المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عشـت تيسـاً، وتمـوت تيسـاً


د. أحمد الليثي
19-03-2009, 10:50 PM
استيقظ التيس من نومه على مأمأة مزعجة لزوجه النعجة، وهي في حالة هيستيرية، وهي تصرخ فيه وتقول:
- "استيقظ، يا تيسي، قم يا أبا الحِمْلان. مصيبة، مصيبة! "

فتح التيس عينيه، بعد أن أزاح عنهما بقايا القش العالقة بوجهه بهزة من رأسه، وقال:
- "ما لك يا امرأة؟ ما كل هذا الضجيج؟ لقد أزعجتِ الموتى في قبورهم بثغائك؟ "

قالت النعجة، وهي لا تكاد تملك نفسها من الفزع، "مصيبة حلت بنا. لابد أن نهرب الآن. جاءك الموت يا نحيف الذيل. إنها الطامة يا كسير القرن. لقد رأيت الجزار يسن سكاكينه، ويقول لولده إنه سيأتي إلينا الآن ليذبحك. وما أن سمعته حتى هرعت إليك، فما العمل؟ فما العمل؟ "

قال التيس وهو لا يزال مستلقياً على جنبه: "أهذا كل ما في الأمر؟ لقد ظننت أن كارثة نزلت بساحنا. هوِّني عليكِ. ليس هذا بشيء. سأتصرف مع الجزار حين يأتي. فلا تزعجي نفسك."

ملكت الدهشة على النعجة نفسها، وعقدت لسانها، فلم تحر جواباً، وتسمرت مكانها لترى ما سيفعله تيسُها المغوار -الذي أراح رأسه ثانية على الأرض- حين يأتي الجزار.
ولم تمض دقائق معدودة، حتى كان الجزار على باب الزريبة، مشمراً ذراعيه، وفي يده السكين.

رفع التيس رأسه قليلاً وهو ينظر إلى الجزار، وقال له ببربرة متغطرسة: "اسمع يا هذا، إنني لا أعترف بك. فاذهب من هنا ولا تعد، وإلا نطحتك فأرديتك من فورك".

نظرت النعجة في ذهول إلى التيس وقالت بمأمأة يائسة: "يا قصير الذيل، الإنس لا يفهمون بربرة التيوس. وأنت لا قرون لك! أي عدم اعتراف تتحدث عنه يا أبله؟ "

تنبَّه التيس فجأة إلى حقيقة ما قالته النعجة، وقبل أن يتمكن من الرد كان الجزار قد عاجله، فجلس عليه، وأمسك برأسه، وذبحه من وريد لوريد، بلا تسمية، ولا تكبير، وهو يعجب كيف لم يحرك التيس ساكناً، وظل راقداً على جنبه، واكتفى بأن صدرت عنه: "ما .. ما ..ـا ..ا"

قالت النعجة وهي تنظر إلى دم التيس يسيل: "صحيح، عِشْتَ تَيْسًا، ومُتَّ تَيْسًا".

د. محمد فؤاد منصور
20-03-2009, 10:56 AM
أخي العزيز د. أحمد الليثي
قصة بسيطة ومعبرة وخفيفة الدم أيضاً بإسقاطات سياسية واضحة .. أحييك على هذا الألق ..فما أكثر التيوس في دنيانا وماأشقى الماعز بتيوسهم, ومادمنا في معرض الفكاهة فدعني أتساءل أو أصحح معلوماتي .. أليس التيس ذكر الماعز والنعجة زوج الخروف ؟ .. والعنزة زوج التيس ام أن الأمر قد اختلط عليّ ؟..
مودتي وأرق تحياتي.

د. أحمد الليثي
20-03-2009, 01:59 PM
أخي العزيز د. أحمد الليثي
قصة بسيطة ومعبرة وخفيفة الدم أيضاً بإسقاطات سياسية واضحة .. أحييك على هذا الألق ..فما أكثر التيوس في دنيانا وماأشقى الماعز بتيوسهم, ومادمنا في معرض الفكاهة فدعني أتساءل أو أصحح معلوماتي .. أليس التيس ذكر الماعز والنعجة زوج الخروف ؟ .. والعنزة زوج التيس ام أن الأمر قد اختلط عليّ ؟..
مودتي وأرق تحياتي.

الأخ الفاضل د. محمد فؤاد منصور
شكر الله مرورك وتعليقك.
وبالفعل ما أشقانا جميعاً بتياسة التيوس.

أما سؤالك، فأنا سعيد به جداً لتنبهك إلى هذه النقطة الهامة في هذه الحكاية، وهذا ليس بالغريب على فطنتكم. والإجابة، كلا، لم يختلط الأمر عليك. ولكن هذا جزء من الحبكة، فلو لم يكن التيس "تيساً" لعرف من تكون له زوجاً، ولو لم تكن النعجة من جنس "النعاج" لما قبلت "التيس" زوجاً لها.
الأمر الثاني أن التيوس والنعاج رموز متعارف عليها وعلى دلالاتها، على عكس الكبش والعنزة.
وأخيراً يلزم الإسقاط أن يتلائم مع واقع الحال، وفي عصرنا الحديث ما أكثر اختلاط الأجناس بعضها ببعض.

د. أحمد الليثي
24-03-2009, 11:33 PM
كانت تراودني نهاية أخرى للحكاية أعلاه، آثرت عليها غيرها حتى يكون التركيز على "التيس"، وهي:

قالت النعجة وهي تنظر إلى دم التيس يسيل: "صحيح، عِشْتَ تَيْسًا، ومُتَّ تَيْسًا". ثم مدت رأسها في استسلام إلى الجزار وقد أطبقت عيناها.

ريم بدر الدين
25-03-2009, 10:30 AM
جميل الاسقاط السياسي هنا
ثم مدت رأسها في استسلام إلى الجزار وقد أطبقت عيناها.
نتيجة حتمية
و ماذا تفعل بالحياة وقد مات تيسها؟:p
د. أحمد الليثي
تحيتي لك

د. أحمد الليثي
17-04-2009, 04:00 PM
جميل الاسقاط السياسي هنا

نتيجة حتمية
و ماذا تفعل بالحياة وقد مات تيسها؟:p
د. أحمد الليثي
تحيتي لك

الأخت الفاضلة الأستاذة ريم بدر الدين
شكر الله مرورك وتعليقك، وأعتذر عن التأخر في الرد.
سعدت بوجودك في متصفحي المتواضع.
دمت سالمــة.

مصطفى ابووافيه
17-04-2009, 05:52 PM
الاخ الفاضل / احمد الليثى
مساكين تلك الحيوانات ، نحن نظلمها دائما ، نحتقر كلمة تيس ، حمار ، ونعتبرها من السباب ، مع ان التيوس والحمير الذين يستحقون السباب موجودون بيننا نحن البشر
والطامة الكبرى عندما يصبح احدهم على رأس السلطه
النص لا يخلوا من خفة دم تحسب للكاتب
دمت لنا مبدعا وتقبل تحياتى
مصطفى ابووافيه

د. أحمد الليثي
18-04-2009, 03:49 PM
صدقت أخي الفاضل الأستاذ مصطفى.
والعاقل من دان نفسه. أما من لا يعرف العقل له سبيلاً ينحدر إلى مرتبة أدنى من الحيوانات. وتصبح كلمات كتيس وحمار لا يقصد بها إلا أنها رموز لنقائص وجب أن يتنزه البشر عن الشقوط في دركاتها.
دمت سالمــاً.

فايزة شرف الدين
19-04-2009, 11:57 PM
لن أعلق على هذه القصة بعد السادة الأفاضل .. فالرمز واضح .. أما بالنسبة للنهاية .. فالكاتب كما قرأت من المداخلات عنده نهايتين ، وقد احترت في أيهما أجمل .. وعلى كل طالما رب العائلة قد ذبح .. فعلى باقي القطيع السلام .
مودتي