المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نخلة


ايوب صابر
09-04-2009, 11:10 AM
نخلة

كان عمره عشر أعوام حينما قتل والده وبقية أفراد عائلته في قصف جوي عنيف أصاب المنطقة التي كان يأوي بيتهم المتواضع. من يومها أصبح مظفر، ذلك الطفل النحيف، ضعيف البنية، يتيما مشردا، يفترش الأرض وتغطيه السماء في معظم الليالي، ويقتات من الصدقات رغم محاولاته الجادة في القيام بأي عمل يوفر له دخلا ولو بسيطا لأنه يكره مد اليد، فقد كان والده، كما يذكر عزيز النفس، كريما.

كان مظفر واحدا من آلاف الأطفال الذين خلفتهم الحرب من اجل الذهب الأسود، والتي شنتها جيوش الرجل الأبيض على بلاد الرافدين بحكم شريعة الذئاب التي جعلوها قانونا دوليا يخدم مصلحة الأقوى ويعطيهم الحق في تنفيذ ضربات استباقية ساحقة ماحقه، إذا ارتأوا لوحدهم أن نخله من نخلات بلاد الرافدين ربما تشكل خطرا عليهم.

مرت الأيام والليالي قاسية على مظفر الذي كان يتنقل من مكان لآخر، وفي احد الليالي الحالكة وبعد مرور أعوام على مقتل عائلته وتشرده، كان مظفر يشعر بالتعب والجوع والوحدة الشديدة بعد أن سار لأيام متواصلة دون توقف هائما على وجهه لا يعرف أين ستقوده قدماه.

اخذ التعب منه مأخذا وظن انه ميت لا محالة أن لم يأخذ قسطا من الراحة فقرر اللجوء إلى ما بدا انه ضريحا صادفه في طريقه.

استلقى مظفر في باحة الضريح وما أن وضع رأسه على الأرض حتى غط في نوم عميق، ولكن شدة الجوع أيقظته من نومه في ساعة متأخرة من الليل، فلم يجد سوى شجرة نخيل كانت قد زرعت إلى جوار ذلك الضريح.

هز مظفر النخلة بقوة فتساقط ثمرها رطبا جنيا أكل منه حتى شبع ونام بعدها نوما عميقا لم ينم مثله منذ زمن بعيد وقد رأى في منامة في تلك الليلة انه يركب حصانا ابيضا ويحمل في يده بندقية ومفتاح.

وحينما استيقظ من نومه أحس مظفر بأنه إنسان جديد، ممتلئ بالقوة والنشاط والعزيمة والتفاؤل. شعر بأن الدم يتدفق في عروقه، وأحس بأنه أصبح قويا صلبا ذو همة وشكيمة عالية ، وبدا وكأنه في عجلة من أمره وقد كلف بمهمة عظيمة عليه انجازها.

في ذلك المساء وقعت عينا مظفر على مجموعة من الشباب الملثم وعرف أنهم من الثوار. اقترب منهم وبادرهم بأن طلب منهم أن يوافقوا على انضمامه لهم ليتمكن من الأخذ بثأره. نظر قائد المجموعة تلك في عيني مظفر ، التي بدت متقدة ، ووجد نفسه يستجيب لطلبه في مخالفة لتعليمات القيادة فقد توسم في ذلك الطفل الخير الكثير وأحس أن في عينية قوة استثنائية.

لم يمض وقت طويل حتى ذاع صيت ذلك الشاب والذي بدا رجلا في تصرفاته وقدرته وحنكته وقوة عزيمته ، فقد أصبح قائدا لمجموعة في زمن قياسي بعد أن حقق انجازات اعجازيه رغم حداثة سنه.

وصلت أخبار مظفر إلى شيخ المجاهدين فطلب أن يلتقي به. وهناك نظر شيخ المجاهدين إلى مظفر نظرة فاحصة وكأنه يعرفه فقد أحس بأن كل ملامحه وتلك الشخصية الكرزمية والعيون التي تشع نورا معروفة له وكأنه التقاه من قبل.

سأله عن قصته ومنشأه فاخبره مظفر عن حاله إلى أن وصل إلى تلك الليلة التي نام فيها في ذلك الضريح واكله من ثمرة شجرة النخيل تلك، والحلم الذي راوده وركب فيه على فرس ابيض وحمل بندقية ومفتاح.

انتفض شيخ المجاهدين في مكانه وقام من توه وأدى التحية لذلك الشاب ... وقد عرف، في سره، سر ذلك الضريح وما فعلته حبات البلح في ذلك الشاب.
تهلهل وجه الشيخ وأحس أن مظفر سيدخل عاصمة الرشيد منتصرا مظفرا على صهوة حصان ابيض وبيده بندقة، ليعود النخيل سيد الاشجار.

فيصل الزوايدي
11-04-2009, 06:12 PM
أخي ايوب .. قصة عفوية و مثالية .. حملت مضمونا راقيا هو التصدي للاحتلال ..
دمت في الخير

د. محمد فؤاد منصور
12-04-2009, 09:00 AM
أخي العزيز أيوب
رغم نبل الغاية من قصتك هذه إلا أنني أراك تتعجل إخراج النص دون أن تمنحه فرصة أن تختمر فكرته في رأسك فلا تنزلق إلى المباشرة في الآداء أو بساطة الطرح بشكل مخل ..
من خصائص القصة الجيدة ،تكثيف الحدث والإيحاء وعدم الوقوع في المباشرة بالتلميح دون التصريح ،والتخلص من الزيادات التي تثقل النص دون ضرورة .. وأظنك وقعت في الكثير من هذه الأخطاء ، فرأيناك تترك الخط الرئيسي للحدث لتدخل في استطراد لاضرورة له .وسأعطيك مثالاً واحداً هنا وعليك ان تبحث عن الباقي .
والتي شنتها جيوش الرجل الأبيض على بلاد الرافدين بحكم شريعة الذئاب التي جعلوها قانونا دوليا يخدم مصلحة الأقوى ويعطيهم الحق في تنفيذ ضربات استباقية ساحقة ماحقه، إذا ارتأوا لوحدهم أن نخله من نخلات بلاد الرافدين ربما تشكل خطرا عليهم.
ماضرورة هذا الأستطراد الإنشائي في نظرك ؟ وبماذا يفيد الفكرة ؟
لغتك أيضاً تحتاج للأشتغال عليها كثيراً حتى تستقيم لك ..
مودتي الدائمة وأرق تحياتي.

ايوب صابر
12-04-2009, 05:04 PM
اقتباس من د. محمد فواد منصور " رغم نبل الغاية من قصتك هذه إلا أنني أراك تتعجل إخراج النص دون أن تمنحه فرصة أن تختمر فكرته في رأسك فلا تنزلق إلى المباشرة في الأداء أو بساطة الطرح بشكل مخل

من خصائص القصة الجيدة ،تكثيف الحدث والإيحاء وعدم الوقوع في المباشرة بالتلميح دون التصريح ،والتخلص من الزيادات التي تثقل النص دون ضرورة .. وأظنك وقعت في الكثير من هذه الأخطاء ، فرأيناك تترك الخط الرئيسي للحدث لتدخل في استطراد لا ضرورة له .وسأعطيك مثالاً واحداً هنا وعليك أن تبحث عن الباقي"

عزيزي الدكتور محمد المحترم

أولا أشكرك جزيل الشكر على مرورك ومداخلتك الكريمة فكل كلمة تقال عن نص هي فائدة له وللكاتب حتما وأنا كوني مبتدئ في فن القصة بحاجة لمثل هذه التوجيهات والنصائح حتما...

ثانيا اسمح لي بالاجتهاد بالرد على ما ورد في تعليقكم الكريم وربما نفتح هنا نقاشا يشارك فيه الجميع فتعم الفائدة...ولست بصدد الدفاع عن قصتي هنا...

أولا : أن فعل الكتابة هو طريقة للتعبير عما يجول في خاطرنا من مشاعر وأفكار ، وهي عمل إبداعي ولذلك أجد ضرورة أن يترك للكاتب مساحة يكون فيها مبدعا متميزا وليس بالضرورة أن يلتزم بما يقوله الآخرون له ، فربما في فعل الكتابة الخاص به تحدث الطفرة التي تجعل من عمله شيئا مميزا كما حصل عندما كتبت نازك الملائكة أو قصيدة نثرية لها فلو أن نازك الملائكة والتزاما بالقوانين المتشددة في الكتابة الشعرية التقليدية ألقت بقصيدتها في سلة المهملات لما حصلنا على الثورة العارمة في الكتابة الشعرية الحديثة و لما كان لدينا أشعار نزار قباني وغيره الكثير...

ولا اعرف مدى صحة أن نطلب من الكاتب أن يكون عمله ضمن قالب محددة أو منسجم مع توقعات الآخرين، وكأنها فرمان سلطاني، فلا بد أن يكون عالم الإبداع عالم مفتوح.... وهذا لا يعني بالضرورة أن اكتب مسرحية أو خاطرة وأقول عنها قصة مثلا...فلا بد من الالتزام بالحد الأدنى من الشروط التي تجعل من العمل يقع ضمن إطار محدد ولكن شرط أن لا يؤثر ذلك على الهدف والغرض من الكتابة.

ثانيا: تصوري أن الغرض من الكتابة إضافة إلى انه تعبير عما يجول في خاطر الكاتب من أفكار ومشاعر self revelation أو unfolding of the unconscious فالغاية هي الإمتاع والإقناع وإيصال فكرة. واذا استطاع العمل الأدبي الإيفاء بهذا الغرض فهو نجح حتى ولو لم يكتسب الشعبية بالسرعة العاجلة وظني أن كل عمل أدبي مبدع يلقى التحفظ من المدارس القائمة لأنه يشكل إضافة وتغيير والناس والمجتمعات بطبيعتها تقاوم التغيير..

ثالثا : قد يكون للأدب المقاوم خصوصيته فهو لا يهدف إلى الإمتاع وربما ما دام الغرض سامي فماذا يحصل لو تحرر قليلا من القيود التقليدية ...ولماذا يكون فيه تعقيد ما دامت الغاية نبيلة كما تقول...ألا يجدر به أن يكون بسيطا مفهوما مؤثرا في كل من يتصفحه...

رابعا : ربما يجدر بنا أن لا ننسى بأن بعض الكتاب يرون في التكثيف قوة للنص ولكن البعض الآخر يرى بأنه إرهاق لبعض مكونات القصة والاختلاف في ذلك لا بد أن يكون مقبول فالمهم في النهاية هو نجاح العمل المبدع في أداء الغرض منه...

صحيح إن البلاغة في الإيجاز، ولكن ألا يضر التكثيف أحيانا بالنص حينما يكون مبالغ فيه، بحيث يجعل القارئ يحس بالغبن من خلال التكثيف غير الموظف وذلك حينما يقوم الكاتب بالاختزال من اجل الاختزال والتكثيف فقط، وبحيث يتحول النص إلى تراكيب غير مترابطة وغير متناسقة وبالتالي ليس لها معنى....

أتصور انه كما أن الإطالة غير مطلوبة دائما فالتكثيف غير مطلوب دائما وليس بالضرورة الأخذ ما قاله الآخرون عن التكيف أمثال ادجر الن بو فهم ليس قرانا والذي يتلخص قوله " يجب أن تكتب كلمة واحدة لا تخدم غرض الكاتب" فلماذا لا ننظر إلى الإطناب على انه مقبول أذا كان يخدم غرض الكاتب؟

أنا مع تجنب الحشو والإطناب والغوص في التفاصيل والاقتصاد في اللغة ما أمكن ولكن ليس على حساب الفكرة والغرض الذي تريد إيصاله وان تطلب ذلك قول المزيد ليتم إيضاح الفكرة.

المهم أن يكون العمل ( القصة ) وحدة عضوية متماسكة والمهم أن لا يحتوى النص على وصف أو إطناب لا يخدم غرض الكاتب ويكون غير لازم وان لا توجد شخصيات يمكن حذفها دون أن توثر على النص.
وأنا مع عدم محاولة تأطير الفن ومحاولة احتواه بصورة مطلقة ضمن قوالب محددة فلا يجب أن نضع أسسا مطلقة للفن ربما ؟

د. محمد فؤاد منصور
12-04-2009, 08:44 PM
أخي العزيز أيوب صابر
أنت دائماً تثير عواصف من النقاش حول نصوصك وهذا جيد جداً لأنه يثري المكان هنا وشخصياً أسعد وأستفيد من هذه المناقشات ، وأنا اتفق معك في كل كلمة قلتها هنا ..أنا لست مع تكثيف النص للحد الذي يحوله إلى أحجية أو لغز ولعلك تلاحظ إنني تحدثت عن تكثيف الحدث لا النص وهذا أمر مختلف بدليل المثال الذي وضعته فأنت عندما تتحدث عن جزئية في الحدث ثم تنطلق منها لأستطراد يبعد ذهن القارئ او يشتت تفكيره عن متابعة الحدث الرئيسي فهذا بالتأكيد لايخدمك ككاتب ولايخدم النص كفكرة ، من جهة ثانية أنا لست ضد التجريب ولاأدعو لقوالب جامدة للنص القصصي ، ولاأحب أن تحمل كلامي أو تعليقي على أنه انتقاص من قدرك ككاتب أو من النص كمحاولة قصصية لها احترامها لأن آراءنا في النهاية مجرد انطباعات عن العمل وليست عملاً نقدياً ممنهجاً او أكاديمياً وبالتالي لك أن تتفق معها أو تختلف فهذا شأنك والنص في النهاية هو نصك أنت الذي يحمل اسمك ولايلزمك أن تفكر فيما اكتبه عنه إلا بقدر مايهمك آراء كتابك فيماتكتب ..
في النهاية أشكرك على إتاحة هذه الفرصة للتوضيح.
مودتي الدائمة .

ايوب صابر
13-04-2009, 11:57 AM
العزيز د. محمد منصور المحترم

لا بد ان اعترف بأن مجمل ما قلته عن اعمالي صحيح وما نقاشي الا لاثارة الجوانب النقدية وخواص العمل بهدف الاستنارة والتعلم رغم ان هناك محاولة منى للدفاع المستميت احيانا عن اعمال لم ترق للذائقة حتما.
على كل حال سأظل احاول فأن نجحت كان خيرا وان لم انجح فيكفيني انني حاولت...
وشكرا...

أم إيمان
13-04-2009, 02:01 PM
قرات القصة ....واتضح لي اختلاف كبير في الاسلوب بالمقارنة مع طريقتك في ثلاثيتك ليلة حب .....ارى فعلا ان الاسلوب هنا تميز بالبساطة التامة و موضوع القصة عفوي ولكن ما ازعجني اثناء القراءة هو تكرار اسم مظفر في بعض المقاطع و كان يجب تعويضه بالضمير
على كل حال اسعدني كثيرا ان اقرا قصصك سيدي الكريم و بصفة عامة اسلوبك سلس و مشوق
بالتوفيق