ريم بدر الدين
25-07-2009, 03:42 PM
حاتم علي: استكمال مسلسل 'التغريبة الفلسطينية' حقل مليء بالألغام
شهدت الدراما السورية في العقدين الأخيرين تطورا ملحوظا ونالت شهرة إعلامية واسعة جعل منها محط إعجاب المراقبين الإعلاميين وجمهور المشاهدين العرب على حد سواء. حاتم علي الفنان المخرج هو أحد الرواد الجدد الذين قامت على جهودهم هذه النهضة التلفزيونية إذ أنه أحد الفنانين السوريين الذين تتلمذوا على أيدي بعض أهم الأكاديميين والفنانين والمبدعين السوريين والعالميين ودرسوا نظريات التلقي والتواصل والسرد وعاشوا زمنا في مختبرات التجريب المسرحي ترافق موهبة حاتم الفنية والإخراجية برؤى فكرية وثقافية وحساسية إنسانية عالية وتمتزج انشغالاته الإبداعية بهمومه الاجتماعية. أخذ يحصد اهتمام النقاد وجوائزهم في المهرجانات العربية الكبرى، استقبلنا مخرج الدراما العربية السورية حاتم علي'بابتسامته الهادئة وتواضعه الجميل في مكتبه وسط دمشق، وكان للقدس العربي هذا الحوار....
من هو حاتم علي الإنسان الفنان؟
نحن جزء من جيل يحاول أن يعبر عن ذاته بكل الإمكانات المتاحة، سواء بالقصة بالإخراج بالمسرح، والتعبير عن الذات أمر شخصي ولكن في النهاية الأهمية الأساسية تنبع من كونه جزءا من مؤشر على فاعلية مجتمع وحياة مجموعة من الناس لأنه مع الأسف علمنا التاريخ في الفترات التي يسود فيها الصمت وتخف الأصوات، هي فترات انحطاط وفترات موات للمجتمع بأكمله.
بدايات حاتم علي الفنية؟
درست المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية سورية وفي الوقت نفسه بموازاة الدراسة كنت اكتب القصص القصيرة، ونشرت مجموعتين، الأولى بعنوان 'موت مدرس التاريخ '، والثانية بعنوان 'حدث وما لم يحدث'، ونشرت أيضا مجموعة مسرحيات ضمن كتاب عنوانه 'ثلاث مسرحيات فلسطينية ضمن الحصار'، وبعدها أشرفت على عرضين مسرحيين لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية، أي أن البداية الفعلية كانت عام 1982، من بداية دراستي ومن ثم بعد التخرج في 1986، انتقلت إلى الإخراج التلفزيوني والسينمائي.
كيف كانت بداية التعاون والتعارف مع د. وليد سيف؟
أول عمل مشترك كان 'صلاح الدين الأيوبي'، في البداية كان هناك مؤلف سوري مكلف بكتابة العمل ولكن حدث خلاف ناتج عن عدم توافق فكري وشكلي وفني، وبدأت بالبحث عن كاتب آخر، وكنت من مشاهدي أعمال الدكتور وليد سيف القديمة ومن المعجبين به، وفي تلك المرحلة كان سيف معتزلا ومعتكفا عن الكتابة الدرامية، اتصلت به واقترحت عليه 'مشروع صلاح الدين الأيوبي'، وبمحض الصدفة وجدت انه قبل سنوات كان قد عمل على المشروع نفسه ولكنه مسلسل كرتوني موجه للأطفال وأبدى استعداده للمشروع وتم انجازه خلال فترة قصيرة، وكان صلاح الدين بداية شراكة فنية استمرت لغاية الآن، ونحن الآن نعمل على الرباعية الأندلسية (صقر قريش، وربيع قرطبة، وملوك وطوائف) والجزء الرابع ما زال قيد الكتابة وهو 'سقوط غرناطة'، وتوجت هذه الشراكة والتعاون مع الدكتور وليد بالتغريبة الفلسطينية.
هل سيكون هناك استكمال للفترة التاريخية التي توقفت عندها التغريبة الفلسطينية؟
هذا الموضوع مهم جدا وتناقشنا فيه كثيرا وهو أمر متعلق بالدكتور سيف ولكن هذا الموضوع ليس سهلا فهو يشبه المشي في حقل من الألغام، لأن أي متابعة بعد اللحظة التي توقفنا عندها، ستدخلك في مراحل مختلف عليها ومواضيع شائكة ما عادت تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تخص أنظمة عربية كثيرة، ولا ننسى أن العمل التلفزيوني في النهاية محكوم بوسائل عرضه واقصد هنا أن التلفزيونات العربية سواء كانت خاصة أو عامة في نهاية الأمر مرتهنة، وهي جزء من الإعلام الرسمي الملحقة فيه، وبتالي فان جزءا ثانيا للتغريبة الفلسطينية سيكون مشروعا مرحليا مؤشرا.
هل أنت راض عن الدراما العربية؟
هذا سؤال صعب ولكن الدراما العربية جزء من الثقافة العربية وجزء من المشهد الثقافي والفني للمجتمع العربي، وليس بمعزل عنه، والدراما محكومة بمستوى الحريات التي يعيشها المجتمع، وبطبيعة المشكلات التي تعانيها المجتمعات ومحكومة بقدرتها عن التعبير عن القضايا والمشكلات ومناقشتها بحرية، وهذا أيضا ينطبق على الأعمال ذات المواضيع والأبعاد التاريخية وليس فقط على المواضيع المعاصرة.
ما رأيك في قول د. وليد سيف 'لا يستطيع الإنتاج الممتاز والمخرج الجيد أن ينتجا نصا مميزا، وفي المقابل فان التنفيذ السيئ من الممكن أن يجور على النص المميز'.؟
اتفق مع الدكتور في ذلك لان دور الكاتب مهم جدا في العمل الفني، لان العمل الفني يرتكز على أساس وهو النص بما يحمله من أشكال فنية أو أفكار معينة، وأنا اعتبر نفسي من المخرجين المحظوظين لأنني التقيت شريكا مثل هذا الكاتب الذي يتمتع بمهنية عالية وتعامل أخلاقي مع مادته، وهو يمتلك ميزة معرفته الدقيقة بموضوعه المرتكز على البحث الأكاديمي، وقدرته الحالية على التعبير عن الموضوعات بصياغة درامية متطورة من خلال شخصياته الغنية بتكنيك درامي وهذه الميزات صعب أن تجتمع في كاتب واحد ولكن كلها موجودة عند د. وليد سيف..
للعمل الدرامي دور في تشكيل وعي المواطن خاصة بعد انتشار الفضاء الإعلامي، كيف نحافظ على التاريخ والمستقبل من التشويه والتحريف؟
مما لا شك فيه أن للمسلسل التلفزيوني دورا في المجتمعات التي تسود فيها نسبة من الأميين مثل مجتمعاتنا العربية، أو التي تقل فيها عادة القراءة وتقاليد البحث الفكري والعلمي، تحول المسلسل التلفزيوني إلى أخد مصادر المعرفة ولكن هذا ليس ذنب العمل الدرامي أو غيره ولكن ذنب المجتمع نفسه، وهنا العمل الدرامي أو المسلسل التلفزيوني يحمل عادة مسؤوليات كبيرة جدا قد تحد أحيانا من حرية الفنان من الناحية الفنية، لأنه في النهاية لا ينحصر دور المسلسل التاريخي في إعادة سرد الوقائع التاريخية، قد يكون هذا احد أدواره، لأنها وحدها لا تصلح لعمل فني جيد، واحدة من مهمات العمل الفني إعادة قراءة التاريخ عبر منظور أصحابه وبالتالي لا يجب أن يؤخذ المسلسل التاريخي على انه الحقيقة، وأنا من الناس الذين بدأوا يميلون إلى كتابة تحذير ـ كما جرت العادة في الكتابة على علب التدخين- أي كتابة تحذير مع بداية كل مسلسل تاريخي أن ما سنشاهده هو وجهة نظر صناع هذا العمل الفني، وهم وحدهم من يتحمل مسؤوليته، وبالنهاية أي عمل فنيي هو عبارة عن وجهة نظر صناعه، على التحديد وهؤلاء الصناع محكومون بانتماءاتهم السياسية والإيديولوجية سواء تم التعبير عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
هل من حق هؤلاء الصناع إعادة كتابة التاريخ على هواهم؟
هناك ضوابط لذلك، نحن لا نختلف على الوقائع التاريخية الثابتة، مثل واقعة فتح القسطنطينية ولا على تاريخ سقوط بغداد ولا على كل الوقائع المتفق عليها، ولكن الاختلاف يكمن في التأويل لأنه المساحة التي يتحرك من خلالها صناع الأعمال الفنية.
كيف يواجه صناع العمل الفني ما يتعرض له التاريخ والثقافة العربية والإسلامية من غزو وتشويه؟
ليس فقط تاريخنا وثقافتنا تتعرض للتشويه وأيضا حاضرنا يتعرض لنوع من الانتقائية، وأنا اعتقد أن أحد ادوار العمل الفني القدرة على مواجهة التحريف والتشويه والتزوير وبطرق الاستعمار نفسها، مثلا في هوليود يتم تقديم صورة نمطية للعربي لها صفات محددة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر عبر المنتج الفني بدأ من السينما .... وانتهاء بالعاب الأطفال، واعتقد أن مواجهة مثل هذا التشويه لا يتم إلا عبر الأداة الفنية نفسها، وهذا لا بد أن ينطلق أولا من إيماننا بدور وقدرته على صناعة مثل هذه الصورة وانطلاقا من هذا الإيمان الذي يجب تحويله إلى فعل وهذا يعني دعم الصناعة الفنية التي لا تقوم على النيات، الإنتاج الفني الآن هو صناعة من العيار الثقيل، تكاد تحتاج إلى ما تحتاجه عادة الحروب من إمكانيات ضخمة في صناعة الأسلحة، والفن مثله مثل الأسلحة أيضا حازم في كسب المعارك في هذا الزمن، ولكن الإشكالية الكبرى في مجتمعاتنا العربية إننا ما زلنا لم نحسم ضرورة الفن ولم نحسم أيضا شرعية هذا الفن كأحد أوجه التعبير الحضاري عن النفس لان كثيرا من المجتمعات العربية ما زالت حتى هذا اليوم تنظر إلى الفن نظرة فيها شك تكاد تصل في مراحل كثيرة إلى التضييق والحصار. ايضا أنت لا تستطيعين في النهاية أن تمنحي الحق لأي كان في المجتمع، لا لمؤسسة مجتمعية مدنية ولا لهيئة حكومية ولا لأجهزة الرقابة، صعب منحها حق فرز الاعمال الفنية تحت خانة ما هو ملائم وما هو غير ملائم، لان هذا سيقودنا في النهاية إلى محاكم تفتيش وهي أصلا موجودة، ولا اعتقد أنها بحاجة إلى شرعنه أو تبرير من هذا النوع، الأفضل هو ترك المجتمع يعبر عن نفسه بالطريقة التي يريدها وهي البوابة الحقيقية التي ستوصلنا في نهاية المطاف إلى تقديم صناعة فنية متطورة، لان الفن كجزء من الثقافي لا يمكن أن يتطور ولا أن يأخذ دورا فاعلا ولا يمكن له أن يعكس مشكلات المجتمعات إلا من خلال توفير بيئة من الحرية لا تحدها قيود أو أي شروط تحت أي مسميات كانت.
يتبع......
شهدت الدراما السورية في العقدين الأخيرين تطورا ملحوظا ونالت شهرة إعلامية واسعة جعل منها محط إعجاب المراقبين الإعلاميين وجمهور المشاهدين العرب على حد سواء. حاتم علي الفنان المخرج هو أحد الرواد الجدد الذين قامت على جهودهم هذه النهضة التلفزيونية إذ أنه أحد الفنانين السوريين الذين تتلمذوا على أيدي بعض أهم الأكاديميين والفنانين والمبدعين السوريين والعالميين ودرسوا نظريات التلقي والتواصل والسرد وعاشوا زمنا في مختبرات التجريب المسرحي ترافق موهبة حاتم الفنية والإخراجية برؤى فكرية وثقافية وحساسية إنسانية عالية وتمتزج انشغالاته الإبداعية بهمومه الاجتماعية. أخذ يحصد اهتمام النقاد وجوائزهم في المهرجانات العربية الكبرى، استقبلنا مخرج الدراما العربية السورية حاتم علي'بابتسامته الهادئة وتواضعه الجميل في مكتبه وسط دمشق، وكان للقدس العربي هذا الحوار....
من هو حاتم علي الإنسان الفنان؟
نحن جزء من جيل يحاول أن يعبر عن ذاته بكل الإمكانات المتاحة، سواء بالقصة بالإخراج بالمسرح، والتعبير عن الذات أمر شخصي ولكن في النهاية الأهمية الأساسية تنبع من كونه جزءا من مؤشر على فاعلية مجتمع وحياة مجموعة من الناس لأنه مع الأسف علمنا التاريخ في الفترات التي يسود فيها الصمت وتخف الأصوات، هي فترات انحطاط وفترات موات للمجتمع بأكمله.
بدايات حاتم علي الفنية؟
درست المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية سورية وفي الوقت نفسه بموازاة الدراسة كنت اكتب القصص القصيرة، ونشرت مجموعتين، الأولى بعنوان 'موت مدرس التاريخ '، والثانية بعنوان 'حدث وما لم يحدث'، ونشرت أيضا مجموعة مسرحيات ضمن كتاب عنوانه 'ثلاث مسرحيات فلسطينية ضمن الحصار'، وبعدها أشرفت على عرضين مسرحيين لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية، أي أن البداية الفعلية كانت عام 1982، من بداية دراستي ومن ثم بعد التخرج في 1986، انتقلت إلى الإخراج التلفزيوني والسينمائي.
كيف كانت بداية التعاون والتعارف مع د. وليد سيف؟
أول عمل مشترك كان 'صلاح الدين الأيوبي'، في البداية كان هناك مؤلف سوري مكلف بكتابة العمل ولكن حدث خلاف ناتج عن عدم توافق فكري وشكلي وفني، وبدأت بالبحث عن كاتب آخر، وكنت من مشاهدي أعمال الدكتور وليد سيف القديمة ومن المعجبين به، وفي تلك المرحلة كان سيف معتزلا ومعتكفا عن الكتابة الدرامية، اتصلت به واقترحت عليه 'مشروع صلاح الدين الأيوبي'، وبمحض الصدفة وجدت انه قبل سنوات كان قد عمل على المشروع نفسه ولكنه مسلسل كرتوني موجه للأطفال وأبدى استعداده للمشروع وتم انجازه خلال فترة قصيرة، وكان صلاح الدين بداية شراكة فنية استمرت لغاية الآن، ونحن الآن نعمل على الرباعية الأندلسية (صقر قريش، وربيع قرطبة، وملوك وطوائف) والجزء الرابع ما زال قيد الكتابة وهو 'سقوط غرناطة'، وتوجت هذه الشراكة والتعاون مع الدكتور وليد بالتغريبة الفلسطينية.
هل سيكون هناك استكمال للفترة التاريخية التي توقفت عندها التغريبة الفلسطينية؟
هذا الموضوع مهم جدا وتناقشنا فيه كثيرا وهو أمر متعلق بالدكتور سيف ولكن هذا الموضوع ليس سهلا فهو يشبه المشي في حقل من الألغام، لأن أي متابعة بعد اللحظة التي توقفنا عندها، ستدخلك في مراحل مختلف عليها ومواضيع شائكة ما عادت تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تخص أنظمة عربية كثيرة، ولا ننسى أن العمل التلفزيوني في النهاية محكوم بوسائل عرضه واقصد هنا أن التلفزيونات العربية سواء كانت خاصة أو عامة في نهاية الأمر مرتهنة، وهي جزء من الإعلام الرسمي الملحقة فيه، وبتالي فان جزءا ثانيا للتغريبة الفلسطينية سيكون مشروعا مرحليا مؤشرا.
هل أنت راض عن الدراما العربية؟
هذا سؤال صعب ولكن الدراما العربية جزء من الثقافة العربية وجزء من المشهد الثقافي والفني للمجتمع العربي، وليس بمعزل عنه، والدراما محكومة بمستوى الحريات التي يعيشها المجتمع، وبطبيعة المشكلات التي تعانيها المجتمعات ومحكومة بقدرتها عن التعبير عن القضايا والمشكلات ومناقشتها بحرية، وهذا أيضا ينطبق على الأعمال ذات المواضيع والأبعاد التاريخية وليس فقط على المواضيع المعاصرة.
ما رأيك في قول د. وليد سيف 'لا يستطيع الإنتاج الممتاز والمخرج الجيد أن ينتجا نصا مميزا، وفي المقابل فان التنفيذ السيئ من الممكن أن يجور على النص المميز'.؟
اتفق مع الدكتور في ذلك لان دور الكاتب مهم جدا في العمل الفني، لان العمل الفني يرتكز على أساس وهو النص بما يحمله من أشكال فنية أو أفكار معينة، وأنا اعتبر نفسي من المخرجين المحظوظين لأنني التقيت شريكا مثل هذا الكاتب الذي يتمتع بمهنية عالية وتعامل أخلاقي مع مادته، وهو يمتلك ميزة معرفته الدقيقة بموضوعه المرتكز على البحث الأكاديمي، وقدرته الحالية على التعبير عن الموضوعات بصياغة درامية متطورة من خلال شخصياته الغنية بتكنيك درامي وهذه الميزات صعب أن تجتمع في كاتب واحد ولكن كلها موجودة عند د. وليد سيف..
للعمل الدرامي دور في تشكيل وعي المواطن خاصة بعد انتشار الفضاء الإعلامي، كيف نحافظ على التاريخ والمستقبل من التشويه والتحريف؟
مما لا شك فيه أن للمسلسل التلفزيوني دورا في المجتمعات التي تسود فيها نسبة من الأميين مثل مجتمعاتنا العربية، أو التي تقل فيها عادة القراءة وتقاليد البحث الفكري والعلمي، تحول المسلسل التلفزيوني إلى أخد مصادر المعرفة ولكن هذا ليس ذنب العمل الدرامي أو غيره ولكن ذنب المجتمع نفسه، وهنا العمل الدرامي أو المسلسل التلفزيوني يحمل عادة مسؤوليات كبيرة جدا قد تحد أحيانا من حرية الفنان من الناحية الفنية، لأنه في النهاية لا ينحصر دور المسلسل التاريخي في إعادة سرد الوقائع التاريخية، قد يكون هذا احد أدواره، لأنها وحدها لا تصلح لعمل فني جيد، واحدة من مهمات العمل الفني إعادة قراءة التاريخ عبر منظور أصحابه وبالتالي لا يجب أن يؤخذ المسلسل التاريخي على انه الحقيقة، وأنا من الناس الذين بدأوا يميلون إلى كتابة تحذير ـ كما جرت العادة في الكتابة على علب التدخين- أي كتابة تحذير مع بداية كل مسلسل تاريخي أن ما سنشاهده هو وجهة نظر صناع هذا العمل الفني، وهم وحدهم من يتحمل مسؤوليته، وبالنهاية أي عمل فنيي هو عبارة عن وجهة نظر صناعه، على التحديد وهؤلاء الصناع محكومون بانتماءاتهم السياسية والإيديولوجية سواء تم التعبير عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
هل من حق هؤلاء الصناع إعادة كتابة التاريخ على هواهم؟
هناك ضوابط لذلك، نحن لا نختلف على الوقائع التاريخية الثابتة، مثل واقعة فتح القسطنطينية ولا على تاريخ سقوط بغداد ولا على كل الوقائع المتفق عليها، ولكن الاختلاف يكمن في التأويل لأنه المساحة التي يتحرك من خلالها صناع الأعمال الفنية.
كيف يواجه صناع العمل الفني ما يتعرض له التاريخ والثقافة العربية والإسلامية من غزو وتشويه؟
ليس فقط تاريخنا وثقافتنا تتعرض للتشويه وأيضا حاضرنا يتعرض لنوع من الانتقائية، وأنا اعتقد أن أحد ادوار العمل الفني القدرة على مواجهة التحريف والتشويه والتزوير وبطرق الاستعمار نفسها، مثلا في هوليود يتم تقديم صورة نمطية للعربي لها صفات محددة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر عبر المنتج الفني بدأ من السينما .... وانتهاء بالعاب الأطفال، واعتقد أن مواجهة مثل هذا التشويه لا يتم إلا عبر الأداة الفنية نفسها، وهذا لا بد أن ينطلق أولا من إيماننا بدور وقدرته على صناعة مثل هذه الصورة وانطلاقا من هذا الإيمان الذي يجب تحويله إلى فعل وهذا يعني دعم الصناعة الفنية التي لا تقوم على النيات، الإنتاج الفني الآن هو صناعة من العيار الثقيل، تكاد تحتاج إلى ما تحتاجه عادة الحروب من إمكانيات ضخمة في صناعة الأسلحة، والفن مثله مثل الأسلحة أيضا حازم في كسب المعارك في هذا الزمن، ولكن الإشكالية الكبرى في مجتمعاتنا العربية إننا ما زلنا لم نحسم ضرورة الفن ولم نحسم أيضا شرعية هذا الفن كأحد أوجه التعبير الحضاري عن النفس لان كثيرا من المجتمعات العربية ما زالت حتى هذا اليوم تنظر إلى الفن نظرة فيها شك تكاد تصل في مراحل كثيرة إلى التضييق والحصار. ايضا أنت لا تستطيعين في النهاية أن تمنحي الحق لأي كان في المجتمع، لا لمؤسسة مجتمعية مدنية ولا لهيئة حكومية ولا لأجهزة الرقابة، صعب منحها حق فرز الاعمال الفنية تحت خانة ما هو ملائم وما هو غير ملائم، لان هذا سيقودنا في النهاية إلى محاكم تفتيش وهي أصلا موجودة، ولا اعتقد أنها بحاجة إلى شرعنه أو تبرير من هذا النوع، الأفضل هو ترك المجتمع يعبر عن نفسه بالطريقة التي يريدها وهي البوابة الحقيقية التي ستوصلنا في نهاية المطاف إلى تقديم صناعة فنية متطورة، لان الفن كجزء من الثقافي لا يمكن أن يتطور ولا أن يأخذ دورا فاعلا ولا يمكن له أن يعكس مشكلات المجتمعات إلا من خلال توفير بيئة من الحرية لا تحدها قيود أو أي شروط تحت أي مسميات كانت.
يتبع......