نوار ناصر
15-09-2009, 11:12 PM
أمـــــــــــــاه ...إني إليك قــــــــادم
جسدٌ متهالك ثاوٍ في زاوية الغرفة الضيقة ذات الجدران المتهالكة تماماً كجسده , قد تلاشى لونها الوردي القديم وحال إلى لون غريب لا يحمل معنى لشئ سوى ( القرف)...أما السقف فشئ مريع بمجرد النظر إليه لدقائق يتسلل المرض إلى خلايا الجسد كلها من شدة ما يثير في النفس من الاشمئزاز ,كل ما في المكان ينذر بالسوء ةلا شئ فيها يدفع الابتسامة ولوكانت باهتة إلى تلك الشفاه الجافة في أسفل الوجه الشبه ميت ..
نظر في الجوار ,لا شئ سوى كرسي خشبي عتيق لا ظهر له ربما صنعه جده الذي رحل عن الحياة منذ ثلاثين عاماً... وأرتال وأنواع مختلفة من الأدوية على طاولة صغيرة مسندة بقطع من الحجر ,وكأس ماء ..فقط,هذا كل ما في المكان .
عندما يفكر المريض في مرضه يتكاثف المرض ويشتد...
انتبه المريض التائه بعينيه الغائرتين أنه وحيد في هذه الغرفة الضيقة , لا أحد معه حتى أمه !!!
تحامل على نفسه ليقول :" أمـــــــــــــــاه..."
لم يتلق المريض إجابة !!!
الحق انه ربما فقد ذاكرته أو وعيه فهو لا يعرف شيئاً غير أنه كان منهكاً أيما إنهاك قبل ايام أو ساعات لا يدري , ثم سمعهم يقولون أنهم سوف ينقولونه من المشفى إلى بيت عمه , لا يعرف لماذا ؟
كل ما يعرفه ويتجمع في خلايا ذهنه الشبه ميتة شرذمةٌ من اصوات و صراخ كان يعلو من كل جنبات المستشفى , ربما هي الحرب و ربما هي المجاعة أو الطوفان , من أين له أن يعرف ؟
لم يفُق تماماً إلا قبل دقائق وعندها بدأ ينظر إلى مأواه الأخير ...شئ يثير الرعشة في الجسد الذي تكاد تقضي عليه خلايا السرطان بعدما نهشت رئتيه و أفسدتهما ...ومنذ تلك اللحظات و ذلك الجهازيجثم على أنفه و يضخ الهواء في قصبته الهوائية , لا يدري ماذا يحدث في الخارج فالفوضى تصخب رأسه المتعب وهو وحده ولا يدري ماذا يجري؟ في عينيه الآن تتجمع أشلاء عالم مزقته المآسي...
"أمي..أمي...." إنه يشتاق إليها .. لماذا لم تأتِ كعادتها ؟!! لم تكُن تفارقه عندما كان في المشفى ومن قبلها في البيت فأين هي الآن ؟؟؟ تراها ملت مرضي وركوضي و أنيني ..؟؟؟ أم تراها يئست من حياتي ...؟؟؟ أم ماذا ؟؟
لقد كان يتوق بشدة إلى أن يدفن رأسه في صدرها كما في السابق و عندها لن يحتاج ذلك الجهاز الصناعي لضخ الهواء ...سوف يسترد شيئاً من حياته على صدرها مع خفقات متسارعة من بين الضلوع وستسقط على رأسه دمعاتها لكنه سيتلذذ و هو يشعر بأناملها تخطط شعره المتهدل و تسرحه ... لحظات ثم يذبحه السعال فتلقي رأسه على الوسادة القديمة و تضع رأسها جواره و تبكي و تبكي.... دائماً كانيحدث ذلك .. لكن أين هي الآن ؟؟؟..... فكر في توق وشوقوحيرة...
كان يعلم أنه في لحظات حياته الأخيرة لذا تضاعف شوقه و تكالب علية ألمه و هو أسير لتلك المباضع كلها تعذبه ولا تمنيه بحياة أفضل...
لم يكد يصدق أذنيه و ظن أنه نجا وأن حياته ستطول وأن شوقه الآن في تلك اللحظة شوف يرتوي عندما سمع صوت الباب يفتح رويداً , الباب متهالك و سئ و بالكاد يفتح وصوته يخدش أعصابه و لا يدري إذا كان الباب يفتح على الحياة أم على الموت..!!!!
عيناه الباهتتان الذابلتان تعلقتا بالباب و من خلفه .. ودق قلبه بسرعة .... ورأى زوجة عمه تدلف من الباب و وجهها ليس كما يعرفه ...شاحب غسلته غزارة الدمع ... ازدادت دقات قلبه .. يكاد ينخلع من مكانه ...بدأ بالسعال.... :" لماذا لم تأت ِ أمي ؟؟!!!" بالكاد تمكن من تجميع قوته ليتفوه بتلك الكلمات على شكل حروف مبعثرة ... تقدمت زوجة العم ..أرادت أن تقول شيئاً لكنها شعرت بالغضة .. بالحشرجة في صدرها ... خشيت على الفتى المريض...
" أولاد الظالمين نسفوا بيت "أبو عاصم " واستهدت زوجته وبناته الثلاث ....."
"يا ويلي عليك يا أبا عاصم , الله يعينك على بلاويك..."
جاء الخبر هكذا من أولاد المخيم ورجاله ونساؤه....الكل يتحدث...
شعر بضيق نفسه و أدرك أنه لا شك راحل الآن و زوجة العم وضعت يدها على فمها و اقتربت من الجثة النصف ميتة ...
لم تتوقع الخالة أن تسمع صوتاً ....مَن مصدر الصوت ؟؟
نعم , إنها الحنجرة المريضة تقول: " أمـــــــــــــــاه ... إني ... إليكِ قـــــــادم.....يا حبيبتي ..."
ثم غامت الدنيا ...و ادلهمت مع السواد المنبثق مع صوت قذيفة هزت المخيم ... وكان الخبر التالي : " عاصم , لحق أمه و أخواته ....."
تــحيـــــــــــــاتـــــــي
بقلمي النــــــــــازف
جسدٌ متهالك ثاوٍ في زاوية الغرفة الضيقة ذات الجدران المتهالكة تماماً كجسده , قد تلاشى لونها الوردي القديم وحال إلى لون غريب لا يحمل معنى لشئ سوى ( القرف)...أما السقف فشئ مريع بمجرد النظر إليه لدقائق يتسلل المرض إلى خلايا الجسد كلها من شدة ما يثير في النفس من الاشمئزاز ,كل ما في المكان ينذر بالسوء ةلا شئ فيها يدفع الابتسامة ولوكانت باهتة إلى تلك الشفاه الجافة في أسفل الوجه الشبه ميت ..
نظر في الجوار ,لا شئ سوى كرسي خشبي عتيق لا ظهر له ربما صنعه جده الذي رحل عن الحياة منذ ثلاثين عاماً... وأرتال وأنواع مختلفة من الأدوية على طاولة صغيرة مسندة بقطع من الحجر ,وكأس ماء ..فقط,هذا كل ما في المكان .
عندما يفكر المريض في مرضه يتكاثف المرض ويشتد...
انتبه المريض التائه بعينيه الغائرتين أنه وحيد في هذه الغرفة الضيقة , لا أحد معه حتى أمه !!!
تحامل على نفسه ليقول :" أمـــــــــــــــاه..."
لم يتلق المريض إجابة !!!
الحق انه ربما فقد ذاكرته أو وعيه فهو لا يعرف شيئاً غير أنه كان منهكاً أيما إنهاك قبل ايام أو ساعات لا يدري , ثم سمعهم يقولون أنهم سوف ينقولونه من المشفى إلى بيت عمه , لا يعرف لماذا ؟
كل ما يعرفه ويتجمع في خلايا ذهنه الشبه ميتة شرذمةٌ من اصوات و صراخ كان يعلو من كل جنبات المستشفى , ربما هي الحرب و ربما هي المجاعة أو الطوفان , من أين له أن يعرف ؟
لم يفُق تماماً إلا قبل دقائق وعندها بدأ ينظر إلى مأواه الأخير ...شئ يثير الرعشة في الجسد الذي تكاد تقضي عليه خلايا السرطان بعدما نهشت رئتيه و أفسدتهما ...ومنذ تلك اللحظات و ذلك الجهازيجثم على أنفه و يضخ الهواء في قصبته الهوائية , لا يدري ماذا يحدث في الخارج فالفوضى تصخب رأسه المتعب وهو وحده ولا يدري ماذا يجري؟ في عينيه الآن تتجمع أشلاء عالم مزقته المآسي...
"أمي..أمي...." إنه يشتاق إليها .. لماذا لم تأتِ كعادتها ؟!! لم تكُن تفارقه عندما كان في المشفى ومن قبلها في البيت فأين هي الآن ؟؟؟ تراها ملت مرضي وركوضي و أنيني ..؟؟؟ أم تراها يئست من حياتي ...؟؟؟ أم ماذا ؟؟
لقد كان يتوق بشدة إلى أن يدفن رأسه في صدرها كما في السابق و عندها لن يحتاج ذلك الجهاز الصناعي لضخ الهواء ...سوف يسترد شيئاً من حياته على صدرها مع خفقات متسارعة من بين الضلوع وستسقط على رأسه دمعاتها لكنه سيتلذذ و هو يشعر بأناملها تخطط شعره المتهدل و تسرحه ... لحظات ثم يذبحه السعال فتلقي رأسه على الوسادة القديمة و تضع رأسها جواره و تبكي و تبكي.... دائماً كانيحدث ذلك .. لكن أين هي الآن ؟؟؟..... فكر في توق وشوقوحيرة...
كان يعلم أنه في لحظات حياته الأخيرة لذا تضاعف شوقه و تكالب علية ألمه و هو أسير لتلك المباضع كلها تعذبه ولا تمنيه بحياة أفضل...
لم يكد يصدق أذنيه و ظن أنه نجا وأن حياته ستطول وأن شوقه الآن في تلك اللحظة شوف يرتوي عندما سمع صوت الباب يفتح رويداً , الباب متهالك و سئ و بالكاد يفتح وصوته يخدش أعصابه و لا يدري إذا كان الباب يفتح على الحياة أم على الموت..!!!!
عيناه الباهتتان الذابلتان تعلقتا بالباب و من خلفه .. ودق قلبه بسرعة .... ورأى زوجة عمه تدلف من الباب و وجهها ليس كما يعرفه ...شاحب غسلته غزارة الدمع ... ازدادت دقات قلبه .. يكاد ينخلع من مكانه ...بدأ بالسعال.... :" لماذا لم تأت ِ أمي ؟؟!!!" بالكاد تمكن من تجميع قوته ليتفوه بتلك الكلمات على شكل حروف مبعثرة ... تقدمت زوجة العم ..أرادت أن تقول شيئاً لكنها شعرت بالغضة .. بالحشرجة في صدرها ... خشيت على الفتى المريض...
" أولاد الظالمين نسفوا بيت "أبو عاصم " واستهدت زوجته وبناته الثلاث ....."
"يا ويلي عليك يا أبا عاصم , الله يعينك على بلاويك..."
جاء الخبر هكذا من أولاد المخيم ورجاله ونساؤه....الكل يتحدث...
شعر بضيق نفسه و أدرك أنه لا شك راحل الآن و زوجة العم وضعت يدها على فمها و اقتربت من الجثة النصف ميتة ...
لم تتوقع الخالة أن تسمع صوتاً ....مَن مصدر الصوت ؟؟
نعم , إنها الحنجرة المريضة تقول: " أمـــــــــــــــاه ... إني ... إليكِ قـــــــادم.....يا حبيبتي ..."
ثم غامت الدنيا ...و ادلهمت مع السواد المنبثق مع صوت قذيفة هزت المخيم ... وكان الخبر التالي : " عاصم , لحق أمه و أخواته ....."
تــحيـــــــــــــاتـــــــي
بقلمي النــــــــــازف