ايوب صابر
06-09-2009, 02:52 PM
الوتد
فَضّلَ أن تُسحق عِظامِه على أَنْ يَنْعَتَهُ أَقرانُه بالجُبْنِ؟؟؟!!! لَمْ يَكُنْ أَمامه خِيارٌ إِلا أَنْ يَقْبَلَ التحدّي مَهما كانَ الثّمَنُ... فَماْ قِيمةُ العيشِ إِذا ما التْصَقَتْ بهِ وَصْمَةُ الخَوْفِ ؟ وَعارُ الجُبْنِ؟
كانَ معروفاً بِشَراسَتِه، وَجَساْرَتِهِ، وكأّنَ لِكُلِ إِنْساْنٍ مِن اسمِه نصيبٌ، فأسمه "ذيب"… لِذلِكَ كانَ مَحَطََ الأَنْظاْرِ في جَلْسَةِ السَّمَر تِلك، تَحتَ شَجَرِةِ السِدْرَةِ في قَرْيَتِهِ " تُمنَةْ ساره" الواقعةِ فيْ قَلبِ فَلسطين… حيث تحولت تِلكَ الجلسةُ فَجأةًً إِلى مُبارَزةٍ لإِثباتِ الرُجولةِ والشّجاعَةِ عِندَه، حِينما تَحداهُ شَبابُ القريةِ، أَنْ يَذْهَبَ لِدَقِ وَتدٍ فِيْ ذلكَ المَبنى المَهْجُورِ…المُتَبقيْ مِنْ أَطْلالِ قَريةِ "اَلخْربَةِ" اَلمُجاوِرَةِ وَاَلمَهْجُورَةِ مُنذُ زمنٍ بَعيدٍ.
وَجَدَ "ذيب" نَفْسَه مُكْرَهَاً على قَبُولِ التّحدَي، فلمْ يَكنْ أَمَامَه خيارٌ إِلاّ أَنْ يُثْبِتَ لَهُمْ وَلِكُلِ أَهلِ القريةِ أَنَه شُجاعٌ وَيَسْتَحقُ أَن يَحْمِلَ ذلكَ الاسم.
كانَتْ الساعةُ تَقْتَرِبُ مِنْ مُنْتَصَفِ الليلِ، الذي أَمسى حالكَ السوادِ، بعد أن تَسَللّت العتمةُ رويداً ... رويداً ...لتختفيَ الرؤيَةُ مُنذ أُفولِ الشفقِ الأَحمرِ، الذي يتشكل مع غروبِ الشمسِ في الأُفق الغربّي من القريةِ... وقدْ زادَ غِيابُ القمرِ الليلَ سواداً والجو رهبةً... في زمنٍ كانت البيوتُ تُنارُ باَلسراج.
حَمَلَ " ذيبٌ " الوتَدَ …اِتجه شرقا حيث يقع المكانُ المحددُ على بعدِ عِدِة كيلومترات من القريةِ... وكلما ابتعدَ عن بيوتِ القريةِ كان يشعرُ بالخوفِ يَغْمُرُهُ...
ترددَ كثيراً في الاستمرارِ في مهمتِه...كادَ أن يتراجعَ ...ردّد في نفسِه ذلكَ المثلَ الذي سَمِعَه مرةً "ألف جبانٍ ولا الله يرحمه" ….كيفَ له أَنْ يُكمِلَ تلكَ المهمة المجنونةِ؟؟!! بعد كل ذلكَ الحديثِ المقصودِ ..الذي سمعَه من أَقرانه فيْ تلكَ الليلةِ المُوحشةِ جداً عن الجِنِ.. والرَصْدِ.. والغولِ... والذئابِ والبومِ؟؟!! .
كيفَ لَهُ أَن يَدُقَ الوتدَ فيْ ذلكَ الكهفِ المهجورِ... في مثلِ تلكَ الساعَةِ مِنَ الليلِ الحالكِ السوادِ؟
كلّما ابتعدَ عَن القريةِ كانَ الهُدوءُ يَلُفُ المكانَ أكثرَ... يكادُ لا يَسْمَعُ إلاّ أصواتَ الحيواناتِ البريّةِ، وصِرْصَار الليل، وَزْعقِ البومِ... وأصواتَ الكلابِ الشاردةِ ... كانتْ الطريقُ إِلى هُناكَ شديدةَ الوُعورَةِ ..كانْ يَتَعثْرُ هُناْ وهُناكَ ...وصارَ يتخيلُ أَنّ الحجارةَ والأشجار حَوله جانٌ وضِباعٌ وحيواناتٌ مفترسهٌ....
تَملّكَه الخوف …كادَ يتراجعُ عن مهمتهِ في أكثرِ مِنْ نقطةٍ... لَكنّهُ وبعدَ تَرَدّدٍ شديدٍ حسمَ أمرَهُ…قرّر أَنَ الأفضلَ لَهُ أَنْ يموتَ وهوَ يُحاولُ...علىْ أَنْ يَنْعَتَهُ أهلُ القريةِ بالجُبنِ والخَوْفِ.
تَشّجعَ… تَحسّسَ الوتَد...تأكّدَ من وجودِهِ على خَاْصِرَتِهِ، شمّر دِيمَايَتَهُ * ( الثوب الفلسطيني التقليدي )…سارعَ الخطوَ نحوَ الكهفِ المهجورِ ...تَمْتَمَ مَاْ استطاعَ استذكارَهُ من أَدعيةٍ وتعاويذَ …وظلّ يُرددُ بصوتٍ مسموعٍ " الموتَ ولا المذلَة"، "الموتَ ولا المذلَة".
تشجعَ أَكْثَرَ، سارعَ اَلخْطَوَ نحوَ الكهفِ رَغْمَ صُعوبةِ المشيِ فيْ تلكَ الطريق الجَبَليّةِ الضّيِقَةِ...التْي تَعبْرُ حقولَ الزيتونِ على شكلِ حيةٍ ضَخمةٍ... حاولَ أَنْ لا يُفكرَ سوىْ في مَجْدهِ الذيْ سيكونُ… وأَنه سيعودُ لأَقرانِه وأهلِ قريَتهِ مرفوعَ الرأسِ.
حاول إِبْعادَ ذِهنِهِ عنْ كُلِ قِصصِ الرُعْبِ التيْ كانَ قَدْ سَمِعَها في تلك الليلةِ المُرْعِبَةِ... حالكةِ السّوادِ رغَم إِلحاْحِها... تَمْتَمَ بتَعويْذَتِه المُفَضّلَةِ....تَشّجعْ أكثرَ... وأكثرَ...هَاْ هُوَ يكادُ يصلُ الكهفَ... هَا هُوَ يَكَاُد يُنجِزُ المهّمةَ؟! ...لكنّهُ كانَ كلمّا اقتربَ مِنَ الكهفِ يَزْدادُ خوفاً... فالمكانُ مُرْعِبٌ…شديدُ العَتْمَةِ واَلوْحشَةِ...لا وجودَ حتّى لدودةِ سراج الليلِ...لكنَ خَوْفَه من العارِ والجُبْنِ ظلّ يَدْفَعَهُ نحوَ الكهفِ... أحسّ أنّ الموتّ أهونُ عليه أن يعيشَ ذليلاً.
تابعَ سَيْرَهُ بِوَجَل، وَتَوَجْس... الخوفُ يَطَغَىْ عليهِ... لكنَهُ وصلَ أخيراً...حيثُ وجدَ نفسَه يقفُ أمامَ بابِ ذاكَ الْكَهْفِ... أحسّ ببرودةٍ عارمةٍ في أَنحاءِ جَسَدِهِ …وارْتِعاشَةٍ فيْ يَدَيْهِ...ظَنَ أَنه سَمِعَ صوتاً آدَمِيّاً...كادَ يسقطَ أَرضاً مِنْ شِدّةِ الخوفِ...كيفَ إِذَاْ كانَ الكهفُ سَكَنَاً لِلْجِنِ؟ كَيْفَ إِذَاْ مَاْ تَعَثّرَ بِأَفْعَىْ فيْ هذهِ العتمةِ المُطبِقَةِ؟ …ربّمَا هُوَ سَكنٌ لِلْغوْلِ الذيْ حَدَثَتْهُ عَنْهُ جَدتهُ فيْ قِصصَِهَاْ المُرْعِبةِ …التيْ كانتْ تَرْويْها لَهْ وَقْتَ النّومِ؟؟
كادَ الخوفُ يُفْقِدُهُ عَقْلُهُ… إِستهَمّ أَنْ يَعُوَد أَدْرَاْجَهُ...فَكّر أَنّ الوُصوْلَ إِلى اَلكْهْفِ أَمرٌ ولكنَ الدخولَ فِيهِ!... ودقَ الوتدِ أَمرٌ آخر تماماً؟؟؟!!! ...لكنّه تَذّكَرَ كَمْ سيكونُ مُؤْلِما شُعُورْهُ بالخزيِ والعارِ...
تَمْتَمَ...استجمعَ قُواهُ...تَسلّل إِلى داخلِ الكهفِ خُطوةً... خُطوةً... تَحَسَسَ طَرِيْقَهُ...العتمةُ مطبقةٌ...حاولَ فتحَ عَيناهُ بأتساعِ الأُفقِ...حدّقَ أَمامَهُ...عَلّهُ يَرَىْ شَيئاً...أَحسَ بِتَساْرُعٍ في نبضِ قَلْبِهِ...ظنَّ أنَّهُ سَيَنْفَجِرُ...قَرْفَصَ على ارضِ الكهفِ...تَمالكَ نَفْسَهُ...امسكَ بالوتدِ فيْ يَدِهِ اليُسرى المُرْتَجِفَةِ...وتَحسَّسَ على الأرضِ…علَّه يَعْثُرُ علىْ حجرٍ يَدُقُ به الوتدِ...
- أينَ الحجارةِ اللعينةِ ؟؟
تَأَففّ...تَمْتَمَ... قالَ فيْ نَفسهِ ...
- يَاْ إِلهي...مِنْ أَيَن وكيفَ سَأَجِدُ حَجراً هُنا؟
فُجأةً اصْطَدَمَتْ يدُه بحجر...أَحَسَ ببعضِ الراحةِ…أَحَسَ بشجاعةٍ لم يَعَرفْ مِنْ أَيَن أَتَتْهُ...حَمَلَ الحَجَرَ...دقَّ على رأسِ الوتدِ بقوةٍ وسرعةٍ...وعيناهُ تَدورُ بِتَسارُعٍ في المكانِ … يُحَدّقُ فيْ العتمةِ حَوَلَه ويُتَمْتِمُ تَعَاوِيْذَهُ.
تَفحّصَ الوتدَ... شَدَّه ...أَرادَ أَنْ يَتأكَدَ اَنّه اْنغَرَسَ في الأرضِ بقوةٍ... فَلا بُدّ أَن أَقْرانَهُ سيأتونَ في اليومِ التاليِ لفحصِ الأمرِ...فهو دليلُ شَجاعَتِهِ...
هَمّ للخروجِ مُسرعاً مِن ذلكَ المكانِ الرهيبِ...تحرّكَ ناحيةَ مخرجِ الكهفِ...لكَّنه أحسَّ فُجأةً وكأنَّ شيئًا امسكَ بثوبهِ...
- يا الهي؟؟!! ما الذي امسكَ بِي؟؟؟!!
حاولَ التَفَلَت باسْتِماْتَةٍ لكنّهُ لم يستطعْ تخليصَ نَفسهِ...تملصَّ بسرعةٍ عجيبةٍ من ثوبهِ...خَلَعَه بلمحِ البصرِ...هربَ بأَقصىْ سرعةِ خارجَ الكهفِ وعادَ أَدْرَاْجَهُ وهو شبه عارٍ والخوفُ يَتَملكه...وظنّ اَنّه كادَ يقعُ فريسةً للجنِ؟؟!! أَو ربّما للغولِ؟؟؟!!
عادَ إلى قَرْيَتِه وهوَ يَرتجفُ ...لكنَ شعوراً بالانتصارِ الكاسح والمدوي كانَ يُدَغْدِغُه...فَقدْ أنجزَ المهمةَ...صارَ بإمْكَانْهِ أَنْ يفتخَر أمامَ أَقَراْنِه، وأَهلِ القريةِ جَميعاً،ً بِشَجَاْعَتِه…لَنْ يُطأطئَ رَأَسَهُ أبدا.
في اليومِ التالي تَبَيّنَ لَهُ أَنْ مَاْ أَمسَكَ بثوبهِ كانَ الوتدَ.
فَضّلَ أن تُسحق عِظامِه على أَنْ يَنْعَتَهُ أَقرانُه بالجُبْنِ؟؟؟!!! لَمْ يَكُنْ أَمامه خِيارٌ إِلا أَنْ يَقْبَلَ التحدّي مَهما كانَ الثّمَنُ... فَماْ قِيمةُ العيشِ إِذا ما التْصَقَتْ بهِ وَصْمَةُ الخَوْفِ ؟ وَعارُ الجُبْنِ؟
كانَ معروفاً بِشَراسَتِه، وَجَساْرَتِهِ، وكأّنَ لِكُلِ إِنْساْنٍ مِن اسمِه نصيبٌ، فأسمه "ذيب"… لِذلِكَ كانَ مَحَطََ الأَنْظاْرِ في جَلْسَةِ السَّمَر تِلك، تَحتَ شَجَرِةِ السِدْرَةِ في قَرْيَتِهِ " تُمنَةْ ساره" الواقعةِ فيْ قَلبِ فَلسطين… حيث تحولت تِلكَ الجلسةُ فَجأةًً إِلى مُبارَزةٍ لإِثباتِ الرُجولةِ والشّجاعَةِ عِندَه، حِينما تَحداهُ شَبابُ القريةِ، أَنْ يَذْهَبَ لِدَقِ وَتدٍ فِيْ ذلكَ المَبنى المَهْجُورِ…المُتَبقيْ مِنْ أَطْلالِ قَريةِ "اَلخْربَةِ" اَلمُجاوِرَةِ وَاَلمَهْجُورَةِ مُنذُ زمنٍ بَعيدٍ.
وَجَدَ "ذيب" نَفْسَه مُكْرَهَاً على قَبُولِ التّحدَي، فلمْ يَكنْ أَمَامَه خيارٌ إِلاّ أَنْ يُثْبِتَ لَهُمْ وَلِكُلِ أَهلِ القريةِ أَنَه شُجاعٌ وَيَسْتَحقُ أَن يَحْمِلَ ذلكَ الاسم.
كانَتْ الساعةُ تَقْتَرِبُ مِنْ مُنْتَصَفِ الليلِ، الذي أَمسى حالكَ السوادِ، بعد أن تَسَللّت العتمةُ رويداً ... رويداً ...لتختفيَ الرؤيَةُ مُنذ أُفولِ الشفقِ الأَحمرِ، الذي يتشكل مع غروبِ الشمسِ في الأُفق الغربّي من القريةِ... وقدْ زادَ غِيابُ القمرِ الليلَ سواداً والجو رهبةً... في زمنٍ كانت البيوتُ تُنارُ باَلسراج.
حَمَلَ " ذيبٌ " الوتَدَ …اِتجه شرقا حيث يقع المكانُ المحددُ على بعدِ عِدِة كيلومترات من القريةِ... وكلما ابتعدَ عن بيوتِ القريةِ كان يشعرُ بالخوفِ يَغْمُرُهُ...
ترددَ كثيراً في الاستمرارِ في مهمتِه...كادَ أن يتراجعَ ...ردّد في نفسِه ذلكَ المثلَ الذي سَمِعَه مرةً "ألف جبانٍ ولا الله يرحمه" ….كيفَ له أَنْ يُكمِلَ تلكَ المهمة المجنونةِ؟؟!! بعد كل ذلكَ الحديثِ المقصودِ ..الذي سمعَه من أَقرانه فيْ تلكَ الليلةِ المُوحشةِ جداً عن الجِنِ.. والرَصْدِ.. والغولِ... والذئابِ والبومِ؟؟!! .
كيفَ لَهُ أَن يَدُقَ الوتدَ فيْ ذلكَ الكهفِ المهجورِ... في مثلِ تلكَ الساعَةِ مِنَ الليلِ الحالكِ السوادِ؟
كلّما ابتعدَ عَن القريةِ كانَ الهُدوءُ يَلُفُ المكانَ أكثرَ... يكادُ لا يَسْمَعُ إلاّ أصواتَ الحيواناتِ البريّةِ، وصِرْصَار الليل، وَزْعقِ البومِ... وأصواتَ الكلابِ الشاردةِ ... كانتْ الطريقُ إِلى هُناكَ شديدةَ الوُعورَةِ ..كانْ يَتَعثْرُ هُناْ وهُناكَ ...وصارَ يتخيلُ أَنّ الحجارةَ والأشجار حَوله جانٌ وضِباعٌ وحيواناتٌ مفترسهٌ....
تَملّكَه الخوف …كادَ يتراجعُ عن مهمتهِ في أكثرِ مِنْ نقطةٍ... لَكنّهُ وبعدَ تَرَدّدٍ شديدٍ حسمَ أمرَهُ…قرّر أَنَ الأفضلَ لَهُ أَنْ يموتَ وهوَ يُحاولُ...علىْ أَنْ يَنْعَتَهُ أهلُ القريةِ بالجُبنِ والخَوْفِ.
تَشّجعَ… تَحسّسَ الوتَد...تأكّدَ من وجودِهِ على خَاْصِرَتِهِ، شمّر دِيمَايَتَهُ * ( الثوب الفلسطيني التقليدي )…سارعَ الخطوَ نحوَ الكهفِ المهجورِ ...تَمْتَمَ مَاْ استطاعَ استذكارَهُ من أَدعيةٍ وتعاويذَ …وظلّ يُرددُ بصوتٍ مسموعٍ " الموتَ ولا المذلَة"، "الموتَ ولا المذلَة".
تشجعَ أَكْثَرَ، سارعَ اَلخْطَوَ نحوَ الكهفِ رَغْمَ صُعوبةِ المشيِ فيْ تلكَ الطريق الجَبَليّةِ الضّيِقَةِ...التْي تَعبْرُ حقولَ الزيتونِ على شكلِ حيةٍ ضَخمةٍ... حاولَ أَنْ لا يُفكرَ سوىْ في مَجْدهِ الذيْ سيكونُ… وأَنه سيعودُ لأَقرانِه وأهلِ قريَتهِ مرفوعَ الرأسِ.
حاول إِبْعادَ ذِهنِهِ عنْ كُلِ قِصصِ الرُعْبِ التيْ كانَ قَدْ سَمِعَها في تلك الليلةِ المُرْعِبَةِ... حالكةِ السّوادِ رغَم إِلحاْحِها... تَمْتَمَ بتَعويْذَتِه المُفَضّلَةِ....تَشّجعْ أكثرَ... وأكثرَ...هَاْ هُوَ يكادُ يصلُ الكهفَ... هَا هُوَ يَكَاُد يُنجِزُ المهّمةَ؟! ...لكنّهُ كانَ كلمّا اقتربَ مِنَ الكهفِ يَزْدادُ خوفاً... فالمكانُ مُرْعِبٌ…شديدُ العَتْمَةِ واَلوْحشَةِ...لا وجودَ حتّى لدودةِ سراج الليلِ...لكنَ خَوْفَه من العارِ والجُبْنِ ظلّ يَدْفَعَهُ نحوَ الكهفِ... أحسّ أنّ الموتّ أهونُ عليه أن يعيشَ ذليلاً.
تابعَ سَيْرَهُ بِوَجَل، وَتَوَجْس... الخوفُ يَطَغَىْ عليهِ... لكنَهُ وصلَ أخيراً...حيثُ وجدَ نفسَه يقفُ أمامَ بابِ ذاكَ الْكَهْفِ... أحسّ ببرودةٍ عارمةٍ في أَنحاءِ جَسَدِهِ …وارْتِعاشَةٍ فيْ يَدَيْهِ...ظَنَ أَنه سَمِعَ صوتاً آدَمِيّاً...كادَ يسقطَ أَرضاً مِنْ شِدّةِ الخوفِ...كيفَ إِذَاْ كانَ الكهفُ سَكَنَاً لِلْجِنِ؟ كَيْفَ إِذَاْ مَاْ تَعَثّرَ بِأَفْعَىْ فيْ هذهِ العتمةِ المُطبِقَةِ؟ …ربّمَا هُوَ سَكنٌ لِلْغوْلِ الذيْ حَدَثَتْهُ عَنْهُ جَدتهُ فيْ قِصصَِهَاْ المُرْعِبةِ …التيْ كانتْ تَرْويْها لَهْ وَقْتَ النّومِ؟؟
كادَ الخوفُ يُفْقِدُهُ عَقْلُهُ… إِستهَمّ أَنْ يَعُوَد أَدْرَاْجَهُ...فَكّر أَنّ الوُصوْلَ إِلى اَلكْهْفِ أَمرٌ ولكنَ الدخولَ فِيهِ!... ودقَ الوتدِ أَمرٌ آخر تماماً؟؟؟!!! ...لكنّه تَذّكَرَ كَمْ سيكونُ مُؤْلِما شُعُورْهُ بالخزيِ والعارِ...
تَمْتَمَ...استجمعَ قُواهُ...تَسلّل إِلى داخلِ الكهفِ خُطوةً... خُطوةً... تَحَسَسَ طَرِيْقَهُ...العتمةُ مطبقةٌ...حاولَ فتحَ عَيناهُ بأتساعِ الأُفقِ...حدّقَ أَمامَهُ...عَلّهُ يَرَىْ شَيئاً...أَحسَ بِتَساْرُعٍ في نبضِ قَلْبِهِ...ظنَّ أنَّهُ سَيَنْفَجِرُ...قَرْفَصَ على ارضِ الكهفِ...تَمالكَ نَفْسَهُ...امسكَ بالوتدِ فيْ يَدِهِ اليُسرى المُرْتَجِفَةِ...وتَحسَّسَ على الأرضِ…علَّه يَعْثُرُ علىْ حجرٍ يَدُقُ به الوتدِ...
- أينَ الحجارةِ اللعينةِ ؟؟
تَأَففّ...تَمْتَمَ... قالَ فيْ نَفسهِ ...
- يَاْ إِلهي...مِنْ أَيَن وكيفَ سَأَجِدُ حَجراً هُنا؟
فُجأةً اصْطَدَمَتْ يدُه بحجر...أَحَسَ ببعضِ الراحةِ…أَحَسَ بشجاعةٍ لم يَعَرفْ مِنْ أَيَن أَتَتْهُ...حَمَلَ الحَجَرَ...دقَّ على رأسِ الوتدِ بقوةٍ وسرعةٍ...وعيناهُ تَدورُ بِتَسارُعٍ في المكانِ … يُحَدّقُ فيْ العتمةِ حَوَلَه ويُتَمْتِمُ تَعَاوِيْذَهُ.
تَفحّصَ الوتدَ... شَدَّه ...أَرادَ أَنْ يَتأكَدَ اَنّه اْنغَرَسَ في الأرضِ بقوةٍ... فَلا بُدّ أَن أَقْرانَهُ سيأتونَ في اليومِ التاليِ لفحصِ الأمرِ...فهو دليلُ شَجاعَتِهِ...
هَمّ للخروجِ مُسرعاً مِن ذلكَ المكانِ الرهيبِ...تحرّكَ ناحيةَ مخرجِ الكهفِ...لكَّنه أحسَّ فُجأةً وكأنَّ شيئًا امسكَ بثوبهِ...
- يا الهي؟؟!! ما الذي امسكَ بِي؟؟؟!!
حاولَ التَفَلَت باسْتِماْتَةٍ لكنّهُ لم يستطعْ تخليصَ نَفسهِ...تملصَّ بسرعةٍ عجيبةٍ من ثوبهِ...خَلَعَه بلمحِ البصرِ...هربَ بأَقصىْ سرعةِ خارجَ الكهفِ وعادَ أَدْرَاْجَهُ وهو شبه عارٍ والخوفُ يَتَملكه...وظنّ اَنّه كادَ يقعُ فريسةً للجنِ؟؟!! أَو ربّما للغولِ؟؟؟!!
عادَ إلى قَرْيَتِه وهوَ يَرتجفُ ...لكنَ شعوراً بالانتصارِ الكاسح والمدوي كانَ يُدَغْدِغُه...فَقدْ أنجزَ المهمةَ...صارَ بإمْكَانْهِ أَنْ يفتخَر أمامَ أَقَراْنِه، وأَهلِ القريةِ جَميعاً،ً بِشَجَاْعَتِه…لَنْ يُطأطئَ رَأَسَهُ أبدا.
في اليومِ التالي تَبَيّنَ لَهُ أَنْ مَاْ أَمسَكَ بثوبهِ كانَ الوتدَ.