المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البالطو..


معاوية الحسن
23-03-2009, 02:55 PM
أعدت آنية الشاي حيث وضعها العم برعي في بداية الأمر، ولذت بصمت ثقيل في شتاء كثيب، كان ذاك آخر نهار للعم برعي بالمدرسة قبل إحالته للتقاعد، بدت عيناه تتوهجان مثل جمر متقد وهو يقوم بأعمال نهاية الدوام المعتادة. تأكد من إحكام الرتاج حول غرف المعلمين ولم ينسَ التعليق المعتاد:
- ذهبوا باكراً كالعادة.
- سوف يأتون في المساء يتحلقون حول ورق اللعب كما يفعلون دائماً.
أخذ آنية الشاي صوب الحجرة الكبيرة، حيث تقبع أشيائي الخاصة، كتب، مجلات، أشرطة كاسيت والبوم صور فوتوغرافية، قلبه بشغف ثم أعاده للمنضدة بعد أن أستل منه صورة جماعية بحجم البوستال، عاينها طويلاً ثم قال:
- هذا أنا يا أستاذ!
كان أطولنا في الصورة. حليق الذقن على غير عادته ويشهر ابتسامة عريضة. في ذاك اليوم وحينما أخبرناه بحضور المصور، إذ كان قد ألح علينا قبل ذلك في أن لا ندع الفرصة تفلت منه- كان يثرثر طوال الوقت، يروح ويجئ وهو يتهيأ للأمر ويحادثني في ما سيرتديه وهو يقف قبالة آلة التصوير، بدأ مرتبكاً في البداية وحين أكتمل اصطفافنا جميعاً وتهيأ للمصور لأخذ الصورة، أوقفه العم برعي برهة من الزمن وأسرع للداخل ليرتدي البالطو الأسود الطويل زيادة في التأنق وهكذا أخذ موقعه قرب جبريل. الفراش بينما وقفنا كأشجار سامقة يتوسطنا مدير المدرسة والوكيل يضحك وهو يومئ إلي:
- هذه أستاذة نوال أين هذه الآنسة الآن؟
جلس على الأرض فأرداً رجليه في إتجاهين متعاكسين والذكريات تطفر من رأسه وهو يقول:
- أنظر، كيف يبدو أستاذ حسن معلم الجغرافيا بديناً في الصورة ياآاه لم يعد الآن هكذا!
كان يوم الاباء وتكريم الطلبة المتفوقين بذل جهداً خارقاً في ذلك اليوم وهو لا ينسى أن يوزع القفشات والضحكات على الجميع دائماً.
في الليالي الشتوية الحالكة لا ينسى أن ينبهني بضرورة إحكام الغطاء حول جسدي وهو لا يكف عن الثرثرة ومعاقرة الشاي. يحكي عن أحلامه وعن البشر الطيبين الذين يزورونه في المنام وشجرة اللالوب التي غرسها في فناء المدرسة قبل ثلاثين عاماً.
- حينما فرغت من غرسها أنقدني المستر واطسون جنيها بحاله.
- من المستر واطسون هذا؟
- يضحك ويقول:
- مدير المدرسة الانكليزي.
ربّت على كتفه في حنان وأنا أنظر شجرة اللالوب وهى تحني أغصانها أمام موجه هواء طارذة في ذلك اليوم. وقلت له:
- كأنها جزء منك
يواصل تحديقه في الصورة وهو يرتشف الشاي ثم يقول:
- ......؟
- لقد كانت ليلة قاسية!!
الريح تهوي بعنف خلف النافذة والفانوس خبأ ضوءه. أدركت تحديج نظراته في الظلام بعد أن أخمد الفانوس، يسعل وهو يثرثر ، صوته يومئ بعاطفة فوق العادة وحنين غامر، النبرات مثل طريق صحراوي موغل في المتاهات في ذاك الحين ذكر معطفه البالطو، تحت وطأة البرد والإحساس بالحاجة الماسة اليه، أخذنا أرجلنا للخارج تحت عزيف الريح الشتوية وعثرنا عليه في نهاية الأمر تحت شجرة اللالوب حيث كثيراً ما يتركه وهو يقضي النهار بطوله هنالك.
لم يكن مصقولاً ولا معاً وفخماً أو ان ارتداه وهو يتهيأ لأخذ الصورة الجماعية، عدنا للغرفة وحدثني عن أعباء النهار الأخير وهو يتلفح بالبالطو كمن يمتلك ثروة عظيمة.
حينما جاء الصباح التالي. اصطف التلاميذ وبصوت قوى حيوا العلم وأدوا التمارين الرياضية بينما كان هو يلملم بقية أشياءه، ويبحلق في الصورة جيداً.
- ممكن أخذ هذه الصورة يا استاذ.
ثم أردف:
- للذكرى فقط.
ترنح وهو يخرج، ولم ينسَ أن يحيي الجميع، كنت حينها قد أخذت مكاني أمام التلاميذ، جاء ووقف قبالة باب الفصل. لوح بيده وهو يغادر عدوت خلفه، لكنه كان قد ذهب، وجدت البالطو الأسود ملقي تحت شجرة اللالوب، نسيه وقتما كان يبحث عن شوكة من أشواك الشجرة كانت قد أنغرست في قدمه اليمنى وهو يتهيأ للمغادرة وكان ذاك آخر عمل يقوم به العم برعي قبل إحالته للتقاعد.

هشام آدم
23-03-2009, 03:13 PM
معاوية الحسن نفسه؟

ريم بدر الدين
24-03-2009, 04:24 PM
هم دوما في هذه المرحلة بعد عمر حافل
ينسون شيئا
متعمدين
ربما ليجدوا أنفسهم يوما على خارطة الذكريات
العم برعي
وجه لا يرحل من الذاكرة رغم أنه ما كان يوما في قائمة المشاهير
نص كتب باقتدار
يشد القارىء حتى النهاية
أخي معاوية الحسن
تحيتي لك