المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة من لندن...!!


ابراهيم داود
23-04-2009, 10:07 AM
رسالة من لندن مذ سافر حازم الى لندن فى بعثة تعليمية وهو يراسل أخاه الأكبر بإنتظام , كان يقص فى رسالاته عن كل مايمر به , وكل مشكلة تعتريه , وكل موقف يتعرض له .. ولم لا ..؟ فقد اعتاد أن يصارح أخاه بكل شىء , يأخذ منه النصيحة , ويستلهم منه الحكمة .. فقد كان أخوه بمثابة الأب والعم والخال والصديق .. يثق فى رجاحة عقله .. وعمق تفكيره ..
وفى يوم زرت الأخ الأكبر .. وتشعب الحديث .. وبالطبع سألته عن حال أخيه فى لندن .. ابتسم وأخرج من جيبه خطابا تلقاه منه وقال وهى يضعه فى يدى :
- إقرأ .. هذه آخر أخبار أخى ..
**************
أخى الحبيب
تحية عاطرة
منذ أن وطئت بأقدامى أرض مدينة لندن .. وكما كتبت فى رسائلى السابقة لم أخرج من صومعتى .. الجامعة .. الفندق .. غير أنى أؤدى صلاتى فى أوقاتها . وأتلو القرآن كل صباح .. وأذكر الأدعية فى المساء .. انخرطت فى الحياة الجديدة لكن بحذر وتوجس .. دققت فى كل تصرفاتى .. حاسبت نفسى عن كل شاردة .. أغمضت عيني عن كل فحش .. كنت أذهب الى الجامعة مترجلا ومارا بميدان بيكادللى الشهير .. كنت ألمح الشبان والفتيات يمرحون .. يصخبون .. فأدير وجهى وأسرع الخطى عابرا الميدان بسرعة كأنى أهرب من شيطان .. علمتنى ياأخى أن أصلى .. وأن أحتهد فى دروسى .. وكانت لكلماتك أوقع الأثر فى نفسى .. ونصائحك ترن فى أذناي ( اياك والسهر والعربدة وصحبة النساء ) .. وكلما اختلط علي الأمر أو عنً لى شىء ما .. سألت نفسى :
- ترى كيف يتصرف أخى لو كان فى مثل موقفى .. ؟؟
حتى كان يوما
مررت بالميدان كعادتى .. كان المطر ينهمر بهوس .. والثلج يتساقط بغزارة .. والناس من حولى يجرون .. يبتعدون عن الخلاء .. ويبحثون عن مكان يحميهم .. أما أنا فقد احتميت تحت مظلة صغيرة بعد أن دثرت نفسى جيدا بالكوفية ووقفت أرقب الطريق .والمارة .. بعد برهة لمحت فتاة تتقدم نحوى مسرعة ثم تقف الى جوارى وقد التصقت بى تحت المظلة .. كانت ترتعش من البرد الشديد حتى أكاد أسمع صوت اصطكاك أسنانها .. ومياه المطر بللت ملابسها .. وتهدًل شعرها على جبينها فى فوضى .. أحسست بشفقة اجتاحت كيانى .. بسرعة خلعت معطفى ورفعته واضعا اياه على كتفيها .. نظرت نحوى بإمتنان وهى تمسح قطع الثلج من فوق جبينها .. شعرت براحة عجيبة .. شعرت أن مافعلته كان نابعا من رغبة غريزية فى المساعدة ومد يد العون .كتلك الرغبة التى تدفعنا الى اختطاف طفل من طريق احدى السيارات أو تلك التى تدفع شخصا لايجيد السباحة الى الوثوب من فوق جسر لإنقاذ انسان أشرف على الغرق .. هكذا تصورت .. والفتاة ملتصقة بى .. وصوت المطر يخفت تدريجيا حتى انقطع تماما وعادت الحياة ثانية الى المدينة .. أفقت من تطلعى وجدت الفتاة تنظر الي بعينين فيهما سحر وبراءة وقالت :
- أشكرك .. يبدو أنك شرقي ..؟
هززت رأسى .. رفعت المعطف من فوق كتفيها وناولته لى , أطالت التحديق فى وجهى ثم تبسمت وهي تقول :
- هل تعرف أن عيناك ساحرتان ..؟
لم أجب .. إحمر وجهى خجلا فأسبلت عينى .. أكملت :
- أنت خجلان .. أنت هنا فى لندن !!
حاولت أن أتكلم وأنا أضع المعطف على كتفى .. قالت وهى تشير بأصبعها آخر الشارع :
- أنظر .. على بعد خطوات يوجد مطعم صغير .. .. هل تمانع أن نتناول طعام العشاء فيه الليلة .. ؟
لم أعرف كيف أجيب .. ازددت خجلا .. سكتت الفتاه برهة وهى تتابع التحديق ثم قالت :
- سأنتظرك موعدنا الساعة الثامنة .
انصرفت ..مرقت كالغزال وهى تنظر الي وتشير بيدها ..
دخلت جامعتى لأول مرة وعقلى مشتت .. عينا الفتاة الساحرتان وإنطلاقها كالغزال وصوتها الساحر كأنه صوت ربابة .. والموعد الذى ضربته لى الساعة الثامنة
عدت فى الرابعة الى الفندق وأنا مضطرب .. قلق .. أخذت أتلو القران كأننى موشك على الغرق .. أو لعل نور الإيمان يثبت قلبى .. ولكنى أشعر بإنحراف حاد فى أحاسيسى .. انى أنزلق فى هدوء لكن فى ثبات وإصرار .. أطبقت المصحف الكريم . شعرت بأن مايدور فى خاطرى لاينبغى أن يجول فيه وأنا أمس الكتاب الطاهر .. اليوم موعد فى مطعم وغدا موعد فى مخدع وهنا لافرق !!
وقفت أصلى العصر وعقلى شارد ثم صليت المغرب وكنت أتلو الآيات وأنا لاأعيها .. شعرت بأننى أنافق ربى .. أصلى له بفكر مشتت وعقل عابث .. وكلما مر الوقت اشتد وجيب قلبى .. وكلما نظرت الى الساعة أجد نفسى مدفوعا دفعا الى أن ألبى الدعوة لماذا أحاول إنتقاء أحسن ملابسى .. ؟ لماذا أحلق ذقنى ؟ لماذا أفعل ذلك وأنا لم أقرر بعد الذهاب ؟! ربما كان عقلى الباطن قد قرر وانتهى الأمر .. ربما كان سحر الفتاة قد استولى عليً فأصبحت بلا إرادة .. ذهبت فى الموعد تماما .. كان المطعم غاصا بالرواد .. والأنوار متلألأة .. الوجوه مشرقة .. الضحكات خافتة .. رأيت صاحبتى تجلس على مائدة تقدمت نحوها وجلست قبالتها فى إرتباك .. استقبلتنى بإبتسامة ساحرة وعينان تلمعان قالت :
- أردت أن أشكرك على جميل صنعك قصصت ماحدث على أمى وأبى فباركا هذا اللقاء وشجعانى على دعوتى هذه لك.
شعرت بعجب أخى العزيز , شعرت بالفارق , أتذكر ماحدث الصيف الماضى عندما وقف عويس يتكلم مع سعدية فى الحقل .. مجرد كلام .. فقد ثار والدها وبالمنجل ذبحها كما تذبح النعجة .. أما هنا فأبيها وأمها جلسا يتحاوران .. يفكران فى كيفية رد الجميل الي ..!
بدا لى سحر روحها أروع ألف مرة من سحر وجهها وجسدها .. لاأكتمك أخى اننى جئت الى الموعد وفى ظنى انه موعد غرام .. ومن يدرى ؟ ربما يكون موعد اثم وفجور ..
وقتها احتقرت نفسى .. شعرت بأننى انسان كنت مستعدا أن أتخلى عن مبادئى وتربيتى ودينى لمجرد اشارة وابتسامة وصوت عزب .. ماأضعف ايمانى ..
كان حديث الفتاة عجبا .. سألتنى عن دينى وبلادى وتقاليدى الإجتماعية .. أفضت اليها , قالت :
- ليتنى أستطيع زيارة بلادكم الجميلة , سأبذل كل جهدى لأحقق هذه الأمنية .. وفور تخرجى من الممكن أن أقوم بالسياحة أنا وخطيبى !
أفقت من ذهولى .. ومن السحر الذى نثرته الفتاة حولى .. خطيبها .. حسبت أول الأمر أنها تصطاد رجلا وفى أحسن الظروف زوجا .. ولكن هاهى مخطوبة .. انها لاتفعل الا عملا إنسانيا محضا .. كاد ريقى يجف .. وأخذت الكلمات تتعثر فى فمى .. هل أحببتها ؟ هل أغار عليها ؟؟ ها أناذا أكاد أتهاوى لأنه لايمكن أن تكون هذه أو تلك ..!
سألتها :
- هل تحبينه ..؟
أبدت دهشتها من السؤال وقالت :
- ولماذا اذن اخترته زوجا لى ..؟
طال الحديث , كانت كثيرة الإبتسام .. وكنت مهموما دائم الإنقباض
بدت أمامى رائعة ساحرة .. قالت ونحن نفترق :
- اتمنى أن أراك كل اسبوع .. واذا جاء خطيبى فسيسعده هو الآخر التعرف عليك ..!
وافترقنا .. ولم اذهب للموعد .. كانت حياتى تتنازعها قوى متعددة متجسدة فى أمنيات لم تتم .. تمنيت لو لم تكن محبوبة اذن لأحببتها .. تمنيت لو لم أكن قد رأيتها اذا لأرتحت من نار الحب التى تتلظى فى قلبى .. تمنيت لو تركتنى حيث كنت فى صومعتى .. وعزلتى ..
وانطلقت فى السهر لأنى وجدت فيه ماينسينى بعض خجلى وانطوائى وعدم تقديرى الجيد للأمور ..
وثبت لدى أن الأشخاص الذين طبعوا على الهدوء والدعة هم وحدهم الذين يعانون من هذه الإنفعالات عندما تنفجر عواطفهم المكبوتة بمثل القوًة التى ينفجر بها البركان . بهرتنى الحياة الجديدة .. فتيات جميلات .. غناء ,, أضواء .. رقص .. وفى غمرة السقوط نسيت الفتاة تماما وأصبحت أسخر من براءتى وحيائى !!
حتى كانت ليلة رأس السنة
اشتعلت لندن بالأضواء المبهرة .. والأنوار الساطعة .. والصخب الهادر
ذهبت الى صالة الرقص .. كانت الموسيقى مثيرة .. وكنت فتى السهرة بلا منازع والبنات تدعوننى للرقص .. ودعتنى واحدة فلبيت دعوتها وبينما كنت اخاصرها والموسيقى تزعق كأنها شيطان .. ملت عليها وضممتها الى صدرى .. هاهى .. هى بعينيها الفتاة .. املى ورجائى .. أفقت ولمحت فى عينيها بريق ملاك يغيب ونظرات شيطان صاعد ..!
قالت :
- أنت ؟
قلت
- أنت ؟
كانت الخمر تفوح من فمها وجسدها يضطرب بين يدى .. قالت :
- دعنا نخرج بعيدا إن لى معك حديثا
طال الحديث وسألتها عن تبدل حالها قالت فى حزن :
- خاننى خطيبى وتركنى وذهب ولن يعود ..
سألتها :
- وهل هذا سبب يجعلك تبدين هكذا ..؟
قالت :
- حياتى ملكى وسأعيش كما أريد
قلت لها :
- نتزوج سويا
قالت :
- لن أفعل .. أحببت مرة واحدة وخاننى الحب فأغلقت قلبى
قلت :
- لن تستطيعى إن الحب يطرق القلب وقت أن يشاء
قالت :
- ووقت أن أشاء أنا أيضا ..!
سألتنى صاخبة :
- وأنت هل ذقت الحب ..؟
قلت :
- نعم مرة واحدة ذات مساء !!
قالت :
- ثم
قلت :
- ذهب ولن يعود
حاولت أن تلتصق بى .. دفعتها دفعا الى الصالة ثم خرجت أفر بنفسى فرارا
سرت فى الطرقات أتنفس نسيم الفجر المنعش والسكارى يتخبطون من حولى ..
كنت واضح الهدف .. نظرت الى السماء .. ظلمة الليل قد بهتت وإنسكب فى الأفق الشرقى نور الفجر الهادىء .. كنت قد اقتربت من مسكنى ومررت على مسجد بابه مفتوح .. نظرت بداخله مدفوعا برغبة مجهولة .. وإذ بصوت المؤذن تلتقطه أذناي .. يدعو الى الصلاة .. كان صوت المؤذن جميلا .. تمشًت فى حواسى نور إيمانى .. وعصر قلبى حنين سماوى .. وإهتز وجدانى بعنف وكأنى أسمعه لأول مرة ..
أخى الحبيب
الحياة أعظم جامعة للتعليم
دعنى آخذ عظاتى منها .. لاتعظنى هذه المرة .
وتقبل خالص ودى .
..

ريم بدر الدين
23-04-2009, 01:47 PM
هذا الخروج من مجتمع يحمل قيما و مبادىء تصل إلى حد الإقفال التام على الحريات إلى مجتمع الحرية الغير مضبوطة فيه هي الناظم الأساسي لكل جوانبه ، خروج يخلق ثورات لا ثورة واحدة.
و ليس صحيحا أننا نحصن أبناءنا الماضين إلى هناك بالالتزام الديني المتشدد
لا أستطيع أن أطلب من أي شاب في غمرة هذه المغريات و الملذات أن يلتزم جانب التقوى و العفاف دون أن أقدم له البديل
و هاهو حاول أن يلتزم ما أمكنه لكن في داخله تصطرع براكين لم تستطع مقاومة أول هبة ريح حتى انطلقت فائرة غير محدودة بضابط
...لم تعده النصائح و الإرشادات و لم يعده التخويف و الترهيب
أعادته ببساطة نفحة طيبة من حب الله عزوجل
أسلوب القصة جميل حيث دخلنا النص من بوابة رسالة
ليس مهما مدى ما أدركته الرسالة عند أخي الكاتب او صديقه المهم أنها كانت رسالة جمعية لكل مربٍ و من يقوم بهذا الشأن
ملاحظات بسيطة
كاانت السماء تمطر بغزارة
عندما دخلت تحت مظلته مسح قطع الثلج عن جبينها
هنا أعتقد هنة شابت النص

عذوبة و ليست عزوبة
مرقت مرت
متلألأة متلألئة
همزات القطع و الوصل تموضعت في أماكن خاطئة
أخي ابراهيم داوود
تقبل مروري
تحيتي لك

د. محمد فؤاد منصور
24-04-2009, 09:39 AM
أخي إبراهيم
هذه قصة تتمتع بكل ماللقص الجميل من صفات .. وهي ممايروقني كثيراً فهي حكاية تحمل فكراً ورسالة بل رسائل متعددة ، تعقد مقارنة بين الغرب المادي والشرق الروحي ..في أسلوب جاذب وسرد رائع تتميز به نصوصك .. نقطة الضعف الوحيدة في نظري هو وضعك للقصة في صورة رسالة .. فقد استلزم هذا مقدمة لاضرورة لها ، وخاتمة لاتفيد النص ، ولو أنك بدأت القصة ، من بداية الحكاية الطبيعية لاختلف الأمر كثيراً.. لكن هذا لايقلل على كل حال من امتياز النص وبراعة القص ..
مودتي الدائمة وأرق تحياتي.

مصطفى ابووافيه
25-04-2009, 08:28 PM
الاخ العزيز / ابراهيم داود
انه الصراع بين الشرق والغرب ، المعادله الصعبه التى يعجز الاباء عن حلها ، هل تربية الابناء فى هذا الزمن يجب ان تنبنى على اساس الاتزام التام بالدين والعادات والتقاليد الشرقيه !ام التربيه تكون على الطريقه الغربيه ؟ سؤال يحتار فيه الآباء وغالبا ما تكون النتيجه هى تربيه مشوهه ، خليط بين هذا وذاك .
قصه رائعه هادفه اهنأك عليها
دمت لنا مبدعا ولك تحياتى

مأمون المغازي
27-04-2009, 02:32 AM
رسالة من لندن = رسالة من أي مكان = رسالة من كل مكان

من صنوف القصة التقليدية الرسالة لأنها تكون مساحات أوسع للحكي حيث يستطيع المتلقي أن يتخذ مكان المرسل إليه ويسمع بنفسه من خلال الكلام صوت المرسل. بيد أن القاص هنا ارتكز على التقديم ـ بما أنها رسالة ـ وأتفق مع الدكتور : محمد فؤاد منصور في رأيه حول المقدمة إلى حد كبير وإن كنت محايدًا لقلت: كان يكفي أن يقول القاص عبارة واحدة دالة على أنها رسالة لتتم البنائية وفق ما خطط له، ربما حاول القاص أن يطلق للقصة العنان لتنطلق على سجيتها دون أن يتدخل في القص إلا أن هذا الهدف لم يمكنه من نفسه بالشكل المطلوب فقد لمسنا وجود القا وتدخله في العمل من آن إلى آخر حين كان يأخذ بيد البطل مما جعله يطيل الوصف أحيانًا ويحكي عن الإيمان وطقوس يومه وتعامله مع الفرض ومع كتاب الله وكأننا أمام فلسفة القاص لا فلسفة البطل في حان كان بطل العمل يملك من الإمكانات الحركية ما يؤهله للنقلات اللافتة التي تعبر أكثر مما يعبر الكلام حتى لو كان هذا في رسالة، كما أننا نقرأ قصة في العام 2009، وعلى الرغم من بعض الثبات النسبي لبعض العادات في الريف أو البدو أو الصعيد أو أو أو إلا أن حكاية قطع الرأس بالمنجل لمجرد الكلام في الحقل بدت وكأنها دخيلة على النص وفق تناميات الحدث ووفق التنامي النفسي للبطل وإن كان الصراع النفسي استغرق وقتًا في الإفصاح عن نفسه إذا قيس بمساحة الحكي والمساحة الزمنية للقصة التي اجتمعت للحدث فيها روافد عدة من حيث الأمكنة ومن حيث الشخوص الأساسية والمساعدة، ومن حيث الأسس الأخلاقية والتي نجح القاص بدرجة معقولة في إبراز لون من التناقضات، لكنها ليست التناقضات الحقيقية الواقعية وإنما هي التناقضات في فهم الآخر وفهم الدين وفهم الأخلاق وفهم الفضيلة وفوق كل هذا فهم الأنثى والتعامل معها كل هذا ينطوي في إطار فهم الآخر .
القاص نقلنا إلى حضارة أخرى وحاضرة أخرى وليست النقلة هنا جديدة بل دارجة فكثيرًا ما تناولت الأعمال نقلة الريفي إلى عالم الغرب ليسكب صاحب العمل في هذه القفزة ما يعانيه هذا المنتقل في حين يبرز الآخر في حالة ثبات وتكيف مع واقعه وظروفه، كما أنه متوازن نفسيًا وإن ظهرت معاناة أو ظهر اضطراب فهو كالطيف لا يأخذنا إلى عمقه ربما لأنه غير مطالب بعلاج حالة الغربي وإنما هو يركز الضوء على الشرقي الذي تنتهبه الحضارة الغربية .
بطل العمل الشاب الذاهب للدراسة أجيد بناؤه نفسيًا بما يتناسب وفكر القاص . لكن هل أجيد بناؤه نفسيًا بما يتناسب والعصر ، وما يتناسب والانفتاح الثقافي ، وما يتناسب وضيق الحيز المكاني اليوم ؟ بل هل يتناسب وزوال الحدود الاتصالية ؟ أسئلة فرضت نفسها وأنا أرى البطل جاهلاً بالمكان والشخوص وميكانيكيات العلاقات مع العالم في حين هو الطالب الجامعي الفائق المنتقل إلى لندن لاستكمال دراساته.
بطلنا هنا وفق ما استعرض لنا من أفكار وصراعات لم يكن في حاجة لننقله لمجتمع آخر لنعبر عن هذه الفلسفة التي يحملها فعلى الرغم من هذا الانفجار الحضاري وتطور الفهم للأخلاق والفضيلة وزوال الخوف الضارب بجذوره بين النوعين الإنسانيين لأن ما عاناه في لندن يعانيه في أي مدينة عربية بل وفي أي قرية كبيرة فالنظرة تعني الرذيلة ، والكلمة تعني المواعدة ، والطاولة تعني الفراش فيما بعد ، ومد اليد تعني الشيطان ، ومقابل الشيء شيء بالضد، هذا ما لعب عليه القاص في مرآة للتدين والفضيلة وهذا نفسه ما يعانيه المجتمع الشرقي الذي لم يتخلص بعد من النظرة للأنثى، الغريب أن الماضي يحكي غير هذا من حيث البناء الطبقي ونظرة الأعلى للأدنى ونظرة الرجل للمرأة في البيت والشارع ومع انفتاح العالم وتطور المجتمعات تفاقمت المشكلة فزادت أمراض الشباب النفسية، ولا يمكننا أن نقف في صف القاص ونتهم الشباب وحدهم أو نفرض مرحلة عمرية لما استعرضه القاص من خلال أفكار البطل حول البنت وإنما امتد هذا لكل الأعمار والنوعين الإنسانيين على حد سواء، ولا أجد نفسي مضطرًا لأن أتوارى خلف كتاب الله لأبرز أنني أعاني وأنني مغلوب على أمري لأن المعادلة بسيطة جدًا وهي الحب، فحب الله كفيل أن يجعل المؤمن به مستقرًا نفسيًا فتأتي الخشية طبيعية ويأتي الخوف مفيدًا ، أما بطلنا فقد وقف موقفًا لا يتناسب والفهم ـ خصوصًا لمن في مكانه ـ فقد ظهر لنا في صورة الضعيف الذي ينهار أمام أول تجربة حقيقية واحتكاك بفتاة غربية، وإن كان أظهر عدم قبوله لموقفه من الله حين هرب إلى الصلاة فهذا لا يكفي لتبرئته مما يحمل من صورة للأنثى، بل زاد فوق هذا ذلك الفهم الخاطئ للدين الإسلامي وأنه دين كبت ناتج عن المجاهدة، فالمجاهدة لا تستدعي هذا الشعور بالذنب إذا كانت طبيعية مبنية على حسن الظن وسلامة النية والبناء العقدي القوي لا أن نصور المرأة على أنها الشيطان الآخذ بيدنا إلى النار دون أن تظهر أي لون من هذا.لذلك أتت ممارسات البطل لأفكاره في المقهى غير سوية تهدمها البنت ببساطتها وتلقائيتها، ولولا الخاتمة لقلت : إن القاص عمد إلى هذا ليصحح فهم الشرقي للغرب أو للجنس الآخر أو للحاضر الانفتاحي، لكن الإغلاق جاء مؤكدًا ضعف البناء النفسي والعقدي والفكري لهذا البطل حيث خرج من العزلة إلى الفساد . هوة شاسعة في هذه النقلة وفي مساحة زمنية ضيقة في حين تحتاج مساحة زمنية كانت تصلح لرواية أو سيناريو.
وظهر تدخل القاص أكثر في أن تلتقي البنت الشاب في المرقص في رأس السنة في الليل وتراقصه وتفصح له عن فشل علاقتها بخطيبها الذي خانها وتبدل فلسفتها في الحياة .
هنا نقلات لا يمكن أن تتلاقى في منطقية، حيث إننا نعاني مع الأفلام تلك النهاية بقبلة حبيبين بعد خصام وفرقة واقفين على حافتها ناسين أن الحياة ممتدة لابد فيها من صراعات آتية، أو حبس مجرم له أعوان، كأننا نعالج الواقع بمسكانت لا تشفي . فكيف نقيم حدثًا على تصريحات فتاة مخمورة،ولماذا المسجد ؟ وكيف دخله الشاب الخارج من مرقص وعربدة بين السكارى ؟؟ ربما كان يمكن إقامة معادلات موضوعية ومساندات لسلامة سير الحدث، لكن يبدو أن القاص خشي أن يطول العمل أكثر أو ربما له وجهة نظر أخرى نقدرها ونحترمها .

قد أكون قد أطلت في هذه القراءة ، لكن العمل مغرٍ بالتناول وهو يحمل رسالة بلا شك أو كما قال الدكتور : محمد منصور عدة رسائل واضحة حتى الإغلاق حمل رسالة وهي تنظيم أسس التربية والتوجيه والإرشاد والبعد عن المحاصرة وكثرة وضع القواعد والتخويف لكن هذا اللإغلاق لم يفد العمل ولو أن الغرض انسجم مع نسيج القصة لكان أفضل، بحيث يأتي الإغلاق متناغمًا مع السرد أو مفاجئًا للمتلقي أو مفتوحًا تاركًا المجال لفكر المتلقي، القصة تحتمل أكثر من طريقة للإغلاق، وما زلت أشهد للعمل برسالته السامية والراحة التي تكتنفه النابعة من الحكي .

الأستاذ الأديب : إبراهيم داود؛
أشكرك لما قدمت لنا وأتمنى أن أعيش أكثر مع أعمالك الجميلة وأن تعيش مع أعمال إخواننا من أدباء الأروقة فالبيت واحد والأسرة يد بيد .

تقبل محبتي واحترامي

مأمون

غفران طحّان
29-04-2009, 11:27 PM
هو نص من أجمل ما قرأته لك أستاذي إبراهيم
دمت متألقاً
تقبّل الياسمين
ومودتي