مشاهدة النسخة كاملة : محاورات اليأس والمقاومة
محمد جاد الزغبي
01-11-2007, 12:11 AM
محاورات اليأس والمقاومة
هى محاورات بعضها من الواقع الفعلى وبعضها من حديث الخاطر .. إلا أنها فى كافة الأحوال عبارة عن تجربة تستحق أن تـُروى
مكانه ومكانى
لم يفتح هذا الشاب فمه ليتحدث مع أحد إلا مع الكاتب والسبب مجهول .. بالرغم من أن هذا الشاب أشقي أباه وأمه فى محاولة دفعه للحديث عما يشقيه ويدفعه لهذا التعامل الغريب مع من حوله
قال للكاتب فى حسد .. " كم أتمنى لو نمت مثلك آمنا مطمئنا خاليا من الخوف "
فابتسم الكاتب قائلا " ولماذا تنتقي النوم أليس من العدل أن تتمنى مكانى كله .."
فقال الشاب " نعم ولم لا .. أتمنى أن أكون مكانك ليهدأ بالى ويستقر عقلي "
ضحك الكاتب مجيبا " صدقنى .. لو أنك اتخذت مكانى لتمنيت من أعماقك ساعة واحدة من مكانك القديم بكل القلق والخوف الذى تعيشه لأنه سيبدو لك أرحم كثيرا من بقية تفاصيل حياتى التى تجهلها يا صاحبي "
فقال الشاب فى دهشة .. " ماذا تعنى .. ؟!"
مال الكاتب إلى الأمام قائلا .." أعنى ببساطة أن كل امرئ ميسر لما خلق له .. والحكمة الإلهية تكمن فى أن الله تعالى يعطى المقاومة بقدر الإبتلاء وهو الذى يجب أن تضعه بذهنك كمبدأ ثابت .. فما أنت فيه من هموم وتظن أنها أقوى البلايا هى فى مقاييس البعض لا تعد من زمرة الهموم لتفاهتها وعند البعض الآخر كوارث ليس لها رد من قوتها .. والنظرة تختلف بحسب القوة الموجودة بداخلك .. ولكن يجب أن تثق أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها بمعنى أن القدرة المتوافرة بأعماق كل إنسان كفيلة بنجاته فالإختبار هنا عادل تماما والفشل أو النجاح حسب الصمود وتلونه صعودا وهبوطا عملا بقول الله تعالى ( ولا يظلم ربك أحدا .......... ) "
فقال الشاب مبتئسا " مشكلتى الكبري فى التفكير بالموت الذى يسيطر على ويفسد على حياتى ولا أعرف كيف أتخلص منه "
فعقب الكاتب " مشكلتك ليست فى التفكير بل بالعكس .. إنها فى انعدام التفكير لأن ما أنت فيه هواجس ومخاوف والخوف ضد العقل كما أنه ضد الإيمان طالما كان خوفا لغير الله .. وسل نفسك سؤالا منطقيا لماذا تخشي الموت ؟! .. وعندما تضع يدك على الأسباب سيكون هذا أول طريق العلاج .."
فهتف الشاب بعد لحظات " أخشاه لأنى لا أريد أن أموت الآن وأخشي أن يحزن أبي وأمى ومن الممكن أن يموتا أيضا بسببي "
ضحك الكاتب بصوت عال رغما عنه ثم قال .. " تفسير فى منتهى الغرابة فى الواقع .. وعليك أن تتسم بالمنطق قليلا وطالما أن الموت أمر لا شك فى حدوثه لأجل معلوم فهل يفيد خوفك منه فى دفعه عنك .. ؟! وإن كانت الإجابة معروفة فعلام تضيع حياتك فى انتظاره؟!
والأهم .. بفرض أن مخاوفك تحققت ومت فعلا فهل تظن أنك ساعتها ستكون خالى البال لدرجة التفكير بأبيك وأمك .. الأكثر عقلانية أن تفكر فى أعمالك التى ستحاسب عليها بين يدى الله وتترك الأب والأم لمن خلقهم وقدر لهم فهو أدرى وأرحم بهم منك ألف مرة
ثم من أدراك أساسا بموعد موتك .. إنك تعانى من هذا الخوف كل ليلة منذ أكثر من شهرين فهل لك أن تخبرنى لماذا لم تتحقق تلك المخاوف إلى الآن ؟! .. ألا يثبت لك هذا أن ما تعانيه مجرد وساوس شيطانية والعياذ بالله تسربت إليك وأحكمت على عقلك ولن تتخلص منها إلا بإدراكها لأن الخوف من المجهول ينتهى بمجرد إدراك أصل هذا المجهول .. "
فقال الشاب .. " كيف أدرك هذه المخاوف وكيف أقاومها وأثبت أنها مخاوف وبأننى لن أموت كما تقول تلك الخواطر ..؟!! "
قلَب الكاتب كفيه فى دهشة وهو يقول
" وهل تظن نفسك حيا يا صديقي .. إنك ميت فعليا لموت الإرادة بأعماقك وكما يقول المفكر د. مصطفي محمود أن الحياة تتميز بعدة أوصاف أولها مقاومة التغيير الخارجى وإرادة البقاء وهى إن انتفت من شخص فهو ميت حتى لو كان على قيد الحياة .. ولن تدرك مخاوفك وتقاومها إلا إذا توافرت لديك إرادة المقاومة وهى ليست بمجرد القول بل تأتى بالتصرف الفعلى بالمواجهة .. واجه خوفك فإن انتصرت ستنجو وإن هزمك هذا الخوف فقد عجلت بنهايتك وهو أفضل من أن تظل رهنا للإنتظار .."
تساءل الشاب فى اهتمام .." كيف .. ؟!"
أجابه الكاتب " أمر بسيط سل نفسك عن الأشياء التى تخاف أن تفعلها بسبب تلك الهواجس واذهب فتحدى نفسك وافعلها وانتظر النتيجة .. ما دمت تخاف البقاء منفردا فى مكان مظلم تعمد أن تواجه هذا الظلام .. وما دمت تخاف أن تنام فى حجرة منفردة .. جرَب هذا النوم وانظر نتيجة التجربة ثم أبلغنى بها .. وإن كانت هى نتيجة مؤكدة مسبقا لأن كل ما حدثت به نفسك عن أشياء تتوهمها تخرج لك فى الظلام لن تجدها واقعا بالتجربة وكل ما تخافه من النوم لن يأتيك فعليا عند مواجهته ..
هذا بالطبع لو كانت لديك الإرادة .. "
حق الـكِـبـْـر
" أريد أن أسألك عن شيئ هام .. "
فالتفت الكاتب إليه فى هدوء قائلا .. " تفضل .. "
فقال " ألسنا كبشر من الممكن أن نُوصف أو نسبغ على بعضنا البعض صفات كالكرم والرحمة والحلم مع أنها بعض من صفات الله عز وجل .."
فقال الكاتب " نعم ولكنها فى الله تعالى صفات مطلقة بينما فى البشر صفات نسبية ممنوحة من جلاله سبحانه وتعالى .."
فعقب الشاب قائلا فى اهتمام " وما دام الأمر كذلك لماذا حرم الله علينا صفة الكبر نهائيا ولماذا لم يمنحنا جزء منها لنصف بها العباقرة من البشر باعتبارهم يتمتعون بالتفرد والتميز .."
تأمله الكاتب فى صمت ثم سأله " من أين أتيت بهذا السؤال ؟!"
فقال الشاب فى ارتباك " سألنى إياه أحد زملائي بالجامعة .. "
أطرق الكاتب برأسه أسفا .. قبل أن يقول
" الأمر بسيط .. هل لك أن تخبرنى لماذا لم يحصل البشر على أى منحة من صفة الله تعالى كخالق "
فقال الشاب " لأن البشر لا تستطيع الخلق أبدا .. "
فقال الكاتب " أى أن صفة الخلق مطلقة لله تعالى وحده .. وبالمثل صفة الكبر .. وقبل أن تقول لى أن العبقريات لها بعض الحق أن تغتر وتعتز بما لها من تفرد بين الناس سأقول لك تعالى لنعرف ما هو الكبر ولماذا يقصم الله من يشاركه تلك الصفة من عباده لأنه هو وحده المتكبر .. فالكبر معناه ببساطة أن تأتى بما لا يستطيع غيرك أن يأتى به أو يضيف عليه فى المطلق .. وكذلك هو أن تمتلك أمرك فلا يكون هناك لكائن من كان فضلا عليك ..
فأين هو المخلوق الذى أتى بما لم يأت به غيره فى الدنيا ولم يضف إليه أحد بعده .. ثم أين هو المخلوق الذى تفرد بأمره فلا يوجد لأحد فضل عليه وهو فى الأصل مخلوق وطبيعة المخلوق تركن بالفضل لخالقه .. هل فهمت ؟.. "
وما زال نهر الحوار جاريا
عصام مشعل
01-11-2007, 09:19 AM
استحقَت أن تُروى ، واستحَقَت أن تُقرأ وبعناية
فما أجملها محاورات فيها الإفادة
وإني لمُتأهِب للسباحة طويلاً في نحر حوارَك الشَيِق
دُمت قديراً ، ودُمت بخير أخي الحبيب / محمد جاد الزُغبي
تحيتي وتقديري
محمد جاد الزغبي
01-11-2007, 10:49 AM
وبارك الله فيك يا شقيقي الحبيب ..
شكرا جزيلا لمتابعتك وتقديرك ..
وشهادتك ليست كأى شهادة أخى الكريم
تقبل تقديري
يُمنى سالم
02-11-2007, 04:08 AM
محاورات رائعة، في تقديم أنيق وشيق سيدي
ما أجمل الإبحار هنا في حرف متفرد
أستاذي محمد جاد الزغبي
تقبل تحيتي
محمد جاد الزغبي
06-11-2007, 02:35 AM
بارك الله فى يمناك يا أخت يمنى
جزيت خيرا
محمد جاد الزغبي
06-11-2007, 02:44 AM
العلم والفلسفة
" ما هو الفارق بين العالم والفيلسوف وإن كان العلم فضله وأهميته معروفة .. فما الفائدة من الفلسفة وهى مجرد كلام ؟! "
قال الكاتب ..
" فى كتاب شهير للروائي المصري إحسان عبد القدوس عبارة جميلة تقول أَن العـَالم هو الذى يسأل بكيف .. بينما الفيلسوف هو الذى يسأل بلماذا .. وهذا يعنى أن العالم يبحث خلف الأسباب والنتائج بينما الفيلسوف يبحث عن الهدف والفائدة .. هدف العالم هو الوسيلة وهدف الفيلسوف هو الغاية .. ولو جئنا بعالم وفيلسوف ووضعنا أمامهما اختراعا كالطائرة فسينصب اهتمام العالم على كيفية طيرانها ومكوناتها بينما الفيلسوف سيبحث خلف هدف صنعها وما الذى تضيفه للإنسان .. وكلاهما وسيلته العقل .. لكن العالم يستخدم عقله فى المعرفة بينما الفيلسوف يستخدم عقله فى الإدراك "
فقال الشاب ..
لكن البشرية استفادت من العلماء فى اختراعاتهم وما قدموه من تيسير لسبل الحياة فما الذى جنيناه من الفلسفة .. ؟!
عقب الكاتب ..
" قبل أن تحكم على أى شيئ يجدر بك أن تسأل عن مفهومه أولا .. والفلسفة هى حب الحكمة كما عرفها الأقدمون والحكمة يا صاحبي هى الخير الكثير كما أخبرنا القرءان الكريم .. ورأس الحكمة مخافة الله وأساسها الايمان به وبالتالى فالفلسفة هى التطبيق المباشر للعلم فلا يوجد تناقض لنقارن بينهما .. فالعلم تأتى بعده الفلسفة التى تفسر وتنشئ أهدافه ..
والفارق بين الفلسفة والعلم ليس فارق تناقض بل فارق تكامل .. والإختلاف بينهما إختلاف فى طبيعة نشاط كل منهما .. فكما يقول الدكتور فؤاد زكريا المفكر وأستاذ الفلسفة الشهير فى كتابه " التفكير العلمى " ـ إن العلم بطبيعته تراكمى فكل عالم يأتى فيضع لبنة على بناء من قبله وهكذا .. وبهذا المعنى فليس متصورا فى العلم أن ينكر كل عالم نتائج من سبقه ويبدأ من النقطة الأولى بل كان لزاما أن يبدأ من حيث انتهى سابقوه لأن انتشار بناء العلم يكون رأسيا .. أما الفلسفة فهى تختلف عن هذا فكل فيلسوف يبدأ من النقطة الأولى ولا شأن له برؤي بقية الفلاسفة من سابقيه أو معاصريه إلا ما يطابق فكره الفلسفي المستقل وعليه يكون بناء الفلسفة أفقيا ..
كما أن العالم يجب أن يكون مكتسبا لكمية معلومات مختزنة وهائلة فى فرع العلم الذى يعالجه لكى يتمكن من ممارسة مهمته بينما الفيلسوف لا يحتاج إلى حصيلة مسبقة ليمارس الفلسفة لأنها بطبيعتها فكر والفكر يتطلب عقلا موهوبا قادرا على الإستنباط
وكل عالم جاد فى أعماقه بعض الفلسفة العلمية وتواجد الفلسفة بعقله هو الذى يصنع الفارق بين العالم الحقيقي والعالم المغرض ولتوضيح هذا بمثال بسيط .. فلنفترض أن هناك اكتشافا جديدا .. قواعد العلم هنا تقتضي البحث خلف الاكتشاف تحت أى ظرف بينما الفلسفة تقتضي بالبحث خلف الفائدة منه قبل الشروع فى البحث خلفه فربما كانت نتائجه خرابا على البشرية وهو ما حدث بالفعل نتيجة قصور الفكر عند بعض علماء الجينات فسعوا لتخليق مخلوقات جديدة بدمج جينات من كائنات مختلفة وهو الأمر الذى أدى إلى كوارث ما زال العالم يعانى منها إلى الآن مع الغرور البشري الذى استبد بالعلماء ومع غياب الحكمة التى كانت لابد أن توجههم إلى أن العبث فى الخلق والطبيعة الإلهية لا يؤدى إلا إلى دمار البيئة وأيضا كما حدث عند اكتشاف الطاقة النووية فقد ندم أينشتين على ما فعله واعترف بقصور إدراكه عندما أسلم للساسة تلك المعجزة العلمية .. وعليه فالفلسفة هى التى تجعل للعلم نظاما وبغيرها تكون الفوضي ..
والفلسفة ليست مجرد كلمات بليغة نستمتع ببلاغتها بل هى نتاج وعصارة فكر نتأمل ما فيه ونستفيد منه بالتطبيق ونضيف عليه إن استطعنا "
فعقب الشاب
" ما الذى يشغل الفيلسوف وما الذى يشغل العالم .. ؟ "
أجاب الكاتب
" يكون الانشغال بتوجه كل منهما وعليه فالفكر والتأمل مهمة الفيلسوف والتفكير والتجربة مهمة العالم .. ولكل منهما معضلة تثير جنونه .. فالعالم أكثر ما يثير أعصابه هى المسببات والفيلسوف أكبر ما يشقيه هى المسلمات .. "
الشاب
" وما الفارق بين المسببات والمسلمات ؟ "
قال الكاتب
" بشرح بسيط للعبارة السابقة فإن الذى يثير العالم ولا يجد نفسه قادرا على استيعابه أو قبوله هى المسببات الخافية لما يراه من ظواهر فالعالم يقتله فضوله العلمى للمعرفة مثلا كالألغاز العلمية المنتشرة من مثلث برمودا إلى عجائب الدنيا المختلفة .. بينما الفيلسوف يـُشقيه أن يستمع إلى حقيقة دون تبرير ومناقشة كما فى المسلمات التى يمكن تعريفها بأنها حقائق بسطت حقيقتها على الحياة دون مبررات فيجب قبولها كما هى بغموضها مثلا عن هدف الخلق وبداية الكون ونهايته وإرادة الحياة بأعماق كل كائن وما إلى ذلك "
فتساءل الشاب قائلا ..
ولكن الجدليات الفلسفية التى نسمع عنها ما موقفها ونحن نعرف أن الجدل مكروه
فقال الكاتب ..
" أرح نفسك وضع مقياسا بسيطا لتعرف الفارق بين الجدل والمناقشة .. فكل حوار يوصلك إلى تأمل فى قدرة الله وإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى أو يوصلك إلى إجابات لا تعرفها بشأن أمر ما والمعرفة هى هدفك الوحيد من البحث فهو فلسفة وحكمة لا غبار عليها وكل حوار لا ينتج شيئا من هذا فهو جدل "
فقال الشاب مبتسما ..
" أعطنى مثالا للجدل الفلسفي .."
قال الكاتب
" مثلا عندما يضيع الوقت فى مناقشة أمور ليس لها هدف إلا استعراض القدرة على التناطح تماما مثل صراع الديكة استعراض قوة لا ينتج أثرا .. ومثال لتلك المناقشات .. مثلا تعال نخترع قضية لا هدف منها .. مثلا هناك حكمة تقول " لكل قاعدة شواذ .. " فما رأيك أنت فى هذه القاعدة التى ثبتت صحتها .. لو أننا نظرنا اليها كقاعدة سنجد أنها تعنى أن كل قاعدة لها استثناء .. والسؤال هنا ما دامت القاعدة صحيحة إذا لنفس هذه القاعدة استثناء وهذا يعنى أن هناك قاعدة ليس لها شواذ وهذا يثبت عدم صحة القاعدة الأصلية .. وهكذا تظل تلف وتدور حول نفسك لتعرف حلا لتلك القضية فلا تدرك حلها إلا بمستشفي الأمراض العقلية "
فأكمل الشاب استفساراته قائلا ..
" إذا كانت للعلم ميادين واضحة فأين هو ميدان الفلسفة وتخصصها ؟! "
أجابه الكاتب ..
" الفلسفة منهج لتقرير الأهداف من وراء الأفعال وبهذا التعريف فهى داخلة فى حنايا كل نشاط يخص الإنسان وكل تصرف يأتى به .. وعليه فهى تعالج كل الميادين فهناك الفلسفة العلمية للعلوم بأنواعها النظرية والتطبيقية وهناك فلسفة الآداب والفنون وفلسفة الجهاد وفلسفة التضحية ... الخ .. "
فسأل الشاب
" وما هو تأثير غيابها عن كل تلك الأشياء ..؟ "
قال الكاتب
" كارثة .. لأنها تعنى ضياع معرفة الهدف من وراء الفعل .. وهو ما يتحقق أمامنا كل يوم .. وطبق هذا الأمر على نفسك .. وأراهنك أنك لو حاولت فلسفة تصرفاتك ونشاطاتك لتوقفت عن ثلاثة أرباعها على الأقل لأنك ستكتشف أنها تصرفات آلية لا تمثل هدفا ولا تجلب نفعا .. ولأعدت النظر فى الربع المتبقي لتصحح مسارك فيه "
قال الشاب فى اهتمام ..
" أعطنى مثالا .. "
قال الكاتب
" تأمل معى المجتمع من حولك وتخيل لو أنهم جميعا سألوا أنفسهم سؤالا واحدا .. لماذا يعيشون ؟! وهو سؤال لو سأله الإنسان لنفسه مرة واحدة فقط فى حياته وأدرك حقيقة إجابته لما دخل أحد النار لأنهم سيدركون أن المعيشة ليست مجرد تصرفات ميكانيكية تنام وتستيقظ لتقضي يوما فى عملك وتـُضيَع الباقي فى أى شيئ ثم تنام لتعود فى اليوم التالى إلى نفس الوتيرة .. عندئذ سينتبه العاقل فيهم إلى أن حياته تتسرب دون أن يدرى كيف ومتى عاش أحداثها وسيدرك أنه مسئول حتما فى وقت الحساب عن تلك الحياة التى ضاعت بشكل ميكانيكى حتى فى العبادات فمعظم من يؤديها يؤديها كعادة وهى كارثة الكوارث أن تصبح الصلاة والصوم مجرد إجراءات يفعلها الانسان لأنه اعتاد عليها .. فقبل أن تصلي سل نفسك لماذا تصلي ؟ .. والإجابة بسيطة أصلى لله عز وجل .. ولكن هل تفيد الصلاة لله عز وجل وأنت غير مستحضر لعظمة هذا الخالق الذى تقف أمامه .. تقضي الوقت بين يديه ثم تطوى سجادة الصلاة وتنصرف دون أدنى ذرة من تأثر أو رهبة لهذا الوقت الذى قضيته فى حضرته سبحانه .. ؟!
وهكذا يا صاحبي على نفس الوتيرة سؤال بين نفسك وجواب فى أعماقك يوجهك إلى الاتجاه الصحيح لتصبح الحياة عندك ذات روح وكل سؤال وكل جواب إما أنه سيجلب لك خيرا بفعل حسن كنت تتركه بلا سبب منطقي أو يدفع عنك معصية كنت تفعلها وسألت نفسك عن مبررها ومنطقها وبالتالى عندما اكتشفت خطأ هذا المنطق كان حتميا أن تتركها لأن المعاصي بلا فوائد .. "
وما زال نهر الحوار جاريا
ريم بدر الدين
06-11-2007, 11:34 AM
محاورات اليأس والمقاومة
هى محاورات بعضها من الواقع الفعلى وبعضها من حديث الخاطر .. إلا أنها فى كافة الأحوال عبارة عن تجربة تستحق أن تـُروى
مكانه ومكانى
لم يفتح هذا الشاب فمه ليتحدث مع أحد إلا مع الكاتب والسبب مجهول .. بالرغم من أن هذا الشاب أشقي أباه وأمه فى محاولة دفعه للحديث عما يشقيه ويدفعه لهذا التعامل الغريب مع من حوله
قال للكاتب فى حسد .. " كم أتمنى لو نمت مثلك آمنا مطمئنا خاليا من الخوف "
فابتسم الكاتب قائلا " ولماذا تنتقي النوم أليس من العدل أن تتمنى مكانى كله .."
فقال الشاب " نعم ولم لا .. أتمنى أن أكون مكانك ليهدأ بالى ويستقر عقلي "
ضحك الكاتب مجيبا " صدقنى .. لو أنك اتخذت مكانى لتمنيت من أعماقك ساعة واحدة من مكانك القديم بكل القلق والخوف الذى تعيشه لأنه سيبدو لك أرحم كثيرا من بقية تفاصيل حياتى التى تجهلها يا صاحبي "
فقال الشاب فى دهشة .. " ماذا تعنى .. ؟!"
مال الكاتب إلى الأمام قائلا .." أعنى ببساطة أن كل امرئ ميسر لما خلق له .. والحكمة الإلهية تكمن فى أن الله تعالى يعطى المقاومة بقدر الإبتلاء وهو الذى يجب أن تضعه بذهنك كمبدأ ثابت .. فما أنت فيه من هموم وتظن أنها أقوى البلايا هى فى مقاييس البعض لا تعد من زمرة الهموم لتفاهتها وعند البعض الآخر كوارث ليس لها رد من قوتها .. والنظرة تختلف بحسب القوة الموجودة بداخلك .. ولكن يجب أن تثق أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها بمعنى أن القدرة المتوافرة بأعماق كل إنسان كفيلة بنجاته فالإختبار هنا عادل تماما والفشل أو النجاح حسب الصمود وتلونه صعودا وهبوطا عملا بقول الله تعالى ( ولا يظلم ربك أحدا .......... ) "
فقال الشاب مبتئسا " مشكلتى الكبري فى التفكير بالموت الذى يسيطر على ويفسد على حياتى ولا أعرف كيف أتخلص منه "
فعقب الكاتب " مشكلتك ليست فى التفكير بل بالعكس .. إنها فى انعدام التفكير لأن ما أنت فيه هواجس ومخاوف والخوف ضد العقل كما أنه ضد الإيمان طالما كان خوفا لغير الله .. وسل نفسك سؤالا منطقيا لماذا تخشي الموت ؟! .. وعندما تضع يدك على الأسباب سيكون هذا أول طريق العلاج .."
فهتف الشاب بعد لحظات " أخشاه لأنى لا أريد أن أموت الآن وأخشي أن يحزن أبي وأمى ومن الممكن أن يموتا أيضا بسببي "
ضحك الكاتب بصوت عال رغما عنه ثم قال .. " تفسير فى منتهى الغرابة فى الواقع .. وعليك أن تتسم بالمنطق قليلا وطالما أن الموت أمر لا شك فى حدوثه لأجل معلوم فهل يفيد خوفك منه فى دفعه عنك .. ؟! وإن كانت الإجابة معروفة فعلام تضيع حياتك فى انتظاره؟!
والأهم .. بفرض أن مخاوفك تحققت ومت فعلا فهل تظن أنك ساعتها ستكون خالى البال لدرجة التفكير بأبيك وأمك .. الأكثر عقلانية أن تفكر فى أعمالك التى ستحاسب عليها بين يدى الله وتترك الأب والأم لمن خلقهم وقدر لهم فهو أدرى وأرحم بهم منك ألف مرة
ثم من أدراك أساسا بموعد موتك .. إنك تعانى من هذا الخوف كل ليلة منذ أكثر من شهرين فهل لك أن تخبرنى لماذا لم تتحقق تلك المخاوف إلى الآن ؟! .. ألا يثبت لك هذا أن ما تعانيه مجرد وساوس شيطانية والعياذ بالله تسربت إليك وأحكمت على عقلك ولن تتخلص منها إلا بإدراكها لأن الخوف من المجهول ينتهى بمجرد إدراك أصل هذا المجهول .. "
فقال الشاب .. " كيف أدرك هذه المخاوف وكيف أقاومها وأثبت أنها مخاوف وبأننى لن أموت كما تقول تلك الخواطر ..؟!! "
قلَب الكاتب كفيه فى دهشة وهو يقول
" وهل تظن نفسك حيا يا صديقي .. إنك ميت فعليا لموت الإرادة بأعماقك وكما يقول المفكر د. مصطفي محمود أن الحياة تتميز بعدة أوصاف أولها مقاومة التغيير الخارجى وإرادة البقاء وهى إن انتفت من شخص فهو ميت حتى لو كان على قيد الحياة .. ولن تدرك مخاوفك وتقاومها إلا إذا توافرت لديك إرادة المقاومة وهى ليست بمجرد القول بل تأتى بالتصرف الفعلى بالمواجهة .. واجه خوفك فإن انتصرت ستنجو وإن هزمك هذا الخوف فقد عجلت بنهايتك وهو أفضل من أن تظل رهنا للإنتظار .."
تساءل الشاب فى اهتمام .." كيف .. ؟!"
أجابه الكاتب " أمر بسيط سل نفسك عن الأشياء التى تخاف أن تفعلها بسبب تلك الهواجس واذهب فتحدى نفسك وافعلها وانتظر النتيجة .. ما دمت تخاف البقاء منفردا فى مكان مظلم تعمد أن تواجه هذا الظلام .. وما دمت تخاف أن تنام فى حجرة منفردة .. جرَب هذا النوم وانظر نتيجة التجربة ثم أبلغنى بها .. وإن كانت هى نتيجة مؤكدة مسبقا لأن كل ما حدثت به نفسك عن أشياء تتوهمها تخرج لك فى الظلام لن تجدها واقعا بالتجربة وكل ما تخافه من النوم لن يأتيك فعليا عند مواجهته ..
هذا بالطبع لو كانت لديك الإرادة .. "
حق الـكِـبـْـر
" أريد أن أسألك عن شيئ هام .. "
فالتفت الكاتب إليه فى هدوء قائلا .. " تفضل .. "
فقال " ألسنا كبشر من الممكن أن نُوصف أو نسبغ على بعضنا البعض صفات كالكرم والرحمة والحلم مع أنها بعض من صفات الله عز وجل .."
فقال الكاتب " نعم ولكنها فى الله تعالى صفات مطلقة بينما فى البشر صفات نسبية ممنوحة من جلاله سبحانه وتعالى .."
فعقب الشاب قائلا فى اهتمام " وما دام الأمر كذلك لماذا حرم الله علينا صفة الكبر نهائيا ولماذا لم يمنحنا جزء منها لنصف بها العباقرة من البشر باعتبارهم يتمتعون بالتفرد والتميز .."
تأمله الكاتب فى صمت ثم سأله " من أين أتيت بهذا السؤال ؟!"
فقال الشاب فى ارتباك " سألنى إياه أحد زملائي بالجامعة .. "
أطرق الكاتب برأسه أسفا .. قبل أن يقول
" الأمر بسيط .. هل لك أن تخبرنى لماذا لم يحصل البشر على أى منحة من صفة الله تعالى كخالق "
فقال الشاب " لأن البشر لا تستطيع الخلق أبدا .. "
فقال الكاتب " أى أن صفة الخلق مطلقة لله تعالى وحده .. وبالمثل صفة الكبر .. وقبل أن تقول لى أن العبقريات لها بعض الحق أن تغتر وتعتز بما لها من تفرد بين الناس سأقول لك تعالى لنعرف ما هو الكبر ولماذا يقصم الله من يشاركه تلك الصفة من عباده لأنه هو وحده المتكبر .. فالكبر معناه ببساطة أن تأتى بما لا يستطيع غيرك أن يأتى به أو يضيف عليه فى المطلق .. وكذلك هو أن تمتلك أمرك فلا يكون هناك لكائن من كان فضلا عليك ..
فأين هو المخلوق الذى أتى بما لم يأت به غيره فى الدنيا ولم يضف إليه أحد بعده .. ثم أين هو المخلوق الذى تفرد بأمره فلا يوجد لأحد فضل عليه وهو فى الأصل مخلوق وطبيعة المخلوق تركن بالفضل لخالقه .. هل فهمت ؟.. "
وما زال نهر الحوار جاريا
صباح الخير
لدي مداخلتين هنا استثارتهما نقطتين في الحوار
أولا : الموت و قلق الموت
كنت اعاني من قلق الموت بشكل مرضي و كنت اخشى ان أغمض عيني و انام خوفا من هذا القادم الذي لا نعرف متى سيأتي
و عندما قال لي الطبيب نفس العبارة : وسلي نفسك سؤالا منطقيا لماذا تخشين الموت ؟! .. وعندما تضعين يدك على الأسباب سيكون هذا أول طريق العلاج .."
و فعلا كان من هنا العلاج من فوبيا الموت
ثانيا: الكبر :
لطالما احدث طالباتي : بإمكانكن الشعور بالغرور في حالة واحدة فقط إذا امتلكتن اليقين ان ما تختالون به من صنعكن انتن وحدكن دون مساعدة من احد
و عندما تنظرن إلى الحقيقة بكل أبعادها تجدن انكن لم تصنعن شيئا بانفسكن و إنما كان منحا إلهية سواءكان العقل أو الجمال أو العلم أو أي مكتسب في هذه الدنيا حتى الإيمان
لأن الله عزوجل كما منحنا هذا قادر ان يجردنا إياه بلمحة عين فيغدو العاقل مجنونا و الجميل قبيحا و يمسي المؤمن كافرا و العياذ بالله
اذا ليس في مقدور انسان ارتداء رداء الكبر
و في الحديث القدسي (الكبر رداءي فمن نازعني إياه نزعته)
شكرا لك إثارة هذه الحواريات و التي سأتابعها معك و ساعود للجزء الثاني منها قريبا
تحياتي
محمد جاد الزغبي
08-11-2007, 11:30 PM
بالغ الشكر والتقدير لك يا ريم ..
وفى انتظار مداخلاتك الثرية المتنوعة فى ثنايا الموضوع
بورك فيك
نهى شعبان
12-11-2007, 01:36 PM
أ. محمد جاد الزغبي ...
أعجبتنى فكرة الحوار الذى يحمل بين طياته الكثير من المعرفة
أحترم كل شئ تكتبه, ولكَ كل تقدير
محمد جاد الزغبي
12-11-2007, 05:01 PM
بارك الله فيك أيتها الشقيقة ..
شكرا جزيلا
د. محمد حسن السمان
12-11-2007, 09:04 PM
سلام الـلـه عليكم
الأخ الفاضل الأديب والمفكر الاستاذ محمد جاد الزغبي
لقد استمتعت بهذه الفسحة الفكرية , والمقارنة الناجحة بين العالم والفيلسوف ,
والحقيقة أن العلوم بدأت بأبعاد فلسفية , وإذا تذكرنا مفهوم المنهجية العلمية ,
فنجد أن التعريف , جاء كما يلي :
هو ملاحظة أو مشاهدة حادثة أو ظاهرة ما , ثم الوقوف عندها , للتفكير بها
وتحليلها, ثم دراستها بما يتوفر من أدوات وإمكانيات , لوضع القوانين والنواميس
الناظمة لها , فإن كانت الظاهرة مفيدة نافعة , يتم العمل على تطويرها واستخدامها ,
للاستفادة المثلى منها , وإن كانت ضارة مؤذية , يتم العمل على تفاديها , أو التخفيف
من ضررها , كثيرون شاهدوا حادثة سقوط الاجسام , ولكن واحدا فقط , اسمه نيوتن ,
وقف عند حادثة السقوط , وأعمل العقل والتفكير , لماذا ؟ وكيف ؟ , ولعل شهادة
الدكتوراه , وهي الوثيقة التي تقرّ لباحث ما بالأهلية العلمية , سميت ولازالت تسمى
شهادة الفلسفة في العلوم , ويتلاقى العالم والفيلسوف , بملكة التفكير المجرد , وهي
قمة الملكات والقدرات , والعالم يستخدم ملكة التفكير المجرد , لينقل الأفكار إلى
حيّز المحسوسات , في حين يبقى الفيلسوف في البوتقة النظرية يراوح فيها , فكل
عالم هو فيلسوف , وليس كل فيلسوف عالم .
تقبل احترامي وتقديري
أخوك
د. محمد حسن السمان
محمد جاد الزغبي
17-11-2007, 07:29 PM
أستاذى الأعمق تأثيرا بفكر تلميذه
د. حسن السمان
مع كل مرور لك ولعمالقة منتدانا أستشعر الا
مئنان الذى يجعلنى أخطو بثقة فيما أنا دائم الاقامة فيه
بوركت على ما تفضلت به سيدى
محمد جاد الزغبي
22-12-2007, 07:32 PM
كيف يسبق المرء عصره ؟!
جاء الشاب أحسن حالا هذه المرة وفتح باب الحوار بسؤال عن مفهوم المرء الذى يسبق عصره ..
فقال الكاتب
" يـُطلق هذا الوصف عادة عند خروج عبقري تمكن من إدراك وتقرير معارف أو اكتشافات أو علوم تتعدى مستوى المعارف والعلوم بعصره عدة مرات ولم يدركها معاصروه بل عرفها اللاحقون بالتطور العلمى والفكرى الطبيعى مثل العبقري الايطالى الشهير ليوناردو دافنشي الذى وضع تصميمات ورسوم للطائرة الهليوكوبتر والمدفع الرشاش والغواصة فى عصر كان المقلاع فيه إنجازا علميا .. "
فقال الشاب ..
" ومثل من فى العصر الحالى "
فارتسمت على شفتى الكاتب ابتسامة ساخرة وهو يجيب
" لا يا صاحبي فى العصر الحالى الأمر اختلف قليلا فلم يعد سابق عصره هو الذى يستشف المستقبل بل الذى ينجح فى العودة للماضي بثرائه ويصبح من أهله ليتمكن من العيش كانسان طبيعى
هل فهمت !! "
الشاب ...........!!!!
أكمل الكاتب ..
" لقد تغيرت المفاهيم فى عصرنا الحالى تغيرا عنيفا .. وهو تغير وليس تطورا كما هو المفترض بعد أن تزايد الغرور البشري لأقصي مدى وخلق لنفسه منهجا وطرقا فوقع العالم كله رهنا للقوة الغاشمة فى كل شيئ .. ولهذا فهناك ضرورة للعودة إلى حيث أصول كل شيئ لنبدأ من حيث انتهى الأقدمون وهو التطور الطبيعى للحضارة والذى انكسر عندنا نحن .. "
غمغم الشاب فى إعجاب
" أريد أن أعرف كيف أكون عالما أو فيلسوفا .. "
اتسعت عينا الكاتب فى دهشة قبل أن يستغرق فى ضحكة طويلة عالية ويقول ..
" لا حول ولا قوة الا بالله .. تريد منى أنا أن أعلمك كيف تكون عالما أو فيلسوفا !! .. إنك لو طلبت إلى أن أعلمك كيف تكون تلميذا ما استطعت هذا لأنى أنفقت السنوات لمحاولة الوصول إلى رتبة التلميذ فلم أستطع .. فما بالك بالعالم أو الفيلسوف .. ومن أخبرك أن من أدرك تعريف الفيلسوف أصبح مثله أو أدرك من هو العالم أصبح عالما ..
إنها كارثة هذا العصر وسؤالك هذا أو أسئلتك كلها فى تلك المحاورات خير دليل على مأساتنا لأننا وببساطة لم نعرف كيف نسأل .. مجرد السؤال وهو مفتاح أى علم ـ كما أخبرنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ـ لم نعرف السؤال فكيف نصل لبوابة العلم إذا ؟!! لقد ضاعت المفاهيم كما سبق أن أخبرتك .. ولو أنك طالعت تاريخنا وعرفت من هم العلماء وكيف كانوا لأدركت أنك بسؤالك هذا ارتكبت ما يُوجب حد المفترى يا صاحبي .. "
فقال الشاب فى توتر ..
" كيف .. كيف كان هؤلاء العلماء .. ؟ "
ابتسم الكاتب وهو يجيب
" كانوا كما قال عنهم أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء .. ترى الواحد منهم يتقاطر علما وحكمة وعلمهُ وحكمته وتطبيقهما معه فى كل وقت حتى فى فراش نومه وهؤلاء هم الذين قضوا العمر كله ليَعلموا ويُعلموا ومع ذلك ضاع أكثر علمهم لأن القول المأثور يقول ـ وهو قول صحيح ـ أنه ما مات عالم إلا وضاع نصف علمه ولو حرص الناس
وقبل أن أحدثك عن العلماء دعنى أحدثك عن تلامذتهم لتدرك أى افتراء وقعت فيه ..
فقد روى فى الأثر أن أحد الأطفال كان عند شيخه يحفظه القرءان فقرأ الشيخ عليه قول الله تعالى " تبت يدا ... " ودعا الطفل أن يردد خلفه ليحفظ .. فرفض الطفل أن يردد أول كلمتين فى الآية لأنه لم يفهم منهما جملة مفيدة وهتف بشيخه .. " يدا من يا سيدى .. ؟! "
أرأيت كيف رفض الطفل ترديد القول كالببغاء بلا فهم وادراك ..؟!
وأيضا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان لا زال بعد طفلا صغيرا وتورط تحت تأثير العصبية لبنى أمية فى حديث سوء عن إمام الأئمة على بن أبي طالب رضي الله عنه وبلغ هذا الحديث مسامع شيخه الذى يـُعلمه .. فلما قدم عمر بن عبد العزيز على شيخه وجده غاضبا واجما لا يرد عليه التحية فسأله عمر .. " ماذا هناك يا شيخى ؟! "
فالتفت إليه العالم القدير قائلا فى صرامة غاضبة " منذ متى علمت أن الله غضب على أهل بدر بعد أن رضي عنهم "
هكذا كان سؤال شيخه وعتابه بطريقة بلاغية غير مباشرة على الإطلاق لأنه يشير بهذه العبارة إلى تبكيت عمر على خطئه بحق واحد من أهل بدر المرضي عنهم ..
بمعنى أن الشيخ العالم عاتب تلميذه وعنفه وسخر من خطئه وأوضح له الدليل على خطئ ما وقع فيه وصحح مفاهيمه .. كل هذا وبعبارة واحدة !!
فإذا بالتلميذ الحقيقي يدرك من العبارة مقصد شيخه على الفور ويحنى رأسه قائلا فى ندم
" عذرا إلى الله ثم إليك والله لا أعود لمثلها أبدا "
وعبد الله عباس رضي الله عنه حبر الأمة الجليل كان يجلس كل يوم بعد صلاة العصر والناس محتشدة بالمئات على بابه فيطلب إلى خادمه أن يذهب اليهم مرة بعد مرة وفى كل مرة يأتى بالذين يريدون أن يسألوه فى فرع معين من العلم فيجيبهم جميعا فى القرءان والسنة واللغة والأدب وأخبار العرب وفتاوى الفقه .. كل هذه العلوم يجيب السائلين عنها دون أن يعود لمرجع أو يقوم من مكانه ليطلع فى كتاب
هؤلاء هم التلاميذ وهؤلاء هم الأساتذة يا صديقي فهل عرفت من هم ؟!
الشاب .....
الحقيقة المطلقة
أخبرنى ما هو الفارق بين الحقيقة والخيال ؟
صمت الكاتب قليلا قبل أن يسأله
" وهل عرفت ما هى الحقيقة وما هو الخيال لتسأل عن الفارق بينهما "
فقال الشاب
" نعم الحقيقة هو واقع أراه بعينى أو ألمسه بيدى والخيال ما لم أره وألمسه وأشعر به .. "
فقال الكاتب
" لو أننا سلمنا بوجهة نظرك لاختل ميزان الحياة .. فأنت تقرـ كإنسان ـ بوجود الهواء فهل رأيته أو لمسته ؟! .. وأنت تعيش بالروح فهل رأيتها أو لمستها .. ؟! وبالمقابل فأنت ترى النجوم بعينك واقعا فى السماء مع أنها فى الأصل غير موجودة بل فنيت قبل رؤيتك لها منذ زمن بعيد وما تراه هو صورة ما كانت عليه فى الماضي السحيق ووصلت إليك بسرعة الضوء عبر مئات وآلاف السنين الضوئية وعندما استوعبها بصرك كان أصل النجم ذاته فى غياهب الفناء .. ومع ذلك فالروح والهواء حقائق موجودة والنجوم خيال لا أصل له فى الواقع الحالى "
صمت الشاب قليلا .. فاستطرد الكاتب ..
" الحقيقة والخيال وأنا وأنت وأى شيئ فى محيط هذا الوجود اللانهائي كله لا يعرف أبدا شيئا على إطلاقه .. بمعنى أن كل شيئ نسبي فلا يمكننا أن نضع تعريفا أو وصفا يكون حقيقيا مائة بالمائة لأى شيئ كان .. دائما تكون الحقائق بالنسبة لمن يعرفها وبصورة تخالف رؤية الآخرين .. بمعنى أننا مثلا كبشر نرى الأشياء بأبعاد أربعة وهى الطول والعرض والإرتفاع والزمن وهناك غيرنا من الكائنات يراها ببعدين فقط وربما كانت هناك كائنات أخرى ترى الأشياء بخمسة أو سبعة أبعاد وهكذا ..
من هذا نكتشف أن ما نراه ليس ضروريا أن تكون حقيقته كما نراها بل هى كذلك بالنسبة لنا فقط .. كمثال الهواء فهو كيان يشغل حيزا من الفراغ ومع ذلك لا نرى هذا الحيز ولا يمنعنا وجوده من شغل فراغه مع أنه موجود وحقيقي
وأيضا كمثال بسيط يبلغ عمر ذبابة المستنقعات يوما واحدا أى أن دورة حياتها تبدأ وتنتهى بعد يوم واحد بينما نجد بعض السلاحف والثعابين يمتد عمرها الى مائة عام فالسلحفاة بالنسبة للذبابة خالدة لا تموت مع أنها فى الواقع تموت .. ومثلا كائن الأميبا لا يُري بالعين المجردة فتخيل معى لو أنه تميز بالادراك وتمكن من رؤية الحوت الأزرق مثلا أضخم الكائنات على الأرض سيبدو له هو الأكبر فى الحياة بينما الحوت الأزرق فى الواقع لا يمثل بالنسبة للأرض إلا كما تمثله الأميبا بالنسبة له .. والأرض بما عليها وبمجموعتها وشمسها لا تساوى ذرة فى مجرتها التى لا تساوى بذرة فى الكون الفسيح وهكذا
وقد ذكرتنى بحقيقة علمية تحدث عنها أينشتين عند وضعه لفرضية سرعة الضوء التى تبلغ 300 ألف كيلومتر / ثانية تقريبا .. فقد أقر أينشتين باستحالة وصول الانسان لسرعة الضوء ولكنه افترض هذا الوصول وعليه تخيل أنه قام بتجربة تؤكد نسبية الأشياء فلو أننا أتينا بإنسان ما وأطلقناه بسرعة الضوء وأطلقنا إلى جواره شعاعا ضوئيا من مصدر ضوئي ثابت بحيث يسيران متوازيان ومتجاوران ..
بالنسبة لنا نحن مشاهدى التجربة سنرى شعاع الضوء والانسان السائر بسرعة الضوء بنفس الهيئة وهى هيئة شعاع ضوئي
بينما الانسان السائر إلى جوار هذا الشعاع سيري شعاع الضوء قضيبا صلبا إلى جواره يمكنه لمسه وكسره أيضا .. وبالتالى لا توجد حقيقة مطلقة غير قابلة للتغير إلا حقيقة واحدة فقط ثابتة لا تتغير "
فقال الشاب فى لهفة ..
"وما هى .. أظنها الموت فهو واحد بالنسبة للجميع ..؟!
فعقب الكاتب نافيا
" لا .. الموت مجرد حالة متغيرة وطريق إلى حياة أخرى وبالتالى لا يوجد موت مطلق بل هو موت نسبي بالنسبة لنا نحن الكائنات الحية نرى الموت واقعا علينا ونصفه بهذا لأننا نراه كذلك أما حقيقته فهى لا تعدو كونه تغير فى قوانين الطبيعة التى تحكمنا
أما الحقيقة المطلقة الوحيدة فى هذا الكون والتى لا تتغير أو تتبدل لا بمرور الزمن ولا بتغير الظروف هى حقيقة وجود الخالق سبحانه وتعالى لأنه جل سبحانه موجود بلا بداية ومستمر بلا نهاية ومنفرد إنفرادا مطلقا لا يغير انفراده شيئ ومتحكم مطلقا لا يشاركه الحكم شيئ وهو ذاتى القدرة لا فضل لأحد عليه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .. لذلك فهو الحق وهو الحقيقة ولا شيئ غير ذلك "
وما زال النهر جاريا
محمد جاد الزغبي
18-07-2008, 02:40 PM
ماذا نفعل ؟!!!
كان حديثا استرسل فيه الكاتب يروى عن تلك الحضارة التى أشرقت وزانت الأرض وما هانت لأعدائها بأعدائها بل هانت لهوانها على أبنائها ..
كان يروى عن رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ورجال اتبعوهم بإحسان .. رجال فى قلب الغث أبوا إلا السمين فمنهم من قضي نحبه ومن من ينتظر قدره دون خشية العاقبة .. أوليس الله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم ..
قال صاحبه :
ولكن كيف نعيدها أو كيف نؤدى دورنا ولم يعد لنا إلا الكلام
قال الكاتب فى تعجب :
وكأنى بك تستهين بهذا وهو أفضل الجهاد .. ألم تسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام { سيد الشهداء حمزة .. ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله }
والحاكم المقصود هنا ليس معناه الرئيس أو الملك بل هو كل جالس للولاية فى غير موضعه , حتى الكاتب بالصحيفة والنائب تحت قبة البرلمان ورجل الشرطة فى ميدانه والمدافع فى غير مكانه , فكل خائن للأمانة فى ولاية تولاها هو حاكم ظالم حق الإنتصار بمجاهدته على كل صاحب كلمة
وكأنى بك تتجاهل حوادث التاريخ التى تقول بأن تغيير الأمم يبدأ بالصيحة المنبهة وهى كلمة .. ثم بالدعوة والدعوة كلمة , ثم بالتطبيق والتطبيق إتباع للكلمة ثم تنتهى بالنصر إن صدقت النية والنصر تختمه الكلمة وترويه الكلمة
قال الصاحب فى يأس:
وماذا تفعل كلماتنا وهى هينة على السامعين وما الذى سيغيره سكوتنا أو نطقنا وما الذى سيمنع أنظمة القهر أن تفعل بنا ما تشاء إن كان لنا تأثير
هتف به الكاتب فى حزم حاد :
وما هى القوة المؤثرة التى كانت تملكها مريم عليها السلام عندما قال لها الله تعالى وهزى إليك بجذع النخلة , وما هو النفوذ الذى كان يمتلكه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو ينفذ قول ربه
[يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] {المائدة:67}
وما الذى كان يستقر بصدر بن حنبل رضي الله عنه وهو يقف وحده فى مواجهة فتنة خلق القرآن وسائر علماء عصره إما اتبعوا وإما أجبروا وما الذى كان معه وهو يقول للمعتصم عندما سأله كيف يخالف ما أجمع عليه العلماء .. قال ,
" رحم الله من قال إذا فسدت الجماعة فعليك بما قالت به قبل أن تفسد ولو كنت وحدك فأنت الجماعة حينئذ "
ومن الذى كان يناصر بن تيمية وهو يقول
{ إن حبسونى فحبسي خلوة .. وإن نفونى فنفيي سياحة }
وما الذى كان بيقين سيف الدين قطز عندما تخاذل عنه الأمراء فركب فرسه وقال رافعا سيفه " سأخرج لقتال المغول فمن شاء القتال فليتبعنى "
وما الذى كان يدفع العقيد إبراهيم الرفاعى أسد الصاعقة المصرية لأن ينتقي معه مجموعة من رجاله ليعبروا الضفة فى حرب الاستنزاف للإنتقام من مقتل واستشهاد الفريق عبد المنعم رياض ويشترط على من خرج معه ألا يستخدم سلاحا إلا الخناجر لكى يواجهوا كتيبة كاملة إمعانا فى إذلال الإسرائيليين ليعرفوا أن الغيلة هى مهارتهم الوحيدة بينما رجالنا أهل القتال
ليس مطلوبا منك ولا منى إلا أن نرى الحق حقا فنتبعه ونرى الباطل باطلا فننكره أما النتيجة فعلى الله وحده
صمت صاحبه قليلا قبل أن يقول :
ولكن لماذا لا يناصر الناس دعاتهم وهم يفعلون هذا لأجلهم
قال الكاتب :
سأنقل لك كلمة أحد كبار المجاهدين عندما قال ,
الباحث عن الحق لا ينتظر ضمانات ولا يتوقعها ,
وحسبك أن تكون من القليل .. والكرام دوما قليل
قال صاحبه :
أتعنى أن نتكلم ولا نلقي بالا للنتائج
قال الكاتب :
ومن أدراك أن كلماتك لن تأتى بنتائج .. ومن أدراك أنها ستذهب فى الهواء , ومن أدراك بأنها لن تبلغ مسامع أبطال ننتظرهم ورجال نتوقعهم ولو بعد مائة عام , يكفينا أن نضع في طرقهم لبنة
قال صاحبه :
ولكن حديثنا يلقي السخرية إن تحدثنا عن التاريخ ويقولون أننا نعيش فى الماضي
قال الكاتب فى سخرية :
قل لهم وما الذى فعلتموه يا من تعيشون فى الحاضر ؟!
أخرجتم هوانا وأنتجتم خذلانا .. وملكتم الرياسة فجعلتمونا فى ذيل العالم بعد أن كنا قطاره .. ومارستم السياسة للهوى فبنيتم التخلف وهدمتم الحضاره
تركتم ثروتكم من التاريخ فأصبحتم كالفئران تقع فى المصيدة كل يوم جيلا بعد جيل
وناديتم بالواقع وما كان إلا نداء للإمتهان , فالحاكم الظالم واقع تستكينون له , والقهر واقع تفترشون له الأرض ,
فأنشأتم واقعا جديدا من الوقوع لا الواقعية
جزعتم أن تفقدوا أرازقكم فكأنما مسير الأرزاق ينسي تسييرها , وخفتم على الحياه فكأنما واهبها لا يملك أن يزهقها وأنتم فى جوف الأرض تختبئون , وناديتم بالعقل والتعقل طريقا مباحا للتذلل ,
وبكي كل منكم مصيبته ولم يبك وطنه , وتحسر كل منكم على ماله ولم يتحسر على مآله ,
فأينا الأحق بالسخرية ؟!
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub