ايوب صابر
24-06-2009, 08:52 PM
معسكر النصر
48 ساعة إضافية وتكون المهمة التي تطوع من اجلها هو قد انتهت.
جلس ديفيد ببزته العسكرية، وعيناه الزرقاوان، وشعره الأشقر وبشرته التي تحولت إلى اللون الأسمر، من لهيب شمس صحراء العرب، في زاوية كافتيريا (معسكر النصر)، وشرد ذهنه وهو يستعرض شريط ذكرياته منذ أن اتخذ قراره بالتطوع في الجيش، حيث بدا له في حينه أن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق حلمه الأمريكي.
عندها لم يكن قادرا على الاستمرار في بيع ذهبه الأحمر، لتوفير مصاريف دراسته الجامعية، في جامعة ساندياغو- كاليفورنيا. فقد أرهقه نزف الدم المتكرر من ذراعه، والذي كان يتقاضى عنه بضعة دولارات، لا تكاد تسد احتياجاته الأساسية، وعلى رأسها ثمن الطعام الذي يلتهمه لضمان استمرار تدفق الدم.
وظن حينها انه لم يكن أمامه خيار سوى البحث عن مصدر تمويل آخر. وبدت كل الطرق أمامه مقفلة، في ظل أزمة اقتصادية مستشرية. وكان مخرجه الوحيد التطوع في الجيش، فهو المؤسسة الوحيدة التي تدفع مبالغ طائلة، لشخص في مثل سنه، وبنفس مؤهلاته.
واعتقد حينها أن بضعة سنوات من الخدمة ستوفر له مبالغ طائلة، تساعده على استكمال دراسته الجامعية، ومن ثم تحقيق حلمه، وربما أكثر من ذلك بكثير، إذا ما حالفه الحظ في بلاد تعوم على بحور من الذهب الأسود، ويملأ ترابها ذهب الحضارات الغابرة.
ظن انه لم يفكر كثيرا في مخاطر ذلك القرار في حينه، في ظل تلك الصور التي شاهدها تبث بصورة حية من عاصمة الرشيد، وخطاب النصر المجلجل الذي تم بثه من على ظهر سفينة حربية وتم فيه الإعلان عن اكتمال المهمة.
فقد سقط تمثال ساحة الحرية، والنصر تحقق بصورة لم يتخيلها أكثر المتفائلين والعارفين بموازين القوى.
لكنه الآن يشعر بمرارة التجربة، وثقل تلك المهمة التي أنهكت جسده وعقله. وكادت تنهي وجوده في كثير من المواقف. وها هو شريط ذكرياته مليء بإحداث ومواقف مرعبة ومؤلمة.
ومع ذلك أحس بأنه شخص محظوظ إلى ابعد الحدود، كونه ما يزال على قيد الحياة دون العديد من أقرانه، لكنه كان يحس في أعماق أحشائه بمرارة تطغى عليه وتزلزل كيانه. كان يحس بغضب عارم، وغيظ جارف، يكاد يسحق عظامه ويفقده صوابه.
شعر انه، ومثله الملايين، كانوا ضحايا خدعه كبيرة. صوروا له انه ذاهب في نزهة إلى حدائق معلقة، وجنة نعيم، لكنه وجد نفسه يغوص في رمال متحركة في الجحيم.
وها هو شريط ذكرياته لا يكاد يحتوي سوى صور القتلى من زملاؤه، الذين حولتهم هذه الأجسام المتفجرة، محلية الصنع، كما يحلو لقيادته تسميتها، إلى أشلاء غير واضحة الملامح، وصور الملايين من المساكين الذين كانوا يذبحون كالخراف أمام ناظريه، وصور المدن التي أحرقت، وهدمت، وأصبحت غير واضحة المعالم.
ظن أن قواعد الاشتباك المعمول بها هنا، هي الأكثر وحشية في تاريخ البشرية. فبينما تقوم الدنيا ولا تقعد، لو أن كلبا أصيب في حادث عرضي في شوارع ساندياغو، يسمح له ولزملائه بقتل الأحياء، وحرق الأشجار، وهدم البيوت في محيط دائرة، تحرك صدفه فيها طفل يتيم، جائع، تائه، يبحث في القمامة عن لقمة عيش، وذلك كأجراء احترازي بأن لا يكون ذلك الطفل قاتلا شرسا.
ظن أنهم سرقوا شبابه بخدعهم الإعلامية، وبرامجهم النفسية، والتعبوية، وحوافزهم المادية، ذلك إذا بقي على قيد الحياة حتى يخرج من هذه الأرض المشتعلة كالبركان من أقصاها إلى أقصاها، فكل الاحتمالات واردة حتى بعد ركوبه الطائرة عائدا إلى وطنه.
أحس وكأن نارا تكاد تحرقه، تصلي دماغه. غاص في داخله، عله يجد بقية حلم كان، لعله يسعى لتحقيقه بعد انتهاء مهمته، فلم يجد سوى حطام وشظايا وأشلاء وجماجم أطفال وأجساد نساء ممزقة. أحس بأن غضب يجتاحه، يزلزله.
ظن أنهم حولوه إلى ماكينة قتل تصنع الموت صباح مساء، باسم الحرية والديمقراطية وتحرير الشعوب. ووجد نفسه يسأل عن جدوى هذه الحرب العبثية التي أحرقت الأخضر واليابس وتسببت في موت الملايين.
وبينما هو على ذلك الحال، شارد الذهن، غارقا في شريط ذكرياته، يحاول لملمة بقية حلمه المهشم، اقترب منه احد الضباط ليعلمه انه قد تم تمديد مهمته ثلاثة أشهر أخرى للضرورة.
اسودت الدنيا في عينيه، استشاط غضبا، هدد، وزمجر، وتوعد. فأمره الضابط، من توه، بمراجعة العيادة النفسية في معسكر الحرية، لان سلوكه، وردة فعله غير المتوقعة، اظهرا عوارض أصابته بضغوط الحرب.
كان ذلك أمرا عسكريا لا يمكن تجاوزه، في ذلك المساء جلس على مضض ينتظر دوره أمام عيادة الطب النفسي العسكرية، والتي امتلأت بالمراجعين في معسكر الحرية.
غرق في ذكرياته من جديد، يبحث عن بقايا حلمه المحطم... متأملا كل ذلك الحطام الذي تكدس في ذاكرته.
سمع نفسه يقول...نصر... وحرية... وتحرير...ومهمة انتهت...هكذا يقولون... لا، بل هي هزيمة ساحقة...احتلال ... وتزوير وقتل لا ينتهي...
وبحركة غير إرادية استل رشاشا وأطلق الرصاص في كل الاتجاهات...وخصص الطلقة الأخيرة لرأسه.
48 ساعة إضافية وتكون المهمة التي تطوع من اجلها هو قد انتهت.
جلس ديفيد ببزته العسكرية، وعيناه الزرقاوان، وشعره الأشقر وبشرته التي تحولت إلى اللون الأسمر، من لهيب شمس صحراء العرب، في زاوية كافتيريا (معسكر النصر)، وشرد ذهنه وهو يستعرض شريط ذكرياته منذ أن اتخذ قراره بالتطوع في الجيش، حيث بدا له في حينه أن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق حلمه الأمريكي.
عندها لم يكن قادرا على الاستمرار في بيع ذهبه الأحمر، لتوفير مصاريف دراسته الجامعية، في جامعة ساندياغو- كاليفورنيا. فقد أرهقه نزف الدم المتكرر من ذراعه، والذي كان يتقاضى عنه بضعة دولارات، لا تكاد تسد احتياجاته الأساسية، وعلى رأسها ثمن الطعام الذي يلتهمه لضمان استمرار تدفق الدم.
وظن حينها انه لم يكن أمامه خيار سوى البحث عن مصدر تمويل آخر. وبدت كل الطرق أمامه مقفلة، في ظل أزمة اقتصادية مستشرية. وكان مخرجه الوحيد التطوع في الجيش، فهو المؤسسة الوحيدة التي تدفع مبالغ طائلة، لشخص في مثل سنه، وبنفس مؤهلاته.
واعتقد حينها أن بضعة سنوات من الخدمة ستوفر له مبالغ طائلة، تساعده على استكمال دراسته الجامعية، ومن ثم تحقيق حلمه، وربما أكثر من ذلك بكثير، إذا ما حالفه الحظ في بلاد تعوم على بحور من الذهب الأسود، ويملأ ترابها ذهب الحضارات الغابرة.
ظن انه لم يفكر كثيرا في مخاطر ذلك القرار في حينه، في ظل تلك الصور التي شاهدها تبث بصورة حية من عاصمة الرشيد، وخطاب النصر المجلجل الذي تم بثه من على ظهر سفينة حربية وتم فيه الإعلان عن اكتمال المهمة.
فقد سقط تمثال ساحة الحرية، والنصر تحقق بصورة لم يتخيلها أكثر المتفائلين والعارفين بموازين القوى.
لكنه الآن يشعر بمرارة التجربة، وثقل تلك المهمة التي أنهكت جسده وعقله. وكادت تنهي وجوده في كثير من المواقف. وها هو شريط ذكرياته مليء بإحداث ومواقف مرعبة ومؤلمة.
ومع ذلك أحس بأنه شخص محظوظ إلى ابعد الحدود، كونه ما يزال على قيد الحياة دون العديد من أقرانه، لكنه كان يحس في أعماق أحشائه بمرارة تطغى عليه وتزلزل كيانه. كان يحس بغضب عارم، وغيظ جارف، يكاد يسحق عظامه ويفقده صوابه.
شعر انه، ومثله الملايين، كانوا ضحايا خدعه كبيرة. صوروا له انه ذاهب في نزهة إلى حدائق معلقة، وجنة نعيم، لكنه وجد نفسه يغوص في رمال متحركة في الجحيم.
وها هو شريط ذكرياته لا يكاد يحتوي سوى صور القتلى من زملاؤه، الذين حولتهم هذه الأجسام المتفجرة، محلية الصنع، كما يحلو لقيادته تسميتها، إلى أشلاء غير واضحة الملامح، وصور الملايين من المساكين الذين كانوا يذبحون كالخراف أمام ناظريه، وصور المدن التي أحرقت، وهدمت، وأصبحت غير واضحة المعالم.
ظن أن قواعد الاشتباك المعمول بها هنا، هي الأكثر وحشية في تاريخ البشرية. فبينما تقوم الدنيا ولا تقعد، لو أن كلبا أصيب في حادث عرضي في شوارع ساندياغو، يسمح له ولزملائه بقتل الأحياء، وحرق الأشجار، وهدم البيوت في محيط دائرة، تحرك صدفه فيها طفل يتيم، جائع، تائه، يبحث في القمامة عن لقمة عيش، وذلك كأجراء احترازي بأن لا يكون ذلك الطفل قاتلا شرسا.
ظن أنهم سرقوا شبابه بخدعهم الإعلامية، وبرامجهم النفسية، والتعبوية، وحوافزهم المادية، ذلك إذا بقي على قيد الحياة حتى يخرج من هذه الأرض المشتعلة كالبركان من أقصاها إلى أقصاها، فكل الاحتمالات واردة حتى بعد ركوبه الطائرة عائدا إلى وطنه.
أحس وكأن نارا تكاد تحرقه، تصلي دماغه. غاص في داخله، عله يجد بقية حلم كان، لعله يسعى لتحقيقه بعد انتهاء مهمته، فلم يجد سوى حطام وشظايا وأشلاء وجماجم أطفال وأجساد نساء ممزقة. أحس بأن غضب يجتاحه، يزلزله.
ظن أنهم حولوه إلى ماكينة قتل تصنع الموت صباح مساء، باسم الحرية والديمقراطية وتحرير الشعوب. ووجد نفسه يسأل عن جدوى هذه الحرب العبثية التي أحرقت الأخضر واليابس وتسببت في موت الملايين.
وبينما هو على ذلك الحال، شارد الذهن، غارقا في شريط ذكرياته، يحاول لملمة بقية حلمه المهشم، اقترب منه احد الضباط ليعلمه انه قد تم تمديد مهمته ثلاثة أشهر أخرى للضرورة.
اسودت الدنيا في عينيه، استشاط غضبا، هدد، وزمجر، وتوعد. فأمره الضابط، من توه، بمراجعة العيادة النفسية في معسكر الحرية، لان سلوكه، وردة فعله غير المتوقعة، اظهرا عوارض أصابته بضغوط الحرب.
كان ذلك أمرا عسكريا لا يمكن تجاوزه، في ذلك المساء جلس على مضض ينتظر دوره أمام عيادة الطب النفسي العسكرية، والتي امتلأت بالمراجعين في معسكر الحرية.
غرق في ذكرياته من جديد، يبحث عن بقايا حلمه المحطم... متأملا كل ذلك الحطام الذي تكدس في ذاكرته.
سمع نفسه يقول...نصر... وحرية... وتحرير...ومهمة انتهت...هكذا يقولون... لا، بل هي هزيمة ساحقة...احتلال ... وتزوير وقتل لا ينتهي...
وبحركة غير إرادية استل رشاشا وأطلق الرصاص في كل الاتجاهات...وخصص الطلقة الأخيرة لرأسه.