المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخط الأبيــــــض


مأمون المغازي
05-07-2009, 11:14 PM
الخط الأبيض

أمام المرآة ... يديم النظر في الشيب اللامع في عارضيه ... يدقق جدًا في الخطوط الحادة التي تشعره بأناقته ومطابقة قميصه وبنطاله لما ينبغي أن تكون عليه الأناقة ... تلمس مؤكدًا على وجود حافظة النقود في مكانها ... ابتسامة تطل من خلال سحب السهر المستقرة في خريف وجهه .
رشة العطر اليومية ... قبلة عند الباب تمامًا كنصف رغيف الخبز الصباحي مع قطعة الجبن المملح وكوب الشاي المحلى بثلاث ملاعق من السكر .
ـ توكلنا على الله .
ـ في كل خطوة سلامة .
ـ نعم ، سلامة يرافقني في كل خطوة .
من باب البيت العتيق خرج إلى الشارع وقد استقبله الشارع بهيئته وألبسته والوجوه التي تحمل من فوق أجساد لتركب فوق أجساد أخرى، على الرصيف مشيته المعتادة ... إنه ماهر في محازاة الحوائط رغم الحفر والمطبات ، لا ينظر إلا في عمق المسافة التي يقطعها . ارتطم حذاؤه بحجر ألقاه صبي من نافذة ... لم يلتفت ليحدد مصدره بينما حدق في الحذاء .
ـ إنه مصنوع من جلد البقرة التي كان أبي يرعاها ... نصيبه منها بعد ذبحها الرأس والأحشاء والجلد ، أما الجلد فقد دفع أبي لصاحب المدبغة نصف ما كان معه ليكون له منه حذاء . الابتسامة والغيوم ترتسم من جديد
ـ الألمان يصنعون سيارات تورث ليس مثل ما يصنعه اليابانيون ...
ـ تليفون ست سماعات خارجية و كاميرتين يا باشا ... قربي يا آنسة تليفون وجراب ودلاية ... صيني ... صيني .
عبَر فتحة الشارع الجانبي ... ود لو يقفز متخطيًا قاطع الرصيف ، لكنه سيكون مضطرًا للقفر فوق السيارات ، تأكد أن الأتربة المبتلة لم تلحق أي أوساخ ببنطاله ... نظر عن يساره ، الفيضان انهمر ... تدوي أصوات أمواجه ، وصافرات المنادين الباصات للتوقف ... فيضانان متوازيان في اتجاهين متعاكسين ...
ـ كانت هنا لافتة فيها خط مكتوب تحته : خط أبيض متصل . ممنوع التجاوز .
ـ اسمع .( العريس جاي النهار دا بعد المغرب، ميراثي عندك وكفاية غرفة نوم ... وأم العريس موافقة أن نعيش معها ... حرام عليك عمري تجاوز الثلاثين ، تعبت من عيشتي في غرفة عيالك ... وتعبت من ... )
أشاح بيده ، أطرق برأسه ... مد يده في جيبه ... تحسس حافظة النقود.
ـ أنبهك. إما هذا العريس هذه المرة وإلا ( كل الحكاية ورقة واتنين شهود )
على الجانب الآخر من الشارع سيل من البشر لا يقل عن الذين يمشي بينهم ، السيارات ما زالت تتداخل .
ـ وفي حديثه صرح أن العلاوات تصرف حسب الإنجازات والإنتاج ، وأن الترقيات ستتم حسب الكفاءة وليس حسب الأقدمية .( عندك واحد عناب متلج ينزل الضغط عالصبح )
كان ينظر إلى المنشأة التي بدأت تلوح عبر الطريق الطويل وكأنه يحصي النوافذ وما وراءها من مقاعد، منها المربوط بخيط في رجل المكتب ، والمكتوب عليه اسم صاحبه ، وكم المستندات ، والطلبات ، وأصحاب المصالح ...
ـ لدي اليوم عمل حساس ، وميزانية لابد أن تكون مطابقة للتكاليف والمبالغ المرصودة لها ... لا مانع ، أنجز أيضًا أعمال تهاني ، وحازم ... الله يعين .
نظر من النافذة إلى الزحام الذي يتزايد وحرارة الظهيرة تمشي أمامه في زهو وهي تقهر الخلق ... قام إلى شباك الصرف ليصرف راتبه .
ـ المرتب ناقص سبعين .
ـ خصومات يا أستاذ .
ـ ليه ؟
ـ مخالفات وتقصير .
ـ مني ؟؟
ـ أمال من رئيس الحسابات ؟؟
ـ أنا ؟؟ ( طيب والشغل الزيادة دا ما يشفعش؟ دا الحسنات يذهبن السيئات. )
ـ ( دا عند ربنا يا أستاذ ، يا عم هو انت مش من الزمن دا ؟؟ تشتغل كثير ، تغلط كثير ، الخصومات أكثر . )

تذمر في نفسه ... نزل إلى الشارع ... نظر في الحذاء ... خلعه ... حمله على ظهره ... بين طوفان السيارات سلك طريقه على الخط الأبيض .

وائل راشد
06-07-2009, 04:16 AM
الأستاذ البهي مأمون المغازي:
لم أشعر بالمفاجأة عندما قرأت قصتك الرائعة، فكما عهدناك أستاذي مبدع متألق متميز.
دمت بخير
دام الود
وائل راشد

اليـسار مُـحَمَّـدْ
07-07-2009, 07:15 AM
الأستاذ مأمون المغازي
هـيَ كالعادة التي عودتنا عليها: مُـتقاطعات الأديب مأمون المغازي،تضعنا في نقاط الـتقاطع ثمَّ تقولُ لنا امضوا حيثُ عصفت أذهانكم!,,
في البداية وقعتُ في الحيرة أمام النقطة التي تنطلق منها التفرُّعات هـل هو بطلنا بحذَ ذاته، أيّ أنَّ الأحداث ناتجة بحَثٍّ ذاتي إن صحّ التعبير بهذا الشكل (و قد يستغرب البعض من تفكيري بهذا الشكل)،فبعضُ الدلالات في النصّ قد تلتبس على القارئ ما لم يقم بموازاة الأحداث التي تبدر من طرف البطل،بالأحداث التي يصطدم بها،لأكتشف أنَّ المحفظة تشكّل نقطة التقاطع الرئيسي، التي فرضت على البطل أن يتعايش مع تقاطعات الحياة الروتينية بظروفها الصعبة و التي يعيشها منذُ زمن..
دلالة الزمن الطويل في المهنة هي :

ـ وفي حديثه صرح أن العلاوات تصرف حسب الإنجازات والإنتاج ، وأن الترقيات ستتم حسب الكفاءة وليس حسب الأقدمية .( عندك واحد عناب متلج ينزل الضغط عالصبح )

و هـي حسبما أعتقد مفصل رئيسي في النص، حيثُ ننتقل مباشرة بعدها إلى نهاية يوم مأساويّة لموظَّف.
لكَ أروع التحايا أستاذنا الكريم،هذه القراءة من زاويتي أحاول من خلالها التمعن بالنصّ :)

مأمون المغازي
09-07-2009, 08:15 PM
الأستاذ البهي مأمون المغازي:
لم أشعر بالمفاجأة عندما قرأت قصتك الرائعة، فكما عهدناك أستاذي مبدع متألق متميز.
دمت بخير
دام الود
وائل راشد


القاص المبدع : وائل راشد؛

أشكر لك هذا الرقي وهذا الرد الطيب .

دائمًا أنت نبيل صاحب ذوق رفيع .

لك محبتي

مأمون

مأمون المغازي
12-07-2009, 03:30 AM
الأستاذ الأديب : اليسار محمد

تقببل تحياتي وشكري لتفاعلك مع الخط الأبيض

وكاتب الخط الأبيض

لكن يا ترى ما الذي يدفع البطل لأن يسير على الخط الأبيض ؟

وكم واحدًا يسير أو سيسير على الخط الأبيض ؟

لك محبتي واحترامي

مأمون

لبيد
13-07-2009, 12:31 AM
السلام عليكم :
أستاذي الكريم :
أسلوبك كان رائعأ ، وأظن أن أغلبية القراء يفهمون النص جيداً ، من لم يسلك الخط الأبيض يوم المرتب تراه يفكر في ذلك .
أستاذي شكراً لك.
مع تحياتي .
لبيد .

رامية العلي
14-07-2009, 07:07 PM
الله الله ياسيدي
اسلوب سلس وجميل ورائع
يدل على قدرة هائلة و نبوغ جلي

دام عطرك


احترامي وتحيتي لك

حاتم قاسم
14-07-2009, 09:23 PM
الأديب الغالي مأمون المغازي
للبوح سمة الحضور و للحرف اتساع المدى و للحدث لغة التميز
لكم فائق المودة و التقدير

ايوب صابر
15-07-2009, 12:00 PM
قراءة في قصة الخط الأبيض للأستاذ مأمون المغازي
بشكل عام أرى بأن قصة الخط الأبيض قصة عميقة وغامضة ومحبوكة بصورة ليست سهلة، وبلغة بليغة يشوبها بعض التعقيد والرمزية. وهي حتما تتطلب جهدا كبيرا لفهمها رغم أن الاحتمال يظل قائما بان لا يصل القارئ إلى إدراك معانيها تماما وتحديدا سبب سير بطل القصة في نهاية القصة على الخط الأبيض حاملا خلف ظهره حذاؤه.

هي لا شك قصة رجل يقوم في الصباح يستعد للذهاب للعمل، يتأنق، يشرب كأس الشاي اليومي المحلى بثلاث ملاعق من السكر. تودعه زوجته بقبلة عند الباب وتتمنى له السلامة.
يسير في الشارع المزدحم نحو المؤسسة التي يعمل بها. في تلك الأثناء يلقي طفل حجر فيصيب الحذاء وهنا يبدأ الكاتب في تضمين الرسالة التي أراد أن يوصلها للقارئ حيث يقوم ومن خلال بطل القصة بالمقارنة بين الظروف الاقتصادية والصناعية للدول المتقدمة التي تصنع السيارات والتلفونات وكل شيء مثل اليابان والألمان والصين بينما تقتصر الصناعات العربية على الصناعات البدائية مثل صناعة الدباغة ( الأحذية ) ورغم ذلك فأن صناعة حذاء واحد تحتاج إلى دفع نصف ما كان يملكه والد البطل في القصة حتى يصنع ذلك الحذاء. ونرى بأن نصيب الوالد من تلك البقرة هو الرأس والأحشاء والجلد.
ورغم تلك المقاربة يتبسم البطل من جديد. ثم يشير الكاتب إلى الوضع الديمغرافي فيقارن حركة الناس بفيضان من البشر والسيارات والباصات وكأنه في احد شوارع القاهرة.
ثم يلاحظ ذلك الخط الأبيض المتصل " ممنوع التجاوز"... وهناك يستمع إلى أحاديث تدور بين الناس نظرا للزحمة، وهي أحاديث ذات مغزى تدلل على ضنك العيش وصعوبته، وتشير حركته بتحسس حافظة النقود إلى خوفه أن يتعرض للنشل وهي أمور تؤكد على وضع اقتصادي سيء. ثم يعرج الكاتب حول نقد النظام الإداري فيشير إلى أن الترقيات ستتم حسب الكفاءة وليس حسب الاقدمية وذلك ربما في البلاد المتقدمة بينما على الجهة الأخرى تكون الترقية في الدول النامية بالاقدمية.
ثم يؤكد على تعاسة الوضع الاقتصادي والإداري حينما يشير إلى أن كرسي المكتب مربوط بخيط في رجل المكتب ربما حتى لا ينشله احد أو لا يكون عليه صراع فربما هناك نقص في عدد المقاعد والمكتب مكتوب عليه اسم صاحبه.....
ورغم انه موظف يقوم بعمل حساس يتعلق بالميزانيات ويقوم أيضا بعمل غيره من الموظفين ( تهاني وحازم ) لكنه ينظر إلى ضآلة معاشه فيسمي شباك القبض شباك صرف في إشارة إلى قلة قيمة ما يتقاضه من مرتب ثم يتم إساءة معاملته حينما تقوم المؤسسة بخصم غير مبرر في رأيه بدلا من دفع بدل العمل الإضافي بحجة "مخالفات وتقصير" كما يقول كاتب الحسابات الذي سلمه مرتبه.
كل ذلك يدفعه للعودة إلى البيت وهو يتذمر في نفسه ولكنه لم يكتف بالتذمر ...بل نزل إلى الشارع...نظر في الحذاء....خلعه ...وسلك طريقه على الخط الأبيض....وكأنها دعوة للنزول إلى الشارع وتجاوز الخطوط البيضاء والحمراء ...وخلع الحذاء لضرب هذا الوضع القائم....
هذه دعوة للثورة على الوضع القائم ....قصة عميقة.

انسب ( ان جاز لي ) أن تكون التالية بوضعها تحت مجهر قصة الحادي والعشرين. ليتم الغوص في معانيها ومواصفاتها الفنية ولغتها ورمزيتها.

ايوب صابر
16-07-2009, 11:01 AM
أما أسباب التنسيب
- لماذا التشديد على أناقة البطل في بداية القصة؟
- لماذا اختيار الخط الأبيض وليس الضوء الأحمر مثلا؟
- ما مغزى تلمس البطل لحافظة النقود في بداية القصة؟
- ماذا ترمز العبارة " من خلال سحب السهر المستقرة في خريف وجهه؟
- ماذا يعنى التركيز على الروتيين الصباحي " رشة العطر، قبلة عند الباب...؟
- من هو سلامه الذي يرافق البطل في كل خطوة؟
- ما رمزية " من باب البيت العتيق خرج الى الشارع" ؟
- ما المقصود في " وقد استقبله الشارع بهيئته وألبسته والوجوه التي تحمل من فوق أجساد لتركب فوق أجساد أخرى"؟
- ما المقصود بهذه العبارة " إنه ماهر في محازاة الحوائط رغم الحفر والمطبات"؟
- ولماذا لا " لا ينظر إلا في عمق المسافة التي يقطعها"؟
- ما رمزية " ارتطم حذاؤه بحجر ألقاه صبي من نافذة"؟
- هل هو تلميح لاطفال الحجارة؟
- لماذا يكون نصيبه من البقرة "نصيبه منها بعد ذبحها الرأس والأحشاء والجلد ،"؟
- ما رمزية ان "أما الجلد فقد دفع أبي لصاحب المدبغة نصف ما كان معه ليكون له منه حذاء"؟
- ما الهدف من اقحام الالمان وصناعة سيارات تورث؟
- ما رمزية " فيضانان متوازيان في اتجاهين متعاكسين ... "؟
- اين ذهبت اللافة "كانت هنا لافتة فيها خط مكتوب تحته : خط أبيض متصل . ممنوع التجاوز . " ؟ وما رمزية ذالك؟
- من الذي يتحدث هنا " ـ اسمع .( العريس جاي النهار دا بعد المغرب، ميراثي عندك وكفاية غرفة نوم ... وأم العريس موافقة أن نعيش معها ... حرام عليك عمري تجاوز الثلاثين ، تعبت من عيشتي في غرفة عيالك ... وتعبت من .."؟ وما رمزية ذلك؟
- لماذا يتحسس حافظة النقود من جديد ؟ "أشاح بيده ، أطرق برأسه ... مد يده في جيبه ... تحسس حافظة النقود. " وما رمزية ذلك ؟
- ما رمزية هذا النص " أنبهك. إما هذا العريس هذه المرة وإلا ( كل الحكاية ورقة واتنين شهود )"؟
- حديث من هنا ؟ " وفي حديثه صرح أن العلاوات تصرف حسب الإنجازات والإنتاج ، وأن الترقيات ستتم حسب الكفاءة وليس حسب الأقدمية"؟
- ولماذا يعاني من الضغط على الصبح؟ "( عندك واحد عناب متلج ينزل الضغط عالصبح".
- ما رمزية "... مقاعد، منها المربوط بخيط في رجل المكتب، والمكتوب عليه اسم صاحبه ، وكم المستندات ، والطلبات ، وأصحاب المصالح ... "؟
- ما رمزية " ـ لدي اليوم عمل حساس ، وميزانية لابد أن تكون مطابقة للتكاليف والمبالغ المرصودة لها ...؟
- ما رمزية "نظر من النافذة إلى الزحام الذي يتزايد وحرارة الظهيرة تمشي أمامه في زهو وهي تقهر الخلق ..."؟
- ما رمزية " قام إلى شباك الصرف ليصرف راتبه . "؟
- ما المقصود ب" مخالفات وتقصير "؟
- ما رمزية " تشتغل كثير ، تغلط كثير ، الخصومات أكثر"؟
- لماذا وما هو المقصود ؟ تذمر في نفسه ... نزل إلى الشارع ... نظر في الحذاء ... خلعه ... حمله على ظهره ... بين طوفان السيارات سلك طريقه على الخط الأبيض"؟
- لماذا سلك طريقه على الخط الأبيض ؟

مأمون المغازي
02-08-2009, 03:31 AM
السلام عليكم :
أستاذي الكريم :
أسلوبك كان رائعأ ، وأظن أن أغلبية القراء يفهمون النص جيداً ، من لم يسلك الخط الأبيض يوم المرتب تراه يفكر في ذلك .
أستاذي شكراً لك.
مع تحياتي .
لبيد .

الأستاذ الأديب : لبيد

تحياتي وتقديري لك ولما أكرمت نصي به ، ولا أعتقد أن كاتبًا مثلي يكتفي منك بهذا فالمغازي واحد من الكتاب البسطاء أو قل هو تلميذ في مدرسة الأدب ينتظر أن يعامل نصه بكل أريحية بل وبالسيف إن استحق النص إشهار السيف في وجهه ، بل وتفتيت كل عبارة فيه فمن كتب الخط الأبيض له الخط الأحمر وله بوتقة النيران وله على هامش إشارة وله الدفء مما حين ينشر يثير الإشكاليات لأن الذي كتب الخط الأبيض يدرك جيدًا قيمة إحداث الإشكالية ويقرأ النص بألف عين ثم يطلقه جملة واحدة وناقد حاذق هو أنت لا أراه يمر مرور الكرام لأنه يمتلك سوطًا يعجبني .

ربما يصل ما أريد لكل من يمر في هذه الصفحات .

محبتي وتقديري

مأمون