التعرف عليه وعلى مبادئه وتشريعاته ، وقد كثر القول مؤخرا عن دخول عدد كبير من الأوربيين والأمريكان إلى الإسلام عقب أحداث سبتمبر (2001) الغامضة ،التي اتهم المسلمون بتدبيرها ،حيث تهافت عدد كبير من أهل أوربا وأمريكا على شراء نسخ القرآن الكريم ومحاولة التعرف على ما فيه وكانت النتيجة إسلام بعضهم ، وتحجب نسائهم المسلمات ،مما أثار ذعرا وقلقا فى دوائر المتعصبين الصليبيين الظلاميين الذين مازالوا يعيشون بمنهج بطرس الحافى !!.
والمسيحية أبعد ما تكون عن الصليبية الاستعمارية ،ولقد اتخذ الاستعماريون الهمج من الصليب شارة وعلامة على المسيحية ،وهم يذبحون ويقتلون المسلمين والنصارى على السواء( الحملة الصليبية الثالثة توجهت إلى بيزنطة بدلا من القدس ،فأعملت فى أهلها النصارى قتلا وتشريدا ونهبا مما تقشعر له الأبدان).
وهو ما يكرره الصليبيون المعاصرون فى هيستريا لا تقل خطورة عن الهيستريا الصليبية القديمة ، حين يرون فى الحجاب تدل على تمدد الإسلام داخل المجتمع الصليبى الاستعمارى ،وهو ما يضعه الاستراتيجيون الغربيون تحت دائرة الضوء والتشريح لمعرفة مستقبله وتأثيره على المعادلة الاجتماعية والثقافية والسياسية فى الغرب ،كما يرى بعض الباحثين .إن الإسلام اليوم وهو حاضر المسلمين دائما فى الشارع الأوروبى يجعل الأوربيين يتساءلون دائما عن الإسلام ، وعن أولئك القوم الذين يتطهرون بالحجاب والعفة والنقاء ولا ينضوون تحت لواء الإباحية أو الإدمان أو الشذوذ ..وهذا ما تراه الحكومات الاستعمارية المتعصبة خطرا على وجودها فى المدى القريب أو البعيد .. ومهما يكن من أمر ،فإن الحملة المسعورة ضد الحجاب لن تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم وحرصا عليه ودفاعا عنه وانتماء إليه ، والله غالب على أمره.
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 19/1/2001م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:14 PM
بركاتك يا شيخ رجب !
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
............................
كان مهرجاناً شاملاً ، انتقل من تلفزة النظام البوليسي الفاشي ، إلى قنوات رجال القروض ، إلى صحف لاظوغلى وطشة الملوخية ولحم البعرور وتبولة الشام .. كان المهرجان بسبب موافقة رئيس الدولة على علاج الشيخ " رجب هلال حميدة عضو مجلس الشعب ( المعارض !) على نفقة الحكومة لمدة ستة شهور في عاصمة أجنبية .. أسهبت أجهزة الدعاية الحكومية وشبه الحكومية في الحديث عن كرم الدولة وسخائها مع مواطنيها الذين لا تفرق بينهم على أساس الموالاة والمعارضة ، فمع أن الشيخ رجب ( معارض !) وصوته عال ضد الحكومة، وضد الفساد، وضد محاربتها للأحرار، فقد اتصل به سيادة الرئيس، بعد أن نقل إليه سيادة اللواء رئيس الديوان الجمهورية خبر الموافقة على العلاج .
قالت أجهزة الدعاية إن الشيخ رجب فوجئ بالرئيس يتصل به، ويتحدث معه حديثاً أبوياً ويطمئن عليه وعلى أسرته ويتمنى له الشفاء، ويُعبّر عن تضامن الدولة معه حتى يرجع بالسلامة عائداً في إهاب الصحة والعافية وطول العمر.
الشيخ رجب عبّر هو الآخر عن شكره وامتنانه واعتزازه بأبوة السيد الرئيس، وقال ذلك في الاتصالات الهاتفية التلفزيونية والصحفية التي انهالت عليه عقب إذاعة خبر علاجه على نفقة الدولة، وقال الشيخ رجب إنه كتب طلبا – مجرد طلب على ورقة بيضاء – وأرسله إلى السيد الرئيس، فجاءت الموافقة بأسرع مما يتوقع، وحققت حلمه في العلاج خارج البلاد.
فرحت – والله – لموقف الدولة ، وموافقتها على علاج مواطن مصرى ، قبل أن يكون عضواً أو نائبا بمجلس الشعب ، مؤيداً أو معارضاً ، حقيقيا أو مستأنسا ، فهذا لا يعنينى ، بقدر ما يعنينى أن من جرّب الألم وعاش محنة المرض ، يتمنى العافية لكل الناس ، ولو كانوا من خصومه وأعدائه ، فلا شىء يقهر الإنسان إلا الدّاء والدواء . كلاهما مرّ وقاس ، وكلاهما يُعيد الإنسان إلى ربّه ليستشعر قدرته وعظمته ورحمته ، حيث لا يُساوى المريض وهو سليم جناح بعوضة ، ولا يزن مثقال ذرة عند ربّه حتى وهو سليم معافى ، ولكنه كرّمه وأعطاه العقل وأفاض عليه نعمة الدين ليتعرف على خالقه ، فيسمع له ويُطيع ، ويبتعد عن الطغيان والجبروت وقهر أخيه الإنسان .
ويبدو أن بركات الشيخ رجب كانت حاضرة ، حيث غابت عن الدكتور عبدالوهاب المسيرى ، مثقف الأمة ، الذى أبت نفسه أن تذلّ لأحد غير لله ، وتعفف عن قبول التبرعات من الشعب لعلاجه ، ورضى بقدره مستسلماً لإرادة الله . فى حين صمتت السلطة البوليسية الفاشية عن نداءات من يملكون الأقلام والأصوات لمعالجته على حساب الشعب ومن ميزانيته ، لأنه فى أبسط الأحوال مواطن مصرى خدم بلاده خدمة جليلة تفوق ما يقدمه أعضاء مجلس الشعب أجمعين ، مع احترامى لهم جميعاً ، فالذى أنجزه لا يقدرون جميعاً على إنجاز بعضه ، وفى الوقت ذاته كان ينفق من جيبه وميراثه على موسوعته – كما أشرت فى المقال السابق – ثم إنه كان أكثر تطبيقا عمليا لما تعلمه ولما يؤمن به ، حين نزل إلى الشارع ليتظاهر ضد الطغيان والفرعنة وإهدار كرامة الإنسان ، مع أن من فى مثل عمره – وقد قارب السبعين – يجب أن يخلد إلى الراحة والهدوء ، ولكنه أبى أن يقعد مع القاعدين ، أو يكتفى بكلام يذهب مع الريح ، وراح يتقدم الشباب والرجال والنساء الذين واجهوا الخوذات الغبية والنبابيت البلهاء والبيادة العمياء !
المسيرى معارض للدولة ، ولكن معارضته – كما يرى النظام البوليسى – تخرجه من سياق المعارضة إلى نوع آخر ، لا أعرف كيف أسميه ، بدليل أنها فرّقت بينه وبين المؤيدين ، ورفضت أن تعالجه على نفقتها ، وتركته أو تركت أمره ، ليتولاه أمير سعودى ، أو تاجر مصرى يعرف قيمة الرجل ، فرقّ لحاله ، وتبرع من ممتلكاته أو ثروته ، ليقوم بما كان ينبغى أن تقوم به الدولة تجاه أحد مواطنيها اسمه عبدالوهاب المسيرى !
كان الرجل منتسباً إلى إحدى الجامعات المصرية ، وأستاذا بها ، ولا أدرى أظل مرتبطاً بها ، أم انفصل عنها ، وإن كانت السيدة حرمه مازالت – فيما أعلم – أستاذة بإحدى الكليات الجامعية ، ويُفترض أن الجامعة التى تنتسب إليها أو ينتسب هو إليها ، أن تعالجه وتتولى شئونه الصحية ، ولكن أمر علاج أساتذة الجامعة ، يمثل جرحاً غائراً فى أعماق هيئة التدريس عموماً ، باستثناء من التحقوا ببلاط النظام ، وعاشوا على أعتابه ، وعيّنوا أنفسهم فى وظيفة " مسوّغاتى " أو " مشعللاتى " على رأى " سعاد حسنى " حين عيّنت " فريد شوقى " فى وظيفة " مشعللاتى " !
أستاذ الجامعة البعيد عن النظام البوليسى الفاشى ، أمامه طريقان للعلاج لا ثالث لهما ، أولهما ما يُسمى بالتأمين الصحى ، نظير الخصم الإجبارى الذى يُستقطع من مرتبه الشهرى المحدود ، وعليه إذا أراد الكشف والتشخيص والعلاج ، أن يأخذ بطاقته ، ويذهب بعد طلوع الشمس – لا أبالغ – ليحجز مكانه وسط طوابير الموظفين والعمال والطلاب الذين حضروا للعلاج ، وحتى يأتى موعد الكشف عليه يكون النهار قد بدأ يميل إلى الشيخوخة والشمس تستعد للغروب ، ناهيك عن " بهدلة " الزحام و " بعثرة " الكرامة !
أما الطريق الآخر ، فهو اختراع أخذت به بعض الجامعات – أو كلها لا أعرف – وهو خصم مبلغ إضافى من المرتب ، نظير ما يُسمى الرعاية الصحية ، حيث تتعاقد الجامعة مع بعض المستشفيات الخاصة على علاج الأساتذة وحدهم دون أسرهم . فيأخذ الأستاذ خطابا من كليته ويذهب إلى المستشفى التى تُحوّله إلى طبيب متعاقد معها حيث يجلس فى انتظار دوره .. ثم يقرر له العلاج المطلوب ، وقد يسبق ذلك تحاليل وأشعة ونحوها ، فيضطر للذهاب – وهو غالباً شيخ مهدّم تجاوز الستين – إلى مستشفى الجامعة التعليمى لينتظر دوره أو أدواره وسط الزحام القادم من التأمين الصحى والأقسام الاقتصادية ( يعنى التى تعالج بالفلوس ) ثم يعود ليكتب طلباً بالعلاج إلى رئيس الجامعة الذى يُحوّله إلى لجنة طبية التى تقرر الاستحقاق من عدمه ، وبعدئذ يدخل متاهة الموافقات والمراجعات والبحث عن الأصناف الموجودة فى صيدلية الجامعة ، أو شراء البديل ، وتحرير طلب بقيمتها مع الفواتير التى تصرف أو لا تصرف بعد شهور ومشاوير تهدّ الحيل ، إذا كان هذا " الحيل " موجوداً أصلاً !
أما العلاج فى الخارج ، فأيامه "بيضاء" . " أبيض " من قرن الخروب ! وقد رأيتم ما جرى للمسيرى !
ولكن الأساتذة المحظوظين من أهل البلاط أو الحرملك ، فالطريق أمامهم مفتوح ، والتسهيلات بلا حدود ، وباقات الورد ، ولو فى باريس – بلا عدد !
لا تحدثنى عن بقية الناس من الذين أنهكتهم الأغذية المسرطنة والمياه الملوثة ، والغلاء الفاحش ، والمجارى الطافحة ، والمخدرات المنتشرة ، والمساكن الزدحمة ، والأيام الخانقة .. فهؤلاء الذين يمثلون الأكثرية الساحقة التى لا تعرف السلطة البوليسية الفاشية عنها شيئاً ، ولا تُريد ، وبالتالى ، فإن حلمهم بالعلاج المجانى أو شبه المجانى ، قد تم وأده تماماً ، فأقل تذكرة دواء لا تقل قيمتها اليوم عن مائة أو مائتى جنيه . مرتب شهر كامل للشخص المحظوظ الذي يجد عملا ؛ وربما أكثر ..ومع ذلك فإن كتاب لاظوغلى لا يذكرونهم بكلمة ، وإن كان أحدهم سخر بوقاحة من المسيرى وتمنى له الشفاء !
.................................
*المصريون ـ في 5/6/2007م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:14 PM
سعيكم مشكور.. " على جزمتنا" !
بقلم: أ. د . حلمي محمد القاعود
..............................
لم أكن أنوي الإشارة إلى ما يسمى بانتخابات مجلس الشورى . فمعروف سلفا ؛ أنها ليست انتخابات " ولا يحزنون " ، بل هي تمثيلية سخيفة اخترعها النظام البوليسي الفاشي ، ليجمّل وجهه القبيح أمام العالم ، وليس لاصطفاء نخبة حقيقية من ذوي الخبرة والإخلاص تؤدي دورا حقيقيا يخدم البلاد والعباد .والبسطاء الأميون في أعماق الريف يدركون جيدا أن مثل هذه المجالس ؛ لاتخدم سوى أعضائها والنظام الذي أتي بها ، وتحليل – من الحلال – كل ما يقترفه النظام من محرّمات ضد الشعب والأمة جميعا .
كنت أتمنى أن تنفق المائة مليون جنيه – وقيل ثلاثمائة مليون – المخصصة للانتخابات على مصالح الناس ، بدلا من إنفاقها على انتخابات صورية ، يعلم الناس جميعا أنها مزورة ، وأنها تتم بإرادة البوليس وإشرافه ، وليس القضاء ؛ كما يكذبون علينا صباح مساء .
عاجلني صوت المذيعة الكذابة في نشرة التاسعة مساء الأحد 11/6/2007م، وهي تجزم بصيغة قاطعة أن خمسة وثلاثين مليونا من الناخبين المصريين قد توجهوا إلى لجان الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى ، بعد أن فاز أحد عشر عضوا بالتزكية . المذيعة الكذابة كانت تستخدم صيغة الفعل الماضى التي تفيد التقرير والحدوث ، وكان الواقع يكذب كلامها والصحف الحكومية نفسها التي صدرت في اليوم التالى تؤكد أن نسبة الحضور 22% مع أن الواقع يؤكد أن الذين ذهبوا أقل من واحد بالمائة من مجموع الناخبين !
كنت أتمني أن يستفيد الناس بما أنفق على هذه الانتخابات الصورية في مشروعات مفيدة مثل الصرف الصحى وتنقية المياه الملوثة التي أهلكت كُلى المصريين وأكبادهم وأمعائهم ، ثم تقوم بتعيين من تختارهم وتجد لديهم الاستعداد للتصفيق الحاد ، والهتاف القوي ، والردح الأصيل لخصوم السلطة البوليسية الفاشية .
لن يعارضها أحد ،ولن يقف في طريقها أحد ، فكل الناس تخشى منهج " الفرم" الذي ظهر مع أزهى عصور الحرية والديمقراطية والرخاء والعدل والإنصاف !
كنت أتمنى أن تريح الحكومة البوليسية نفسها ، ولا تعلن عن انتخابات صورية ، لا يحضرها أحد ، بل تعتقل من يترشح لها من الإخوان المسلمين " قمة المواطنة " ! وتلقي بهم مع الأنصار والأتباع في السجون ، وتحرمهم من ذويهم ، وأقاربهم دون جريمة تذكر ، فهم مثلا لم يغرقوا أكثر من ألف مصري في البحر ، ولم يقتلوا أحدا في حوادث القطارات والسيارات ، ولم ينهبوا أموال الدولة بالقانون في صفقات مشبوهة ، ولم يسرطنوا الغذاء ، ولم يسمموا الدواء ، ولم يتصوروا على السيديهات المخلة ، ولم يقدموا للناس دما مغشوشا ، ولم يستولوا على أراضي الدولة بأقل من سعر التراب .
كنت أود من النظام البوليسى الفاشي أن يريح ويستريح ، ويعلن أنه سيختار الأعضاء الذين يعجبونه شكلا ومضمونا ، ويصدر قرارا بتعيينهم وكفى الله المؤمنين القتال .. فالناس تعلم جيدا أنه لا المعارضة مؤثرة ، ولا الصحافة مقلقة ، ولا تصريحات " مجرم الحرب " جورج بوش " مغيرة .
الناس واثقون تماما أنهم سيظلون هكذا تحت رحمة النظام البوليسي الفاشي حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .. وهم واثقون أيضا أنهم يستحقون ذلك ؛ لأنهم صمتوا طويلا أمام القهر والعسف والتنكيل ، بل إنهم صفقوا لذلك وهتفوا .. هل نسينا ذلك الذي رقص في مجلس الأمة غداة الهزيمة ابتهاجا ببقاء الزعيم ، ونسى أن سيناء ضاعت مع القدس والضفة والقطاع والجولان ؟
الناس يعلمون أن مجلس الشعب ومجلس الشورى وبقية المجالس التى صنعها النظام البوليسي الفاشي على " جزمة" أصغر جلاد في دائرة اسطنها منوفية !!
عضو مجلس الشعب عن عن هذه الدائرة طبيب بيطري ، مرّغوه في الوحل ، ومزقوا ملابسه ، وسحلوه فى الشارع ؛ وهو خارج من سرادق عزاء ، وقالوا له : سعيكم مشكور ! وقال له الجلاد الصغير : أنت ومجلس الشعب "على جزمتنا" ! . نشرت ذلك الصحف والمواقع الألكترونية !
لم يغضب نواب الحصانة في الوطنى ، ولا أحزاب بير السلم ، لأن " جزمة " النظام ممثلا في أصغر جلاد فوق الجميع أوتحتهم ، شرف وعز ومجد وتقدير .. يالها من جزمة !! ولم تغضب صحافة لاظوغلى أو الحديد والصلب أو السيراميك أو التوكيلات أو الأراضى المنهوبة ، لأن جزمة البوليس تختلف عن الجزم الأخرى التي يؤلفون حولها الحكايات ، وينسجون عنها الأساطير .. أما جزمة البوليس ، فهي طاهرة ونقية ورائحتها زكية وتردّ روح أى صحفي من الخدم وأىّ عضو من الوطني وبير لسلم !
صحيح أن نواب الإخوان غضبوا واعتصموا وصدقوا ما قاله الرجل الثاني في البروتوكول عن حضور وزير الداخلية للاعتذار ، ولكن الأنباء جاءت بما لا يشتهى الرجل ، فالوزير لم ولن يعتذر ، وصحف لا ظوغلى قالت إن النائب هو الغلطان، لأنه سدّ الطريق بسيارته ، وأن الجلاد الصغير لم يتفوه بكلمة ، ولم يلمس العضو المحترم !واخبطوا دماغكم في أقرب حائط يابتوع الإخوان ، والمستقلين كمان !
ومع ذلك يخرج الصديق عصام العريان ليقول إن في الانتخابات سبع فوائد ومآرب أخرى !
إني أختلف معك يا دكتور عصام ، وأحرجك – على طريقة محاور العبارة 98!- فدخول الانتخابات في ظل الأوضاع الجديدة غطاء شرعي للنظام البوليسي أمام العالم ، وفي ظل غياب الإشراف القضائى الحقيقي الكامل فلن ينجح أحد من الإخوان وربما ينجح واحد أو اثنان ، ولكن لن تتكر تجربة مجلس الشعب 2005م ، وإحساسي يقول إن النظام سيحل المجلس ليتخلص من مجموعة ال88 ، ويأتي بمجلس آخر غير مزعج لن يتسرب إليه عضو واحد من الإخوان ، فالتزوير سيكون علنيا وواضحا ، وعلى عينك يا تاجر !
ومن باب أولى أن يستجيب أعضاء ال88 لكرامتهم قبل كرامة زميلهم المسحول ، ويقدموا استقالة جماعية قبل أن يقيلهم النظام من خلال حل المجلس في تغييرات بدت بشائرها في ظهور نجل الرئيس قبل الرجل الثاني في البروتوكول على شاشة التليفزيون في أثناء الإدلاء بأصواتهم !
وأظنك تذكر يادكتور عصام أن الجلاد الذي أعلن ذات يوم أن سيضرب في سويداء القلب ، وأنه على استعداد لقتل خمسمائة ألف مواطن من أجل الاستقرار ، لم يقل ذلك عبثا ، أو كان فلتة لسان ، أو تعبيرا عن رؤية شخصية ، ولولا أن فضحته جريدة "الشعب" – المغلقة - وهو يسبّ أصحاب المناصب الكبيرة والصغيرة ، يومها كتب "عادل حسين" – رحمه الله – خذوا السكين من يد هذا المجرم ! لولا ذلك لمضى الأمر كما يريد المجرم الجلاد ، ولقتل من شاء ، دون أن يسائله أحد !
الانتخابات لا فوائد لها في ظل هذا الوضع الشائن الشاذ ، والضحايا يدفعون ثمنا بلا مقابل ، والأولى في هذه المرحلة على الأقل ؛ تحرير الناس ، والشباب خاصة ، من الغيبوبة التي يصنعها النظام بالكذب والتزييف والتزوير والقهر ، والاعتماد على أحزاب بير السلم التى يديرها أصحاب مصالح صغيرة ، وخاصة سلالة هنري كورييل !
علموا الناس كيف تتحرر بالقرآن وقيمه وسلوكه من عبودية الجبابرة والطغاة ، ربّوا الأجيال تربية قرآنية ،حرمت منها في المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة ، وهي مهمة صعبة للغاية ، وأصعب من السياسة بكثير ، ولكنها أكثر جدوي ، وأكثر تأثيرا .. وساعتها سيسقط الجلادون الفاشيون تلقائيا .. واسلمي يامصر !
drhelmyalqaud@yahoo.com
...................................
*المصريون ـ في 12/6/2007م.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:15 PM
النقد الأدبي الحديث... بداياته وتطوراته
...............................................
الكتاب: النقد الأدبي الحديث... بداياته وتطوراته
الكاتب: د. حلمي محمد القاعود
الناشر: الرياض: دار النشر الدولي ـ 2006م.
يناقش الكتاب، في مستهله، نشأة النقد العربي القديم وصولاً الى بدايات النقد الحديث على يد حسين المرصفي وآخرين. ويتناول جماعة "الديوان" ورواد المذهب الرومانطيقي، معالجاً ما يسميه التوجه الوصفي التحليلي ونموذجه طه حسين. ويتطرّق أيضاً الى المذهب الواقعي في النقد، وجهود الناقد محمد مندور في هذا الإطار.
يتميّز الكتاب في ابتعاده عن السرد الكلاسيكي والتصنيف الجامد للمدارس النقدية. وهو يعزو الضعف العام الذي يتخلل تدريس هذه المادة الصعبة في الجامعات، الى ميل الأساتذة الى جعلها مقصورة، أما على مؤلفاتهم الذاتية، وإما على نصوص محددة تفتقر الى التنوّع وعمق التحليل والمقارنة الحيوية بين الأجناس الأدبية المختلفة. ويرى أن الخطوة الأولى المطلوبة في هذا الاتجاه، تكمن في تذليل الصعاب المتمثلة في الناحية النظرية التجريدية للنقد الأدبي ليتمكن الطلاب من استيعاب مرتكزاتها الأساسية.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 04:16 PM
الوعي والغيبوبة.. كتاب حول الرواية المعاصرة
............................................
صدر مؤخرا في السعودية كتاب تحت عنوان الوعي والغيبوبة.. دراسات في الرواية المعاصرة للدكتور حلمي محمد القاعود .يؤكدالدكتور القاعود في المقدمة علي انطلاقه في الكتاب من الأهمية التي باتت منعقدة علي فن الرواية الذي صار بامتياز ديوانا آخر للعرب إلي جانب ديوان الشعر، ويشير إلي سلسلة الكتب التي أصدرها في هذا السياق مثل الرواية التاريخية في أدبنا الحديث، الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، الرواية الإسلامية المعاصرة، الرؤية الإسلامية في الرواية، وحوار مع الرواية في مصر وسورية .ويشير القاعود الي أن ما شجعه علي إصدار هذه السلسلة من الكتب حول الرواية، هو أن هذا الفن بات يرصد الحياة بصورة بانورامية، ويعرض لصراع الأفكار والمعتقدات والتصورات، وذلك من منطلق أن الرواية مجال خصب وفسيح ـ حسب الكاتب ـ بحكم قرابتها من مخاطبة الوجدان، ومناغاة النظرة، وإشباع الرغبة والتشويق إلي معرفة المصائر والنهايات، ولذا وجدت اهتماما نقديا ودراسيا عظيما في المجال الثقافي والأكاديمي.ويؤكد المؤلف أن فكرة الكتاب جاءت امتدادا للكتب التي سبق أن أصدرها في تقديم الرواية الإسلامية ، والرواية المضادة لها، كي يري الأدباء الإسلاميون تأثير الرواية الإسلامية ونقيضها علي القارئ، وفي الوقت ذاته ـ علي حد تعبير المؤلف ـ ينهضون للاهتمام بهذا الفن والاستفادة منه في خدمة التصور الإسلامي وقضايا الأمة الإسلامية.
في الفصل الأول يناقش القاعود رواية ثريا في غيبوبة للكاتب إسماعيل فصيح، وهي رواية ترصد صورة المجتمع الإيراني عقب انهيار نظام السافاك في إيران. يعرض المؤلف لفكرة الرواية ثم يناقش دور مجموعة المثقفين الهاربين في باريس كأبطال متعددين، ثم وصف لحال ثريا المضطربة حسب وصفه ووصف الرواية ثم المكان متعدد الدلالة، ويري القاعود أن جزءا أساسيا من أهمية تلك يكمن في الفترة الزمنية التي تناولتها، حيث تعتبر مرصدا للواقع الإيراني عقب انهيار نظام الشاه حيث تبدأ أحداثها عام 1979 حين انطلقت الجمهورية الإسلامية ونشبت الحرب العراقية الإيرانية.ثم ينتقل القاعود إلي رواية للكاتب علي أبو المكارم هي أشجان العاشق وهي ـ كما يقول ـ جزء من ثلاثية في العشق كتبها مؤلفها علي مدي خمس عشرة سنة، حيث كان الجزء الأول قد صدر تحت عنوان الموت عشقا ، والثاني العاشق ينتظر ، والثالث هو موضوع الدراسة، ويشير المؤلف إلي تناوله للجزء الثاني بالذات لأنه يتعرض للفساد الثقافي الذي يعيشه المجتمع بينما كان الجزء الأول قد تناول الفساد السياسي ومقاومة المجتمع له، أما الجزء الثالث فقد تناول ما أسماه تجليات الاستبداد علي قطاعات الشعب المختلفة، مع إضافة عنصر الهيمنة الأمريكية وتجلياتها العنصرية الاستعلائية علي حد تعبير المؤلف.
وفي فصل تحت عنوان محنة الاستلاب وتشويه الإسلام يتناول المؤلف رواية ليلة القدر للروائي المغربي الطاهر بن جلون وهي الرواية الفائزة بجائزة الجونكور وهي المرة الأولي ـ حسب المؤلف ـ التي تمنح فيها الجائزة لرواية غير فرنسية الأصل، مع أن الكاتب بن جلون يكتب بالفرنسية، وقد قام بترجمة الراوي الناقد فتحي العشري وصدرت في العام 1988.
ويعترض القاعود علي مقدمة المترجم فيما يتعلق بحديثه حول الرواية العربية التي حققت العالمية، حسبما يراها.
ويشير القاعود الي أن اعتراضه مؤسس علي أن العالمية تحكمها مواصفات غير دقيقة أو غير مؤسسة علي قواعد ثابتة، ويضيف: ان كل كاتب شريف أو مثقف حقيقي يرفض محاكم التفتيش التي دخلت إلي ضمائر المسلمين وغيرهم وحاسبتهم علي ما عدته نوايا ومعتقدات تخالف أفكار الصليبيين الغزاة المنتصرين في الأندلس، ويضيف المؤلف ـ فيما يشبه المانيفستو ـ كما نري نؤمن برفض الوصاية والمصادرة والكتابة الجنسية، لأنها ضد الحرية والأخلاق، وفي المقابل نطلب التسامح والحوار والعقلانية مع التصور الإسلامي ومعطياته، خاصة أن السادة المهيمنين علي الساحة الثقافية في العالم العربي والإسلامي، يصادرونه ويفرضون عليه الوصاية، ويتعاملون معه غالبا بعدوانية مقيتة لا يملكها إلا خصومه من مثقفي الدول الاستعمارية المتوحشة.ثم يستعرض المؤلف بعد ذلك جانبا من سيرة مؤلف الرواية (الطاهر بن جلون)، يستعرض الرواية وتكوينها وفصولها ثم يستعرض المكان الروائي الذي أتي غير محدود رغم أن الإشارة عنت بعضه، ثم ما أسماه لعبة الزمان التي ترتبط عنده بصورة المكان، ثم يستعرض ما أسماه بالشخصيات المجهولة حيث يقول عنها: إنها شخصيات لا أسماء لها ولا هوية مميزة أو محددة علي امتداد الصفحات التي ضمت أحداث الرواية وشخصياتها.
أما من حيث الموضوع الروائي فيشن المؤلف هجوما لاذعا علي بن جلون ويراه نجح في تقديم أبشع الصور للإسلام من خلال عملية الختان وفضح مرجعيتها وطقوسها، ولم يغفر للكاتب محاولته نفي تلك البشاعة التي تخلفها مثل هذه الصورة، ويأتي تحفظ القاعود علي القضية من زاوية أن الغرب يروج لها وكأنها القضية الاستراتيجية الأولي لهم، ويري كذلك أن شخصية البطلة تقدم صورة متناقضة مع الغايات التي يطمح إليها الكاتب، ويرصد العديد من أوصافها القاسية التي يراها تناقض فطرة المرأة، حيث تبدو صورة التمرد والرفض لكل الأعراف والتقاليد قائمة في سلوك البطلة بشكل دائم، ويشير الي ذلك قائلا: لا تكف البطلة في رحلتها الدامية عن هجاء المجتمع المسلم ورجاله، ويربط بين رواية بن جلون ورواية السوري خيري الذهبي حسيبة للتماثل بين البطلتين حيث تتحول البطلة في هذه الرواية أيضا إلي رجل.
وفي النهاية يري القاعود أن المؤلف الطاهر بن جلون حول شخصياته إلي أبواق دعائية تتكلم باسمه أكثر مما تتكلم بمنطق الفن الروائي، ويضيف قائلا: لقد حول مقولاتهم وأفكارهم الي منشورات سياسية تشارك الفكر الاستعماري والتصور الاستشراقي الحملة المزمنة والظالمة ضد الإسلام وقيمه.ثم يتناول القاعود رواية احترس من الدولار للكاتب محمد نور الدين التي تعالج فكرة السفر الي الخارج والرغبة في جمع المال لمواجهة الظروف المادية القاسية، وما يتخلف عن ذلك من مشكلات مادية، ثم يتناول بعد ذلك، من خلال وقائع الرواية، ما أسماه زمن التحولات الذي يأتي مكثفا جدا في الرواية ولا يستغرق أكثر من يومين ثم يستعرض المكان وتغيراته، وفكرة المباشرة في السرد ويري الرواية نكهة جديدة في الكتابة الروائية. ثم ينتقل الكاتب الي رواية جديدة للكاتب نهاد رضا تحت عنوان منافسة في باريس في فصل تحت عنوان صراع الهوية وفساد الطوية ثم ينسي، بعد أن يأخذه الاستطراد التاريخي، أن يذكر اسم المؤلف.وتحت عنوان وحشية الرغبات وإخفاق الطموحات يتناول المؤلف حياة الكاتب محمد صدقي وأعماله .
..............................
*موقع:
http://www.islammemo.cc/article1.aspx?id=39598
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:02 PM
حصيرة الريف الواسعة : مواقف نقدية وقضايا ثقافية
تأليف الدكتور : حلمي محمد القاعود
الناشر : بستان المعرفة ، كفر الدوار ( بحيرة ) – 2007م
عدد الصفحات : 188 صفحة .
......................................
هذه فصول قصار كتبت في سنوات قريبة مضت ، تناولت بالنقد والتحليل نصوصا أدبية ونقدية ودرامية جديدة ، وفيها أيضا حديث عن بعض الأعلام المعاصرين في مناسبات مختلفة ، فضلا عن بعض القضايا التي تتصل اتصالا وثيقا بالحياة الأدبية والفكرية الراهنة مازال معظمها يراوح مكانه ويشكل حالة سلبية في الواقع الثقافي .
وقد سميت هذه الفصول " حصيرة الريف الواسعة " انطلاقا من المقولة الشائعة في الريف " حصيرة الريف واسعة " ؛ فالقرية بالنسبة للمؤلف حيث يقيم ويعيش هي المبتدأ والخبر ، وكثير من مادة هذا الكتاب تنتسب إلى الريف وأهله ومشكلاته .. ، ثم إن تنوع مادة الكتاب وتشعبها تجعل القارئ يجد في حصيرة الريف ؛ مجالا ملائما للمشابهة في الرحابة والاتساع .
معظم النصوص التي يعالجها الكتاب تنتسب إلى جيل الشباب أو أدباء النضج الذين أهملهم النقد ، ولم يلتفت إلى إنتاجهم أو كتاباتهم ، ويحسب لهذا الكتاب أنه قدمهم إلى الجمهور القارئ أملا أن يكون ذلك بداية لمتابعتهم وتحليل إبداعهم ونصوصهم .
أما الأعلام الذين تناولهم الكتاب وهم من المعاصرين وبعضهم من الذين رحلوا دون أن تتوقف عندهم أجهزة الإعلام الأدبي كما ينبغي ، أو تشير إلى بعضهم مجرد إشارة اعتمادا على نظرة أحادية تسود الحقل الأدبي ، وتجعل صاحب المبادرة بالعلاقات العامة هو الأكثر حضورا وبروزا واهتماما ، علما أن هؤلاء الأعلام أصحاب إنتاج له قيمة لا تبلى ، وجهد لا ينكر ، مما يجعل الالتفات إليهم ضرورة سواء في الجامعات أو الدوريات المتخصصة .
صفحات هذا الكتاب تدعو إلى تحرير الأدب والثقافة في بلادنا ومناقشة الوسائل الفعالة والأساليب الناجحة من أجل تحقيق هذا التحرير ، وهي دعوة تستحق من المخلصين من أدباء هذا البلد ومثقفيه – وليس كتاب السلطة – أن يدرسوا نواحي القصور في ثقافتنا حتى تكون الثقافة قاطرة للتحول والدخول إلى عالم أفضل وأكرم .
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:05 PM
الأدب الأفغاني الإسلامي
بقلم الدكتور حلمي محمد القاعود
.....................................
يظل العالم العربي في حاجة إلى تعرف آداب الشعوب الإسلامية في آسيا وإفريقية ، على الأقل من باب الواجب المعرفي ، فقد اهتم الأدباء العرب ونقادهم بالانغماس في المركزية الأوربية وما يحيط بها من آداب تابعة لها بحكم الثقافة أو اللغة أو الدين ، ومن المفارقات أن الأدباء العرب مثلا يعلمون عن أدب أمريكا اللاتينية الكثير ، ولا يعلمون إلا القليل عن الأدب الفارسي والتركي ، وأعتقد أنهم لا يعلمون شيئاً ألبتة عن الأدب البنغالي أو الملايوي أو الإندونيسي ، بل إنهم لا يعرفون أدباً أو أدباء في بلاد تنتمي إلى الجامعة العربية مثل الأدب الصومالي أو الأدب الجيبوتي أو الأدب في جزر القمر . قد يكون الانبهار بالمركزية الأوربية من وراء إهمال الآداب في العالم الإسلامي ، وقد يكون توجه النخبة المعادي للثقافة الإسلامية عموماً من وراء البعد عن آداب شعوبها .. ولكن المحصلة في النهاية هي الجهل شبه التام بآداب الشعوب الإسلامية ، وخاصة ما صدر منها عن تصور إسلامي أو رؤية إسلامية .
ولعل المشروع الذي أخرجته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى الوجود للتعريف بآداب الشعوب الإسلامية يعدّ الأول من نوعه في هذا المجال ، فقد رتّبت عمادة البحث العلمي لنشر سلسلة آداب الشعوب الإسلامية ، وبالفعل ظهر من هذه السلسلة عدة دراسات مهمة ؛ عن الأدب التركي، والأدب الأوردي ، و الأدب الأفغاني ، ورابعها عن الأدب الأوزبكي، وكلها تؤصل للأدب الإسلامي في تركيا والباكستان وأفغانستان .. وقد اخترت الدراسة الثالثة لأقدمها إلى القراء بحكم أن كثيرا من القراء العرب يفتقدون النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية بين أيديهم . وجدير بالذكر أنني قدمت منذ سنوات وعقب الاحتلال السوفياتي لأفغانستان الذي وقع عام 1979م دراسة حول شعر الشاعر الأفغاني العظيم " خليل الله خليلي " ، ومن خلاله عرّفت ببعض ملامح الأدب الأفغاني الإسلامي المعاصر ، وخاصة ما تعلّق منه بمقاومة العدوّ الشيوعي المستعمر ، وأتباعه من الشيوعيين الأفغان الذين نشروا الإلحاد والموت والقهر والدمار في شتى أرجاء أفغانستان !
الدراسة التي بين أيدينا من تأليف وإعداد وترجمة الدكتور " محمد أمان صافي "، وتنطلق من الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين بوصفها وحدة حضارية أصيلة وثقافة إسلامية مستقلة ، والأدب هو الشاهد على هذه الوحدة ، فروحه وتصوّراته ورؤاه تصدر عن منبع واحد هو الإسلام ، ولا يؤثر في ذلك ما تنتجه النخبة المتغرّبة في البلاد الإسلامية ، فأدبها هو الاستثناء المخالف الذي يثبت الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين .
لقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه النكبات والغزوات التي ألمت بها ، وجعلتها شيعاً وأحزاباً؛ بفضل الله أولاً ، ثم بفضل أدبها الإسلامي الذي عبر عن فكرها المشترك ومشاعرها الواحدة ، وتاريخها الواحد ، وهو ما جعلها تستمد من هذا الأدب أصالتها ورسوخها في النضال والكفاح والصمود ، وتفوّت على الغزاة والطامعين فرصة إبعادها عن دورها الحضاري الإسلامي ، أو قطع صلتها بالتراث الإسلامي العظيم .
إن الأدب الأفغاني من أهم الآداب الإسلامية ، وأعظمها فائدة ، وأجملها متعة ، وأصدقها رواية ، ونصوصه كل شيء إسلامي للإنسان عامة، وللمسلم خاصة، تقدم البناء الفكري والسلوكي والذوقي ، وتقدم المتعة الجمالية، والقيم الإنسانية ، والمنفعة التعليمية ، والعذوبة الفنية ، والتسلية النفسية في بيان إسلامي ساحر جميل . إنه أدب جدير بالاهتمام ، وجدير بالترجمة .
وإذا كان الأدب العربي هو الجناح الأول للأدب الإسلامي ، فإن جناحه الآخر يتمثل في آداب الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية ، ولا يجوز أن يبقى الجناح الأول بعيداً عن الجناح الآخر ، أو العكس ، فبالجناحين يستقيم التحليق في الآفاق الأدبية الإسلامية ... وبالترجمة يمكن فتح باب جديد واسع في الأدب الإسلامي مازالت دروبه بكراً ، ومازالت دراساته وساحاته ميادين واسعة للباحثين والدارسين والمترجمين .
يحدد الدكتور " محمد أمان صافي " خصائص الأدب الأفغاني الإسلامي ومميزاته في النقاط التالية :
1 – هو أدب إسلامي عريق نشأ في ظلال الإسلام ، وتحت رعاية اللغة العربية ، وكانت العناية به إسلامية أفغانية ، وكانت نهضته وتطوره مبنيتين على الأسس والمبادئ الإسلامية . وقد نشأ نشأة إسلامية في منبت إسلامي طيب ، وفي شعب شديد التماسك بالإسلام يأمر الشعراء والأدباء والكتاب بالتقيد الشديد بالتزام قواعد الإسلام ، وتطبيقها في القول والفعل ، كما يأمرهم ويحضهم على الالتزام بالخلق القويم .
2 – وهو أدب ينطلق من التصوّر الإسلامي للخالق العظيم ، وللإنسان والكون المحيط بالإنسان ، وللحياة التي يعيشها ، ويدعو الإنسان إلى عبادة الخالق العظيم في هذه الحياة ، ليس هذا فحسب بل يقوم برسم معالم الطريق الرئيسة ليسلكها في رحلة حياته الطويلة ، فلا غرابة أن نرى الروح الإسلامية تسري في عروقه المعنوية والصورية ، إنه أدب يهتف في شعره ونثره بعظمة الإسلام ، ويدعو بقوة إلى التمسك بأهداب الدين الإسلامي حيث إنه طريق النجاة من الضياع .
3 – واقع الأدب الأفغاني واقع إسلامي ، منه يستقي قيمه وسلوكياته ، وعليه يعتمد في واقعه الأدبي ، حيث إنه لا يعرف العيش في أبراج عاجية بعيداً عن الحياة والناس . والحياة في منازل الأفغان حياة إسلامية ، والناس فيها مسلمون شديدو التمسك بالإسلام . ولابد للأدب أن ينفعل بالحياة والأحياء تأثراً وتأثيراً ، وقيود الواقع الحيّ تشدّه شدًّا إلى أن يقوم بتصويره وتجسيده ، فيصبح على واقع الحياة والأحياء ، حلوه ومرّه .. إنه أدب إسلامي حاول على مدى تاريخه العريق أن يقدم وصفاً مطابقاً للواقع ، وأن يعكف على دراسة مشكلات الحياة الإسلامية ، ومناقشة حلولها الإسلامية ، وجعل من واقع الحياة مصدراً استقى منه أعماله الأدبية بحيث يمكننا أن نرى فيه صورة صادقة وواقعية للحياة الإسلامية .
4 – الأدب الأفغاني مظهر من مظاهر الانتماء الإسلامي في أجلى صورة، ومظهر التغنّي بأمجاده ومآثره التاريخية الممتدة في جذور انتمائه إلى أعمال التاريخ ، وفي اعتزازه بالإسلام وبقيمه ومثله العليا . وقد واجه بقوة محاولات القضاء على مظهر الانتماء الإسلامي ، ولم تتمكن مظاهر التغريب من التغلب عليه ، بل قاومها ودافع عن المظاهر الإسلامية .
5 – الأدب الأفغاني الإسلامي أسهم في إقامة المجتمع الإسلامي وفي تكوين الفرد المسلم ، وفي غرس الولاء الإسلامي ، وفي تنمية المسؤولية الإسلامية، والحرص الشديد على الذوق الجمالي الإسلامي ومجابهة الأفكار الهدّامة ، وتأكيد العبودية لله ، والمشاركة في مظاهر بهجة المسلمين وسرورهم بالانتصارات في الفتوحات الإسلامية ، وفي تصوير تلك الفتوحات والانتصارات في القديم والحديث ، وقد وفق الأدب الأفغاني في تصوير هذه الغايات والأهداف النبيلة في الإطار الذي حدّده الدين الإسلامي ، وهي غايات وأغراض جميلة تدور حولها الدراسات الأدبية في عصرنا الحاضر . لقد ظل الأدب الأفغاني الإسلامي يؤدي دوره لخدمة الإسلام دون أن تحطمه حملات المذاهب المادية !
6 – إن الأدب الأفغاني الإسلامي في جملته أدب إسلامي الأساس والمنطلق ، إسلامي الواقع والمظهر والانتماء ، إسلامي الإسهام في إقامة المجتمع وتربية الفرد . ومع ذلك فإن بعض الأدب الأفغاني ضل الطريق وشذّ عن الجادّة الإسلامية ، ولا قيمة لهذا " البعض " أما رسوخ الأدب الإسلامي الذي يمثّل الصورة الغالبة . " ويكفيه فخراً أنه ليس في أدب الناطقين بالأفغانية مكان للكافر والكفر " !
هذه الخصائص والمميزات التي ذكرها الدكتور " محمد أمان صافي " يترجمها إلى واقع عبر صفحات دراسته من خلال النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية ، ومن خلال إطلالة ضافية تتناول تأثير الإسلام في نشأة اللغة الأفغانية ( البشتونية = البختونية ) وكتابتها بالحروف العربية بعد أن عادت إليها الحياة ودبت فيها الحركة ، وهجرت نهائيا الهجائية القديمة التي كانت تستخدم في كتابتها .. ثم تركّز الدراسة الحديث عن الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين في كل فترة من تاريخ الأدب الأفغاني ، وبيان ما أجادوه في الأدب الإسلامي من الأفكار والتصوّرات والأخيلة ، وما صوروه في شعرهم من المعاني والمفاهيم الإسلامية ، مع الاعتماد على الشواهد الأدبية ، ونقلها من الأفغانية إلى العربية ، وهذا في الحقيقة يمثل رحلة الأدب الأفغاني عبر القرون .
ويمثل القسم الثاني من الدراسة لبّها وجوهرها ، أو نموذج الأدب الرفيع للأدب الأفغاني الإسلامي ، وبعد مقدمة تاريخية حول الجهاد الأفغاني الإسلامي ، فإن الدراسة تدعونا لمعايشة أجمل نماذج الشعر والنثر التي قالها الشعراء والأدباء الأفغان المسلمون ، خاصة في ظل الاحتلال الشيوعي الروسي وأتباعه من الشيوعيين الأفغان .
وكان من توفيق الباحث أنه وضع النصوص المترجمة باللغة البشتونية ، ليستزيد القراء والباحثون الملمّون بهذه اللغة من متعة الاطلاع عليها ، والتغلغل في جماليّاتها .
ويصعب في هذه الكلمات الموجزة أن نلمّ بجميع ما أورده الباحث من نماذج أدبية تتناول الجهاد الأفغاني قديماً وحديثاً ، ولكننا سنكتفي بالوقوف أمام بعض الشعراء والكتاب من الأدباء الإسلاميين الأفغان المعاصرين الذين آثروا أدب الجهاد الإسلامي بقصائدهم وكتاباتهم .
وينبغي أن نتذكر أن الشيوعية الأفغانية أشدّ الشيوعيات عداوة للأفغان ، وكرها للإسلام ، وحقداً على المسلمين ، تضع في طريق القيم الإسلامية ، والأفغانية كل العقبات والعراقيل ، وقد استعانت بالروس الغزاة ، وقامت بإنزال المحن بالمسلمين ، وأعدمت كثيراً من الأبرياء ، أو اعتقلتهم ، وشردت الآمنين ، وذلك بعد أن قفزت على كرسي الحكم في كابل ، وبعد أن احتل الروس أفغانستان بالقوة . وقد لعب الحزبان الشيوعيان : خلق وبرشام دور العملاء في هذه العمليات الإجرامية .
لم يكن أمام الشعب الأفغاني المسلم إلا القيام بالجهاد الإسلامي لمواجهة القهر والقمع والتنكيل التي تمت فيها ممارسة أشرس أساليب المقاومة الإسلامية ، وأشدّها فتكاً وتأثيراً . وبدأت مسيرة الجهاد الأفغاني إسلامية ، وانطلقت إلى كل الآفاق دفاعاً عن الدين والوطن .
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:07 PM
(القسم الثاني)
لقد استشهد الباحث في سياق الجهاد الأفغاني الإسلامي المعاصر بأشعار وكتابات عدد كبير من الشعراء والأدباء ، منهم : عبد الله غمخور ( الحزين ) والشيخ عبد الباري غيرت ، وحبيب الله رفيع وديدار خان أحمدزي ، وجوهري ، وعبد المتين تسكين ، والصادق كل زرك زردان ، وغمجين ( الحزين المتألم ) ، ومحمد يونس خالص ، وقيام الدين كشاف ، وتوريالي زازي ، وعيسى محمد ، ومحمد عارف غزوال ، وسيد محيي الدين هاشمي وعبد رب الرسول سياف ..
كنت أتمنى أن يستعرض الباحث بعض أشعار " خليل الله خليلي " ، ومع أنه أشار إليه في سياق البحث ، ووصفه بالشاعر العظيم ، فقد كنت أتمنى أن يحظى منه ببعض الاهتمام وتقديم بعض النماذج الشعرية له . ولا أدري سبباً معقولاً يجعله يتجاوزه ، فقد غنّى الشاعر خليلي لأفغانستان غناء عذباً شجياً دامعاً ، وهو في مهجره بعيداً عن وطنه ، محروماً منه ، ملهوفاً عليه .
قدم الباحث الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين من خلال نبذة قصيرة تتناول سيرتهم وإنتاجهم الأدبي ، مع تقديم نماذج شعرية أو أدبية ، واتسعت هذه النبذة أحياناً وضاقت في أحيان أخرى ، وفقاً لمستوى الشاعر أو الأديب ومقدار إنتاجه الشعري أو الأدبي .
وقد بدأ البحث المرحلة المعاصرة للجهاد الإسلامي الأفغاني بالشاعر عبد الله بن عبد الودود – الملقب بغمخور – أي الحزين – الذي يبدو أكبر الشعراء المعاصرين سنَّا حيث ولد عام 1921م = 1339هـ في ولاية كونر ، بمنطقة جميلة رائعة في أحضان الظلال الوارفة ، وعبير الأشجار الخضراء الناضرة .
عاش غمخور في بيت علم وزعامة ، وفي بيئة متوسطة الحال . اشترك والده الحاج عبد الودود، وعمه الشيخ عبد الرحمن في حرب الاستقلال في عهد الملك أمان الله خان ، الذي أعلنها ضد الإنجليز في الهند .
عمل غمخور في السلك الحكومي الإداري ، وخاصة إذاعة كابل ، وتشبع بعداوة الإنجليز، وبشعور العطف والشفقة على الناس ؛ وهذه المشاعر تبدو واضحة في شعره . ويمتاز غمخور بثقافة متنوعة تركت آثارها على إنتاجه الأدبي ، ونظراته النقدية ، ساعدته على إجادة الكتابة وقول الشعر، وإنتاجه الأدبي يجمع بين السلامة والقوة ، وبين وضوح الفكرة وعمقها . قال عنه الأستاذ " خليل الله خليلي " شاعـر أفغانستان العظيم : " إنه شاعر قدير ، زوّد الأدب الأفغاني بمجموعة من شعره النفيس " . وقال عنه " سيد شمس الدين مجروح " ، وزير العدل الأسبق في أفغانستان ، وأحد علمائها وأدبائها المشهورين : " يكمن في شعر عبد الله غمخور كثير من الدرر واللآلئ المبتكرة " . وقال عنه الأديب " هميش خليل " المؤلف والمحقق الأفغاني : " إن الشاعر عبد الله غمخور يدافع عن هوية بلاده بفمه وقلمه وقدمه .. إنه شاعر ومقاتل ومجاهد " .
لقد صور واقع الجهاد الأفغاني الإسلامي بمنتهى الدقة والوضوح ، ودون مواربة ، ودعا المجاهدين إلى النهوض بمسؤولتهم ، وحمل الأمانة ، والاتحاد إن أرادوا النصر على الأعداء ، وقد انتقد كثرة الزعامات وإضاعة الوقت والهدف . يقول :
لقد كثر الكلام وتعدد الأفواه وفقد الهدف
زادت المؤتمرات وزادت الحكايات وفقد الغرض
ويقول :
لا تسألوا عن جنون الزعامة وهوسها
لقد فقد أصحاب القلوب ما يشغل القلوب !
فقد أصل " غمخور " في أشعاره المتنوّعة لفكرة الحماسة والجهاد من خلال التصور الإسلامي ، حتى في شعره الذي أنشأه في الموضوعات الوطنية :
إنني عبد الله ذاهب إلى التضحية بنفسي
لقد ثرت غيرة على الإسلام وغيرة على الأفغان
إنني قد قمت بصيحة التكبير لأجل الإسلام
وقمت بالرحيل مع الأسرة لأجل شعبي ..
وفي قصيدة بعنوان " اليوم الدامي " يصور شكواه المرة الحزينة التي أثارتها مشاهد الجرائم الوحشية التي ارتكبها الشيوعيون ضد شعبه . يقول فيها متحدثا عن حزب " خلق " الشيوعي :
كلتا يديه مخضبتان بدمائنا الوردية بوضوح
وكل أسنان فمه الفاغر محمرة بلحومنا
لا تقل ، إنها أعلام حمراء للشيوعيين " الخلقيين "
بل إنها ثياب صدورنا الحمراء التي قطعت
ليست قطع القماش وحدها تبدو ملونة بدمائنا القانية
بل الأسواق أيضا محمرة بدمائنا النازفة الغارقة
إن مصاصي الدماء ممن يعبدون لينين اعتدوا علينا
فاحمرت البيوت ، بل القرى والمساجد بدمائنا الوردية
ويستمر الشاعر في الإنشاد مستثمرا ببراعة المفارقة بين لون الدم ، وشعار الشيوعيين ، حيث يرى الحمرة صبغت كل شيء في أفغانستان ، لأنها صارت دما ينزف في كل شبر من أرجائها ، وليس مجرد راية حمراء يرفعها الشيوعيون .. حتى يصل في بعض أجزاء القصيدة إلى القول :
الآن مات المحراب والمنبر
لأن أعلام الملحدين المعلقة مصبوغة بالحمرة الدامية !
ويسجل " غمخور" آلام الهجرة والأنين الذي انتشر في حدائق الطيور ، والدماء القانية التي صارت رداء للوطن ، في قصيدة ملحمية طويلة تبشر بالأمل القادم والنصر الموعود ، والنور الذي سيشرق من جديد ، وسينجو العالم من براثن ذئاب لينين . ولا ينسى " غمخور " وهو يرصد الألم ويبشر بالأمل أن يلتفت إلى زعماء الجهاد وخلافاتهم المؤسفة ، فيبكتهم ويستنكر أفعالهم ويحذرهم من ضياع الدين والوطن :
لماذا تركتم الجهاد أيها الزعماء وبدلتموه
بصيحات ونعرات الاتحاد .. الاتحاد الفارغة ؟
يا جياع الثورة وعشاق المال اسمعوا القدر :
إن دين الأفغان ودنياهم قد ضاعا .. وضاعا !
ومع متابعة " غمخور " لحركة القادة المجاهدين وما يحدث بينهم من خلافات ، فإنه يشيد دائما بالمقاتلين المسلمين الأفغان ، ويبارك انتصارهم على الشيوعيين الملاحدة ، وله قصائد طويلة في هذا السياق منها قصيدته الجميلة التي يهنئ فيها الشعب في " كونر " بانتصاره وبطولاته ، يقول في ختامها :
أيها الفجر الجديد للحياة الجديدة ، لك التهنئة
لقد نفذت البطولة الكبرى ، فلك التهنئة .
وعندما انتصر الأفغان وتم طرد الروس بعد هزيمتهم الفاضحة ، قال " غمخور " مقطوعة قصيرة لها دلالتها العميقة مخاطبا المجاهد الأفغاني المسلم المنتصر :
أحدث سيفك وقع رجع الصدى في العالم ، بورك فيك
وأخرجت الروس من ترابك الطاهر ، بورك فيك
فأصبح بذلك دور " آريانا " التاريخي مفتوحاً يا ابن الأفغان
كيف أمكنك التغلب على هذا المارد ؟ ، بورك فيك
من الشعراء المهمين الذين ترجم لهم الكتاب ، الشاعر " غمجين " ، ومعنى اسمه : " الحزين المتألم " ، وهو من المتخصصين في الإنشاد في موضوعات الجهاد الأفغاني . وموضوعاته نماذج أدبية إسلامية سامية الهدف ، عالية الأسلوب ، وهي ألصق بالجهاد الذي أصبح من الحياة اليومية للأفغان .
وديوان " غمجين " الذي أسماه " جهاد جذبه = جاذبية الجهاد " مرآة لحياته الجهادية الصادقة ، تكمن فيه أبعاد شخصيته الأدبية ، وصراعات الجهاد وانتصاراته ، ولغته الشعرية التلقائية ؛ وهي لغة حية دافقة ، زاهية ولكنها بسيطة بساطة طبعه وحياته ، عميقة وصافية صفاء جوهره ، وفيها جميع عناصر الحياة من الجهاد بمشاهده ومناظره وانتصاراته . إنه كائن حيّ داخل تشكيلة الحياة الجهادية المتحركة بكل أبعادها وأشكالها وقوالبها المتأرجحة بين تقدم للهجوم وتأخر للإعداد .
إن جرأة التناول ، وطراوة الخيال ، واتساع الأفق بعض ما تميز به الشاعر " غمجين "، فقصائده ذات علاقة وثيقة وطيدة بالأجواء والأحوال السائدة في أفغانستان . وشعر " غمجين " الجهادي ممتلئ بتفاؤل عميق ، وهو مثل الشعراء الأفغان الآخرين ، يؤمن بأن النصر في النهاية من نصيب الجهاد ، وأن حكومة إسلامية ملؤها السعادة والإشراق ستنهض في بلاده ؛ لذا نراه يلح على الجهاد والمجاهدين والفدائيين .
وفي قصيدته " الفدائي الطاهر " يقول :
لا خوف عندي من قصف القنابل ولا من الغاز السام
مائة حسرة وأسف على الموت الذي يتم اليوم
عندما يلفظ الإنسان أنفاسه في حضن أمه بدلال
يا " غمجين " إن الصفقة لإحدى الحسنيين
الفدائي النقي الخالص إما أن يكون شهيدا ، وإما غازيا
ويتعجب " غمجين " ، خداع الشيوعيين المحليين ومكرهم ، فيكشف أساليبهم وألاعيبهم ، ويتحدث في قصيدته " لون البقرة أسود ولبنها أبيض " عن " نجيب الله " الحاكم الشيوعي وكلامه المعسول ، فيقول :
مهما يتحدث " نجيب " عن قصص الود والحب
الشائقة العذبة ذات الدلال واللطف الكثير
من أجل خداع عامة الناس بمكر وحيلة
وهي قصص مملوءة بالفساد ، وملونة للإضلال
يجد نفسه بأنه في عداد المسلمين من غير وضوء
ومن حوله يقف الروس الحمر يحملون السياط
كيف يمكنه إخفاء الشمس المشرقة بإصبعين
الكل يعلم أن لبن البقرة السوداء أبيض
ما دام هو يحمل في أذنه حلقة العبودية للروس
أقوم أنا " غمجين " فأشرب من الحزن دم مهجتي
(يتبع)
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:08 PM
(القسم الثالث)
..............
ولا ريب أن حرارة الشعر لدى " غمجين " والشعراء الأفغان الإسلاميين ، ترتبط ارتباطا وثيقا بصدق مشاعرهم وصفاء أحاسيسهم وتعبيرهم عن التجربة الشعرية من داخلهم ، ولعل ذكر الشاعر لاسمه ، أو جعل نفسه طرفا في بناء القصيدة الإسلامية الأفغانية من وراء هذه " الحرارة الشعرية " .
يشغل النثر في دراسة الدكتور " محمد أمان صافي " حيزا محدودا ، ويتوقف عند الكتاب والأدباء الذين كتبوا المقالة وحدها ، لذا لم يقدم من النثر الأفغاني الإسلامي إلا نماذج للمقالة ، واختفت الأجناس النثرية الأخرى ، مثل القصة القصيرة والرواية والخطبة والخاطرة والمسرحية والحوارية ... وكان يمكنه أن يثري هذا الجانب لو قدم بعض النماذج أو أشار إليها بالعرض أو التلخيص ، وسبق أن قدمت " لمرال معروف " روايتين ، الهجرة إلى أفغانستان " التي ترجمها " محمد حرب " ، ورواية " معسكر الأرامل " التي ترجمتها " ماجدة مخلوف " وقد طبعتها رابطة الأدب الإسلامي ، وهما من الأدب الأفغاني الإسلامي المتميز .
تقدم الدراسة عددا من أدباء المقالة في أفغانستان ، منهم الزعيم محمد يونس خالص ، والشيخ قيام الدين كشاف ، والأديب توريالي زازي ، والأستاذ عيسى محمد ، والأستاذ محمد عارف ، والأستاذ سيد محيي الدين الهاشمي ، والأستاذ عبد رب الرسول سياف ، كما سبقت الإشارة .
يقدم من الكتاب الزعيم محمد يونس خالص ، ولعله أكبر الأدباء الناثرين سنّا ، فهو من موليد 1298هـ 1919م بولاية ننكرهار بشرق أفغانستان ، وهو من زعماء المجاهدين ، ويكاد أن يكون مدرسة تتعانق فيها أساليب القتال بأساليب الأدب .
قضى الشيخ محمد يونس خالص حياته في تدريس العلوم الإسلامية والعربية ، وإلقاء الخطب الدينية والإمامة في المساجد، بالإضافة إلى إذاعة الأحاديث الخاصة بتفسير القرآن الكريم من الإذاعة الأفغانية والكتابة في الجرائد والمجلات نثرا وشعرا .
وقد هاجر إلى بيشاور ، وانضم إلى " الحزب الإسلامي " بزعامة حكمتيار ، ثم انشق عليه عام 1979م ، وأسس حزبا خاصا به يحمل اسم " الحزب الإسلامي " أيضا . وشارك – مع تقدمه في السن – في كثير من عمليات الجهاد التي قادها بنفسه ، وإيمانه لا يتزعزع بانتصار الثورة الإسلامية الجهادية في أفغانستان ، وقيام حكومة إسلامية صحيحة فيها . وله مجموعة كبيرة من الآثار الأدبية والفكرية أهمها " الدرر الدينية ، وروح الاجتماع ، والدين والتمدن الإسلامي ، والإسلام بين العلماء الضعاف والشباب الجاهل ، ومن النماذج التي كتبها خالص مقالة " خائن الشعب " التي نشرها في مجلة " بيام حق " رسالة الحق التي كان مديرها المسؤول ؛ وجاء فيها :
" خائن الشعب هو الذي يقوم بالقضاء على لغة الشعب وعاداته المفيدة، وتقاليده الشعبية، ويقوده إلى تقليد الأجانب .
هو الذي يخلق التفرقة والحقد بين أفراد الشعب، ويفرق بينهم بتميزات مخالفة للعدالة .
هو الذي يقتل في الشعب مشاعره الدينية الحقة، ويقضي على الشعائر، والتعاليم، والمحاسن الدينية .
إنه ذلك الذي يضحي بأموال الشعب، وأعراضه، ودمائه في سبيل تلبية رغباته الشخصية، ومطالبه النفسية .
هو ذلك الذي لا يتحرك غيره على ناموس الشعب . إنه ذلك الذي يقضي على شخصيات الكثيرين لأجل رفع شأن شخصيته الخاصة .
هو الذي يتهم كثيرين من الأبرياء لينالوا الجزاء باسم المجرمين لإثبات مصالحه الخاصة . هو ذلك الذي يقوم في بلده بالدعاية للأجانب ، ويعمل لمصلحتهم .
إنه ذلك الذي لا يقدر الشخصيات البارزة في بلده ، وينظر إلى شخصيات الأجانب بتقدير واحترام، وهم لا شخصية لهم .
هو ذلك الذي ... "
وواضح من هذا النص أنه يشير إلى الحاكم الشيوعي لأفغانستان، أي حاكم، سواء كان طرقي، أو حفيظ الله ، أو كارمل، أو نجيب .. فهذه الصفات الواردة في المقالة تنطبق عليه وتختص به .
إن الأدب الأفغاني الإسلامي، يحتاج فيما أتصور إلى دراسات أخرى موسعة تتناوله بالدرس والتحليل، واستخراج مكنوناته ومميزاته ، والإضافة إلى ما كتبه الدكتور " محمد أمان صافي " ، بالبحث عن الشعراء والكتاب الذين لم يرد لهم ذكر أو نص في دراسته .
وتبقى هذه الدراسة خطوة مهمة على طريق التعريف بآداب الشعوب الإسلامية عامة ، والأدب الأفغاني الإسلامي خاصة، نأمل أن تتلوها خطوات أخرى موفقة إن شاء الله تعالى .
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:09 PM
الكُتَّاب الماسون.. وإلغاء الشريعة!!
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
.................................
في ظل الحملة الصليبية العاتية التي تشنها الولايات المتحدة والغرب ضد أمتنا الإسلامية يقوم الماسون ومعهم الكتاب اليساريون المتأمركون بدور خائن بشع بل أشد بشاعة وخاصةً حين يعلنون أنَّ مصرَ المسلمةَ لا بد أن تتخلى عن دينها وتاريخها وتراثها، وتلحق بذيلِ المدنية الصليبية المتوحشة حتى يكون لها قيمة، ووجود حقيقي، في المستقبل المنظور وغير المنظور.
والقارئ الذي لم يسمع عن الماسونية قد يظنها حركةً مفيدةً تخدم المجتمعات مثل حركات المجتمع المدني الأخرى، والحقيقة أنَّ الماسونية حركة هدَّامة منذ نشأتها، وقد خدعت بشعاراتها في القرن التاسع عشر نفرًا من كبارِ القادةِ الإسلاميين والوطنيين الذين بهرتهم شعاراتها الإنسانية فظنوها بابًا للخير، بينما كانت في حقيقةِ الأمر أكبر مؤامرة على الإسلامِ والإنسانية جميعًا!
إنَّ الماسونيةَ ترفع شعار (الحرية والمساواة والإخاء)، وهو شعار برَّاق رفعته الثورة الفرنسية في الوقتِ الذي كانت فيه الدماء الفرنسية تجري أنهارًا وكانت المقاصل لا تتوقف عن الأزيز وهي تفصل الرءوس عن الأجساد، والمفارقة أنَّ الماسونيةَ لا تعمل في العلنِ إلا من خلال بعضِ المنظمات المشتبه بها مثل أندية الروتاري والأونرويل وغيرهما من الأنديةِ والمؤسسات التي تعمل في العلنِ بحجةِ جمع التبرعات لأعمالِ الخير مع أنها تستخدم معظم هذه التبرعات لإرغامِ المؤسسات الصحفية والإعلامية والسياسية والاجتماعية المؤثرة على عدم المساسِ بالصهيونية، وفي الوقتِ نفسه توجهها للدعوة إلى الإلحاد ومحاربة الأديان- عدا اليهودية طبعًا - ونشر الإباحية والتحلل، والمتاجرة بجسد المرأة وهدم الروابط الأسرية والعائلية.
إن تاريخ الماسونية غائرٌ في أعماق التاريخ، وقيل إنه يبدأ من عهد المسيح عليه السلام، وتجدد في القرن الثامن عشر وازدهر منذ هذه اللحظة حتى الآن، وخاصةً بعد قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وللماسون برغم تنظيمهم السري للغاية فضائح تفجَّرت في بعضِ الدول الأوروبية، منها على سبيلِ المثال ما جرى في إيطاليا في الثمانينيات من خلال فضيحة المحفل الماسوني بي- 2.
ولأن الماسونية تعمل في الخفاء وتجند كبار رجال المجتمع من مختلف الفئات والتخصصات، فهي تتخذ من الشعارات والرموز ما يتوافق مع منهجها الشرير في الهدمِ والتخريب مثل استخدام النجمة السداسية والشمعدان ذي السبعة أفرع، ويقسم العضو الذي ينضم إليها بعد تحرياتٍ سريةٍ دقيقةٍ على التوراةِ والخنجرِ المدبب المتجه إلى الصدرِ في غرفةٍ مظلمةٍ حتى لا يرى الحاضرين من الأعضاءِ القدامى.
إنهم يستخدمون عبارة مهندس الكون الأعظم وهي عبارة وردت بالنص في التوراة .. وكل هذا وغيره يؤكد صلة الماسونية بالصهيونية صلة وثيقة وإستراتيجية.. وقد صدر في إنجلترا هذا العام 2005م كتاب جديد تحت عنوان "الأخوة" يُعدُّ أخطر كتابٍ يتمتع بالمصداقيةِ والمرجعية الموثقة يتناول فضائح الماسون وإجرامهم ويكشف عن بعضِ زعمائهم الذين أصابوا الإنسانية بشرٍ عظيمٍ؛ ومنهم على سبيل المثال الرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي أمر بإلقاءِ القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي في اليابان في الحربِ العالمية الثانية مع أنَّ اليابان كانت على وشكِ الاستسلام!!
إنَّ الاستغراقَ في تاريخ الماسونية وممارساتها الإجرامية التي تتم في الخفاءِ وانكشف بعضها للناس يحتاج إلى مئات الصفحات، ولكن النتيجة الختامية تؤكد أنَّ الماسونيةَ مصدرُ شرٍّ كبير، وأنَّ شعاراتها مجرَّد خديعة كبرى للأغرار أو الذين لديهم استعداد نفسي للانحلالِ والجريمةِ والتمييز!
والمشكلة التي تواجه الأمة الإسلامية هي انجراف أعداد كبيرة من صناع القرار والكتاب المؤثرين والشعراء والمثقفين إلى المحافل الماسونية، وهدفهم الأساس ازدراء الإسلام وتحقيره والسعي لاستئصاله، وقد وافق ذلك هوى مع بعض الحكوماتِ في البلادِ الإسلامية التي تسعى لاستئصالِ الإسلام بحجةِ مقاومة الإرهاب في حين أنها تُريد استئصاله لهدفٍ آخر بوصفه عنصرَ المقاومة الباقي والأقوى ضد استبدادها ولصوصيتها وقسوتها على شعوبها.
والكُتَّاب الماسون- ومعهم الكُتَّاب اليساريون المتأمركون- غايتهم الأولى في معظمِ كتاباتهم هي التشهير بالإسلام سعيًا لاستئصاله أو إقصائه من الحياة العامةِ على الأقل، وإحلال البديل الماسوني الذي يقوم على نشرِ الإلحاد أو تحويل الإسلام إلى مجرَّد قشورٍ لا قيمةَ لها بحيث يكون التدين الشكلي بديلاً عن التدينِ الحقيقي، فضلاً عن نشرِ الإباحية والترويج لمفهومِ الفردية الذي يتناقض مع مفهوم الجماعة والتماسك الأسري والعائلي والوطني والقومي والإسلامي، والسعي للتمييز بين الطبقات الاجتماعية والفئات المهنية.. وبالنسبة للإسلام فقد كانوا في البدايةِ يُناقشون قضايا هامشية في الظاهر، مثل قضية ميكروفونات المساجد، والملصقات الإسلامية على السيارات، والحجاب، والختان والتربية الجنسية ونحوها ويطرحون من خلالها رؤى وتصوراتٍ تقترب من التصورات الصليبية والعلمانية التي تُشكك في حقيقةِ هذه القضايا إسلاميًّا وتُثير البلبلة لدى العامة الذين ليست لديهم دراية بحقيقةِ الدين وتعاليمه إلا من خلال السماع من العلماء وغيرهم.. ثم تشجعوا فيما بعد لينادوا بما يُسمَّى علمنة الدولة وحق المواطنة، والتعريض بنظام الجزية وعدها إنتاجًا إسلاميًّا.. ثُمَّ بعد ذلك تجرءوا على المناداة بإلغاءِ المادة الثانية من الدستور التي تنص على أنَّ دين الدولة الرسمي الإسلام وأنَّ الشريعةَ المصدر الأساسي للتشريع؛ مع المطالبة بحذف خانة الديانة في الوثائقِ الرسمية: البطاقات الشخصية والعائلية وعقود الزواج، ونحو ذلك مما تُصبح بعده الدولة لا هويةَ لها ولا شخصيةَ، ويجري فيها ما يجري في الدولِ الصليبية الاستعمارية من سلوكياتِ وممارسات لا تستند إلى دين ولا تمت إلى عقيدة.. ناهيك عن دعواتِ أخرى تصب في السياق ذاته مثل الدعوة إلى الجندر، وحق الشواذ، وسيادة الأقليات، وعد الإسلام غزوًا استعماريًّا، وتشويه صور الصحابة الذين فتحوا مصر وعدهم غزاة استعماريين...!!
ولا ريبَ أنَّ مصرَ المسلمةَ ما زالت متماسكة، وهي إنَّ كانت تصبر على دعواتِ الماسون وأشباههم من اليساريين المتأمركين، فإنَّ الخوفَ من انتفاضتها يظل قائمًا، فالمصريون يتسامحون طويلاً مع أشياء كثيرة ولكني أظنهم أمام استباحة دينهم؛ فإنهم ينتفضون ويدفعون الثمن مهما كان غاليًا.. فهل يدرك ذلك الماسون الذي لم يكتبوا كلمةًَ واحدةً عن مأساةِ الشعب الفلسطيني، بل كانوا مدافعَ مُوجَّهةً ضد مقاومته الباسلة الشريفة وعونًا غير مباشر للصهاينة؟!.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:11 PM
أولاد حارتنا وحرية آلاف المعتقلين!
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
.........................
لا يكف مثقفو السلطة, وخاصةً مَن يُطلَق عليهم مثقفو الميكروباص, عن القيام بأدوار المهرجين الذين يشغلون المجتمع عن قضاياه الأساسية وحقوقه الدستورية والقانونية, من خلال القيام ببعض العروض الهزلية السخيفة الباردة التي لا تجد قبولاً لدى الأغلبية العظمى من المثقفين الشرفاء, الذين تمَّ إقصاؤهم واستبعادهم من الواقع الثقافي نتيجة للممارسات الاستبدادية والقهر السياسي الاجتماعي الذي تتبناه السلطة البوليسية الفاشية, وخدامها الأوفياء من حملةِ الأقلام التي لا تعرف الوضوء ولا الصيام!
وكان رحيل نجيب محفوظ مناسبة ذهبية لهؤلاء الخدم, كي يحملوا على الإسلام والمسلمين, ويتهموا الجميع بالتكفير والظلامية والرجعية والردة(!) والتخلف والتطرف والإرهاب, ويلحوا على محاولةِ اغتيال نجيب محفوظ الفاشلة التي نسبت إلى شخص لا علاقةَ له بالأدب ولا بالإسلام, وزعموا أنه قام بمحاولته بناءً على فتوى تُبيح إهدار دم نجيب محفوظ من أحد الدعاة وليتهم يتكرمون بنشر هذه الفتوى حتى نصدقهم, بعد أن كثُرت أكاذيبهم وادعاءاتهم لخدمة سادتهم الذين منحوهم من مال الشعب وعرقه ما لا يستحقون.
وكانت الداهية الدهياء- إذا صحَّ التعبير- هو الحديث عن رواية أولاد حارتنا وضرورة نشرها تحديًا للظلاميين الرجعيين المتخلفين, أي الإسلاميين, وكفاحًا من أجل حريةِ الرأي والإبداع, ووفاءً لصاحب جائزة نوبل.
وانشغل بعض مثقفي الميكروباص من نفايات حزب العمال الشيوعي, الذين تأمركوا وصاروا خدامًا في بلاطِ التنظيم الطليعي الجديد, الذي يُسمَّى لجنة السياسات بالحزب الوطني, بقضية أولاد حارتنا واستنفروا كُتَّاب السلطة وغيرهم للقيام بحملةٍ غير مقدسة لنشرِ الرواية التي أُوقف نشرُها في كتابٍ بعد نشرها مسلسلةً في الأهرام لدى كتابتها في عهدِ محمد حسنين هيكل, ثم نشرها سهيل أدريس في بيروت, ووزُعت في مصر على رؤوس الأشهاد, وكما نشرتها جريدة توتو حتى قرأها مَن لم يُفكِّر في قراءتها أصلاً! تحولت أولاد حارتنا عند مثقفي الميكروباص إلى قضيةٍ إستراتيجيةٍ وقوميةٍ تستحق الحشد, وتجييش الجيوش لقهر الظلاميين الغزاةِ الذين عدَّهم البعض أخطر من اليهود ولن يتحقق النصر القومي إلا بنشرِ الرواية, وتوزيعها بكل وسيلة.
كان نجيب محفوظ- رحمه الله- قد رفض في حياته, وظلَّ على موقفه حتى لقي ربه- أن تُنشر الرواية إلا بعد موافقةِ الأزهر الشريف, وكتابة مقدمة لها بقلم الوزير السابق أحمد كمال أبو المجد, وما لم يحدث ذلك, فلن يوافق أبدًا على نشرِ الرواية.
هذا ما كان من أمر صاحبِ الرواية وهو حي يُرزق.. فماذا كان من أمر مثقفي الميكروباص؟ أصروا بعد رحيله على تحويل المسألة إلى إحدى قضايا مصر الرئيسية, ورفعوا شعارات الحرية والإبداع والتحدي, مع أن صاحبها كان موقفه عكس ذلك.
والمفارقة أنَّ القوم وهم يهتفون بالحرية، يتناسون الحرية الأساس، الحرية الحقيقية، الحرية الكبرى، وهي حرية الشعب المظلوم الذي يعيش على مدى نصف قرن أو يزيد من حالة مصادرة كاملة لكرامته وإنسانيته وحقوقه في المشاركة والعمل والإبداع بصنوفه كافةً، هذا الشعب الذي يُحرِّم عليه أن يلتقي خمسة أفراد على مائدة طعام بحكم قانون الطوارئ المزمن، لا يتورع عن مصادرة حياة أي مواطن مهما علا مركزه، وكانت قيمته.
وينسى هؤلاء المثقفون الميكروباصيون أن معتقلات مصر تعج بآلاف المعتقلين، ويُقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألف معتقل سياسي، يعيشون وراء القضبان وفي ظلامِ الزنازين، ولم يتكلموا عن الإفراج عنهم ليروا أولادهم الذين وُلدوا في غيبتهم، والأمهات الشابات اللاتي شخن قبل الأوان، وترملنَّ في عزِّ شبابهن، ومع أن أزواجهن على قيدِ الحياة، ولكنهم في قبضةِ الجلاد.
ينسى المثقفون الخدم القضايا الكبرى ويتعلقون بقضايا مفتعلةٍ لا تهم إلا مَن أثاروها وتحدثوا عنها, إنهم يعلمون جيدًا أن روايةَ أولاد حارتنا لا تعني المواطنين بقدرِ ما تعنيهم سلامة القطارات والعبَّارات التي تصعقهم أو تفرمهم أو تسحقهم يوميًّا بلا أدنى قلقٍ لدى الحكومة الظالمة المستبدة التي يخدمونها ويغترفون من أموالها.
إنَّ المثقفين الخدم يعلمون جيدًا أنَّ روايةَ أولاد حارتنا من أردأ رواياتِ نجيب محفوظ فنيًّا، وأنها باردة الصياغة والبناء، ولعل هذا هو السبب في عدمِ إصرارِه على نشرها؛ لأنه بحسه الفني يُدرك أنها روايةٌ ضعيفة، ولا يعيب نجيب محفوظ ولا غيره من الكتاب أو الشعراء، أن يتخلى عن عملٍ يشعر بضعفه أو هبوط مستواه عن أعماله الأخرى، وبالنسبة لي شخصيًّا فقد تجرَّعتُ المُرَّ حين أكملتُ قراءتها، ولم أشعر فيها بلذةٍ فنيةٍ أو موضوعية.. وهي لا تساوي شيئًا بجوارِ عملٍ آخر مماثل لنجيب مثل ملحمة الحرافيش الزاخرة بالحياة والفكر والتشويق والصياغة الشعرية التي ترقى بالأسلوب السردي إلى مستوًى عالٍ، وقد سجلتُ رأيي النقدي فيها من خلال دراسةٍ طويلةٍ نشرتها إبَّان صدورها في مجلة البيان الكويتية.
مشكلة الفصام التي يعيشها مثقفو السلطة تجعلهم يخونون قضايا أمتهم، ويتنكرون لها، ويظنون أنهم بذلك يقدمون خدمةً جليلةً لسادتهم وكبرائهم الذين أضلوهم السبيل.
ومع ذلك فلدينا مثقفون محترمون يقفون عند القضايا الجادة سواء لدى محفوظ أو غيره، وتأمل على سبيل المثال الملف الذي نشرته مجلة وجهات نظر حول نجيب محفوظ في عدد أكتوبر 2006 م، وقارنه بالتهريج الذي قامت به بعض الصحف، والبهلوانية التي حركت بعض المجلات للتكسب بنجيب محفوظ، وإلهاء الناس عن جرائم السلطة في حقِّ شعبها، وحق مواطنيها الذين يسكن منهم آلاف المعتقلين في قعرٍ مظلمةٍ، منذ ربع قرن، ولا تستجيب في الوقت ذاته لأحكام القضاء المتكررة بالإفراج عنهم وإطلاق سراحهم.. بل تعتقل كل يوم مزيدًا من الشرفاء وتُجدد حبسهم، في الوقتِ الذي تترك فيه القتلة واللصوص الكبار في البلاد في حفاوةٍ وإعزاز، ولا تجرح مشاعرهم بكلمةٍ واحدةٍ عن جرائمهم الكبرى.. ما رأيكم في مثقفي الميكروباص؟
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:11 PM
القاعود يهاجم مثقفي السلطة وكتابها في أحدث كتبه "تحرير الإسلام"
بقلم: سالي العناني
..................
صدر حديثاً كتاب بعنوان " تحرير الإسلام " للدكتور حلمي محمد القاعود، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة طنطا.
الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في 215 صفحة، مقسم إلى ثلاثة فصول، يتناول الأول جريمة استباحة الإسلام والمطالبة بإلغائه من الحياة!، والفصل الثاني يتناول مفهوم " تجديد الوعي" الذي يروج له بعض من يسعون إلى محاربة الإسلام بدعوى أننا نعيش في عصر العلم، أما الفصل الثالث فيتناول تعرية أكذوبة " تحرير الإسلام" عن طريق استئصاله من الواقع، وذلك بقلب الحقائق من خلال ما يروج له من أسماهم القاعود بـ " مثقفي السلطة" وكتابها في مقالاتهم التي رد المؤلف عليها وكشف عن السبب الحقيقي الذي يقف خلف هؤلاء وهو بالطبع استرضاء الغرب والاستعمار الصليبي الأمريكي.
واعتبر القاعود تصديه لما يردده مثقفوا السلطة وكتابها من أكاذيب وافتراء على الإسلام واجب على كل مسلم ولا يعتبر ذلك ترفاً أو نشاطاً زائداً عن الحاجة، لكنه تشريح لأكاذيب ينخدع بها من لم يطلعوا على منهج الإسلام بصورة جيدة، أو من حرموا الوعي بكنوز الدين الحنيف ومعطياته.
ويوضح د. القاعود، أن الأمة الإسلامية قد أصيبت بكارثة مروعة عندما سقطت عاصمة الخلافة العباسية " قديماً" تحت أقدام الطغاة المستكبرين في إبريل 2003، ودخلها الصليبيون الغزاة بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا ليدكوها بأحدث أساليب التدمير وينسفوا بنيتها الأساسية من الشمال حتى الجنوب، ويقتلوا عشرات الآلاف من أبناء العراق، بخلاف أعداداً مهولة من الجرحى والمصابين، وجاء الحاكم الصليبي ليجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه فخر الأمة في زمنه وبعد زمنه هارون الرشيد ثم ابنه المعتصم.
وبعد سقوط بغداد، ومن قبلها كابول، يستعد الطغاة لإسقاط عواصم أخرى وإخضاع العرب والمسلمين جميعاً من خلال العمل على تغيير ثقافة الأمة وعقيدتها وإحلال ثقافة صليبية غربية بديلة تقنن التبعية والذيلية.
وانتقد د. حلمي القاعود تماهي النخب الثقافية في العالم الإسلامي مع وجهة النظر الصليبية الاستعمارية، وتسويغ احتياجاتنا واستباحتها لأرض الإسلام بدعوى أن حكومة طالبان " ظلامية" وأن حكومة صدام " دموية"، ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل تمادوا في استباحة الإسلام ذاته وطالبوا بإلغائه واستئصاله من واقع الأمة بعد أن أُلغي من واقع السلطة في البلاد الإسلامية!.
وراحت هذه النخب تردد ما يقوله العدو الصليبي الاستعماري وفي الوقت الذي كان فيه دم الأمة يسيل غزيراً في أكثر من مكان، كانت الأقلام والأفواه التي تقود إلى هذه النخب تمارس أبشع دور في تزييف الوعي، وتسطيح الفكر، وطرح القضايا الإسلامية من وجهة نظر صليبية استعمارية.
وبعدما صار العدوان على المسلمين سافراً ووقحاً كان لابد من التصدي لهذا العدوان، وما تروج له النخب المتماهية معه ومنهم مثقفوا السلطة وكتابها الذين لم تعرف أقلامهم الوضوء ولا الحياء، سعياً إلى تحرير الإسلام من قبضة الاستبداد والاستعمار وخدامهما جميعاً.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:12 PM
القاعود يهاجم مثقفي السلطة وكتابها في أحدث كتبه "تحرير الإسلام"
بقلم: سالي العناني
......................
صدر حديثاً كتاب بعنوان " تحرير الإسلام " للدكتور حلمي محمد القاعود، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة طنطا.
الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في 215 صفحة، مقسم إلى ثلاثة فصول، يتناول الأول جريمة استباحة الإسلام والمطالبة بإلغائه من الحياة!، والفصل الثاني يتناول مفهوم " تجديد الوعي" الذي يروج له بعض من يسعون إلى محاربة الإسلام بدعوى أننا نعيش في عصر العلم، أما الفصل الثالث فيتناول تعرية أكذوبة " تحرير الإسلام" عن طريق استئصاله من الواقع، وذلك بقلب الحقائق من خلال ما يروج له من أسماهم القاعود بـ " مثقفي السلطة" وكتابها في مقالاتهم التي رد المؤلف عليها وكشف عن السبب الحقيقي الذي يقف خلف هؤلاء وهو بالطبع استرضاء الغرب والاستعمار الصليبي الأمريكي.
واعتبر القاعود تصديه لما يردده مثقفوا السلطة وكتابها من أكاذيب وافتراء على الإسلام واجب على كل مسلم ولا يعتبر ذلك ترفاً أو نشاطاً زائداً عن الحاجة، لكنه تشريح لأكاذيب ينخدع بها من لم يطلعوا على منهج الإسلام بصورة جيدة، أو من حرموا الوعي بكنوز الدين الحنيف ومعطياته.
ويوضح د. القاعود، أن الأمة الإسلامية قد أصيبت بكارثة مروعة عندما سقطت عاصمة الخلافة العباسية " قديماً" تحت أقدام الطغاة المستكبرين في إبريل 2003، ودخلها الصليبيون الغزاة بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا ليدكوها بأحدث أساليب التدمير وينسفوا بنيتها الأساسية من الشمال حتى الجنوب، ويقتلوا عشرات الآلاف من أبناء العراق، بخلاف أعداداً مهولة من الجرحى والمصابين، وجاء الحاكم الصليبي ليجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه فخر الأمة في زمنه وبعد زمنه هارون الرشيد ثم ابنه المعتصم.
وبعد سقوط بغداد، ومن قبلها كابول، يستعد الطغاة لإسقاط عواصم أخرى وإخضاع العرب والمسلمين جميعاً من خلال العمل على تغيير ثقافة الأمة وعقيدتها وإحلال ثقافة صليبية غربية بديلة تقنن التبعية والذيلية.
وانتقد د. حلمي القاعود تماهي النخب الثقافية في العالم الإسلامي مع وجهة النظر الصليبية الاستعمارية، وتسويغ احتياجاتنا واستباحتها لأرض الإسلام بدعوى أن حكومة طالبان " ظلامية" وأن حكومة صدام " دموية"، ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل تمادوا في استباحة الإسلام ذاته وطالبوا بإلغائه واستئصاله من واقع الأمة بعد أن أُلغي من واقع السلطة في البلاد الإسلامية!.
وراحت هذه النخب تردد ما يقوله العدو الصليبي الاستعماري وفي الوقت الذي كان فيه دم الأمة يسيل غزيراً في أكثر من مكان، كانت الأقلام والأفواه التي تقود إلى هذه النخب تمارس أبشع دور في تزييف الوعي، وتسطيح الفكر، وطرح القضايا الإسلامية من وجهة نظر صليبية استعمارية.
وبعدما صار العدوان على المسلمين سافراً ووقحاً كان لابد من التصدي لهذا العدوان، وما تروج له النخب المتماهية معه ومنهم مثقفوا السلطة وكتابها الذين لم تعرف أقلامهم الوضوء ولا الحياء، سعياً إلى تحرير الإسلام من قبضة الاستبداد والاستعمار وخدامهما جميعاً.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:15 PM
واحد من سبعة
..............
واحد من سبعة كتاب للأطفال صدر عن كتاب قطر الندى للدكتور حلمي محمد القاعود ، ويبدو أن موهبة الحكى لديه عبرت عن نفسها من خلال هذا الكتاب الذي فأجأنا به ، بحكم أنه اشتهر ناقدا وكاتبا في القضايا العامة ، فكتب هذه القصص التاريخية بأسلوب سهل محكم ، يقدم من خلاله للأطفال مضامين قومية وإنسانية وتربوية . القاعود سبق له أن أصدر رواية يتيمة قبل أكثر من ثلاثين عاما بعنوان "الحب يأتي مُصادفة"، وسيعيد "كتاب الرسالة" نشرها قريباً.
وقد صدرت عنها دراسة مهمة في كتاب للأديب ثروت مكايد ، كما صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "رائحة الحبيب" في عدد خاص عن مجلة الثقافة الأسبوعية عام 1974، ولعل مجموعة الأطفال تعيده إلى كتابة الرواية والقصة من جديد.
د. حسين علي محمد
22-02-2009, 05:19 PM
الأدب الإسلامي: كتاب جديد للناقد الكبير د.حلمي محمد القاعود
..................................................
أحدث مؤلفات الناقد الكبير د.حلمي محمد القاعود في قضية الأدب الإسلامي الذي عرض له القاعود في كتب سابقة. موضحاً منهجه وأبعاده وخصائصه. والفوارق بينه وبين ما يطالعنا من ألوان أدبية أخري. يشير القاعود إلي أنه انشغل علي مدي ثلاثين عاماً بقضية الأدب الإسلامي. وحاول أن يسهم في تقديمه بصورة علمية وعملية من خلال النقد التطبيقي الذي يقدم نصوصاً جيدة تقول للناس : ها هو الأدب الإسلامي الذي تبحثون عنه. وينكره البعض بغضاً أو تعصباً أو جهلاً أو سوء فهم. ويري الكاتب أن الدعوة إلي الأدب الإسلامي تجدد الأدب العربي الحديث وآداب الشعوب الإسلامية المعاصرة. بما يشكل ضرورة علمية لدعم الصحوة الإسلامية في مجملها. وبناء الإنسان المسلم بناء صحياً. بعيداً عن الأفكار المنحرفة. والدعوات المشبوهة. الناشر : دار النشر الدولي بالرياض.
....................
*المساء الأسبوعية ـ في 31/3/2007م ـ صفحة: قضايا أدبية.
سعود العبد الله
23-02-2009, 06:45 PM
أستاذنا الفاضل ، د. حسين علي محمد
مجهود طيب ، جدير بالشكر و التقدير
و صفحات فيها من الفائدة ما يشجع على القراءة
سواء ما أختير أو ما كان بقلمك الساطع و فكرك النير
أحيي طرحك الجميل و أرجو لك التوفيق و السؤدد .
تحياااتي
د. حسين علي محمد
24-02-2009, 07:35 AM
أستاذنا الفاضل ، د. حسين علي محمد
مجهود طيب ، جدير بالشكر و التقدير
و صفحات فيها من الفائدة ما يشجع على القراءة
سواء ما أختير أو ما كان بقلمك الساطع و فكرك النير
أحيي طرحك الجميل و أرجو لك التوفيق و السؤدد .
تحياااتي
شُكراً للأديب المبدع الأستاذ سعود العبد الله
على تعليقه الجميل،
مع موداتي.
د. حسين علي محمد
08-08-2009, 08:49 PM
كتاب حديد
............
القصائد الإسلامية الطوال في العصر الحديث
للدكتور حلمي محمد القاعود
.................................
اسم الكتاب : القصائد الإسلامية الطوال في العصر الحديث – قراءة ونصوص
اسم المؤلف : أ . د . حلمي محمد القاعود
اسم الناشر : دار النشر الدولي ( الرياض ).
عدد الصفحات : 355 صفحة من القطع الكبير .
رقم الطبعة : الرابعة ( مزيدة ومنقحة ومجلدة ).
سنة النشر : 1430هــ = 2009م .
يقول المؤلف في تقديمه :
" كانت القصائد الإسلامية الطوال في شعرنا الحديث ، مجالا رحبا وخصبا لحمل هموم الأمة وقضاياها ، بحثا عن الحرية والعدل والتفوق والغد الجميل ، ثم إنها في الأساس كانت ظاهرة فنية جاءت في إطار عملية البعث والتجديد لشعرنا العربي في العصر الحديث .."
"" وقد حملت القائد الإسلامية الطوال بالذات على عاتقها عبئا ثقيلا ، إذ لم تكن مجرد قصائد عادية كثرت أبياتها أو طالت بعض الشيء ، ولكنها كانت تهدف إلى غايات فنية وموضوعية ذات صلة وثيقة بتطور الشعر العربي ، وحركة المجتمع الإسلامي في صراعه مع القهر والتخلف والاستبداد والتغريب ..."
" وتستطيع الدراسة أن تزعم أنها تقدم للأجيال الجديدة خاصة ، بعض نصوص القصائد الإسلامية الطوال لأول مرة بعد أن أصبح الاطلاع عليها صعبا ، إما لندرة الدواوين التي تحملها ، أو أن بعضها في حكم المخطوط الذي لم ينشر على نطاق واسع ، ولا ريب أن قلة من باحثينا أو دارسينا هي التي تستطيع أن تعثر بقصيدة مثل "البكرية" أو أخرى مثل " الشعر مع الله والذرة " أو ثالثة مثل " نظام البردة " أو رابعة مثل " العلوية " .. لذا ترى الدراسة أنها حين تنشر هذه النصوص بعد إعدادها وضبطها ونشرها على نطاق عريض يعد خدمة للباحثين والأجيال الجديدة ، فضلا عن كونه إضافة تثري واقعنا الشعري الذي يكتظ الآن بكثير من النماذج الرديئة .." .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub