أحمد حسن محمد
26-10-2007, 11:25 PM
الخليلية/كتابة القصيدة ترجمةً للحركية الفكرية والنفسية والجسدية للشاعر في سرادق الموت
سرادق الموت
مازال وجهـك يابغـداد يحزننـي=والعمر يمضي وقلبي دائم الحـزن
في الصبح اصحو على أنباء مجزرة=في الليل امسي على أنباء مرتهـن
أم الربيعين قد صار الربيـع بهـا=أشلاء طفـل ومدفـون بـلا كفـن
عنـد التقاطـع أطـراف مقطّعـة=في القرب منها بقايا الجسم والبـدن
سرادق الموت والتقتيل قد نصبـت=عند المساجد , في الأحياء في المدن
والقاتلون صنـوف فـي مشاربهـم=ما بيـن مرتـزق للقتـل ممتـهـن
أو طائفي مريض القلـب تحكمـه=أضغانه السود , مازالت مع الزمن
أو جاهل بأمور الديـن مجتـرىء=قد كفّر الناس مـن بغـداد لليمـن
من كانت القبلـة الغـرّاء وجهتـه=عند الصلاة , أخ في الشرع والسنن
من يقتـل النفـس مقتـول بفعلتـه=لايغفـر الله ذنـب القتـل والفتـن
بالله اسأل يـا بغـداد , أيـن هـمُ=أين الذين همُ الفرسان فـي المحـن
من يحقنون دماء المسلميـن , فمـا=يسعـون إلا لوجـه الله والوطـن
د. محمد حسن السمان
الكويت 15/12/2006
ـــــــــ
1
إن محاولة البحث هنا لا تخضع إلى المنظور البلاغي، وإنما بالنقد من منظور أسلوبي حيث نسعى إلى تعليل الظاهرة بعد أن يتقرر وجودها .1
2
وبما أن الشعر هو حالة تمثل لغوي راقية، وأنه تجسد فنيّ لأبلغ مستويات الإبداع اللغوي قولاً وإدراكاً، وبالتالي فهو حساسية انفعالية عالية، يمارسها الإنسان بعد بلوغه مستواها الذي تلاحم حضاري بين الواقع ويمثله الفرد، مع الوجدان الجمعي للغة ويمثلها الموروث اللغوي، وبذلك تتمازج درجات الإبداع بين ما هو فردي وخاص وما هو جمعي وموروث. ومن هنا فإن القصيدة هي خلاصة هذا التوحد الإلهامي الذي به يتحقق (انبثاق اليوم من الأمس) كما يقول رولان بارت . 2
3
مجرد قبول النص الأدبي دلالة على أنها جماليات نصوصية مخبوءة داخل لغة النص هذا النص، وعدم استخدامها من قبل يعود إلى أسرار بلاغية لم تتفتق للشعراء بينما تفتقت لهم أسرار إبداعية أخرى استثمروها وأفادوا منها حتى أنهكوها، ولم تعد صالحة لنا كإبداع جديد. . 3
وبتصريف ما (ما دام الحديث بشأن موسيقا الشعر) يتناسب مع ما عرف عن العرب من أن البحث والتقعيد في فنون الشعر "من نماذج " سنتمثلها احتجاجاً لقاعدة عامة "إن هذه إلا أمثلة " تثبت "أن الشاعر العربي قد تعامل مع الوزن بتحرر وبنفس مفتوحة وقد ساعده طائفة من النقاد القدامى على ذلك، ولم يجعلوا من تحرره عيباً يخل بالقصيدة. 4
وإنه لم يرو لنا من الشعر إلا نسبة قليلة منه وهذه حقيقة ثابتة بالعقل والنقل وثبوتها بالعقل هو أنه لم يرو لنا من الشعر إلا ما حفظته الذاكرة على مر ما يقارب قرنين من الزمان، وقرنان من الزمان كفيلان بإضاعة الكثير مما قيل، أما ثبوت ذلك بالنقل فهو ما ذكره ابن سلام الجمحي من أن العرب لما جاء الإسلام تشاغلت بالجهاد عن الشعر فلما راجعوا رواية الشعر فلم يلجئوا إلى ديوان مدون ولا تاب مكتوب فألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم منه أكثره" 5
4
وهنا في ساحة تلك القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها نحاول أن نتفهم الشاعر من خلال النص والنص من خلال الشاعر، والواضح أن القصيدة كتبت على الشكل المتمثل في البحور والتفعيلات التي استنبطها الخليل من استقرائه للشعر العربي القديم، "والتي تحولت إلى قواعد ثابتة وراسخة سار عليها الشعراء طوال العصور السابقة بوصفها إطاراً صوتياً أو إيقاعيا محايداً وثابتا مفروضاً عليهم سلفا فيمسي –حسب تعريف اليزابيث- إطاراً آليا أو عرفياً يحتذيه الشاعر أو يسير على منواله لينمي من خلاله حركته الشعرية" . 6
ومن ثم نادت نازك الملائكة إلى الشعر الحر من حيث هو- "إيثار المضمون وذلك كردة فعل مباشرة على إحساس الشاعر الحديث بأن الشعر العمودي قد تحول إلى تجربة شعرية تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون وذلك مما جعل المعنى تابعاً للوحدة العروضية للبيت ينتهي في نهايتها مثلما يبتدي في بدايتها. 7
ولو دققنا النظر في كل من يتحدث عن تجربة الشكل الخليلي في آخر فقرتين نجد أن الدكتور عبد السلام والشاعرة نازك الملائكة يستخدمان الفعل (تحول)والمعنى اللغوي لذلك الفعل هو " تَحَوَّل: تنقل من موضع إِلى موضع آخر. والتَّحَوُّل: التَّنَقُّل من موضع إِلى موضع" . 8
ففي استخدام هذا الفعل اعتراف من الكاتبين أنه كان هناك فائدة ما للشكل الخليلي غير مجرد الإطار، أو كان هناك مساحات من الفنية التي ابتكر لأجل مناسبتها ذلك الشكل الخليلي بأوزانه وقوافيه ولكنه (تحول ) إلى إطار آلي..
وأكثر العوامل التي تعين على مثل هذه الآلية هو كثرة الاستعمال وبعد العهد عن الأصل. وأنه أحياناً يطغى علينا تقليد القدماء لا لنفع المنهج بقدر تهيبنا لمكانتهم ومحبتنا لهم..
ونحن نكتسب حركاتنا ونكون علاقتنا عبر التاريخ بالمحاكاة أكثر منه بالتعلم المتدبر للأمر فالأب يقلد أباه وتترسخ تلك العادات التي يحاكيها في العقل اللاواعي عنده، ولكن يبقى أن الابن يتعامل مع هذه المفردات المكتسبة بفهم جزئي..
فإن منيرفا سيفوس التي عنفتها أمها لأنه قلبت منفضة السجائر الزرقاء قطعت عهداً على نفسها أن لا تقلب أو تلعب بأي طبق أزرق ثانية لئلا تغضب أمها –أو لتفوز بحق الرضا من الأم/الشاعر السابق ، ومن ثم فقد لعبت بمنفضة أخرى ولكنها خضراء، البنت اهتمت أو انتبهت للشكل واللون /الإطار، ولكن الأم كانت تقصد الطبق المتكامل مع ما تؤديه تلك الأطباق من وظائف.. فتتلقى البنت التأنيب لأنها لعبت بواحدة ذات لون أخضر، وعندما اكتشفت أمها الخطأ وضحت لها، وبذلك عرفت منيرفا أن المهم أن تتفهم وضعية هذه الأطباق من خلال استعمالها الذي أعدت له 9
ولا شك أننا نتفهم مفردات الكون بما تمثله لنا هذه المفردات ، فمن الممكن أن نحتفظ بكرسيين ولكن نفكر في كرسي آخر وحبه أكثر من الثاني لسبب واحد أنه كان الكرسي الذي أقعدني عليه أبي يوم عيد ميلادي بمحبة أو أنه الكرسي الذي كان يحب أبي أن يقعد عليه كثيرا، ويحدثني برفق. 11
ومن ثم فمن الوارد جدا نفسيا أن نتغاضى عن الفائدة النفعية الحادثة من ذلك الكرسي أمام تلك المتعة الروحية والبصرية والسمعية التي تؤلفها حضرة ذلك الكرسي.
ولا أحسب إلا أن التراث الشعري الذي ورثناه عن آبائنا يزيدنا إحساساً أن الوزن الشعري والتقفية أو مساحة البيت ما كانت إلا بدافع أعمق من مجرد الإطار، حيث إن هذا الإطار كان يتشكل تبعاً للمضمون مثلما يساهم في تشكيل المضمونِ تبعاً له، بمعنى أن الشكل والمضمون كانا في شد وجذب يؤكد لنا هذا ما روي في الكامل للمبرد حيث تزداد تفعيلة في البيت أو تنقص تفعيلة عن المعتاد، ولعلنا بهذا نتأكد من أن الوزن في بدايته اعتبرت فيه فائدة فنية تتابع التطور الانفعالي والنفسي والتصويري واللغوي عند الشاعر وليس فقط لمجرد الشكلية التي نقلها لنا الزمن عبر أجيال طويلة من الشعراء فقد " يروى أن علياً رضي الله عنه أتي بابن ملجم وقيل له: إنا قد سمعنا من هذا كلاماً ولا نأمن قتله لك? ثم قال علي رضوان الله عليه:
اشدد حيازيمك للموت =فإن الموت لاقيكـا
ولا تجزع من الموت =إذا حـل بـواديكـا
والشعر إنما يصح بأن تحذف اشدد فتقول:
حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ما عليه المعنى، ولا يعتدون به في الوزن، ويحذفون من الوزن، علماً بأن المخاطب يعلم ما يريدونه. فهو إذا قال: حيازيمك للموت، فقد أضمر أشدد فأظهره، ولم يعتد.
قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: فصحاء العرب ينشدون كثيراً:
لسعد بن الضبـاب إذا غـدا =أحب إلينا منك فا فرس حمر
وإنما الشعر:
لعمري لسعد بن الضباب إذا غدا" 12
وهذا صراع المساحة المقررة مع المعنى ونفس الشاعر..
يتبع....................---------------------------
سرادق الموت
مازال وجهـك يابغـداد يحزننـي=والعمر يمضي وقلبي دائم الحـزن
في الصبح اصحو على أنباء مجزرة=في الليل امسي على أنباء مرتهـن
أم الربيعين قد صار الربيـع بهـا=أشلاء طفـل ومدفـون بـلا كفـن
عنـد التقاطـع أطـراف مقطّعـة=في القرب منها بقايا الجسم والبـدن
سرادق الموت والتقتيل قد نصبـت=عند المساجد , في الأحياء في المدن
والقاتلون صنـوف فـي مشاربهـم=ما بيـن مرتـزق للقتـل ممتـهـن
أو طائفي مريض القلـب تحكمـه=أضغانه السود , مازالت مع الزمن
أو جاهل بأمور الديـن مجتـرىء=قد كفّر الناس مـن بغـداد لليمـن
من كانت القبلـة الغـرّاء وجهتـه=عند الصلاة , أخ في الشرع والسنن
من يقتـل النفـس مقتـول بفعلتـه=لايغفـر الله ذنـب القتـل والفتـن
بالله اسأل يـا بغـداد , أيـن هـمُ=أين الذين همُ الفرسان فـي المحـن
من يحقنون دماء المسلميـن , فمـا=يسعـون إلا لوجـه الله والوطـن
د. محمد حسن السمان
الكويت 15/12/2006
ـــــــــ
1
إن محاولة البحث هنا لا تخضع إلى المنظور البلاغي، وإنما بالنقد من منظور أسلوبي حيث نسعى إلى تعليل الظاهرة بعد أن يتقرر وجودها .1
2
وبما أن الشعر هو حالة تمثل لغوي راقية، وأنه تجسد فنيّ لأبلغ مستويات الإبداع اللغوي قولاً وإدراكاً، وبالتالي فهو حساسية انفعالية عالية، يمارسها الإنسان بعد بلوغه مستواها الذي تلاحم حضاري بين الواقع ويمثله الفرد، مع الوجدان الجمعي للغة ويمثلها الموروث اللغوي، وبذلك تتمازج درجات الإبداع بين ما هو فردي وخاص وما هو جمعي وموروث. ومن هنا فإن القصيدة هي خلاصة هذا التوحد الإلهامي الذي به يتحقق (انبثاق اليوم من الأمس) كما يقول رولان بارت . 2
3
مجرد قبول النص الأدبي دلالة على أنها جماليات نصوصية مخبوءة داخل لغة النص هذا النص، وعدم استخدامها من قبل يعود إلى أسرار بلاغية لم تتفتق للشعراء بينما تفتقت لهم أسرار إبداعية أخرى استثمروها وأفادوا منها حتى أنهكوها، ولم تعد صالحة لنا كإبداع جديد. . 3
وبتصريف ما (ما دام الحديث بشأن موسيقا الشعر) يتناسب مع ما عرف عن العرب من أن البحث والتقعيد في فنون الشعر "من نماذج " سنتمثلها احتجاجاً لقاعدة عامة "إن هذه إلا أمثلة " تثبت "أن الشاعر العربي قد تعامل مع الوزن بتحرر وبنفس مفتوحة وقد ساعده طائفة من النقاد القدامى على ذلك، ولم يجعلوا من تحرره عيباً يخل بالقصيدة. 4
وإنه لم يرو لنا من الشعر إلا نسبة قليلة منه وهذه حقيقة ثابتة بالعقل والنقل وثبوتها بالعقل هو أنه لم يرو لنا من الشعر إلا ما حفظته الذاكرة على مر ما يقارب قرنين من الزمان، وقرنان من الزمان كفيلان بإضاعة الكثير مما قيل، أما ثبوت ذلك بالنقل فهو ما ذكره ابن سلام الجمحي من أن العرب لما جاء الإسلام تشاغلت بالجهاد عن الشعر فلما راجعوا رواية الشعر فلم يلجئوا إلى ديوان مدون ولا تاب مكتوب فألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم منه أكثره" 5
4
وهنا في ساحة تلك القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها نحاول أن نتفهم الشاعر من خلال النص والنص من خلال الشاعر، والواضح أن القصيدة كتبت على الشكل المتمثل في البحور والتفعيلات التي استنبطها الخليل من استقرائه للشعر العربي القديم، "والتي تحولت إلى قواعد ثابتة وراسخة سار عليها الشعراء طوال العصور السابقة بوصفها إطاراً صوتياً أو إيقاعيا محايداً وثابتا مفروضاً عليهم سلفا فيمسي –حسب تعريف اليزابيث- إطاراً آليا أو عرفياً يحتذيه الشاعر أو يسير على منواله لينمي من خلاله حركته الشعرية" . 6
ومن ثم نادت نازك الملائكة إلى الشعر الحر من حيث هو- "إيثار المضمون وذلك كردة فعل مباشرة على إحساس الشاعر الحديث بأن الشعر العمودي قد تحول إلى تجربة شعرية تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون وذلك مما جعل المعنى تابعاً للوحدة العروضية للبيت ينتهي في نهايتها مثلما يبتدي في بدايتها. 7
ولو دققنا النظر في كل من يتحدث عن تجربة الشكل الخليلي في آخر فقرتين نجد أن الدكتور عبد السلام والشاعرة نازك الملائكة يستخدمان الفعل (تحول)والمعنى اللغوي لذلك الفعل هو " تَحَوَّل: تنقل من موضع إِلى موضع آخر. والتَّحَوُّل: التَّنَقُّل من موضع إِلى موضع" . 8
ففي استخدام هذا الفعل اعتراف من الكاتبين أنه كان هناك فائدة ما للشكل الخليلي غير مجرد الإطار، أو كان هناك مساحات من الفنية التي ابتكر لأجل مناسبتها ذلك الشكل الخليلي بأوزانه وقوافيه ولكنه (تحول ) إلى إطار آلي..
وأكثر العوامل التي تعين على مثل هذه الآلية هو كثرة الاستعمال وبعد العهد عن الأصل. وأنه أحياناً يطغى علينا تقليد القدماء لا لنفع المنهج بقدر تهيبنا لمكانتهم ومحبتنا لهم..
ونحن نكتسب حركاتنا ونكون علاقتنا عبر التاريخ بالمحاكاة أكثر منه بالتعلم المتدبر للأمر فالأب يقلد أباه وتترسخ تلك العادات التي يحاكيها في العقل اللاواعي عنده، ولكن يبقى أن الابن يتعامل مع هذه المفردات المكتسبة بفهم جزئي..
فإن منيرفا سيفوس التي عنفتها أمها لأنه قلبت منفضة السجائر الزرقاء قطعت عهداً على نفسها أن لا تقلب أو تلعب بأي طبق أزرق ثانية لئلا تغضب أمها –أو لتفوز بحق الرضا من الأم/الشاعر السابق ، ومن ثم فقد لعبت بمنفضة أخرى ولكنها خضراء، البنت اهتمت أو انتبهت للشكل واللون /الإطار، ولكن الأم كانت تقصد الطبق المتكامل مع ما تؤديه تلك الأطباق من وظائف.. فتتلقى البنت التأنيب لأنها لعبت بواحدة ذات لون أخضر، وعندما اكتشفت أمها الخطأ وضحت لها، وبذلك عرفت منيرفا أن المهم أن تتفهم وضعية هذه الأطباق من خلال استعمالها الذي أعدت له 9
ولا شك أننا نتفهم مفردات الكون بما تمثله لنا هذه المفردات ، فمن الممكن أن نحتفظ بكرسيين ولكن نفكر في كرسي آخر وحبه أكثر من الثاني لسبب واحد أنه كان الكرسي الذي أقعدني عليه أبي يوم عيد ميلادي بمحبة أو أنه الكرسي الذي كان يحب أبي أن يقعد عليه كثيرا، ويحدثني برفق. 11
ومن ثم فمن الوارد جدا نفسيا أن نتغاضى عن الفائدة النفعية الحادثة من ذلك الكرسي أمام تلك المتعة الروحية والبصرية والسمعية التي تؤلفها حضرة ذلك الكرسي.
ولا أحسب إلا أن التراث الشعري الذي ورثناه عن آبائنا يزيدنا إحساساً أن الوزن الشعري والتقفية أو مساحة البيت ما كانت إلا بدافع أعمق من مجرد الإطار، حيث إن هذا الإطار كان يتشكل تبعاً للمضمون مثلما يساهم في تشكيل المضمونِ تبعاً له، بمعنى أن الشكل والمضمون كانا في شد وجذب يؤكد لنا هذا ما روي في الكامل للمبرد حيث تزداد تفعيلة في البيت أو تنقص تفعيلة عن المعتاد، ولعلنا بهذا نتأكد من أن الوزن في بدايته اعتبرت فيه فائدة فنية تتابع التطور الانفعالي والنفسي والتصويري واللغوي عند الشاعر وليس فقط لمجرد الشكلية التي نقلها لنا الزمن عبر أجيال طويلة من الشعراء فقد " يروى أن علياً رضي الله عنه أتي بابن ملجم وقيل له: إنا قد سمعنا من هذا كلاماً ولا نأمن قتله لك? ثم قال علي رضوان الله عليه:
اشدد حيازيمك للموت =فإن الموت لاقيكـا
ولا تجزع من الموت =إذا حـل بـواديكـا
والشعر إنما يصح بأن تحذف اشدد فتقول:
حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ما عليه المعنى، ولا يعتدون به في الوزن، ويحذفون من الوزن، علماً بأن المخاطب يعلم ما يريدونه. فهو إذا قال: حيازيمك للموت، فقد أضمر أشدد فأظهره، ولم يعتد.
قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: فصحاء العرب ينشدون كثيراً:
لسعد بن الضبـاب إذا غـدا =أحب إلينا منك فا فرس حمر
وإنما الشعر:
لعمري لسعد بن الضباب إذا غدا" 12
وهذا صراع المساحة المقررة مع المعنى ونفس الشاعر..
يتبع....................---------------------------