المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القـــرد:


ضيف حمراوي
01-06-2009, 07:30 PM
القـــرد:
قال العبد للقرد:
أضعك تحت تصرف السيد من الآن، يتسلى بك، أو يرتديك في حذائه، أو تقضي نزوة تطوف بخياله..
أراد القرد أن يحتج، لكنه تراجع بعد أن مرر - بلمح البصر- شريطا لتاريخ الأمة كان مركونا في دولاب ذاكرته فقدر العواقب، وخلص إلى أن في الصمت حكمة.
أشار السيد للعبد أن انصرف ، ورأى العبد أن يذكر القرد بما يجب قبل الانصراف فنظر إليه وفي وجهه صرامة الواعد المتوعد : سري عن سيدنا يغمرك الرضا وتنال موزة أو موزتين ، وإذا أخلصت فقد تحصل على سروال تستر به عورتك.
صعد القرد نظرة كسيرة إلى وجهي السيد ثم العبد ، وحك رأسه العاجز، وقد أقعى يفكر ويقدر وقد بدت عليه علامات الشيخوخة والهرم تسبحان في عينين غائرتين تتلاطم في أعماقهما أمواج الحيرة والضياع.
ثم رأي أن الأخلاق تحتم أن يحي الداخل القار فقال : عم صباحا يا سيدي ، وليهنأ يومك ، واعذرني إذا ما عجزت عن إسعادك ، ولك في تصرفك بي أو مني ما تشاء على قدر ما استطيع أن أحفظ معه النفس وما زاد عن ذلك فهو بالنسبة لي فضلة.
قال السيد: سبحان الله لصوتك في أذني ألفة وموقع ، وصوتك ليس بالغريب .
قال القرد: بيننا معرفة وصداقة قديمة يا سيدي، ومنعني الحياء وتباين المقام أن أشير إليها.
غضب السيد وقال:
يا قليل الحياء مكشوف العورة هل تراني قردا حتى أصادق القردة؟
لا يا سيدي حاشاك، لست أنت القرد،ولكن كانت صداقتنا قبل أن امسخ أنا قردا. أيام الطفولة والصبا، عندما كنا في المدرسة، كنت أنت تجلس إلى جانبي وكنت آنذاك حاد الذكاء حسبما كان يزعم معلمنا الغبي ،بينما كان ينعتك بالغباء ،ولعلك تذكر أنك رميته بحذائك وفررت من المدرسة. ولم تعد إليها أبدا، وقد فتحت لك تلك الحادثة باب السعد .
تعجب السيد وقال : سبحان الله ، ذلك ما وقع فعلا ، لكنني لا أصدقك.
قال القرد : صدق يا سيدي صدق، فأنا التلميذ "نبيه" الذي كان يجيب عن كل صعب ،و يفهم ويحفظ كل معقد وغريب .
ما الذي جرى لك؟
- عاقبني الله يا سيدي على آثام ارتكبتها تباعا.
لم يكن معروفا عليك الشرانية او العدوانية ، كنت طيبا وديعا على خلق .
- وتلك بعض الآثام يا سيدي ، فأول إثم يا سيدي أنني كنت صادقا في كل أقوالي وفي كل أعمالي ؛ فعرف عني الناس سري وعلانيتي ، وامنوا جانبي ،وصنفوني مغفلا ، لأني كنت اخبرهم عما يقع قبل أن يقع ، وآتيهم بما خفي كما وقع ،وابدي عداوتي لعدوي فيهزمني عند الواقعة، ويتأكد صديقي من وفائي وطيبتي فيبيعني لتحصيل مصلحة ويسترضيني بعدها فيستردني وهكذا دواليك
- هل تريد أن تقنعني أن الله مسخك قردا لتصافك بهذه الصفات؟!.
لا ولكني اعتقد أنه مسخني قردا لارتكابي كبيرة لا تغتفر؟
ماهي؟
- لما هجرت أنت المدرسة مهديا إلى طريق الرشاد، لازمت أنا معلمنا الغبي الذي كان لا ينفك يذمك ويضرب بك المثل في الغباء، وانك ستبقي إلى الأبد عاجزا عن جمع أربعة إلى اثنين.
- وهل كنت تصدقه؟
- فيما يتعلق بالحساب وشؤون الدراسة واقع الحال كان معه، وتكذيبه وقد علمني الصدق لم يكن ممكنا
ولكني لم انتبه إلى أن عقله الصغير كان لا يتسع مداه عن مدى الصفحة التي يقرأها.
ولغبائي كنت أصدقه وأخذ بأقواله ونصائحه.
- وماذا وجدت وكيف صرت إلى ما أنت عليه؟
- ها أنت ترى يا سيدي ، برهان كفره فيك ، فجزاء الله لك ولعبيدك باد لا يحتاج لدليل، إذ أطعتم سنة الله فهجرتم العلم والتعليم ، وسلكتم سبل الرزق والنعيم فنلتم العلا واعتليتم مدارج التكريم.
أما أنا المأخوذ بهوس ذاك الغبي الذي كان يلقبني بالعبقري الذكي ، فقد قضيت حياتي محاولا تعليم أمة أمية خِلقة، كتب الله عليها ألا تتعلم حتى وإن قرأت ، وكتب اللعنة على كل من أراد تغيير سنته تعالى فيها ، وأخلصت في إتياني لجريمتي وتماديت فيها حتى حاق بي غضب الله فرددت قردا.
- وماذا تشتغل الآن؟
- أنا الآن أدرب صغار القردة على فنون الجمباز
- إذن مازلت متعلقا بمهنتك؟.

ووجد السيد أنه يزداد كآبة عوض أن ينال شيئا من الترويح فأرسل في طلب العبد ، الذي حضر مهرولا وامتثل طائعا فقال له السيد:
أيها العبد هذا الذي أمامك كان مدرسا لك أنت وأمثالك من العبيد ، وأنت ترى ما حل به فقد مسخ لكثرة ما شوه من عقول وخرب من نفوس ،إذ أخرجها من طبيعتها التي جبلت عليها وأراد إكسابها طبائع أخرى يقول إنها موصوفة في الكتب.
ومثل هذا الكائن الممسوخ خطر على المحيط ، ولكن الصداقة التي نمت بيننا قبل أن يمسخ تمنعني من إيذائه، وجحافل العبيد التي دربها لخدمة السادة قبل أن يمسخ تشفع له، فأخرجه من هنا وسلمه لأي قراد يرى فيه حاجة.الضيف حمراوي 01/06/2009

د. محمد فؤاد منصور
02-06-2009, 08:28 AM
أخي العزيز الضيف حمراوي
قصة رائعة وموحية ،لغتها راقية وتفاصيلها مدهشة .. وتفضح عالم القرود الذي بات يحيط بنا من كل جانب ..
مودتي واحترامي.

:icon (11):

مأمون المغازي
02-06-2009, 02:13 PM
الأستاذ القاص: الضيف حمراوي؛

هي السخرية أبدعت هذه القصة المرشدة الموجهة، فالقرد ليس قردًا ، والجهل ليس سنة الله في أرضه، وإنما تختلف المسميات باختلاف المصالح ، ويتبدل الحال بتبدل الوجهة .

الضيف حمراوي هنا اعتمد على تصنيف ثلاثي :
ـ العبد
ـ السيد
ـ القرد
وبنا هذا العمل على منظومة علائقية متنامية حبكتها تتمثل في التمحور حول الجهل والتعلم ومآل محصل كل منهما، ولأنه يريد لطم الواقع جعل الجهل ـ على لسان القرد ـ سنة الله، وجاء هذا أيضًا من باب السخرية فشرع الملك يقضي بهذا، لهذا جاء السرد والحوار يحكيان كيفية وصول هذا السيد إلى السدة على اعتبار أن ما في الكتب جهل وتضليل مما يفسد حياة العباد، وعليه هو يعرض لمجتمع متجهل بأمر سيده، في المقابل وعلى لسان القرد الممسوخ نجد أن الأستاذ جاهل متذاكِ أو جاهل في ثوب متعلم يوزع المسميات وفق هواه ولأن القرد ذكي اتعمل العديد من التوريات مادام في حضرة السيد فقد تعلم أن يحافظ على حياته بعد المسخ، أي أن حمراوي يلقي هنا بظل آخر وهو باب العلاقات مع الناس في زمن لا يؤمن فيه الآخر ولا يجب أن نطمئن لكل من حولنا، بل إن القرد اعتبر الطيبة ، والوضوح ، وتقديم العون ، والصراحة من الكبائر التي استحق عليها المسخ وأن الله عاقبه على أنه سار في طريق العلم، لكنه يفاجئنا بأن هذا القرد اكتشف أن الأستاذ لم يكن يعرف أكثر من حدود الصفحة التي يدرسها ، وهنا ظل جديد يلقي به وبه يلطم حال المعلمين أو أكثرهم في هذا الزمن إذا ما قارنا عقل وثقافة وخبرة معلم اليوم بمعلم الأمس .
ونأتي إلى هذا السيد وتصنيفه حين ينادي العبد نجده يجعل من شعبه عبيدًا سواسية مع القردة حيث صرح بأن القرد كان معلمًا للعبيد، هنا فاكهة هذه القصة وهي فاكهة نضرة فهذا السيد صار سيدًا حين تحرر من التعليم وسار في مسرى الجهالة أي أن التدرج إلى الرتب يعني أن يكون المتقدم جاهلاً . لم أقل : أن يكون غبيًا، فالغباء يتعارض مع واقع الحال، وإنما هو جاهل يجيد استغلال مهاراته، أي يجب أن نفرق بين ما نتعلمه من الدنيا وما نتعلمه في المدرسة من علوم يراها السيد صماء لا جدوى منها لذلك فر إلى المجتمع الأوسع يسلك طريقه فيه وعليه نجد الضيف حمراوي ينقد المجتمع من خلال تشريحه بأسلوب ساخر وصل به إلى حد المسخ والطعن في المعتقد الاجتماعي الذي يحتاج إلى التعديل فلا قيمة لمن يلتزم بالمبادئ في مجتمع قابل للتعمية في مقابل العيش، بل الأكثر من هذا هو يأخذنا إلى طريق السادة الذين يشعوذون ويدجلون ليبقى الشعب بدرجة عبد، ليس عبدًا لهم فحسب وإنما هو عبد لظرفه وعبد لحاله، وبهذا لا يمكن الرجوع للوراء .
قدم لنا الضيف حمراوي عملاً قصصيًا نقديًا مكثفًا في موقف واحد ولحظة زمكانية قصيرة جدًا وسرد بسيط وإن كانت محاوره مركبة إلا أنه محفز للعقل من خلال الإسقاطات وفتح مسارب اللفكر ينسكب من خلالها ليري وليقول ( بالمقلوب ) كل ما يريد .

أكرر شكري وتقيري لك أديبنا لهذا العمل .

مع محبتي واحترامي

مأمون

مصطفى ابووافيه
02-06-2009, 03:20 PM
الاستاذ / الضيف الحمراوى
يا عزيزى فى هذا الزمن كلنا قرود ، لكن ليس بسبب التخلف الذى فرض علينا لكن بسبب تحكم هؤلاء الاغبياء امثال ( السيد) فى مصائرنا وارى ان هناك حكمة تقول ( اذا كنت ضمن مجموعة قائدها غبى فمن الذكاء ان تكون قرد )
استمتعت بالنص وروح السخريه فيه
دمت لنا مبدعا ولك تحياتى
مصطفى ابووافيه

سمير خضر خليفة
02-06-2009, 11:01 PM
الاستاذ ا لفاضل انها كلمة حق اريد بها حق وما نحن الا قرود في زمن القرود تحياتي لكم و دمتم

ضيف حمراوي
04-06-2009, 11:10 AM
شكرا لجميع من مروا، والقوا على الجراح نظرة ، جراحنا التى أنهكتنا واقعدتنا ، وتجهلناها تدفعنا العزة والمكابرة.
شكرا لهذا التواصل ، وأقول للاخ الفاضل الكريم مأمون المغازي كأنك -وأنا اكتب- كنت جلس في زاوية الشعر والشعور من قلبي.
دمتم جميع للكلمة الفنية التي تحاول ربط ما انقطع أو اتلفه الضغط من أاوردة هذه الامة.