مشاهدة النسخة كاملة : روايتي الجديدة ( إلى متى يابحر ) كاملة في حلقات ... صابرين الصباغ
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:59 AM
خاص لإخوتي وأخواتي بأروقة الأدب
مودتي واحترامي للجميع
http://www3.0zz0.com/2007/10/31/23/74024409.jpg
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:00 AM
إهداء ...
إلى التي تقف بميدان روحي كنصب للحب شامخة...
مَن نقشت على جدرانها أحلام طفولتي.
رسمت على ثراها دفقات شبابي...
العروس التي لا تعرف شيباً إلى ..
الإسكندرية
صابرين الصباغ
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:17 AM
شخصيات الرواية حسب الظهور:
أحلام ....................... بطلة الرواية
أم أحلام..................... أم البطلة
الحاج علي .................. جارهم
جارهم الشاب.................حبيب أحلام
أخو أحلام ..............................
سماح ........................ صديقة احلام
أرتيمس .................... خادم بقصر الملك بطليموس الخامس
أجاتوكليس ................ الوصي على الملك
أم أرتيمس ................. أم الخادم بالقصر
أجاتوكليا .................. أخت أجاتوكليس
الوزير ...................... وزير الملك بطليموس الرابع
أونانتا ...................... أم أجاتوكليس واجاتوكليا
أم هيلينيا ................... جارة أم أرتيمس
هيلينيا ........................ عاشقة أرتيمس
أبيفانس .................... الملك بطليموس الخامس ( طفل )
القائد تليبوليموس ........ القائد المبعد
إيملياد ....................... قائد قوات تليبوليموس
هيروميس ................. قائد جنود أجاتوكليس
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:24 AM
نوة عشق
أمسكتُ بها أنظر إليه، يتملقني بعينيه المفتوحتين التي دُفنتْ داخلهما حياة كانت تلهو بحلبة جفنيه منذ ساعة.
كنت أراه من نافذتي يتحرك ببطء، أكاد أجزم أن الضوء ينتحر داخل عينيه من فرط خوفه، دموعه تترقرق لعلها تذيب الحزن المتجمد داخلهما.
يشعر بأن نهايته أصبحت وشيكة، ينظر هنا وهناك باحثاً عن بقعة أمن تنقذه من خضمّ خوفه، عيناه تدوران كالأعمى، قدماه تُقبِلان وتُدبِران، حريته مقيدة؛ مفاتيحها بيد الموت.
أشفقتُ عليه هذا الصارخ بصمتٍ له ضجيج، يجرّه ويضربه على ظهره، يرتعش فتتراقص ثيابه الوثيرة من فوق جسده، يريد نزعها ليفرّ بجلده رافضاً الذهاب إلى إعدامه.
أخيراً ينام مستسلماً، تلك النظرة الأخيرة التي لم تخرج مع روحه، بل بقيَت تحمل بين طياتها خوفاً، حزناً، رهبة.
بين يديّ رأسه يتدلى منها لسانه، كأنه كان يريد أن يبوح بشيء قبل أن يُدفن صوته داخله.
بجواري وعاء مملوء بالماء الساخن بخاره يتراقص فرحاً، أُغطّسها فيه وأخرجها، أنتزع شعرها، أكرر العمل حتى يختفي الشعر.
ما زال لسانه يتدلى من بين أسنانه، أنظر إلى عينيه المبيضّتين من الماء الساخن. لقد محت المياه الساخنة نظراته التي كانت تحتلّ جبال إشفاقي عليه.
فجأة..
أرى رأس أخي بين يديّ، لسانه يتدلى وهو يبتسم، ألقيها أرضاً صارخة، ثم يعود وجهه يحتل قسمات أخي مرة أخرى، أضحك من سخافتي.
إن الله لطيفٌ بكم أيها الرجال، كان يمكن أن يكون أخي هو الضحية، وقد فداه الله.
لكن السؤال الذي فرض نفسه: هل كان سيوافق الأبناء في هذا العصر على ذبحهم كما فعل سيدنا إسماعيل عليه السلام؟
نظفتُ الرأس تماماً لتأتي أمي تجلس بها أرضاً فوق (القُرمة) بالساطور تشج رأسه نصفين ليظهر مخه، تقطّع باقي رأسه قطع لحم صغيرة.
- أحلام، نظّفي معدته (الكرشة).
- لا؛ فرائحتها كريهة جداً. نظفيها أنت.
أتركها، تقوم بتجهيز الإفطار (الفتّة) ببعض اللحم الذي أرسله لنا الحاج علي مع رأس الخروف وأقدامه وأحشائه.
أجلس وأخي إلى (الطبلية) سعداء بطعم اللحم الذي تزيد فرحة عيدنا بتذوقه، أذهب والفرح ينقلني بجناح البراءة إلى فستاني وحذائي اللذين أحضرهما الحاج علي بعدما أعطى لأمي نقوداً لتشتريهما لي.
ارتديت ملابسي الجديدة، أنظر لنفسي في المرآة. كبرت، تغيرت معالمي، صارت لافتة على جسدي تصرخ بأن هناك أنثى تسكن هذا الجسد، سنّي أطلّت على الثامنة عشرة، دقيقة الملامح، شَعري أسود لا تشرق شمسه أبداً، يسيل فوق ظهري كقصيدة لم يكتبها شاعر على طُهر ورقة، جسدٌ ممشوق تتوارى الزهور من حُسنه.
أخرج بملابسي الجديدة، يراني سكّان حيّنا، يلقون عليّ تحية العيد، يناديني الحاج علي، يُسقِط بيدي جنيهات (عيدية)، أفرح جداً، لأن أمي لا تملك أن تعطيني عيديتي.
صديقاتي ينتظرنني، نركب الترام وسط تراقص الملابس الجديدة، فتياتٌ وفتيان يلهون فرحين بالعيد، الفتيات قُمن بفرد شعورهن عند (الكوافير)، تكاد تكون المرة الأولى لهن، حتى إن أياديهن تسمرت فوق رؤوسهن لضبط خصلاتهن اللاتي تشعرهن بأنوثتهن.
نذهب إلى محطة الرمل، الميدان يتزين بألوان ملابسنا، تختفي ملامحه الهادئة إلي صخب شديد، دُور السينما تكتظ بالفتيان والفتيات، محلات الطعام، الزحام شديد كأنهم لم يأكلوا منذ أعوام، محل الفيشار، يقبلون على شراء الألعاب، النظارات يلبسها الأولاد فرحين كنجوم السينما، قبل العيد كانوا سجناء رغباتهم فتحرروا.
حديقة سعد زغلول تمتلئ بالأطفال السعداء بالعيد، رُشقوا فيها كأنهم زهور ملونة.
سعد زغلول يقف شامخاً سعيداً بزواره، يمد يده إلى الكبير كأنه يحدثه فيقول: إلى متى سنظل ننتظر عيدنا نحن؟
أذهب إلى عاشقي الذي ينتظرني هناك منذ بدء الخليقة، يرى ما يراه صامتاً، مرت وتمر أمامه الدنيا، مرة ترتدي جميل ثيابها، ومرة ترتدي ثياباً بالية، ومرة فرحة ومرات حزينة ممزقة مشاعرها.
أجلس على حافته أنظر إلى موجه، أحدثه، أستمع إلى أمواجه، تحدثني بهمسٍ مرة وبهدير مرات، تريد أن تصرخ، تخبرني بما تكنّه في صدرها عمراً.
هناك يخوت كبيرة تشق صدره، لم تسأله مرة إن كانت تؤلمه بثقلها أو أن محركاتها تقطّع قلب أعماقه.
أبتسم، كم مِن نعيمٍ يعيشه من يمتطي ظهرها، لعلهم ينظرون إليّ الآن، يحسدونني لأني أمتطي ظهر يخت الدنيا. وسؤال يحيرني: هل يمكن الغرق فيها؟ نعم، وقد تكون أكثر غرقاً من الكبير ولا نجاة من أعماقها.
نشتري (الترمس)، (البطاطا)، (الذرة المشوي)، نشاهد الناس تستمتع بهذا العملاق الذي لم يجافِهم يوماً، لم يهرب من أجسادهم، يلقون فيه همومهم، لم يبخل عليهم باللهو بين جنبات صدره، يلهون برمله وشمسه ومياهه، لديه الخبرة التي تجعله على يقين بأننا فقراء العيد.
أتركُ صديقاتي، أرحل له وحده، أُغلق غرفة الدنيا علينا، أنا وهو فقط، أشكو إليه، أرى بناته يروّحن عني، يبتسم لي بكبرياء كبير العائلة كأنه يقول لي: لا تحزني، ستبتسم لك الحياة يوماً.
أعود خفيفة المشاعر بعدما ألقيت على أذن صديقي الكبير بعضاً من همومي.
في طريق عودتي ألقي التحية على الحاج علي، ينظر إلي بعينيه، جفناه كأنهما أسنان تلوك جسدي، والشهوة تستعر داخل ويل روحه.
أجمع ثياب سذاجتي، أواري بها جسدي الذي انكمش داخل كياني ليتفادى تلك النظرات النهمة.
أدخل، ما زالت نظراته تلاحقني مفترسة، لم ترحمني منها سوى أحضان أمي التي اختفيت خلف أسوار أمنها.
أخرج إلى الشرفة، أراه مبتسماً، تتساقط زخات حبه على أرض قلبي، فاهتزت وربت، أنبتت حباً يكبر به -معه- له، نظراته العاشقة تغير فصولي لتتفتت جمود نظرات الحاج علي التي كانت كالأعاصير السوداء تجتاح كل ما يقابلها في طريقها، حبه الصامت كان له ضجيج يضرب زوايا روحي ضرباً مبرحاً.
زادت عطايا الحاج علي، أمي يكاد ينفطر قلبها فرحاً باهتمامه، فلا مورد رزق لنا سوى بعض الجنيهات القليلة التي تأتينا من قريبة لنا تعطف علينا، فكان الجوع أحيانا يكاد يهلكنا ليمرّ يوم أو يومان لا نأكل سوى كسرة ماء .
كانت يد أمي عُليا، يحسبنا جيراننا أغنياء من التعفف، صارت حياتنا الآن أكثر رغداً، الطعام يشبعنا ويفيض، الفاكهة التي كنا نصبر على حرماننا منها بأننا نعيش في غير فصول نضوجها صرنا نتأفف من أكلها ونلقيها.
خِفْت على أمي وأخي من حالة الشبع المفاجئ بعدما اعتدنا على الجوع الذي بات كالقمر يسطع في سماء ليالينا، أخاف من أفوله فتظلم دنياي.
بالرغم من حالة القلق التي تتأبط عمري إلا أن نظرات الحاج علي تبقى المُدْية التي تطعنني في مقتل لأنزف أمني وأماني.
خرجت من منزلي أذهب إلى الكبير الرابض هناك يحتضن عشيقته بذراعيه بحب إلهيّ، يجمع أطرافها بين أضلعه، يداعب وجنتيها بأهدابه. جلست عند شفتيه أتأمل، رأيت السماء جفن حب والأرض جفن وُدّ، وهو دمعة فرح تترقرق بينهما.
يبتسم لي، يداعبني فينثر بعض ودّه على وجهي، يمسح به حرارة واقع بمجرد التفكير فيه يرعبني، أهمس له: هل تتخيل أن يباع عمري لقاء كسرة خبز؟! شبابي يكون ثمنه ملء معدة؟! سأُباع بسوق النخاسة في هذا العصر النهِم الذي أصبح كالآلة لا قلب لها، بل تروس نهمة تبتلع كل ما تدفعه الحاجة تحت ضروسها، فلا يرقّ على فقير ولا يشفق على مريض.
أشعر به يفيض دمع موجه، يضع يده على كتفيّ، يربت عليّ لينسيني همومي، يقول لي: أنت هنا؟
أفيق لأجده العاشق الصامت، أرتبك، أنتفض، أرتعش، أبتسم، أخجل، أهدأ، أثور، أجمع تلابيب مشاعري التي تناثرت خوفاً ورهبةً وعشقاً.
- نعم.
- ماذا تفعلين؟
- أحدّث صديقي، أبثه همّي، لا أجد من يسمعني غيره، ولم يلفظني يوماً حضنه، يحتويني بكل الحب.
- هل لي أن أقاسمه سماعك؟
تتساقط أوراق خريف خجلى جافةً على أرصفة كياني، ينثرها بجملة عشق واحدة، تدفعها رياح نبضه الرابض على دروب نظراته مبتسماً.
- لن أسمعك مثله فقط، بل سأكتب على سطور روحك بأبجدية جديدة، أبجدية عشقٍ لا يعرفها ولم يحدثك يوماً بها، أحمل بين صفحات صدري قلباً يشعر، وهو قلبه لا يعشق سوى حبيبة عمره، عروسه. هل ترَين كم يشدّ وثاقه على خصرها، يعانقها، يداعب بأطرافه شعرها الناعم، يستيقظ على قُبلتها التي تشعل فيه نشوة العشق؟! هي تبكي وتفرح أمامه -تخلع أثواب ربيعها دون خجل منه- تستحمّ بقسوة نوّاتها فيهدئ من روعها. هل تتخيلين كم من العمر ظلّ بجوارها، لم تبرح صدره، وكم في قلبه من حكايتها على مرّ الأزمان؟ هي شهرزاده التي تنفض عن كاهلها حكاياتها عن قسوة رجالٍ مروا بها فكتبوا بمدادٍ من الدم صفحات تاريخها.
هل تقبلين أن تكوني حبيبة عمري؟ أحيطك بسياج عشقي طول العمر، لا أبرح شواطئك أبداً، يداعبك موج نبضي، يستلقي قلبك على رمالي، عيناي تجري بهما جداول حب ترويك، تهزين إليك بأشجار حناني فتساقط فوق عمرك عشقاً جنياً.
أسمعه، بعدما فتحت له أبواب أذنيّ وحجرات قلبي الأربع لأرى نبضاته تقف على مداخل شراييني، أستعدّ لغزو جميل، جاء ابتسامة حب على ثغر صباحي، حلماً يداعب وسادتي، شمعة ترقص فرحاً في ظلام أيامي، جاء ليحرر دمي من مستعمر تذكّره، يذيقه الخوف والرهبة.
نظرت إليه بعين الخجل السعيد، أنفاسي تتصاعد بزفير يصرخ: إني أحبك، لك عمري، لك أضوائي، فناري، قلعتي، أسواري...
الشربينى خطاب
01-11-2007, 09:08 AM
الأستاذة الفاضلة / صابرين الصباغ
بنت بلدي
الرواية مجموعة حكايات أو قصص قصيرة في شكل متواليات يربطها خيط درامي واحد
يتطلب الأمر قرائتها بتمعن { من الجلدة للجلدة } لا كما يقرأ القصص القصيرة فكل قصة منفصلة عن ألأخري ، ويستحب أن تنشر فصول الرواية كاملة حتي لا نفقد استمرارية التواصل المشوق بالتقطيع الزمني فننسي ما قد قرأنا ، ارجوا ألا أنتظر طويلاً
خالص تحياتي
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:11 PM
صراخ البحر ..! (2)
أقفُ في شرفتي بجسدي ، روحي تحلق هناك لتسكن الشرفة المقابلة.
كلما نظرتُ إلى بيت الحاج علي أتذكره فينكأ جرح الخوف لأنزف سعادة عشقي الوليد ويستعمر الحزن جزري من خشية إجهاضه .
أسمعُ صراخاً يدخل كل منازل الحيّ بدون استئذان - كأنه الموت - الذي لا يعرفُ أبواباً مغلقة ، يذوب الصوت في قلوبنا ينتشر في خلايانا يسيل مزيجٌ من الخوف والهلع .
يخرجُ الجميع إلى الشرفات ، لنعرف مصدر الصراخ نجده ينبعث كالدخان ، من نيران - حدثٍ هام - في بيت جارتنا أم سماح ، تُسرع أمي إلى الخارج لترى ماذا هناك ..؟
في حينا كلنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الحىّ بالسهر والحمى ، حى الطبق الواحد من تطهو طعاما تمنح جيرانها منه ليتذوقوه فكان هناك طبق يبقى دوما ضيفا عند كل جاره ترده مملوء بالخير ولا تعيده الأخرى إلا وهو مملوء ، الحب كان يتشكل في نجدة صرخة أو طبق حب يدور .
تغيبُ أمي ، الفضول يكاد يذهب بالباقي من عمر انتظاري أذهبُ خلفها لأرى ماذا هناك ..؟
تُقابلني تقطع عليَّ خط ذهابي بعودةٍ مبتورةٍ بسيف الفضول – فضولي - والأغرب أنها أشاحت بلسانها بعيداً أخفت ما رأت هناك ولا أدري لِمَ ..؟
خرجتُ إلى الشرفة ، أنظرُ إلى بيت - أم سماح - أرى أن البيت أصبح يشبه علامة استفهام كبيرة أمتعضُ من شِدَّةِ الفضول لا تعرف عينايَ الابتسامة إلا بالنظر إلى شرفة الــ ...
- أمي .. سأذهب إلى الكبير .
- لماذا ..؟ أراكِ صرتِ شديدة التعلق به ..!
- نعم .. زرقة عينيه تُهدِّئ روحي هواءه ونسيمه يُداعبانِ أحلامي .
- اذهبي .. لكن لا تتأخري .
أفتح شرفتي أجدُ الحبيب واقفاً ، كأنني دنياً وهو ربيعٌ يقفُ على أبوابها ، يطلبها بأن تستعد لاستقباله تُعدِّلُ من هندامها تجمعُ شوقَ عامٍ كاملٍ لتلقاه فرحةً سعيدةً بعودته يحمل لها هديته ثوباً أخضراً زاهياً معطراً بعبق الزهور ترتديه فرحةً به .!
أخبرتهُ بذهابي إلى الكبير ، وعدني بأن يكون معي في حضرته .
أترجل من بيتنا ، أركل سعادتي التي تزاحم خطواتي سألتقي بالكبير والحبيب ، في ضربة لقاء واحد .
مع الحبيبين واحدٌ عن شمالي والآخر أمامي أحدهما يملكُ حروف العشق ، والكبير سمعته يقول : صمتي هو لكِ كلام ..!
أخجلُ من الكبيرهذه هى المرة الأولى التي آتي إليه لا ليسمعني أو لأسمعَ همسه بل جئتُ للآخر ، أردتُه أن يكون شاهداً على كل حرف منه لي وأن يكتب معاهدة عشقه بمداده وعلى صفحات شاطئه .
تحدث .. ليته لم يفعل .
انسابت مشاعري بعدما أذابها بدفء مشاعره التي ألجمتني بلثام عشق أوثقَ فم قلبي فلم يدرِ ما يقول ..؟
يكفيه أن يرتوي صامتاً ، بعدما عاشَ عمراً ظمآنا يصرخ .
- أين أنتِ منذُ أمس ..؟ ناطحات روحي تدكها عواصف غيابكِ ، ضعي قلبي على مائدة سنينكِ خذيه ورفقاً به ليتكِ تصلبيني على أنامل عمرك ..!
- أتتمنى الصلب على أنامل عمري ..؟
- نعم .. أتمنى الصلب الآف المرات .
- لم أشعر بمثل هذه العواصف من قبل .!
- أدخلي العاصفة وأعدي صليبي .
- أتركني أفكر، لعلكَ تجدُ نفسكَ تغفو فوق أنـامل يومي وليس مصلوباً.
- لو فكرنا ، ما دخلنا العاصفة فلا تجرحي خدَّ الورد .
- إذاً دع الورد يقرر.
نصمتُ ثلاثتنا ، الكبير يبتسم فم موجه ، أشعر به يقول :
- ادخلي العاصفة العواصف لا تتكرر في العمر لا تدعيها ترحل دون أن تضرب خلجان وجدانكِ اتركيها تعبث بخفقاتكِ .
أجيبه .. لن أتحملَ اختراق روحه لحصون قلبي شفتيه لنبضي احتلاله فكري ، أيُ قلبٍ هذا الذي يحتملُ طوفان مشاعره ، سيدكُ جبالَ صلابتي بهمسه أفقد وعيي عند حضوره ، هل تتخيل أنه هدية الدنيا لي بعد سنواتي العجاف .؟
والآخر :
- قل لها أيها الكبير ، ينفرطُ نبضي كالعقد تحت قدميها ليتها تجمعه تصوغهُ وتُزينُ به جيد مشاعرها ، لو تعرف كمْ كُنتُ أخطط إلى لقائها صدفة خُطط عشقٍ لم يرتب لها عاشقٌ من قبل ..؟ كم بِتُ ليالي طوالاً أرسم وجهها على لوحات وجداني بلا فرشاة ولا ألوان ..؟ كم حلمت معها بالعدو تحت ذات المطر وذات المدينة العاشقة لكَ بكل عنفوانها ، هدوئها ، ثوراتها ..؟
قل لها أريدها بجواري تحصد معي انتصاراتي غنائمي وحتى خسائري ، أنا رجلٌ مزقني غرامها ، قل لها: تجمع عمري في راحة يديها .
يطولُ الصمت ليتحدث وحده ، يدخل مع كل منا في حوار خاص به ، نبتسم ثلاثتنا .
الكبير ينفخ في غفوة صمتنا لنفيق على زخاته الرطبة فوق مشاعرنا الدافئة .!
هذا اللقاء يطحن تفاصيلنا يعجنها بحلم الكبير نُصبح كتلة عشق واحدة لا تنفصل ، كتبنا عهدنا أمامه فوق صدرعمره بأننا لن نفترق ثلاثتنا أبداً .
- لماذا تأخرتِ ..؟
- هل تأخرتُ ..؟ لم أشعر بالوقت وأنا معه .
- مع منُ ..؟
- هه .. الكبير يا أمي .
تخرج وهي تضحك فقد تَخَيلَتْ ما قصدته أنا نعم لم أشعر بالوقت معه فقد ذبح عقارب الزمن بسيف عشقه غَيَّبَ ذاكرة الزمان لأول مرة بعمري تكون تلك الساعة خارج نطاق الزمن بلا حساب وكأننا اقتطعناها من جسد الدنيا اقتطاعاً .
أخرجُ من غيبوبة عشق أرحل بها بعيداً .
صراخٌ جديد ، ينبعثُ من بيت - أم سماح - لتخرج أمي مسرعةً مرة أخرى يا ترى ماذا هناك ..؟ لن أترك أمي اليوم بدون أن تُخبرني ما يحدث ..!
عادت تحمل سراً جديداً تريد أن تضيفه إلى جعبة أسرارها المكتظة.
- أمي ماذا هناك ..؟
- لا شيء .. لا دخل لكِ بما يحدث .
- قلت لكِ لاشيء .
- هل سماح بخير ..؟
- نعم .
تذهبُ إلى السوق ، ينتهز فضولي هذه الفرصة ليوسوس لي بأن أذهب
إلى سماح لأعرف ما هناك .
- مرحباً.. حاج علي .
- أهلاً .. أم أحلام كيف حالكِ ..؟
- نحمد الله .. بخير كيفَ تكون جارانا ونشعر بسوء ..؟
- بارك الله فيكِ ، هل سنبقى دوماً جيراناً ..؟ ألن يتغير هذا الوضع ونصير أقرب أصبح فرداً في العائلة ..؟
تتدفق الدماء في أنهار وجهها تعقد الدهشة حبال حروفها تفتح جُب ذكريات أنوثتها الطاغية ، تُقَلِّبُ فيها بملعقة عقلها تبحث عن نظرة قديمة تصلح لهذا الموقف ترمقة بخجلٍ أنثوي فطري تتغنج خطواتها تسير متجاهلة نظراته التي ترسمها يَدُ الإدهاش .!
يضربُ الحاج علي الأرض بقدمه ساخراً .
- جُنت المرأة ..ها ..ها .. ها.
خرجتُ مسرعة ، إلى منزل أم سماح صديقتي .
طرقتُ بابَ السر تفتح أمها الباب ملامح المرأة تشي بكارثة تتوسدُ حياتها ، عيناها جائعتان إلى طعام نوم وراحة منذ أعوام ، فوق هذا كله دهشتها عند رؤيتي ..!
- مرحباً أحلام .. تفضلي .
- أهلاً خالتي .. هل سماح موجودة ..؟
- إنها نائمة .
تُكمِلُ باقي حديثها بحروفٍ باكيةٍ تترقرق من شفاه عينيها تكتبُ على وجنتيها مأساة ، تمحوها يديها .!
- تفضلي .
- شكراً خالتي ، سأمر عليها في وقت آخر .
رمقتُ غرفة سماح ، يا تُرى ماذا بداخلكِ ..!؟
في طريق عودتي إلى البيت ، يستوقفني الحاج علي يمدُ يديه أعطيه يديَّ يضغط عليها كفمِ تمساحٍ يغرسُ فيها أشواك أنامله تخلع نظراته ثوب شيّبها بعرىّ مقزز ..!
- أحلام .. افتقدتكِ .
أجذب كفيَّ المدفونة في قبر يرتعش كأنها تُعذَب بذنبِ لقائه وسلامه ، تدبُ فيها الحياة بعدما نزعتها منه أهرعُ من أمامه قبل أن يفترسني الحيوان الرابض على دروب شهوته .
ماذا يريد مني هذا الهرم المخرف ..؟ كيف للموت أن يعشق الحياة ويتمنى أن يسكنها وهو الذي سيقضي عليها ..؟ كيف للظلام أن يكون ظلاما وهو يرجو القبض على الشمس وحبسها بقبره ..؟ آه كم امقته .
أخرجُ إلى الشرفة ، أرى قلبي نبت له وجهٌ وأطرافٌ وأقدام .
- أين كنتِ ..؟
- عند سماح .
- رجاءاً لا تذهبي إليها مرة أخرى ، فلا دخل لك بما يحدث لها ولا تتحدثي مع الحاج علي ، إن أردتِ إغضابي فافعليها .
دخلتُ ، ما هذا هل سيبدأ في إعطائي أوامره من الآن ..؟! لماذا لا أذهبُ إلى سماح ..؟ الحاج علي يغارُ منه لكن سماح ..! هو يعرف ماذا يحدث هناك ..؟ أمي وهو يصران على عدم معرفتي وهذا ما يزيد شوقي لاكتشافه .
أم أحلام والمرآة ..
مازلت تتمتعين بأنوثة لفتت نظر الحاج علي إليك نعم السنوات وعددها لا يعني هذا إن المرأة صارت مسخا ، كما قالوا بالمثل ( إن دبلت الوردة ريحتها فيها ) لكن يجب أن انتبه إلى نفسي فقد أهملت نفسي مع زوجي رحمه الله ، لم أكن أشعر بأنوثتي معه ، فقد كان الفقر ضيفاً لا يفارقنا وكيف مع الفقر تشعر المرأة بنفسها .؟ التفكير في الطعام والشراب والخوف على الأولاد يلتهم عمرها ، وأين هذا الرجل الذي يريد أنثى ..؟ الفقر والعمل طوال النهار جعله كالثور الذي يتمنى رؤية فراشه فيرتمي فوقه كميت ينتظر الثرى .
نعم سأعتني بنفسي ، آن الأوان أن استبدل بعض أيامي العجاف بأيام رغدة في كنف رجل لا أحسب إلى الدنيا حسابا وأنا معه .
للمرة الثالثة ، ألسنةُ صُراخٍ تندلعُ من بيت سماح ، سأذهب الآن .
دخلتُ ، البيتُ يكتظُ عن آخره بالنساء سماح بين أيديهن تصرخ تترنح تسقط على الأرض ، النساء يمططن شفاههن حزناً وإشفاقاً عليها ، الخوف يُقيدني بجوار الحائط محاولاً السيطرة عليَّ ، أسأل امرأة قريبة مني .
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:19 PM
الدوامة ..!(3)
- ماذا بها سماح ..؟
- يقولون بها مس من الجان .
أرتعد برقم ريخيترىّ لم يُسجل من قبل أفر من أمامها باكيةلا أدري لماذا ..؟
أجد أمي في البيت يتربع على وجهها شيطان الغضب ، يتمنى أن يمارس طقوسه علىّ ليثبت قوته وجبروته .
- أين كنتِ ..؟
- عند سماح .
- ألم أخبرك بعدم الذهاب إلى هناك ..؟
- نعم .. لكن لا تنسي أنها صديقتي.
- منذ متى كانت صديقتك ..؟
- لعلها ليست صديقتي المقربة لكنها صديقتي ، ألم تعلمينِِِِ أن الجار إلى الجار ، صديقتي في محنة أردت أن أفعل ما تفعلينه تتساقط دموعي خوفاً منها وأملاً في عفوها ، أبادر :
- مامعنى مس من الجان ..؟
رحل شيطان الغضب جمع حاشيته وتم جلائه من مدائن وجهها.
- اللهم احفطنا واجعل كلامنا خفيفاً عليهم ، الجن يسكن جسدها تقول إنها متزوجة واحداً منهم يأتيها ويزورها ، يجعلها تصرخ عند سماع الآذان والقرآن فهو ليس مسلماً ، اللهم أجعل كلامنا خفيفاً عليهم يمارس معها حقوق الأزواج وتقول إنها حامل منه .
- حامل منه ..؟!
- نعم .. والله أعلم لكننا لا نصدق موضوع الحمل هذا ..!
تذهب إلى المطبخ ، تاركه بين يدي لغزاً أحتاج إلى حله عمراً فوق عمري .
ومن المطبخ ..
- أحلام جهزي نفسك غدا ، سنذهب إلى حمام الثلاثاء .
- ماذا سنفعل هناك ..؟
تأتي تتبختر على هودج سعادتها ..
- نستحم ونتكيس لنعيد الحيوية لأعضائنا المتيبسة وأمدد هذا الجلد الذي انكمش من برودة سنواتي .
- اذهبي أنت .. لا أريد الذهاب .
- كلا ستأتين معي ، لتشاهدي فهناك عروس بالحمام تستحم ليلة الحناء .
- وماذا افعل أنا ..؟
- تستحمين وتسبحين في المغطس ، عندها ستجدين أعضائك كلها لينة وجلدك ناعم حتى يأتي يوم زفافك وتستحمين لزوجك إن شاء الله .
أحدث نفسي ......
أستحم لزوجي ، متى يأتي هذا اليوم الذي يصبح عمري بيتا له ليسكنه ، وقلبي أرجوحة سعادة يستقلها ، ومشاعري مائه وزاده ..!
ضحكت وهى تضحك بسعادة .
سماح تطلق صرخاتها بلا توقف وكأنها تستغيث من نيران تشب بقلبها وعمرها ، ومع كل صرخة تنتفض فرائصي رعبا .
اشعر بأمي تستيقظ مبكرا تجهز طعام ولا أدري لماذا..؟
- أحلام .. انهضي سنذهب إلى الحمام .
- في هذا الوقت المبكر يا أمي ..؟
- نعم المكان هناك بالحجز ويجب أن نذهب مبكرا لأن العدد محدود جدا .
نهضت على مضض أفكر في هذه الزيارة الغريبة .
يقابلنا بطريقنا الحاج على مبتسما ابتسامه بلهاء لا يفهم من صوتها شيئا ، وما إن تراه أمي تبتسم بسعادة .
- إلى أين يا أم أحلام ..؟
أشد على يديها حتى لا تخبره .
- لزيارة أقاربنا وسنقضي اليوم عندهم .
- مع السلامة لا تتأخرا .
- تسير أمي إلى جواري تترنح خطواتها ، وكل دقيقة تنظر إلى الخلف ، كأنها تنتظر من يربت بنظراته على كتف رحيلها .
طرقات على باب البيت ....
- مرحباً حاج علي تفضل .
- أم أحلام هنا .
لم أجبه أشرتُ له بمكان جلوسه ، دخلت مسرعة لأمي .
- أمي الحاج علي ، ماذا يريد هذه أول مرة يزورنا ..؟
تبتسم ابتسامة خجل تهرع إلى مرآتها تضبط ثلوجاً تساقطت بفعل الزمن سكنت سفوح رأسها براحتيها تمسح وجهها كأنها تتوضأ بالفرحة لتغسل به أغبرة حزن عمرها الطويل ..!
أنظر لها بإدهاش لكن القلق يطيح بي، لأني أعرف سبب تلك الزيارة الغامضة .
تدخل أمي تسير كفتاة لم تتعد الثالثة عشر من عمرها أضحك فداخل كل منا طفل يعبث به يولد أحياناً ليجعل من تصرفاته مجالاً إلى السخرية .!
بصوت مستعار ، لا أدري من أين لها..؟!
- مرحباً .. حاج علي .
- مرحباً .. أم أحلام .
- كيف حالكَ ..؟ خيراً هل قتلوا الكلب الذي يقف أمام منزلنا ويمنعك من زيارتنا ..؟
بابتسامة تملؤها السخرية من أمي ، أكاد أنقض عليه أفتك به .
- أم أحلام .. لي عندك طلب أرجو ألا ترديني خائباً .
- طلباتك أوامر .
- أتقدم إليك طالباً يد .
تقف أمي مهللة قبل أن يكمل حديثه طبعا أنت تأمر .
يقف سريعاً قبل أن تسقط في أحضانه بحالة إغماء من شدة الفرح ، فيلاحقها .!
- أطلب يد ابنتك أحلام .
حالة أخرى من الدهشة والوجوم تعتري ملامحها حزن يتدفق داخل شريانها تتلعثم نبضاتها بفم قلبها تتغرغر الحروف فوق سطور لسانها فلم تدر بماذا تجيب ..؟ تجمع أشلائها المبعثرة تبلع لعابها الذي صار كالحصى بعدما عجن بطين دهشتها ، بصوت أنثوي ممزوج بالبكاء .
- أعطني فرصة أشاورها بالأمر .
- متى سألقى الجواب ..؟ أرجو أن يكون بالموافقة .
غابت مدة وهو ينتظر إجابتها كأنها نسيت سؤاله أو لا تجد كلمة تصلح لتك الإجابة ، فقد وقف الزمن عمراً حتى كلت قدماه بعدها قالت :
- إن شاء الله .
يخرج ، تدخل أمي إلى عالم آخر خارج جدران عمرها ، ترحل إلى غرفتها أكثر وحدة من قبل أكثر صمتاً برغم الضجيج الذي يضرب سواحلها .
احترمت مشاعرها ، تركتها تبكي بدموع إلى الداخل ؛ لتروى أرض جدبت بعدما ازهرت فجأة ولم تقطف منها زهرة واحدة بل أراق دماء مشاعرها شوك كان ينبت هناك .
غابت أمي طيلة النهار حبيسة قضبان حلمها المتصدع ، أتردد هل أقتحم خلوتها أم أنتظر حتى تهدأ وتستعيد صلابتها ..؟ الذي أذابها هذا الموقف السخيف ، وأيضا حتى لا تشعر بأني أعرف مابها .
ومن داخل حوائط حزنها :
ما هذا .؟ قصر رداء حيائي فإن غطيت به قدمي كُشفت رأسي ، هل جننت يا امرأة .؟ لم يشب شعرك بل شابت معالمك أوتفكرين بالزواج .؟ أيا بحر خجلي ليتك تبتلعني ابنتي وابني صارا أطول مني ، أأنسى هذا وأفعل ما فعلت ..؟ أذهبي يا غبية وانظري لنفسك في المرأة ، آآآآه كأني لم أر نفسي منذ زمن .!!
وجهي أصبح كالأرض التي تشققت تحت عيناي أخاديد تبتلع أنهار دمعي جلدي الرقيق المترهل يكاد يقع ليعري سوأة عظامي يداي خطوط تحتلها وبقع بنية تناثرت كزخات الكبر الموجع يالا سخافتي أضحكت الرجل وضيعت وقاري واحترامي ، لكن هل لاحظتْ أحلام ما حدث ..؟ هل رأت أمها وهى تسقط من قمة الأمومة لهاوية السذاجة ..؟ أتمنى ألا تكون قد شعرت بي وإلا قتلني شعوري.
خارج الغرفة :
تذكرت يريد الزواج مني أواه ماذا سأفعل ..؟ ستفيق أمي من نوبة حزنها وتضمد جراحها بضماد زواجي منه لامحالة فأنا أعرف كيف تفكر أمي .
الفقر الذي أذاقها الأمرين استنفد سنوات صباها سيدفعها لإرغامي على هذه الزيجة ، لتضمن ألا يعبث الفقر بعمري مثلما عبث بعمرها .
حبيبي كيف سأتركه ..؟ بعدما صنعت نموذجاً مصغراً خيالياً لحياتنا معاً..! لن أستطيع العيش بدونه سأقف أمام رغباتها حتى وإن اضطررت إلى الهرب من البيت .
في اليوم الثاني ....
سماح مازالت تصرخ لي – لها تعاني مأزقاً له بطل مجهول لا نراه أنا أعاني مأزقا بطله أعرفه جيدا ، اصرخي كم يهدؤني صراخك أتمني أن أطلق إلى صوتي العنان ليعيث في الدنيا فساداً ويقلق الثقليّن .
- أحلام .
- نعم يا أمي .
الحزن يخيم على نبراتها .....
- هل سمعت حديث الحاج علي أمس ..؟
- كلا .. ماذا كان يريد ..؟
- يطلب يدكِ ، مارأيك ..؟
- كلا .. هو بعمر أبي لا وألف لا .
تعتدل أمي بجلستها تستعيد قوتها لتأخذ بثأرها من زمانها في أى شخص حتى وإن كنت أنا ، صارخة :
- لماذا ..؟ ماالذي يعيب الرجل ..؟ هل تريدين أن تكملي عمرك وزفيرك ممزوج بزفرة ألم ..؟ الناس نيام وليّلكِ يأكله الفكر ما الذي يعيبه ..؟ لن ينقصك شيء وأنت معه .
- سينقصني الكثير قلب أعيش في ظل نبضه ، يد تشرق بها شمس عمري ، هل أدفن في قبر كهل لا يقوى على حمل جثمان حلمي ..؟ أماه لن أتزوجه مهما حدث.
- سأمهلك يومين لتفكرين ، ستوافقين لن نجد أفضل منه زوجاً لك .
تتركني بعدما أشعلت نيران قلبي ، تزيد النار لتصل إلى قلب حبيبي .
أخرج إلى الشرفة ، أخبره بأنني سأنتظره عند الكبير .
أذهب وقد فقدت شهيتي إلى الدنيا طيور الحزن تحلق في أجوائي نيران تندلع في موانيء روحي والدمع يرسم خطوات العمر .
أذهب إلى الكبير ..
أراه صامتاً حزيناً ماتت ابتسامته كأنه يشعر بي حبيبته حزينة مثله الشمس تخشى الطلوع فتكشف ستر حزني ، السحب غاضبة يعتصرها ألمي أجلس بين يديه يلفني بذراعيه الحانية كالأب الحنون.
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:21 PM
تابع الفصل الثالث
يأتي الحبيب ..
- مرحباً .. خيراً نبض قلبي .
- ليس خيراً .. أمي ترغمني على الزواج بغيركَ .
- تمهلي قليلاً ريثما تستقر الأرض لاتغرسي خنجر دوارك دفعة واحدة ..!
- الخنجر بيد أمي تطعنني به قبلك .
- أهناك حقا أُذن يمكن أن تسمع مثل هذا ..؟ هل فمكِ الذي يصب هذا الحميم فيها..؟
- بركاني يثور ، ليتها تعلم أنه ليس لي عيش بدونك أنت بوصلة أماني ، جزيرة أمني في خضم العمر لن يكون زفافاً بل سأشيع إلى مثواى سأدفن بين جنبات رجل أمقته هل تسمع غناء نبضي المصدوم ..؟ يقتلون عصفور القلب ، ينزف الناي ألحانه من دمائي لا تدع مُدنك تتخلى عني .
- حين يتخلى نبضي سأكون نورساً بلا فضاء حاولي أن تتعثري بحبي .
- طوفانهم قوي جدا لا أقوى على الإندفاع نحوك تياره يدفعني نحو الآخر.
- ألم أعطكِ مجداف خفقاتي من قبل ..؟ كنت أظنه لا يقوى عليه الطوفان ، تآخي مع الموج رتِلي له أغنياتنا ، قدميني قربانا لإله الكبير لعله يرحمنا .
- أخشى أن أُجبر على الرحيل أتساقط مع غيمات حبك كمطر يبكي وحدته على أرض غريبة لا تنبت سوى عشب الكراهية والنفور ، سيجتثوني من أرض قلبك لا محالة .
- لن تكوني غير زهرة في أرضي ، عندها سيجتثون خارطتي من مسامات قلبك ما لهاتين العينين الدامعتين لا تستعجلي مطركِ الآن .
- لن يأخذوني منك لا تقلق سأكون طعاماً لخفافيش الظلام لن أعيش في كنف رجل غيرك ولو مزقوني .
- إذا ستغرسين سكيناً في مرافيء قلبي ، أوتتجرعين سماً يسير في أخاديد روحي أعيريني كفا تمسح عن عيني دمار زهوري .
- السم والسيوف التي تجري في دمي هى أخف وطأة من غيابك عني سأقتل نفسي إن أرغموني على الزواج بغيرك .
- كيف أعيش على ذكرى أنتِ أولى شمعاتها التي أضاءت حلكة أيامي وآخر شمعة مارست على ضيائها كينونتي .
- أنت عندي كل الرجال يا من تنازلت له عن عمري طواعية ، لك الحب والقلب سأسير تحت المطر حتى لا يرى الناس دموعي .
- إياك أن تتركيني دون أن تقطري نداكِ على لحظاتي ، أنتظر دوماً أن تشرق شمس عمري من بين سحب عينيك ، فليرفقا بنا وبقلبينا .
تفيض عيون الكبير ألماً تصرخ أمواجه من معاناتنا ، دوامات فكرة تضرب أعماقه يتقيأ رمل حزنه يضرب بذراعيه كل مايقابله صخوره ترتجف من غضبه ينفثه فيما حوله هدير صراخه يتعالى القوارب التي تلهو فوق صدره تنزوي خوفاً باكية تتخبط تتلعثم فلم تعد تُغني له ليداعبها بهوائه ، خشيت من ثورته ..!
اعتذرتُ له ، رحلتُ من أمامه بعدما ملأ صدري بنسيم إصرار بألا أتخاذل أو أكون كالقشة في مهب الريح ، بل أن أكون ابنته ابنة المناضل الكبير الذي لم يهزمه التاريخ يوماً حتى وإن كان قاسياً مرعباً نعم سأكون ابنتك بقدر صلابتك ، عزتك ، ثورتك ، جبروتك ، سأتحداهم جميعاً .
أعود إلى البيت ...
في الطريق صراخ سماح يعلو فوق صوت المؤذن كأنها تصرخ من فوق المئذنة كلما صَرخت خف شعورى بالحزن ، اصرخي املئي الدنيا صراخا .
صَمتتْ فجأة ليعم الهدوء حينا لكن صراخها مازال يسري داخل شراييني ؛ تزيد الفوضى داخلي ، لماذا صمتِ ..؟ أكملي عزف أنينك الذي تطرب له روحي .
مررت على بيتها هادئاً ، طرقتُ ، دلفتُ ، سألت عنها .
فتح الباب ..
تخرج منه مرهقة كأن صراخها يخرج من فمها ينام على وجهها ، ملامحها تغيرت ، الإرهاق – الحزن - الأرق – التوجس – الخوف – ممثلين على مسرح وجهها في مشهد مرعب لم يسدل ستاره بعد ، تسير مقوسة كالمرأة الحامل ، ببطء شديد ، تتحس بطنها كأن طفلها ينشدها بأن تربت عليه .
- مرحباً سماح .
خشيّت ألا تعرفني ، بحالتها هذه ..!
- مرحباً أحلام .
- قلقة عليك ِ، ماالذي أصابك ..؟
- تعالي معي غرفتي أحتاج إليكِ ، سأخبرك بشيء ، لكن رجاء لا تخبري أحداً ، أخشى أن أقتل نفسي ، ويدفن معي سري .
أسير معها، تستندُ علىّ تضع يدها على ظهرها ، كأنها دعامة تقيها من الوقوع ، سرت معها ألوك حروفها في عقلي ، لكن الخوف منها ومن صراخها يضرب فضاءاتي .
نسمع طرقات على الباب ...
- هل أحلام هنا ..؟
- أحلام .. طفل يريدك .
- أمك تبحث عنك ، تريدك الآن .
اعتذرت منها ، مع الوعد بأن أعود لها في أقرب فرصة لأسمعها .
أسرعت إلى منزلنا ..
أعرف أن أمي غاضبة ، لكن مازال صوت الكبير ، يتدفق داخلي بثورته وعنفوانه يزيد صلابتي ، لأجد الحاج علي مكفهراً وجهه ، ينظر إلىّ غاضباً ..!
- أحلام .. أين كنتِ ..؟
- عند سماح .
- قبل أن تذهبي إلى سماح .
- عند الكبير ، ألم أخبرك بأني سأذهب له ..؟
- هل قابلت أحداً هناك ..؟
- كلا .. لم أقابل أحداً .
يقف الحاج علي ، يريد أن يتحدث متحفزاً ، تخرسه أمي بيديها .
- هل كان جارنا معك ..؟
- نعم مرَ فجأة ، كان يسألني عن سبب وقوفي ، من الذي أخبركِ بهذا ، هل تراقبين تصرفاتي ..؟
تنظر إلى الحاج علي ، كأنها تقول له الجواب لكَ الآن ، يخجل بنظرة لا حياء فيها ، خجل مستعار قاتم لونه.
- الحاج علي .. أتى ليعرف رأيك هل فكرتِ ..؟
- لن أتزوج ، لا أفكر في الزواج الآن .
- أتمنى أن توافقين ، سأجعل من حياتكِ لوحة فرح لن يعلوها غبار الحزن يوماً.
صارخة ...
- لن أتزوج ، قلتُ لن أتزوج .
- أرجوك أتوسل إليكِ ، إنني أحبكِ .
تنظر له أمي ، تحتمل نظرتها ألف دلالة ، خجل – ندم – حزن – شوق .
- اتركوني لا أريد الزواج ، سأقتل نفسي لو أجبرتموني .
- اتركها الآن ، سأتحدث معها ريثما تهدأ .
يدخل أخي يسمع صراخي ، ينظر لأمي بعيون نظراتها كالحمم .!
- ماذا هناك ..؟ مالذي يجري هنا ..؟
- لا شيء .. لا دخل لكَ فيما نقول .
- هل للحاج علي دخل فيه وأنا لا ..؟
يسعل الحاج علي وهو يشعر بإحراج من حديث أخي فيقول :
- جئت طالبا يد أختك أحلام وهى ترفض الزواج مني .
يلتفت إلىّ لكنه قبل التفاتته قد جمع بعينه حصاد غنائمه من هذه الزيجة التي لم يكن يحلم بها .
- لماذا ترفضين الزواج من الحاج علي ، الرجل لا ينقصه شئ بل ستصبحين أميرة ، أيعجبك هذا الفقر الذي يسجننا خلف قضبان الحاجة ، أم لكِ رأى آخر ، أو هل هناك مانع مهم ، طبعا تفهمينني .
- كلا .. لكني لا أريد الزواج الآن لا أريد ، لا أريد .
أفر من أمامهما ، فرار العصفورة من أمام فوهة بندقية ، محشوة بألف رصاصة ستفتك بجسدها الرقيق وعمرها ، اسمعه يقول :
- ستوافق شاءت أم أبت .
أبكي ، لا أدري السبب ..! ما أصعب أن تكون ، أبواب حياتك مفاتيحها بيد غيرك يعبث بها كيف يشاء ، الدموع تغسل بقايا الحروف التي تمتزج بألمي ، أتذكر سماح ، ياترى ماذا هناك ..؟
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:27 PM
موجة رحيل ..! (4)
هجرتهم في البيت خشية أن يُطلب مني رد فوري ، تلفحت بحزني ، خرجت أفرق جرحي على جسد حبيبتي وحبيبة الكبير ، كل عضو فيها أقتطع له جزء من همومي .
أسير بلا هدف أوجاعي جعلت رؤيتي ضبابية ، قضبان الترام تسير بتوازي مع نزفي تتخضب قسوتها بدمائي تتمدد بحرارة ألمي فتصل إلى مالا نهاية ، يترنح الوقت مهموماً فوق ساعدي يكاد يموت بسريان سم عقاربه بين طيات عمره.
أخاف أن يكون حبيبي هو الأمس ولا أمل في عودته كم تمنيتك غداً ، كم حكت من تلك السحب التي تغطي رأس حبيبتي كقبعة زرقاء بهية حلماً أناجيه ، أرسم بقطرات المطر على جدران المنازل واقعاً مزيناً بزهور عشقنا .
الآن تستعمرني جيوش الوحدة وفلول الوحشة أى ألم أشد من ألمي الآن ..؟ انكسار موجع حد الذبح ، تبدل طيفك مع الحزن كلما تذكرتك يحضر الحزن ليرسم أسمى آيات الفراق ، تتبعثر روحي كلما تذكرت فقدك ، مقتولة أنا بمدية بُعدِك عني ، أعلم أنكَ قدري فكيف أهرب منه..؟
لا تقل أن الفراق سيُكْتب على خاصرة أيامي الحزينة ، سأقاتل دونك كل العالم ، سأستبيح دم كل من يفكر في فراقنا ، أعدك بهذا لن تبرح سفنكَ شواطئي أبداً .
بطريق عودتي ...
الذي لا أعرف له قدم كأنه فقد ذاكرة الدروب ، أمر على بيت سماح أطرق بابها لعل سرها يطبق يديه على عنق حزني فيرحل قليلا .
- سماح موجودة ..؟
- نعم .. بغرفتها اذهبي إليها .
طرقات على بابها تأذن لها بفتح جراب سرها وإغداقه على أذني .
- أحلام .. أنتظرك منذ مدة لماذا تأخرتِ ..؟
- لم أتأخر ، عندما وجدت الفرصة جئت إليك على عجل .
- إذاَ اسمعيني ، لكن أقسمي ألا تخبري أحداً بما سأحدثك عنه الآن .
- أقسم لك .
- تعرفين خبر الجن الذي يسكن جسدي ، وأنا حامل منه ..؟
- نعم سمعت ، اندهشت من هذا الكلام ..!
- أرجوكِ لا تقاطعيني ، أحلام أنا حامل فعلاً لكن الجن بريء هناك شخص أحببته كل حمائمي كانت تشتاق لقمحه كنت أتنفس عشقه ، اغتلست بمياه نهره من ذنوب وحدتي ، روى لي عطش أعوامي ، أصبح قنديلاً ينير أمسياتي رأيته حلماً لا يفارق صحوي أو منامي ، حروف اسمه كانت تطرز وسائدي .
حلقت معها حيث هذا الحبيب الذي يرسم بحروفه شكل حبيبي يذكرني بهمسه وبكم عشقي له سبحتُ معها في بحار عشقها فغسلت عني حزن الفراق .
أردفت تكمل ...
- أصبحت أتوق إلى وجوده ، لم أستطع تحمل بعدهِ عني أصبح كل لقاء بيننا عيداً جديداً .
أتي يوماً .. قال:
- إنه يريد أن أكون له وحده ، قلت له: نتزوج ، قال : لن أستطيع إتمام الزفاف أنا ادرس بالجامعة ولا أملك نفقات الزواج قلت : ننتظر حتى تنهي دراستك ، قال: أن شوقه سيقتله لنتزوج : والناس : هل يتذوق الناس نيران حبنا ..؟ هل يرون شوقي وهو يطعنني بخناجره المسمومة ..؟ هل يعشقك الناس ليشعرون بما أشعر به تجاهك ..؟ : لكن : أى لكن ، هل مازلت تفكرين وأنا أذوب شوقا إليك ..؟ فجأة وبدون مقدمات يقيد حبي عقلي وتسلب مشاعري رشدي ويسوقوني لأحضانه .
غرر بنبضي ، استدرج مشاعري ، استباح سترها جردني من أغلى نفائس الفتاة لكني لم أحزن وقتها أعلم أنه حبيبي وسنتزوج انتظرت أن يأتي بعدها لكنه وأد حضوره بقبر غيابه ذهبت له ألقي إصبع ديناميت حملي ليفجره مثلما فجرني وماإن رآني .
- مالذي أتى بكِ اليوم ..؟
- أتيت إليك لتحمل مصيبتي ، فثقلها تنوء به الجبال.
- وما أدراني ماتكون مصيبتك ..!
- ألا تعلم بالذي حدث بيننا ..؟ أثمرت أرضه نبت حرام أرجوك ساعدني أسدل علىّ ستار زواجك ليقيني الفضيحة .
- أتمي بكاءك الآن ، فقد مزقت كل ستائري .
- أهنتُ عليك لهذا الحد ؟ أين ذهب كلامك عن حبنا – زواجنا – بيتنا أين .؟
- ألا تعلمين أن الكلام كبقايا الموائد ..؟ أظنك تعلمين أين يكون مصيره ..؟
- هل حبي لك بقايا موائد ..؟ هل قلبي كان مائدة تقتات منها نبضاتي الساذجة ..؟
- كل الموائد تتشابه فلا تظني أنك مائدة فريدة كلنا ماهر بإبدال الشراشف .
- وطفلك اليتيم بوجودك ماذنبه لتلطخ براءته..؟ ألا يكفيك دنست براءتي سرقت طفولتي ..؟
- لاتتحدثي عن البراءة إنها حيلة العاجز.
- حرام عليك .. أيسعدكَ تذللي وتمرغي في وحل نكرانك ..؟
- الوحل صنعه مطرك الجارف وتذللك أنتِ من صنع غيمته .
- أرجوك .. لا أحتمل صورة شيطانك الحقيقي ولا أحتمل الفضيحة .
- الشياطين من يدعون البراءة ، الفضيحة صنيعة البراءة .
- أتوسل إليك ، ارحم ذلي .
- الآن تتوسلين أين كنت وأنت تذوبين فوق فراش الشهوة .
- أجثو عند قدميك سأكون خادمتك لكن أستر ضعفي .
- مثلكِ يدنس الأرض التي يسير عليها أظنكِ قد اعتدت الجثو تحت الأقدام الباب مفتوح ، إن كان مغلقاً ؛ أظنك تعرفين أرقامه السرية .
- سترى ماذا سأفعل بك ..؟
يضرب الباب خلفي بهواء ضحكاته الساخرة .....
أسمعها كلانا تبكي أتمزق على حالها .
أتذكر حبيبي لو كنت مكانها ما تركني أبكي أو أتوسل له أو أستجديه ، هو عاشق لم يخلق مثله من قبل أبداً لم يكن ليعذبني .!
- فكرت كيف أواري فضيحتي ..؟ اخترعت حكاية الجان وحملي منه بعدما رأيت صديقة لي يسكنها الجان .
- لكن ماذا ستفعلين ..؟
- سأنتقم منه لا محالة سأقتله .
- ماذا تقولين .؟ هل جننتِ ..؟ دعيه ألا يكفى ما حدث إليك بسببه هل ستجعلينه يسرق الباقي من عمرك يستولي على آخرتك .؟
تركتهاوعيناها يتفجر داخلهما براكين إنتقام تتصاعد منها أبخرة إصرار كنت على يقين بأنه لن يردها كائن من كان ..!
عدت إلى المنزل أشفق على حالها كم هو قاتل أن تعطي فيقابل عطاؤك بالخيانة ونكران الجميل أى حبيب هذا ..؟ من يفترس زهرتها بمنتهى الوحشية ، يتركها نهبة إلى كلام الناس ليس كل الرجال مثل حبيبي هو ملاك على هيئة إنسان ، طائرحب والجميع طيور رخ تباً لهم لا يرحمون ضعفنا نحن الإناث ..!
دخلت لأجد أمي جالسة تنتظرني .
- أين كنتِ ..؟
- خرجت بعدما شعرت بأني أختنق سأذهب إلى غرفتي هل تريدين شيئاً ..؟
- كلا .
دخلت غرفتي أجمع ثمار سماح الفاسدة من فوق أغصان صدري ، أدفنها في حفرة عميقة لا تفوح لها رائحة أبداً .
أشعر أنني حمامة مذبوحة أيضا سماح مذبوحة أمي تحاول ذبحي بتزويجي من شخص أمقته ، سماح ذبحها حبيبها بمدية العشق الخادعة ..!
ماذا يحدث لو نَفذتْ سماح تهديدها بقتله ..؟ ستكون فضيحة لها كأنها رائحة شواء بغيضة تقتحم كل الأنوف عنوة ليتني أعرف هذا الشخص لأنبهه ليس خشية عليه بل خوفاً عليها .
تمر الأيام ..
أمي تنظر إلىّ بتوجس ؛ تخشى مفاتحتي في موضوع زواجي فهى على يقين أنني سأرفض أيضا حتى لا تقطع أمل الحاج علي لأنه مازال يغدق عليها الهدايا التي تريها إلىّ متمنية أن يدفعني بريقها إلى الموافقة عليه .
كأنها لا تعلم أني بهذا أزيد إصراراً لرفضي فلن أبيع نفسي ببعض الطعام أو قطعة قماش بالية ستكون كفناً لشبابي لو وافقت على زواجي منه ..!
تمر الأيام ..
تطبع أسماءها على سطور أيامي ، فلا يكاد يولد يوم حتى يغتاله الغد .
أنظر من شرفتي أنتظر شمسي التي تشرق من الشرفة المقابلة .
اختفى الحبيب له يومين لم يظهر القلق يضرب هدوئي لا أدري مابه لم يخبرني برحيله إلى بلدته اعتاد الرحيل في الإجازات ليطمئن على عائلته بالريف
سمعنا دوي سيارة إسعاف ونجدة خرجنا سريعاً كأن فراشنا نفضنا من فوقه - السيارات تقف أمام بيتنا - حشود من الناس تلتف حول خبر لم نعرفه بعد .
تقوم القيامة في منزل الحبيب يا ترى ماذا هناك..؟ يقولون قُتل أحدهم من ياترى ..؟
يفترش صدري بساط من الوجع بحرعيني تضربه أمواج دمع قاسية اللهفة ، الخوف ، الترقب يقفوا على نواصي وجهي ينتظرون .
- قُتل الأستاذ ..!
حُلمي قتل من الذي قتله ..؟ من الذي دفعني إلى الموت وهو يدفن في صدره سكينا من الألم جعلني ألوك جحيماً ..؟ من هذا الخريف الذي ضرب بعنفه كل أشجار عشقي وسنوات اخضراري ..؟ كيف لقلبي أن يصبح قبراً يحتوي جثة نبضي ..؟
هل أرتشف الحزن دواء طوال العمر لرحيله ..؟ أبكي لهيباً يهطل من عيني ..! سأتوضأ بالدمع وأعتنق الحزن وأصلي شجناً رباه كيف سأعيش العمر بدونه ..؟ وهو الذي نثرت على أرصفة عمره حلماً لم يكتمل كيف سيحتمل عمري أيام ظمإ سيهلكني فراقه ..؟ سأبدأ رقصي من الآن على نغمات الحزن وإيقاعات الضيق ثماري جفت على أغصانها ورودي ماتت منتحرة قبل أن يأتي خريفها ، ستبدأ خفقاتي في ارتداء زى الحداد على رحيل قلبها ..!
البكاء يروي كل بقعة غير ذات زرع فرح بعمري .
- أحلام .. لا تبكِ حبيبتي عليه رحمة الله .
غرقت إجاباتي ببحر دمعي ومحيط بكائي سيوف من نار تحرق خرائط صدري.
- من الذي قتله ..؟ لم يكن يغضب أحداً ، لم يؤذ أحداً .
- يجوز أنه تعرض إلى السرقة فقتله السارق .
- لم يكن يملك شيئاً ليسرقه أحد .
- سيبحث البوليس ويعرف القاتل إن شاء الله دعك منه الآن أخبريني .
أحدث نفسي .....
أدعني ممن ..؟ هل أترك قلبي مذبوحاً ملقى على قارعة الطريق ..؟ هل أمحو حلمي من فوق أسطر حياتي ..؟ الحزن يعربد في روحي ويسكر من دمي أدعني ممن .؟
- تركتكِ مدة طويلة ولم تجيبي طلب الحاج علي .
- أمي أيموت الشاب ويبقى الكهل المخرف هذا ..؟ يرحل الحلم ويبقى الكابوس تنتحر الأجنحة وتظل الأقدام المشلولة ..؟ رفقاً بي اتركيني الآن.. اتركيني .
- لن أتركك لقد طفح الكيل منك الرجل في عجلة من أمره .
أصرخ فيها تدهش تسرع إلى الخارج بعدما لطمتني بتلك العبارة .
- سأخبره بموافقتك سنحدد موعد زفافك بعدما يمر بعض الوقت على القتيل .
- لا تقولي .. قتيل ..!
المقتولة أنا ، روحه التي استقلت حواصل الطير وارتفعت ستظل قنديلاً ينير عمري سيدفن في قبره و أدفن في مقابر الضالين برد غيابه سيسكن مفاصلي وكياني افعلي ماشئتِ فقد اعتادت جروحي احتضان الخناجر سيكون حفيف الأشجار حفيف حزن ، هديل النوارس حزناً ، نعيق الغربان حزناً ، بكاء الأطفال حزناً ، سترتدي الدنيا ثياب الحزن .
تمر الأيام فوق جسد حزني متشفية مرآتي صارت مزيفة نوافذي أغلقتها فقد امتلأت بآلاف الكوابيس المفزعة شرفتي تطل منها عيناه تبكيني صوته يضرب جدراني كل شيء حولي يذكرني به .
لم يتركاني أمي وأخي يوما بدون الحديث عن الحاج علي وكأنهم يجلبون أخر حفنة رمال بقبري صرت بحديثهم أجهز أكفان فكري استعدادا للموافقة على هذه الزيجة التي تشبه زفة عروس إلى قبرها .
من يوم قتل حبيبي لم تتأبط جفناى بعضهما .
ضجيج سيارة نجدة أخرج إلى الشرفة أنظر ماذا هناك ..؟
تقف السيارة أمام - بيت سماح - يخرجون بها مكبلة اليدين .
يتفشى خبر كبل كل حواسي ، لأ تقيأ حبي – حزني – جروحي وأضحك ساخرة علينا جميعاً .
حبيبي هو .....
يمر الحاج علي من أسفل شرفتي ساخراً مني كأنه يقول :
- هاهو حبيبك الـــ .
شيطان سذاجتي وغبائي يأمران قدماى بالصعود فوق سور شرفتي .
لأهوى ..! تاركه لهم شرفات الدنيا ، غاباتهم ، حاناتهم ، هم يكذبون ، ينافقون ، يخونون ، يطعنون ، يقتلون .......
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:29 PM
قوارب خوف ..!(5)
طويلة هى رحلتي للأرض أغمضتُ عيني أستعداداً لارتطامي بقسوتها ، بخروج روحي من زوايا كياني حاولت نسيان كل مارأيته على سطحها آملة في حنو رحمها علىّ فتحت عيني لأجد الأرض تمد يد جاذبيتها لتشدني بقوة شديدة .
ارتطم لكنه ارتطام خفيف يصحبه طيران جديد في ظلام دامس .
على أرض رطبة أتكوم في هذا الظلام الموحش أتحسس بيدي الأرض مبللة بالمياه صوتُ خرير مياه قريب جداً أسمعه حين استند على الجدار الذي خلفي .
هل هذه هى الآخرة ..؟ أهذا قبرأم ماذا ..؟ هل أنا ميتة أم مازلت حية ..؟ أنظر لأعلى بصيص من ضوء يأتيني لكنه لا ينير شيئاً حولي .
أسمع أصواتاً لم أفسر ماذا تقول ..؟ بقعة الضوء بعيدة جداً لكنها تزيد قليلاً ، الأصوات تعلو ولازالت خافتة أسمع صوت أحدهم :
- أخرجوني .. لا أرى شيئاً.
قليلا ثم يعود الصوت ممسكاً بضوء ، ينادي :
- أحـــــلام .. هل تسمعينني ..؟
أحدث نفسي...
ماذا تريدون مني ..؟ لن أعود إليكم حتى وإن مت هنا لم ألق بنفسي لأعود إليكم لن أعود .
- أحــ أحلام ــــلام .. أخرجوني أعتقد أنها لقيت حتفها المكان عميق جداً ، ليس هناك أى حركة البقاء لله .
زادت الفتحة اتساعاً ، لأسمع صراخ أمي ، نحيب أخي وهو يصرخ .
- اتركوني .. أعطوني الحبل أنزل أبحث عن أختي اربطوني .
ما كل هذا الحب المفاجيء ..! حزين أنتَ الآن ، أين كنت وأنت تريد بيعي في سوق النخاسة ..؟ كل ماكان يعنيك وقتها الطعام والنقود والآن تبكي .
- أحلام .. أحلام أخرجوني الظلام دامس أخرجوني أكاد أختنق إني أختنق .
يالك من كاذب ملعون المكان ليس خانقاً لهذه الدرجة لكنك بطل من خشب - بينوكيو - خديعة جديد ، سحقاً لك ولكل الأرضيين ..!
يغلقون قبر غموضي الجديد علىّ
ماذا فعلت ..؟ سأموت هنا لا محالة لماذا لم أدعهم يخرجونني ..؟
هه يخرجونني ..! لماذا أخرج إلى دنيتهم سوقهم الكبير.؟ هل أترك نفسي أموتُ هنا ..؟ ألم تكن تلك رغبتك منذ البداية ..؟ نعم لكن ، لكن ماذا ..؟ ألم يكن الموت هو رغبتك بعدما فقدت الثقة في كل شيء حولك ..؟ نعم لكن ليتني مت .
المكان هنا موحش مرعب الظلام عقيدته أخشى من ثعبان يلدغني : أتخشين ثعبان..؟ ألم تهربِ من ثعابين الدنيا ..؟ الثعبان يزحف نحوك يُصرح بلدغك لم يخفِ نيته أما ثعابين الدنيا .
أتحسس الجدار برودة تسري به بصيص نور كلما نظرت لأعلى أتكور في بقعة أمد يدي حولي لأرى جزء من الجدار مثقوباً ، يزيد الثقب كلما مررت يدي أبعد اقتربت أكثر تزيد الفتحة لعلها مياة جوفية هى من صنعتها بزحف جسدها في هذا النفق ..!
لم أتحرك من مكاني بيتي الآن فوقي ، لا أدري إلى أين يأخذني هذا النفق ..؟ لو اتخذته مسلكاً .
يقهرني النوم ، أتكوم جامعة أطرافي تلتصق بجسدي أغفو .
أستيقظ على صوت ضجيج في الأعلى..! أرى ضوء يزاحم الظلام الذي يحوطني أسمع صوت أمي تنادي فلا أجيب ، تصرخ أنينها يعلو ، أصمت .
أنظر بجواري في هذا النفق أرى ضوء خافتاً بعيداً جداً في نهايته أتحسس النفق أقترب منه أندفع داخله كان يكفي لمرور جسدي لكن ببعض المجهود ، سرت صوت خرير المياة يعلو ، لعلي قريبة من الكبير صديقي الوحيد الذي لم يخدعني يوماً ولم يغرر بي الشوق إليه وإلى لقائه كان يدفعني من الخلف أكثر ، كل نفق تتفرع منه أنفاق تركت جسدي يكمل رحلته وحده كأني فقدت زمام قيادته أسير مرة إلى الأمام ثم ينحني بي لأنحرف يميناً - شمالاً .
مازال الضوء هو هدفي في هذه الرحلة أنهكتني تلك الرحلة الغامضة التي لا أعرف إلى أين ستأخذني ..؟
منهارة مكسوة بسيل من دموعها .
- إحساسي يخبرني بأن أحلام لم تمُت .
- نزلتُ يا أمي وقفت على الأرض بقدمي فلم أجدها بحثت هنا وهناك المكان مملوء بالحشرات والثعابين بلعتها الأرض صدقيني .
- لن أصدقك .. بل أصدق قلبي ابنتي هناك مازالت حية .
- كما تشائين سيقتلك إحساسك هذا .
- لم يأتِ الحاج علي ليقف معنا في محنتنا ..! لماذا لم يظهر منذ أمس ..؟ أين ذهبت لهفته عليها ..؟ فجأة لم يعد يفكر فيها ..! أنا كنت أُجبر قاربها للإبحار في نهره الكهل أدفن زهرتها اليانعة في أصيصه المتهالك الجدران .
- أنت يا أمي كنت سبباً في موتها .
- لا تقل موتها أحلام لم تمت إنها حية أقسم لكم جميعاً إنها حية .
تبكي أم أحلام بكاء حارقا ....
أسير في اتجاه الضوء الذي أصبح قريباً جداً ياترى أى مكان سأخرج منه الآن أعتقد أنه قريب جدا إلى الكبير فصوت المياه يعلو أكثر فأكثر .
جدار يقابلني يفصل بيني وبين الضوء ، فتحة صغيرة هى التي يندفع منها الضوء عنوة مددت يدي في الفتحة رمال مبللة رطبة جلست أحفر فيها بيدي الجدار سميك جدا بالكاد ينفتح جزء منه أمسكت حجرا يساعدني على الحفر استغرق الحفر اليوم كله ، لم تزد الفتحة عن سنتيمترات قليلة بعدها غلبني النوم .
استيقظت على صوت مياه تنساب من تلك الفتحة ساهمت في اتساعها يزيد الأمل داخلي أحفر ، أحفر فيتهاوى الجدار ويشتد الضوء .
- أين أنت ياحاج علي ..؟ أرأيت ما حدث لأحلام ..؟ لم تأتِ للبحث عنها معنا ، نحتاج إلى بعض المال لنحضر عمال للبحث في هذا البئر الذي سقطت فيه .
- لماذا أبحث عنها ..؟ ابنتك كانت عاشقة لجاركم الذي قتلته صديقتها نه سلب عذريتها سلِ نفسك هل كانت أحلام حاملا منه هى الأخرى أم لا ..؟
- اخرس .. ابنتي أشرف منك ومن عشرة من أمثالك .
- لماذا انتحرت إذن ..؟ احمدي ربك أن ستركم من فضيحتها .
ترحل من أمامه باكية تحدث نفسها ....
هل يقول الحق ..؟ هل أخطأت أحلام..؟ هل ألقت بنفسها لتواري فضيحتها ..؟ لا أنا أعرفها جيداً ربيتها بيدي ، لكن لو فعلت هذا فالحمد لله قد رحلت بفضيحتها قبل أن تلوثنا جميعاً ، لكني لا أصدق أن تفعل أحلام هذا أنا أعرفها جيدا ، أعرفها .
تدخل في نوبة بكاء شديدة ....
مررت من الجدار سرتُ صوب الضوء أخرج ....
أمر في نفق آخره باب أسير نحو باب من الحديد موصداًً وقفت خلفه أنظر يميناً وشمالاً هذه حديقة مليئة بالأشجار ، صوت العصافير يدخل إلى نفسي الأمن والطمأنينة .
أضرب الباب بقدمي لينفتح لكن لامحالة الباب قديم جداً - سجينة أنا وحيدة لم أر شيئاً سوى الأشجار وصوت العصافير هدير أمواج الكبير لكن الهواء مختلف الرائحة ، شكل السماء مختلف ..!
الحاج علي يحدث نفسه .......
آه كم كنت جميلة يا أحلام كنت اشتهيكي كنت أجهز نفسي إلى اليوم الذى تكونين فيه ملكي؛ لأجمع كل غنائمك بيدي بعد معركة عنادك و تدلك علىّ لكن الحمد لله إن رحمني من الفضيحة أكنت ترفضينني أنا وتسعين خلف هذا الشاب الذي لا يجد قوت يومه ..؟ نعم سلبك هذا الشاب كل ما تمتلكين من طهر ، وإلا لماذا انتحرت ..؟ لماذا ..؟
عجبا لكن أيتها الفتيات تعدون خلف الشباب وماذا يفعل الشباب بدون مال هم كمائدة مزينة بالزهور وبشراشف رائعة لكنها خالية من الطعام ليتكن تعلمن أن الحب يفر أمام الفقر ، المعد الخاوية تصرخ فتعلو أصواتها فوق صوت نبضكن ، يا لكن من غبيات لا تعرفن أن الرجل العجوز برغم كهولته يملك ما يجعلكن أميرات ، ففي الميزان لو تفقهن ضعن الكبر أمام الغنى فتصبح المعادلة صحيحة ، اتسعين خلف الفقر وشاب سيكره وجوهكن وانتن حمل عليه لا يستطيع حمله وحده
تضرب رياح الجوع سواحل أمعائي ، الإرهاق يرسم لوحته بمهارة على جسدي بعدما فقدت قدماى قوتهما سَقطتُ على الأرض فاقدة الأمل في الخروج من هنا أو معرفة طريق العودة إلى الجب الذي التهمني.
أسمع وقع أقدام تمر ..! أقدام قوية تطعن بقوتها الأرض أكاد أسمع صراخ الأرض منها ..!
- أمي هل ستظلين بجوار هذا البئر ليلاً ونهاراً..؟
تبكي .. تنوح ....
- أشم رائحة ابنتي تملأ المكان صدقني يا ابني أختك مازالت حية أسمع دبيب قدميها صدقوني .. صدقوني .
- كفى سيقتلك إحساسك هذا ..! كفاك صراخاً .
- أختك حية صدقني .
يتجمع الناس على صراخها الجميع يتعجب ، يضربون كفاً على كف .
- فقدت أم أحلام عقلها جُنت المرأة ابتلعت الأرض ابنتها وعقلها .
يقترب أحدهم من ابنها ...
- اذهب بأمك إلى المستشفى فقد ذهب عقلها .
يحمل أمه صاعداً إلى البيت وهى تصرخ .
- أحلام حية .. أحلام هنا ارجعوا لي ابنتي .
يقترب صوت القدم أترقب لأرى منّ .! تدب الحياة في أوصالي بعدما كادت أن ترحل من مرافيء جسدي بلا عودة يعود الصوت يعبث بهوائه داخل فمي ، لأنادي على المار ؛ ينقذني من مدفني هذا .
أرى شبحاً يقترب أمسح زجاج عيني لأرى تتضح الرؤية أصرخ صرخة تذوب داخلي لأفقد وعيي مما رأيت ..!
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:32 PM
أصداف وهم ..!(6)
طويلة هى رحلتي للأرض أغمضتُ عيني أستعداداً لارتطامي بقسوتها ، بخروج روحي من زوايا كياني حاولت نسيان كل مارأيته على سطحها آملة في حنو رحمها علىّ فتحت عيني لأجد الأرض تمد يد جاذبيتها لتشدني بقوة شديدة .
ارتطم لكنه ارتطام خفيف يصحبه طيران جديد في ظلام دامس .
على أرض رطبة أتكوم في هذا الظلام الموحش أتحسس بيدي الأرض مبللة بالمياه صوتُ خرير مياه قريب جداً أسمعه حين استند على الجدار الذي خلفي .
هل هذه هى الآخرة ..؟ أهذا قبرأم ماذا ..؟ هل أنا ميتة أم مازلت حية ..؟ أنظر لأعلى بصيص من ضوء يأتيني لكنه لا ينير شيئاً حولي .
أسمع أصواتاً لم أفسر ماذا تقول ..؟ بقعة الضوء بعيدة جداً لكنها تزيد قليلاً ، الأصوات تعلو ولازالت خافتة أسمع صوت أحدهم :
- أخرجوني .. لا أرى شيئاً.
قليلا ثم يعود الصوت ممسكاً بضوء ، ينادي :
- أحـــــلام .. هل تسمعينني ..؟
أحدث نفسي...
ماذا تريدون مني ..؟ لن أعود إليكم حتى وإن مت هنا لم ألق بنفسي لأعود إليكم لن أعود .
- أحــ أحلام ــــلام .. أخرجوني أعتقد أنها لقيت حتفها المكان عميق جداً ، ليس هناك أى حركة البقاء لله .
زادت الفتحة اتساعاً ، لأسمع صراخ أمي ، نحيب أخي وهو يصرخ .
- اتركوني .. أعطوني الحبل أنزل أبحث عن أختي اربطوني .
ما كل هذا الحب المفاجيء ..! حزين أنتَ الآن ، أين كنت وأنت تريد بيعي في سوق النخاسة ..؟ كل ماكان يعنيك وقتها الطعام والنقود والآن تبكي .
- أحلام .. أحلام أخرجوني الظلام دامس أخرجوني أكاد أختنق إني أختنق .
يالك من كاذب ملعون المكان ليس خانقاً لهذه الدرجة لكنك بطل من خشب - بينوكيو - خديعة جديد ، سحقاً لك ولكل الأرضيين ..!
يغلقون قبر غموضي الجديد علىّ
ماذا فعلت ..؟ سأموت هنا لا محالة لماذا لم أدعهم يخرجونني ..؟
هه يخرجونني ..! لماذا أخرج إلى دنيتهم سوقهم الكبير.؟ هل أترك نفسي أموتُ هنا ..؟ ألم تكن تلك رغبتك منذ البداية ..؟ نعم لكن ، لكن ماذا ..؟ ألم يكن الموت هو رغبتك بعدما فقدت الثقة في كل شيء حولك ..؟ نعم لكن ليتني مت .
المكان هنا موحش مرعب الظلام عقيدته أخشى من ثعبان يلدغني : أتخشين ثعبان..؟ ألم تهربِ من ثعابين الدنيا ..؟ الثعبان يزحف نحوك يُصرح بلدغك لم يخفِ نيته أما ثعابين الدنيا .
أتحسس الجدار برودة تسري به بصيص نور كلما نظرت لأعلى أتكور في بقعة أمد يدي حولي لأرى جزء من الجدار مثقوباً ، يزيد الثقب كلما مررت يدي أبعد اقتربت أكثر تزيد الفتحة لعلها مياة جوفية هى من صنعتها بزحف جسدها في هذا النفق ..!
لم أتحرك من مكاني بيتي الآن فوقي ، لا أدري إلى أين يأخذني هذا النفق ..؟ لو اتخذته مسلكاً .
يقهرني النوم ، أتكوم جامعة أطرافي تلتصق بجسدي أغفو .
أستيقظ على صوت ضجيج في الأعلى..! أرى ضوء يزاحم الظلام الذي يحوطني أسمع صوت أمي تنادي فلا أجيب ، تصرخ أنينها يعلو ، أصمت .
أنظر بجواري في هذا النفق أرى ضوء خافتاً بعيداً جداً في نهايته أتحسس النفق أقترب منه أندفع داخله كان يكفي لمرور جسدي لكن ببعض المجهود ، سرت صوت خرير المياة يعلو ، لعلي قريبة من الكبير صديقي الوحيد الذي لم يخدعني يوماً ولم يغرر بي الشوق إليه وإلى لقائه كان يدفعني من الخلف أكثر ، كل نفق تتفرع منه أنفاق تركت جسدي يكمل رحلته وحده كأني فقدت زمام قيادته أسير مرة إلى الأمام ثم ينحني بي لأنحرف يميناً - شمالاً .
مازال الضوء هو هدفي في هذه الرحلة أنهكتني تلك الرحلة الغامضة التي لا أعرف إلى أين ستأخذني ..؟
منهارة مكسوة بسيل من دموعها .
- إحساسي يخبرني بأن أحلام لم تمُت .
- نزلتُ يا أمي وقفت على الأرض بقدمي فلم أجدها بحثت هنا وهناك المكان مملوء بالحشرات والثعابين بلعتها الأرض صدقيني .
- لن أصدقك .. بل أصدق قلبي ابنتي هناك مازالت حية .
- كما تشائين سيقتلك إحساسك هذا .
- لم يأتِ الحاج علي ليقف معنا في محنتنا ..! لماذا لم يظهر منذ أمس ..؟ أين ذهبت لهفته عليها ..؟ فجأة لم يعد يفكر فيها ..! أنا كنت أُجبر قاربها للإبحار في نهره الكهل أدفن زهرتها اليانعة في أصيصه المتهالك الجدران .
- أنت يا أمي كنت سبباً في موتها .
- لا تقل موتها أحلام لم تمت إنها حية أقسم لكم جميعاً إنها حية .
تبكي أم أحلام بكاء حارقا ....
أسير في اتجاه الضوء الذي أصبح قريباً جداً ياترى أى مكان سأخرج منه الآن أعتقد أنه قريب جدا إلى الكبير فصوت المياه يعلو أكثر فأكثر .
جدار يقابلني يفصل بيني وبين الضوء ، فتحة صغيرة هى التي يندفع منها الضوء عنوة مددت يدي في الفتحة رمال مبللة رطبة جلست أحفر فيها بيدي الجدار سميك جدا بالكاد ينفتح جزء منه أمسكت حجرا يساعدني على الحفر استغرق الحفر اليوم كله ، لم تزد الفتحة عن سنتيمترات قليلة بعدها غلبني النوم .
استيقظت على صوت مياه تنساب من تلك الفتحة ساهمت في اتساعها يزيد الأمل داخلي أحفر ، أحفر فيتهاوى الجدار ويشتد الضوء .
- أين أنت ياحاج علي ..؟ أرأيت ما حدث لأحلام ..؟ لم تأتِ للبحث عنها معنا ، نحتاج إلى بعض المال لنحضر عمال للبحث في هذا البئر الذي سقطت فيه .
- لماذا أبحث عنها ..؟ ابنتك كانت عاشقة لجاركم الذي قتلته صديقتها نه سلب عذريتها سلِ نفسك هل كانت أحلام حاملا منه هى الأخرى أم لا ..؟
- اخرس .. ابنتي أشرف منك ومن عشرة من أمثالك .
- لماذا انتحرت إذن ..؟ احمدي ربك أن ستركم من فضيحتها .
ترحل من أمامه باكية تحدث نفسها ....
هل يقول الحق ..؟ هل أخطأت أحلام..؟ هل ألقت بنفسها لتواري فضيحتها ..؟ لا أنا أعرفها جيداً ربيتها بيدي ، لكن لو فعلت هذا فالحمد لله قد رحلت بفضيحتها قبل أن تلوثنا جميعاً ، لكني لا أصدق أن تفعل أحلام هذا أنا أعرفها جيدا ، أعرفها .
تدخل في نوبة بكاء شديدة ....
مررت من الجدار سرتُ صوب الضوء أخرج ....
أمر في نفق آخره باب أسير نحو باب من الحديد موصداًً وقفت خلفه أنظر يميناً وشمالاً هذه حديقة مليئة بالأشجار ، صوت العصافير يدخل إلى نفسي الأمن والطمأنينة .
أضرب الباب بقدمي لينفتح لكن لامحالة الباب قديم جداً - سجينة أنا وحيدة لم أر شيئاً سوى الأشجار وصوت العصافير هدير أمواج الكبير لكن الهواء مختلف الرائحة ، شكل السماء مختلف ..!
الحاج علي يحدث نفسه .......
آه كم كنت جميلة يا أحلام كنت اشتهيكي كنت أجهز نفسي إلى اليوم الذى تكونين فيه ملكي؛ لأجمع كل غنائمك بيدي بعد معركة عنادك و تدلك علىّ لكن الحمد لله إن رحمني من الفضيحة أكنت ترفضينني أنا وتسعين خلف هذا الشاب الذي لا يجد قوت يومه ..؟ نعم سلبك هذا الشاب كل ما تمتلكين من طهر ، وإلا لماذا انتحرت ..؟ لماذا ..؟
عجبا لكن أيتها الفتيات تعدون خلف الشباب وماذا يفعل الشباب بدون مال هم كمائدة مزينة بالزهور وبشراشف رائعة لكنها خالية من الطعام ليتكن تعلمن أن الحب يفر أمام الفقر ، المعد الخاوية تصرخ فتعلو أصواتها فوق صوت نبضكن ، يا لكن من غبيات لا تعرفن أن الرجل العجوز برغم كهولته يملك ما يجعلكن أميرات ، ففي الميزان لو تفقهن ضعن الكبر أمام الغنى فتصبح المعادلة صحيحة ، اتسعين خلف الفقر وشاب سيكره وجوهكن وانتن حمل عليه لا يستطيع حمله وحده
تضرب رياح الجوع سواحل أمعائي ، الإرهاق يرسم لوحته بمهارة على جسدي بعدما فقدت قدماى قوتهما سَقطتُ على الأرض فاقدة الأمل في الخروج من هنا أو معرفة طريق العودة إلى الجب الذي التهمني.
أسمع وقع أقدام تمر ..! أقدام قوية تطعن بقوتها الأرض أكاد أسمع صراخ الأرض منها ..!
- أمي هل ستظلين بجوار هذا البئر ليلاً ونهاراً..؟
تبكي .. تنوح ....
- أشم رائحة ابنتي تملأ المكان صدقني يا ابني أختك مازالت حية أسمع دبيب قدميها صدقوني .. صدقوني .
- كفى سيقتلك إحساسك هذا ..! كفاك صراخاً .
- أختك حية صدقني .
يتجمع الناس على صراخها الجميع يتعجب ، يضربون كفاً على كف .
- فقدت أم أحلام عقلها جُنت المرأة ابتلعت الأرض ابنتها وعقلها .
يقترب أحدهم من ابنها ...
- اذهب بأمك إلى المستشفى فقد ذهب عقلها .
يحمل أمه صاعداً إلى البيت وهى تصرخ .
- أحلام حية .. أحلام هنا ارجعوا لي ابنتي .
يقترب صوت القدم أترقب لأرى منّ .! تدب الحياة في أوصالي بعدما كادت أن ترحل من مرافيء جسدي بلا عودة يعود الصوت يعبث بهوائه داخل فمي ، لأنادي على المار ؛ ينقذني من مدفني هذا .
أرى شبحاً يقترب أمسح زجاج عيني لأرى تتضح الرؤية أصرخ صرخة تذوب داخلي لأفقد وعيي مما رأيت ..!
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:34 PM
شواطيء قديمة ..!(7)
حشود بالشوارع هياج شديد ؛ تذمر لموت الملكة " أرسنوى الثالثة "
مظاهرات الشعب والجنود تملأ الاسكندرية ومصر كلها حزن يخيم على سماء البلاد السحب حبلى بنحيب موجع لما حدث .
- وزيرنا .. حدث ما كنا نخشاه ، اضطراب شديد بالشارع حزناً على الملكة للشك في موتها بأن هناك مؤامرة دُبرت لها .
- " أجاتوكليس" يجب أن نبعد " فيلامون " الذي أشرف على مقتل الملكة خوفاً من زلة لسانه أمام أحد أو أن يساومنا على سكوته .
- سنعينه حاكماً على إقليم " كرنيقا " بهذا نتخلص منه لن يصبح له وجود هنا .
- الغريب أيها الوزير أن الجنود متذمرين يعلنون عصيانهم علينا ؛ بعدما أعلنا الوصاية على الملك الصغير وادَّعينا أنها وصية الملك الراحل .
- ماذا سنفعل الآن ..؟
- نستميل الجنود ، أما الشعب سنلقي له طعاماً حتى يشبع فينسانا.
أمرا بوقف الحداد بعدما دفنت الملكة بالمدافن الملكية وتم صرف راتب شهرين كاملين إلى الجنود فالمال له الغلبة دوماً مع المعدة الخاوية ، لكن الأمر الصعب هو العقول الجائعة ..! عند حضور الطعام تتوقف العقول عن التفكير والكلام .
- خالتي .. أين أرتيمس ..؟
- ذهب إلى عمله كيف أتيتِ إلى عصرنا هذا ، هل أنتِ آدمية مثلنا ..؟
- نعم آدمية ، سأقص إليك حكايتي لكن متى يعود أرتيمس ..؟
- بعد هبوط الشمس .
جلست أخبرها بحكايتي ، لا أدرى هل كانت تصدقني أم لا ..؟
- أرتيمس .. ستدعي أمنا " أونانتا " وأختنا " أجاتوكليا " هنا حالاً .
- سمعاً وطاعة سيدي الفاضل " أجاتوكليس ".
نامت أحلام أمس ولم نتحدث كانت مرهقة جداً ، نائمة كالماسة الثمينة في خدرها لكن أمي خائفة منها .
- أرتيمس من هذه ؟ إنها ليست آدمية .
- كلا يا أمي .. إنها فتاة طيبة ضلت عصرها وجدتها في سرداب القصر الملكي .
- كيف عرفت أنها أنسية وليست جنيّة تخدعك..؟
- لو كانت جنّية ما كانت أشرفت على الموت جوعاً ولم تأتِ من خلف باب السرداب الحديدي المغلق منذ عشرات السنين صدقيني ياأمي .
- احذر منها .. قلبي قلق جداً .
- سيدتي الفاضلة " أونانتا " .. ابنكم الفاضل يريدكم والسيدة " أجاتوكليا " في البهو الملكى .
- اذهب اخبره بمجيئنا خلفك .
ظلت أمي توصيني بأن أحذر منها حتى مللت حديثها ، أأحذر من أحلام ..؟ وماذا أفعل بهذا الذي يطير عندما يرى وجهها ، يحلق في فضاء صدري بعدما دك ضلوع سجنه ..؟ أحببتها عجيب هذا الحب ..!
كانت أمي تضغط علىّ لاختار فتاة من حيّنا أتزوجها ، لم تعجبن أىُّ فتاة ، كأن قلبي كان يعلم بأن نبضاته لن يطلق أسرها سوى فتاة من عالم آخر ، عجيب أنت أيها الحب الذي لا يعرف له وطن ولا جنسية ولا تاريخ ..!
- سيدى " أجاتوكليس" .. السيدتان الفاضلتان هاهما قادمتان .
- أرتيمس .. لا تبتعد لعلني أحتاجك .
- بجوارك .. سيدي النبيل الجليل .
يا ترى ماذا فعلت أمي معكِ ياأحلام ..؟ أخشى أن تضايقها أنا أعرف أمي تمام المعرفة .
- أمي ، " أجاتوكليا "، تعاليا الوزير على فراش المرض يتأهب للرحيل .
- خيراً فعل ، ليخلوا لنا الجو بالملك والحكم .
- الظروف تخدمنا بعد موت الملكة " أرسنوى الثالثة " استرحتُ فقد كانت تكرهني لأنها تعلم كم كان يحبني زوجها الملك بطليموس الرابع ويفضلني عليها ، لو لم نقتلها كانت ستقتلنا هى .
- أمي عليك الاهتمام بالملك الصغير " أبيفانس " ارعه جيداً ، الحفاظ عليه هو الحفاظ على الحكم في أيدينا وأنت يامحظية بطليموس الرابع وعشيقته أختنا " أجاتوكليا" كوني بمقربة من الملك الصغير ليكن تحت رعايتك .
- سنفعل أخي " أجاتوكليس " سنراعي الملك فقط أنت انتبه إلى العرش وإلى الثورات الداخلية والخارجية ولا تأمن غدر ملك سوريا " أنتيوكوس الثالث " فهو يهدد بغزونا .
- مولاى .
- نعم أرتيمس .
- جاء خادم السيد الوزير أخبرني بوفاته ، توفي الوزير يامولاى .
يبتسم ابتسامة كلها لؤم وخداع وفرح .
جهزوا مراسم دفنه في المدافن الملكية .
غداً سيكون يوماً جديداً لي وللإسكندرية ولمصر كلها .
يالله ! ماذا ستفعل بنا سيد " أجاتوكليس " ..؟ أعرفك حق المعرفة لي أكثر من عشر سنوات أخدم بالقصر الملكي كل المصائب تخرج بإمضائك وإمضاء الوزير الراحل ..!
يذهب أخو أحلام إلى الحاج علي ليقترض منه مبلغا يعالج به أمه .......
- كيف حالك عمي ..؟
- الحمد لله ، ماذا تريد ..؟
- لاشيء ، فقط قلت أحييك وأطمئن .
- شكرا لك ، هل تحتاج شيئا ..؟
- كلا ، فلم نعد نرك منذ ..
يضحك سخرية ....
- منذ رحيل وردتكم المصونة العفيفة الطاهرة .
-ماذا تقصد ..؟ ها قل وهات مافي جعبتك .
- إلم تسأل نفسك لماذا انتحرت أختك المصون ..؟
- كيف تكلم مالذي تقصده ..؟
يضحك بقهقة عالية كأنها دوى بأذن أخيها ...
قلت لك لا شيء .
يمسكه أخو أحلام من رقبته صارخا ..
- أختي اشرف منك يا كهل يا مخرف يا غبي
- يفرقهما الناس ويأخذون اخو أحلام بعيدا لتهدئته .
محدثا نفسه .....
مالذي يقصده ..؟ هل انتحرت أحلام لأنها أخطأت ..؟ كلا أعرفها ، لكن لماذا كانت ترفضه وتصر على رفضه ..؟ لماذا ..؟ يجب أن أعرف مالذي يجعها تنتحر ..؟
- سيدي " أجاتوكوليس " السيد رئيس الديوان يطلب مقابلتك حالاً .
- ليتفضل .
- مرحبا سيدي " أجاتوكليس " كل التحايا العطرة التي تليق بمقامكم السامي .
- هات ماعندك ، فقد مات الوزير والوصاية أصبحت لي الآن والحكم يحتاج إلى جهد كبير لاحتواء ما يحدث بالداخل والخارج ..
- أعتذر لهذا القول سيدي لكن يجب أن تتنبه لشخص يدعى " دينون " لم يظهر ولاءه إلى سيدي " أجاتوكليس " بل يتحدث عن اشتراككم والوزير في مقتل الملكة " أرسنوى الثالثة " تلك الجريمة المفزعة ، رأيت أن تخرسوه تماما .
يهمس إلى نفسه ...
لقد نسيت هذا الآخر مما أنا فيه سآمر بإعدامه حتى لا يسبب لنا مشكلات لانستطيع القضاء عليها.
- شكرا إليك نقدر لك ولاءكم لنا وللملك ولمصر .
- هذا واجبي سيدي .
- أرتيمس .. أبلغهم بمنح السيد رئيس الديوان قطعة أرض زراعية ملكية وفاءً لولائه إلى القصر ولنا ووافني بكبير الحرس الآن .
- سمعا وطاعة سيدي " أجاتوكليس "
مررت على الكبير أودعت قُبلة على خد موجه ...
أرعبتني أمس أيها الكبير خشيت أن تكون رجلاً تُحبه هل تُصدق إني أحببتها ..؟ أشعر أني صحراء جدباء وهى مطري سماء وهى شمسي بحرا وهى مائي ، لكن إياك أن تخبرها بهذا أبقه سرا بيننا يا كبير .
أتعرف ..؟ لم أرك يوماً مثلها كنت أشعر أنك مجرد مساحة كبيرة مملوءة بالماء الحىّ تعلمتُ منها أن أناجي قلبك وفكرك أشعر بك نعم أنت كبيرولك تاريخك وسجلك الحافل بالكثير على مر العصور رجاءً أيها الكبير إن أتتك لا تخبرها بعشقي لها .
- مرحبا .. أم أرتيمس .
- مرحبا .. جارتنا أم هيلينا تفضلي .
تمر أحلام أمامهما .............
- أم أرتيمس من هذه الفتاة ..؟ أول مرة أراها .
- إنها " أحلاميس " ابنة أختي جاءت لزيارتنا من مدينة منف .
- مرحبا ابنتي .. كيف حال منف ..؟ يقولون إنها ممتلئة بالاضطرابات والمظاهرات على وصايا الملك الصغير .
نظرتُ لأم أرتيمس فقد غرقت في بحري محاولة اصطياد إجابة شافية فتخرج صنارتي فارغة لحقتني أم أرتيمس .
- أم هيلينا .. أحلاميس بكماء لا تتحدث .
- ياحرام .. بكماء إنها جميلة ..!
تهمس لنفسها ..
الحمد لله خفت من جمالها ألا يتزوج أرتيمس هيلينا حقا الفتاة جميلة جداً لكنها معاقة تستحق العطف .
- لماذا لا تأخذيها إلى معبد " السيرايوم " لعل الكاهن يجهز لها دواءاً يشفيها .
- للأسف حاولت معها أختي كثيراً ، لم يفلح كهنة منف في علاجها .
لوحتُ لها أتتني ........ وبهمس ....
- خالتي هل يمكنني الخروج بعض الوقت ..؟
- إلى أين ..؟
- إلى الكبير مللت المكوث بالمنزل .
- كلا لا تخرجي بمفردك انتظري حتى يعود أرتيمس فقد طلب مني ألا أدعك تخرجين من المنزل فأنت غريبة والإسكندرية الآن ثائرة ، سيعرف الجيران كلهم من أم هيلينا أنك ابنة أختي بكماء رجاء لا تتحدثي أمام أحد .
- سأقف بالخارج ولن أحدث أحداً .
خرجت .. بيوت من الطين النيء الرجال عرايا فقط قطعة قماش تغطي جذوعهم يغزلون شباكهم عرفت أن معظمهم مصريين يعملون بالصيد والنساء ترتدين ملابس الفرعونيات ويجلسن لشىّ السمك خارج بيوتهن والأطفال يمرحون ، يلعبون أمام البيوت .
راق لي النظر إليهم ، الجميع يلوحون لتحيتي أجيبهم بإيماءة بوجهي .
كلما مر رجل سألني عن أرتيمس .! تخرج أمه تخبره إنه بالقصر الملكي ولم يعد تعجبت من سؤال الرجال عنه ..!
- أحلام .. ماذا تفعلين خارج المنزل ..؟
تنهدت بزفرة حارة تبخرت منها فرحة رَسمتْ قلباً يحلق فوق رأسي ..!
- أرتيمس .. لقد تأخرت علىّ أقصد علينا .
- ألم تخبرك أمي بموعد عودتي ..؟ أحلام لماذا تهمسين ..؟
ضحكت ...
جذبته إلى الداخل يجري معي ضاحكاً مندهشاً ..!
- نسيت أنني بكماء عندما رأيتك ستقتلني أمك ؛ أخبرت إحدى جاراتكم أنني بكماء عندما سألتني عن أخبار منف و لم أرد عليها .
- غريبة تلك المرأة لو ل أمي ؛ لقلت إنها امرأة تصلح إلى العيش داخل القصور من دهائها ..!
- أين كنتَ..؟ لماذا تأخرتَ كل هذا الوقت ..؟
- كنت مع حبيبك .
- بمفردك لماذا لم تأخذني إليه ..؟ كم افتقد لمسات أنامل قطراته الحانية على وجهي خصلات رياحه التي تداعب شعري نوارسه التي تعزف لي ألف أغنية عشق ..!
- أعدك لن أذهب إليه بمفردي ، ستكونين معي.
- أرتيمس .. سأل عنك رجال كُثر أخبرتهم خالتي بأنك لم تعد من عملك .
- ألم يقولوا شيئا قبل رحيلهم ..؟
- كلا .. أكثر من خمسة رجال سألوا عنك ..! ماذا يريدون منك ..؟
- لا تنشغلي بهذا مجرد أصدقاء نتسامر معاً يومياً .
- لم يسنح الوقت أمس لتعرفيني بك وبحكايتك تعال نجلس فوق البيت وشعاع القمر يظللنا انتظري سأحضر إليك بعض الحلوى اسبقيني وسآتي خلفك .
صعدت إلى سطح البيت ......
المنازل كلها تضاء بمشاعل أضواء تصارع الظلام رأيت من فوق البيت - فنار الإسكندرية - يمسح بيد شعاعه على صدر الكبير ليرشد السفن إلى الميناء ، سأطلب من أرتيمس أن يأخذني لزيارته أحد عجائب الدنيا السبع لن أفوت زيارته أبداً .!
تأخر أرتيمس مر أكثر من نصف ساعة .
أمي .. كم أفتقدك أتمنى أن أدفن رأسي بحضنك دقائق ؛ لتعود الطمأنينة التي افتقدتها في تلك الرحلة العجيبة لو تعلمين أين أنا لصعقتِ هل تتخيلين أن أسبح ببحر الزمان ..؟ فأستريح على جزيرة عصر آخر والله إنه حلم ياأمي .
ما هذا البرد الذي يغتصب عظامي ..؟
- أرتيمس .. أين أنتَ ..؟
- أحلاميس .. لقد خرج أرتيمس منذ ساعة ألم يخبرك بخروجه من المنزل ..؟
- كلا يا خالتي .. يا ترى أين ذهب ..؟ وتركني أنتظره .
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:39 PM
أشرعة ممزقة ..!(8)
أبيفانس الصغير يلهو ببعض قطع الشطرنج بغرفته في القصر الملكي .
يمسك بيديه الملك يحدثه ......
أين أنت أبي الملك ..؟ لماذا تركتماني أنت وأمي وحيدا ..؟ هل تتذكراني أم إنكما بالعالم الآخر تنعمان بالخمر والرقص معا وأنا هنا أقاسي غيابكما ، كيف سأحكم مصر وحدي ..؟ كبيرة ومترامية الأطراف تجمع طوائف كثيرة ، كانت أمي ستدربني كيف أصبح ملكا عظيما كأبي..؟ وعدتني بهذا لكنها رحلت قبل أن تنفذه ..
طرقات على الباب يأمر أبيفانس الطارق بالدخول ...
- مليكي الصغير " بطليموس الخامس العظيم " كيف حالك مولاى ..؟ هل ينقصك شيء فألبيه لك ..؟
- مرحبا " أجاتوكليا " كلا لا ينقصني شيئا .
- هل كنت تلعب بمفردك الشطرنج ..؟
- نعم كنت أحارب أعدائي ، كنت أحلم مع فيلي وحصاني وجنودي .
- بماذا يحلم مولاى ..؟
- أحلم بحلم الإسكندر الأكبر أجمع العالم بقبضة يدي لكن لي حلما محددا وهو القضاء على كل من " أنتيوكوس الثالث " ملك سوريا و " فيليب الخامس " ملك مقدونيا فقد علمت من أمي " الملكة أرسنوى الثالثة " ، أنهما يتآمران علينا يريدان أن يتقاسما ممتلكات مصر بينهما ..
- " أبيفانس " العظيم ، حلمك أكبر منك ..!!
- نعم " أجاتوكليا " أنا الآن صغير ، لكن الأيام ستثبت لك صدق قولي.
- أعلم هذا مولاى الإله الأعظم .
كم استرحتُ بعدما تخلصتُ منه أضعاف ما أحببته أكرهه خدعني غرر بي بعدما اطمأننت إليه أطلقت خيول عشقي تجول بساحاته ، رقصت فراشات نبضي فوق شموع وجدانه بلا رهبة أو خوف من أن يحرقني لهيبه .!
لا تتملكني لحظة ندم واحدة لو استيقظ قتلته ألف مرة ولم أبالي ..! كم كنت سعيدة وأنا أراه ملقىً أمامي ملطخاً بدماءه القذرة ..! أشاهد دمه يسيل تكاد تنفر الأرض من رائحته النتنة والسكين التي أقبرتها قلبه تتقيأ دمائه أقسم لم أسلمه نفسي لعهر ؛ بل لأنني أحببته وحسبته مخلصا لكنه سلبني أعز ما أملك فجئت شيئا فرياً ، ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسياً .
وهذا القابع بحشايا ظلمته بيديكَ طفل الظلام نبت من حرام يركلني ليذكرني بسوء فعلتي ليته يمت ولا أسمع له صوتاً كيف سيواجه العالم وهو ابن زنا ..؟ بعدما لطخته ولطختني فيفعلوا بي مايشاؤا فلن أبالي فقد استرحت بقتله إلا من هذا المعلق بين حلال روحه وحرام جسده .
تظل تضرب جدران بطنها لعله يسقط - رحمةً به - فتتهاوى فوق الأرض بعدما فقدت وعى كرامتها وحياءها وحياتها .
في بلاط العرش كان يجتمع " أجاتوكليس " مع كبار قادته وولاة الأقاليم والقضاة وكبار عظماء الأغريق ، يحدثهم ...
- نترقب في الأيام المقبلة أموراً جساما في الداخل نخشى الثوار والثورات وحنق الشعب علينا بعد مقتل الملكة " أرسنوى الثالثة " وفي الخارج هناك خطران ملك سوريا وملك مقدونيا فهما يتحفزان للانقضاض علينا في أقرب فرصة .
- نعم لقد سمعنا سيدي العظيم بأن " أنتيوكوس الثالث " يتأهب بجيوشه وبدأ يتحرك نحو تخوم مصر .
- يجب أن نستعد لهم بكل الإمكانيات لمجابهة خطر الحرب بتجهيز الجيوش والمعدات الحربية .
- ماهى أخبار خزينة الدولة هل مافيها يكفي لهذا ..؟
- سيدي " أجاتوكليس " للأسف الخزينة تعاني من هزال شديد ؛ ذلك لكثرة المصروفات الأخيرة التي صرفناها سيادتكم أعلم بهذا .
- ما العمل إذن ..؟
يستطرد ...
عليكم بفرض ضرائب أكثر لنجمع بسرعة ما نحتاجه .
- سيدي على من نفرض الضرائب الجديدة الإغريق ، اليهود ، المصريين ، المعابد والكهنة ..؟
- " وزير المالية " الإغريق أهلنا ولهم المكانة العليا والمركز الأسمى ، اليهود كثر ونخشى غدرهم ، إياكم ونفسي بالمعابد والكهنة ؛ يجب أن نستميلهم لجانبنا ، حتى لايشحذون الشعب علينا خاصة وأن الشعب يطيعهم طاعة عمياء .
- إذن ليس أمامنا سوى المصريين ..!
- عليكم بكبار الملاك منهم والقادرين فهم يشكلون خطراً علينا اقتطعوا من أموالهم وأملاكهم الكثير وحولوه إلى خزانة الدولة ثم من فقراء المصريين ، أيضا افتحوا باب التجنيد إلى المصريين فنحن نحتاج ساتراً بشرياً يتلقى الضربات الأولى في الحروب .
- سمعاً وطاعة ، لك الأمر وعلينا التنفيذ .
بعد الاجتماع ........
- يأمرنا أجاتوكليس بجمع ضرائب جديدة ألا يكفيه ما أخذه من خزانة الدولة ينفق على نسائه وموبقاته وخلاعته وتلك الحفلات الصاخبة كل يوم ينفق بليلة واحدة ما يكفي لإطعام فقراء الإسكندرية شهرا ومنحه القليلة والكثيرة التي يمنحها للإغريق وعطايا المعابد والذهب الذي يذهب إلى الكهنة لتعضيده والوقوف إلى جواره حتى يؤمن غدرهم .
- ليس لنا شأن بما يفعله وما ينفقه ليس علينا سوى الطاعة والتنفيذ .
- اعلم وأعلم أيضا أن نهايته اقتربت فلن يصبر الشعب على ظلمه وجبروته .
غاب أرتيمس منذ أمس افتقدته ماهذا الشعور الغريب ..؟!
إني أرتعش عظامي تؤلمني لا أقوى على الحركة هل مرضتُ ..؟ لعلني تعرضت إلى لطمة هواء وأنا انتظره أمس ، لكن أين ذهب ..؟
- أحلاميس .. لماذا لم تستيقظي منذ الصباح ..؟
- مرحبا خالتي .. أشعر بوعكة جسدي كله يؤلمني لم استطع النهوض من فراشي .
تهمس لنفسها ...
أعتقد أن الحالة ستتركها الآن قلتُ لأرتيمس إنها جنّية ، ستعود الآن إلى طبيعتها ، سأراقبها من آن لآخر .
- هل نذهب إلى المعبد ليراكِِِ الكاهن ..؟
- كلا خالتي .. شكرا لك سأكون بخير بإذن الله .
تحدث نفسها ......
أراقبها منذ مدة لم تتحول ، لم يطرأ عليها جديد هل ظلمتها ..؟ نعم ظلمتها ، كلا لا أعتقد سأطلب من أرتيمس أن ترحل ريثما يعود ، أين سترحل هى غريبة ..؟
لا دخل لي بهذا ، أشعر أن أرتميس يحبها ومالعيب في هذا ..؟ لا لن يتزوجها أريد له زوجة من عصرنا تعرف عاداتنا تشبهنا أما أحلاميس غريبة عنا يجب أن ترحل ، اعتبريها ابنة قد وهبتها إليك الآلهة ، ابنة ...! ألم تحلمي بهذا هل ترفضين عطية الآلهة..؟ هه ، كلا العفو من الآلهة ستكون ابنتي ، نعم ابنتي
- أحلاميس .
- نعم خالتي .
- لا تقولي خالتي نادني بأمي هل أجهز إليكِ مشروباً دافئاً أو طعاماً فلم تأكلي منذ أمس ..؟
- شكرا أمي لست جائعة ألست قلقة على غياب أرتيمس من أمس ..؟
- كلا .. فقد اعتدت على غيابه .
ماهذا التحول الذي أصابها ..؟ أصبحت حنونا فجأة ..!
- أحلام وضعت لك وعاء على النار به ماء يغلي فاستحمي به ليدفيء عظامك التي أنهكها البرد .
- نعم أمي .. سأفعل تنظر أحلام إلى البخار الذي يتصاعد لترحل معه إلى الماضي وهى تبتسم.
هانحن وصلنا إلى حمام الثلاثاء ..
- هيا يا أحلام .. فالزحام شديد اليوم.
- والله يا أمي .. عجيبة ذهابنا لهذا الحمام .
امرأة بدينة تجلس إلى طاولة سوداء بجوارها قطع من ( اللوف ) وحجر خفاف تمنح كل امرأة قطعة من اللوف وحجر بعد دفع رسوم الحمام .
هالني عدد النساء القادمات مبكرا ليحجزن وكأن المكان جزيرة للنساء لم يخلق بها رجل .
دلفنا مع هذا التجمهر الغريب ، المكان موحش عجيب بلاطه اسود قديم كأنه من القرن الثامن عشر حوائطه ككهف قديم تشعر وأنت داخله أن الخارج ما هو إلا غابة لا حياة فيها باحة كبيرة يتوسطها مسبح أسود حوله حافة عريضة المسبح مملوء عن أخره بمياه ساخنة تتقيأ بخارها كأنه قِدر ستعذب فيه النساء.
وقف برهة فاغرة فمي مما أرى ...
بدون ادني مقدمات وجدت النساء يذهبن بجوار الحائط يخلعن ثيابهن كيوم ولدتهن أمهاتهن .
صعقت مما أرى ..! هرعت أبحث عن أمي لتفسر لي ما يحدث لكني وجدتها أيضا مثلهن فصرخت فيها .
- ماذا تفعلين ..؟
- ماذا لم أفعل شيء ..؟
- انظري النساء وأنت مثلهن ، ألا تستحين ..؟
- ولماذا كلهن نساء لا يوجد رجل .
- لكن يا أمي .
- كفاك سخافة اذهبي واخلعي ثيابك وتعالي .
- ماذا تقولين.. لن أفعل أبدا .
وبعدما أتعبتها من المناقشة حجزت لي غرفة خاصة وكانت تدفع ثمن الخصوصية وهى تنظر إلىّ شزرا .
تأتي العروس بعد وقت قصير تسبقها الزغاريد ، أراقب ما يحدث من خلف غرفتي الخاصة لأجدها هى الأخرى عارية تماما تلتف حولها النساء ، يحضرونها إلى يوم عرسها بكافة الوسائل .
أرى باقي النساء حول حافة المسبح منهن من تنام على ظهرها وأخرى على وجهها يتكيسن وأخريات يمشطن شعورهن وأخريات بالمسبح يغطيهن البخار ، مططت شفاهي وأنا أتعجب وكأن النساء جميعهن ليلة دخلتهن غدا مع العروس .
أمي نزلت المسبح الصغير بالغرفة الخاصة وخرجت بعد برهة تكيسها المرأة المسئولة بالحمام وبعدها مشطت شعرها ووضعت بعض الزيوت على جسدها ووجها واندهشت بعدما تساقط منها بعض سنون شيبها وعادت لها نضارتها من جديد .
نعود إلى البيت ..
أمي تركت عشر سنوات من عمرها غارقة بالمغطس تسير كيمامة محلقة وأنا أملك بذاكرتي بعض المشاهد العجيبة التي لا أتخيل أن تمحوها ممحاة السنين.
- أيها الجندي تعال أريدك ، أدخل .
- إلى أين مولاتي ..؟
- لا تخشِ شيئاً أدخل ، سأمنحك ماتريد .
- مولاتي " أجاتوكليا " أخشى مولاى " أجاتوكليس " ؛ أنا جندي صغير من الحرس سينكل بي لو علم بوجودي بمخدع مولاتي.
- قلت لكَ لاتخشَِ شيئا تعالَ أريدكُ الآن حالاً ........
يخرج من عندها يجمع بعثرته ويمحو بيديه أصباغ شهوتها من فوق ملامحه الضائعة الضالة ..
هناك من جمع بعض اشلاءه المبعثرة أمام غرفتها وذهب وهو ينفث نيران زفيره لتحرق بعض ماكان يحمله للساقطة
ماذا سأقول لأحلام عن غيابي أمس بدون إخبارها..؟ ، أخشى غضبها ، كم أتمنى رضاها سأخبرها بأن القصر طلبني فوراً و أعتقد أنها ستعذرني .
- أرتيمس أين أنتَ ..؟ أين ذهبت أمس ..؟
- أحلام مابكِ ..؟ أراكِ بالفراش ..!
- أشعر ببعض الألم بعظامي ورعشة تسري بجسدي من جراء انتظاري لك أمس ..
- سامحيني ، إن كان دمي يصلح بلسماً لعظامكِ جرحتُ نفسي ولو ضوء عيني تغتسلين به منحتك إياه ولا أبالي بالعمى .
- ما كل هذا ..؟ لا عليك مجرد وعكة ستمر سريعاً .!
يهمس .......
ليتك تعلمين بما أشعر به نحوك ..؟ أتمنى أن أناديك بكل ألقاب العاشقين ، أن تلامس نظراتي شغاف قلبك وأن تطأ أقدام قلبي جزر وجدانك صرت أتنفسك ، ليتك تدفعين بشمس مشاعرك باتجاه عيني ..!
- أرتيمس .. أين أنت ..؟
- معكِ أحلام .
- كلا لستَ معي ، كنت تسبح بعيداً ببحر فكرك ، هه الكبير ..! ألن تصطحبني هناك أفتقده أفتقد مداعبة خصلات زخاته الرطبة على وجهي ، ابتسامة موجه لي ، رائحة يوده المنعشة التي تنعش مشاعري..!
- استيقظي من مرضك هذا وسنذهب إليه ونزور المكتبة .
- حقا سنزور المكتبة ..؟
- ألم تطلبي مني هذا ..؟ كل ماعليك أن تحلمي وأنا أنفذ مولاتي .
- مولاتك ، ها ها ها..
.
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:41 PM
تابع الفصل الثامن ..
يعيش " أجاتوكليس " في رعب وفزع شديدين ؛ يخاف من كل مايحيط به ، عظماء القوم وصغارهم يأمر قواده ورجال الشرطة بمراقبة الجميع ، إعطائه ملاحظاتهم أولا بأول .
- سيدي الأعظم .. نرى تحركات مريبة للقائد المبعد " تليبوليموس " أنت تعلم سيدي بأن مليكنا " بطليموس الرابع " كان قد غضب عليه وبرغم عودته إلى الحياة الحرة مازالت الجندية تسري بعروقه فهو مغرم بالمناورات ، أخشى إن غضب الملك " بطليموس الرابع " عليه جعله محبوباً بين أفراد الشعب .
- ياقائد الحرس .. أصدر الآن ( دياجراماتا ) إلى القائد " تليبوليموس " للتوجه إلى ( بلوز ) على حدود ( الفرما ) للإشراف على تخوم مصر هناك ، وقيادة الجيش.
يهمس لنفسه ....
بهذا نتخلص منه ومن خطر ( بلوز) التي يُتوقع الهجوم على مصر منها ، سينهمك لا محالة في شئون سوريا ، بذلك يبتعد عن مجريات الأمور بالإسكندرية. - أرتيمس .. خذ ( دياجراماتا) أوصله إلى القائد " تليبوليموس " أخبره بتنفيذه قبل شروق شمس الغد .
يريد "أجاتوكليس " إقصاء القائد " تليبوليموس " عن الإسكندرية ، هو أمل المصريين الآن في الخلاص من وصيته الفاسدة فقد عاث " أجاتوكليس "وعائلته وحاشيته في مصر فساداً بتهتكه وخلاعته ، هتكه لعرض الكثيرمن النساء متزوجات وأرامل وفتيات تفانيه وإفراطه في الموبقات إفراغ خزينة الدولة على مجونه ، فسقه ، سحقاً له من داهية .
- القائد " تليبوليموس " موجود ..؟ أخبره برسالة من سيدي " أجاتوكليس " الوصي على مولانا الملك .
- مرحبا أرتيمس صديقي ، كيف حالك ..؟ خيراً ماذا في الرسالة ..؟
- سيدي القائد .. يريد "أجاتوكليس " إقصائك عن الإسكندرية ، يرسلك إلى قيادة الجيش في ( بلوز ) على أن تنفذ هذا الأمر قبل بزوغ الشمس .
- مرحى .. مرحى ، أخبره بأني سأنفذه بأسرع مما طلب .
- هل سترحل سيد " تليبوليموس" بدون أدنى اعتراض .!؟
- لماذا أعترض " أرتيمس " ..؟ بل كلي سعادة لهذا ( الدياجراماتا) فهو قد رفع يدي بنفسه أمام وجهه لأصفعه .
أحلام استعدي سنخرج في جولة لترى إسكندريتك بزيها القديم ..!
- هل سنخرج الآن ..؟ سنذهب إلى الكبير والمكتبة .
- نعم ..سأنتظرك ...
أسير إلى جواره أتلفت يميناً ويساراً على الأكواخ والبيوت الطينية ، الصيادون يغزلون شباكهم ، آخرون يصنعون من البوص أقفاصا ، أولاد يمرحون .
مجموعة من الفتيات يقفن ينظرن إلينا شزراً بينهن واحدة أشعر أن قدمي تدب فوق جبينها رأيت الغيرة تتراقص على وجهها بفجور مابعده فجور ..!
حياهم أرتيمس ، أكملنا سيرنا لم أحدثه أثناء مرورنا من الحيّ لأنني بكماء .
- من هن الفتيات ..؟
- بنات جيراننا .
- من تلك الشقراء التي كانت ستأكلنا بعينيها ..؟
- أنها هيلينيا ، لا تشغلين بالك في التفكير فيها فهى فتاة مغرورة متعجرفة ، تتخيل أنها أجمل فتيات الحى تغتاظ مني لأني لا أعيرها اهتماما ، اعتقد أن جمالك سيجعلها تقتلك .
ضحكت من حديثه عنها ..
وصلنا إلى المكتبة ...
كنت سعيدة برؤيتها ، عالم آخر لم أتخيل أن أراه يوماً ..!
- مرحباً سيدي القائد " تليبوليموس " حمدا للآلهة على وصولك سالماً .
- مرحبا ، " إميلياد " اجمعْ لي كبار القادة لأتعرف عليهم ولأعرف إمكانات الجيش هنا وآخر الأخبار التي وصلت عن عدونا " انتيوكوس الثالث " .
- سمعاً وطاعة سيدي .
تدخل هيلينا بعدما شعرت بالتشفي يقتنص غرورها في أعين باقي الفتيات ، وجود أحلام فجأة قض مضاجع راحتها ؛ شعرت أن هذه الغريبة ستجني نبتتها التي تزرعها منذ سنوات بقلب أرتيمس لكنها عزمت ألن تتركها تسرقه منها مهما كلفها الأمر ..!
- أمي .. أمـــــي صارخة .
- مابك هلينيا ..؟ لماذا تصرخين ..؟
- أرتيمس .. يسير بجوار قريبته هل رأيتِِ كم هى جميلة ..؟ أخشى من جمالها أن يعشقها ..!
- لا تخافي إنها بكماء لن يتزوجها ستقتله بصمتها عمراً ، الرجال يعشقون نعومة المرأة ويثيرهم صوتها الناعم وحديثها وعبارات الحب منها أما هى فمجرد تمثال جميل أبكم سيحطمه أى رجل يُسجن معه لا تقلقي .
أراحتني أمي بهذا الحديث ، كم أحبك أرتيمس ، منذ كنا أطفال وأنا ألعب معك على شاطيء البحر ، كنت تتصيد لآلىء خفقاتي بشباك حبك ، وكم سكنت أشعة شمسك ملامح مشاعري ، وغرست قدم وجداني برمال ساحلك ، لهوت ولهوت فوق امواج حنانك ، كنت شبحا لكل الفتيات أقف على أبواب حياتك فلم أدع واحده منهن تفكر فيك حتى ولو بأحلامها ، أغرس أنيابي في لحومهن ، أنهش بأظافري قلوبهن لكن هناك مئة جمرة تتجول بساحات صدري بلا رقابة منذ حضور تلك البكماء .
يجب أن استميل الجنود إلى صفي ؛ يصبحون خاتماً من جلدي لايبرح أصابعي .
- " إيملياد " سنقيم اليوم وليمة كبيرة أجمع كل القواد والجنود .
في الحفل .. كان يشرب مع الجنود يشاركهم موائدهم بدون تحفظ ، يشرب نخبهم وبعد الوليمة يكون العزف والرقص فيبيح كل أنواع الموبقات والمتع الجسدية ، تتكرر تلك الولائم التي عشقها جنوده ، فاق الحد يوم شرب في نخب الغلام الذي كان يصب الخمر إلى الملك ، بهذا جذب الجنود إلى صفه فأصبحوا عبيدا يسوقهم كيفما شاء ..!
- أرتيمس .. أين الكتب ..؟
- أى كتب .. لا نعرفها ..!
- كيف تقرأون في المكتبة ..؟
- هل تري تلك المخطوطات هذه هى مانقرأه إنها لفافات من ورق البردي عبارة عن كتب ..؟
- نعم .. تشبه لفة القماش ..!
- طول اللفة يعتمد على كثرة أو قلة الكتابة الموجودة به ،أنشاها بطليموس الأول " سوتر " وحرص الملوك الذين جاءوا بعده على زيادة مقتنياتها. كان بطليموس الثالث" يورجيتيس " مثلا يلزم جميع المسافرين القادمين بتسليم ما بحوزتهم من كتب. إن لم تكن هذه الكتب من مقتنيات المكتبة فإنها تحفظ ، بينما يتلقى صاحبها نسخاً رخيصة منها
جزء من المخطوطات موضوع بمتحف "الميوسيوف ويقيم به معظم العلماء، والباقي بالمكتبة ومعبد السيرابيوم .
- سعيدة أنا بزيارتها ، هل لي بلفافة أرى ماذا فيها ..؟
- نعم هاهى .
- لاأعرف قراءة اللغة بها .
هناك مخطوطات بالعديد من اللغات وللعديد من العلماء من جميع بلاد العالم ..
خرجنا إلى الكبير ، كانت رائحته تجذبني حيث موعد انتظارنا الدائم على ضفاف صدره الرقيق .
وقفنا بحضرة الكبير ، يبتسم لي ويقول :
- هو عاشق حد الثمالة ولا تقولي غير هذا ، فأنا اشم رائحة نبضه ، أحصي عدد دقات قلبه كمسبحة للحب بيدي ، ألملم زهور عشقك من فوق شفتيه ، حبك يسكن فراغات الهواء برئتيه هل تعلمين انه صار صديقي وبيننا اسرار ..؟
- اعرف أنه يهواني ، لكن هل ترضى لي ان أضيع مرة اخرى بأزقة الحب الوعرة ..؟ قلبي الصغير يعيش بحالة نقاهة ولن يتحمل ضربة اخرى ، توجت الآخر سيدا لعمري فلم يصنه ، كرهت مصانع الحروف الكاذبة ، التي أمامك قتيلة تتنفس ، غيمة بخيلة وأرض شحيحة .
لا اخفيك ياأبا العمر ، ابحث داخل ذكرياتي عن لحظة دفء تحتويني فلا أجد سوى ثلوجا تكسوا نوافذ مهجتي هل تتخيل أن يذيبها هو ..؟ أشعر نحوه بارتياح ، بقصائد حبه تخط ديواني ، اهداب قلبه تغفو فوق جفون مشاعري ، كلما ابتعدت ترك جزء منه يتحرك داخل دمي .
- وانت أيها الصامت داخل أبواب ضجيجه .
- احبها ، ترتجف خفقاتي على أبواب قلبها ، استصرخ بالمعابد بالكهنة وبالآلهة لتمنحني بعض نبضها ، أتصدق أن بعضها يصنع كلي ، همسها يصنع صوتي ، ليتها ترى ضوئها الذي يتبختر داخل عيني واريجها الذي يعطر بتلات أيامي ، قل لها تطلق صهيلها بساحاتي ، قل لها اني لا أتمنى سوى أن استظل بأشجار عشقها .
أسمع الكبير يتنهد وهو يرمقني بنظرة حب ويهمس لي ألا أرحل عن موانئه ، اعيره فناري لينير به عمره ، وامنحه قلاع قلبي لتحتمي بها نبضاته .
ضحكت إلى الكبير ، وتأبطت حلمي الناعس على زنده وسرنا تحفنا ابتساماتنا
- " أجاتوكليا " جائتنا أخبار من أن القائد المبعد " تليبوليموس " يدبر مؤامرة ضدنا استمال الجنود إلى صفه صاروا يطيعونه طاعة عمياء تقلقنا ، غير أنه يراسل الثوار هنا .
- " أجاتوكليس " هل أنت متأكد من هذه الأخبار ..؟
- نعم عيوني هناك لا يخدعوني أبداً ، ماذا سنفعل بهذا المخادع الذي يخوننا ..؟
- سأخبرك ماذا نفعل معه ..؟
في طريق عودة " أرتيمس " وأحلام تستوقفهما " هيلينا " .
- " أرتيمس " .. أريد أن أتحدث معك لحظات .
- نعم هيلينا .. ماذا تريدين ..؟ تعالِ إلى الجوار نتحدث .
- لماذا لا نتحدث هنا ، لن يسمعنا أحد أليست هذه بكماء ..؟
نظر إلى أحلام ، كان يخشى أن تقول تلك المتغطرسة كلاماً يحزنها .
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:45 PM
ثورة الأمواج ..!(9)
حكمت المحكمة بتحويل أوراق المتهمة إلى مفتي الديار المصرية.
أمها تروي قضبان المحكمة بدموعها فتخضر اغضانها القاسية لتظلل ابنتها من هجير الظلم الذي تعرضت له تصرخ :
- ابنتي يقتلونكِ مرتين ، رفقا بشبابها خدعها والله خدعها ، قتلته لتقتص لها ، ياناس ابنتي مظلومة ، فضحها ، قتلها ، والله قتلها ألف ألف مرة قبل ان تقتله .
سماح ترتدي ثوب الذهول تغطي عينيها نظرة مائعة بين الصحو والغفوة حدقتاها تتأرجحان بلا هدف داخل الفضاء الساكن بين جفنيها وفي الفضاء تسكن غيمات قاتمة يعتصرها الحزن بيديه لتهطل حقدا على الدنيا .
تخرج أم أحلام إلى الشرفة ..
تظل تصرخ صراخاً يقلق النائمون في القبور ..!!
يتجمع أهل الحىّ على صراخها ، يهرع ابنها مازال ثوب النوم ترتديه أجفانه ..
- أمي لماذا تصرخين ..؟
- أختك .
- ماذا بها ..؟ هل ستعودين إلى الهذيان مرة أخرى ..؟
- انظرإنهم يبنون غطاءً من الأسمنت فوق الجُب الذي هوت داخله ..!
- نعم أعلم يا أمي ، حتى لا يقع فيه شخص آخر .
- أتعرف أنهم بهذا يدفنون أختك إلى الأبد كيف ستعود لحضني ..؟ قل لي كيف ستخرج مرة أخرى ..؟
- أمي لها شهوراً مختفية كيف تكون حية بلا طعام أو شراب ..؟!
- أقسم لك ، إنها حية قلبي يحدثني بهذا ، بل إنني أكاد أسمع وقع أقدامها تحت وسادتي .
- أمي لو لم تكفي عن تصرفاتك هذه ؛ سأدخلك مستشفى الأمراض العقلية .
تغلق نوافذ شرفتها وفمها بدموع تسيل متدفقة من عيون الشوق إلى فلذة عمرها.
ياربِ لو دفنتها بيدي لاسترحت ، والله إنها حية ليتهم يصدقونني .!
- " أجاتوكليس " .. أرسل بعض عيونك يشيعون في الناس أن " تليبوليموس" قد باعنا " لأنتيوكوس الثالث " خان عهد الشعب والملك ومصر كلها .
- يالك من داهية أختنا " أجاتوكليا " نعم فيكرهه الشعب ويطلب منا إعدامه فهذا جزاء الخائن لبلاده .
لماذا أشعر بهذا الشعور ..؟ ماذا يعنيني إن كانت تكلمه ..؟ هناك شيء يوقظ نيراناً نائمة تحت رماد وجداني ، كلا لن أدع هذا الشعور يتنامى ، سأقطف برعمه قبل أن يزهر زهرة يشمها الجميع .
" أرتيمس " .. يرسل إليّ نظرات كلها حزن ، نظرات تجثو تحت قدم قلبي ، تطلب منه الصفح ، تمد يديها لتقبل يد خفقاتي لأسامحه .
- " أرتيمس " .. ألن نتزوج قد فاض بي الكيل لي عمراً انتظرك .
- من طلب منك الانتظار ..؟ لم أعدك بالزواج من قبل .!
- نعم لم تعدني ، لكنني أشعر بعشقك الذي يغلف نظراتك ، كلماتك تخجل بالبوح به لكنها تخلع أثواب الخجل أمامي فأرى حبك .
- من أقنعك بهذا ..؟ لا أُكن لك سوى مشاعر إخوة فقط .
- أى أخوة ، وهذا الذي يستصرخك داخل صدري ، وخفاقتي التي كانت تلهو وهى لم تبلغ الحلم على كتف عشقك ، كنت ترى طفل عشقي يجري نحوك ولم تنهره مرة ، بل كنت تراه يبلُغ وتساعده أن ينمو برعايتك ، لماذا تفعل بي هذا ..؟ لماذا تركت مياهي تنطلق بأرضك ..؟ بعدما رويتها لك أراها لا تخرج سوى أشواك ، حسبت يدك هى التي ستنزع اشواك شوقي إليك من قدم مشاعري لارتاح من أنين بعدك ، قل من الذي غيرك ..؟
تنظر لأحلام بعين ملتهبة حارقة ، جذبتها من أمامها قبل أن تحرقها بنيران غيرتها
- إذن أنت عاشق لهذا التمثال الأبكم ، حسناء بكماء ستملها لن تستطيع أن تعيش معها سنة واحدة ستقتلك بصمتها الطويل ..!
أسمعها وأضغط على ملامحي ألا تثور أو تظهر رد فعل لفظاظة حروفها ، احتجت أن أستعير الثبات من السماء والأرض والهواء وكل ماحولي .
- هيا بنا أحلام .
وبضحكات مخلوطة بنصف كوب هيستيريا ونصفه الآخر بكاء ..
- ستدك هذا التمثال الجميل بيديكَ ، بعدما تعتاد على وجهه وتتمنى لسانا يداعب لياليك بكلمة عشق وهمسة حب .
- آسف أحلام ، غبية هى هل تصدقينني إن قلت لك لم أعدها بشيء مما قالته ..؟
- لا دخل لي ، هذه حياتك الخاصة .
يسير إلى جوراها بعدما قطعت حبل الحروف بنصل تلك الجملة العاقر .
- " أرتيمس " .. أرسل إلى قائد الجنود الآن وبسرعة .
- فوراً سيدي .
بحثت عن قائد الجنود فلم أجده ، لكني أعرف أين يوجد في تلك الساعة ، سأنتظره حتى يخرج من عندها ، أخبره برغبة سيد " أجاتوكليس " في رؤيته .
- هيروميس .. حبيبي كم اشتقت إليك ، أدنو مني هيت لك ، دعني استنشق رائحة نبضك ، أنام على ساعدك القوي الذي لا يحمل سوى رمحه البتار ، دعني ألعق القوة التي تنعس فوق عضلات يديك ، لأشعر بنشوة عشق الفوارس .
- حبيبتي ومليكة قلبي " أجاتوكليا " افتقدك حبيبتي منذ آخر لقاء للحب بيننا ، آه اجاتوكليا ، انت عندي كل نساء الأرض ، ليتني أتولى حكم هذه البلاد لتكون ملكة مصر ، تأمرين وتنهين ، تصبح مصر كلها ملك يمينك ، وأنا فيها عبدك خادمك ، أنفذ أوامر مليكتي ، تعالي حبيبتي إلبسك تاج مصر ، وتجلسين على العرش ، هاأنت الملكة المتوجة وسيدة البلاد ، كل نسائها خادمات عندك ، كل رجالها يبيتون على راحتك .
- هيروميس .. هل تراني حقا ملكة ، آه لو حدث هذا سأحكم مصر بيد من حديد فالمصريون شعبا لايؤمن عواقبه يتظاهرون بالطيبة والنار تسري تحت جلودهم ، مخادعون يداهنون لينالوا اغراضهم ، الثورة يرضعونها في صغرهم، اتعرف هيروميس ، أخشى من الثورة علينا وأشعر ان القائد تلبوليموس يدبر شيئا لنا ، قد نبهت أخي أجاتوكليس لهذه الخيانة أخاف من ثورة المصريين لن يرحمونا .
- أجاتوكليا حبيبة الروح وتاج وجداني ، أنت امرأة تعرف كيف تحكم الدنيا ليت أجاتوكليس ينفذ وصاياك لينجو بنفسه .
يأخذها بين ذراعيه وهى محلقة بنشوة اللقاء وسعادتها بقوتها وحلمها بأن تصبح ملكة مصر وسيدة البلاد ..
- سنتزوج قريباً و نعيش مع أمي .
- كلا .. لا أريد العيش مع أمك أريد أن أسكن بمفردي فلا أريد أن يطلع أحد على خصوصياتي وأكون بكامل حريتي .
- ألا تعرفين الحالة التي وصلت إليها أمي بعد موت أحلام ..؟
- يقولون إنها جُنت ..! أخاف العيش مع امرأة مجنونة .
- إنهم كاذبون ، والله أمي عاقلة لكن ما حدث لأحلام وعدم ظهور جثة لها ، جعلها على يقين أنها حية .
- لايهمني أريد العيش بمفردي سأعود إلى البيت الآن أنظرُ ما الذي ستفعله ..؟ أنتظرك .
يحدث نفسه .......
أمي .. هل ستقفين حائلاً بيني وبين من أحب ، ماذا أفعل ..؟ هل أضحي بكِ لأهنأ أنا ، أم أضحي بقلبي لتعيشي أنتِ ، سكينتان كل منهما تجز قطعة من قلبي ياربِ أى جزء سأفقده ، الاختياران سيقتلانني ..!
- سيدي " أجاتوكليس " .. هل طلبت رؤيتي ..؟
- نعم " قائد الجنود " أريد أن ترسل رجالك في ربوع مصر كلها ينشرون بين الناس خبر خيانة " تيلبوليموس " لمصر والملك والشعب بأنه قد باعنا " لأنتيوكوس الثالث " ملك سوريا .
- لك الأمر سيدي ، سنفعل ما ترغب به الآن .
- أريدك الآن .
- خيراً حبيبة قلبي .
- ماذا فعلتَ بأمك ..؟ هل عرفت أين ستذهب لنتزوج ببيتكم ..؟
- أين تذهب ..؟! لامكان لها ولا أقارب لنا ، هل أقتلها ..؟
- إذا سأتزوج بالرجل الذي أتى يطلب يدي .
- من هذا الذي أتى يسرقك مني ..؟ هل توافقين بهذه السهولة ..؟ أين حبك لي ..؟
- أعتذر لك ، لكن مهما كان مقدار حبي لك ؛ لن أحبك أكثر من نفسي .!
- وقلبي و حبي ، أبهذه السهولة تلقيهم أرضاً ..؟ من هذا الزوج الذي ستبيعيني لتشتريه..؟
- إنه الحاج علي ، أعتذر لك فالحياة فرص ولن أدع تلك الفرصة ترحل دون أن استقل قاربها .
وصلتنا رسالة من القائد المغوار " تليبوليموس " يقول فيها :
- إن الضوء في طريقه إليكم لينقشع به الظلام ، افسحوا له المجال ، ابدأوا في ترتيب أوراقكم على مكاتب الأسكندرية ..
- ماذا سنفعل إذا ..؟
- الرسالة واضحة المعالم لا تحتاج لإيضاح .
- سنوحد صفوفنا هنا ، لنتأهب عندما يعطينا إشارة التحرك .
فليكن هذا ، ليبدأ كل منا من موقعه بأن يشحذ همم الشعب ، أن ننفخ كير الثورة تقوم الحرب على الفساد والمفسدين .
الحاج علي ..!! للمرة الثانية يعترض طريق عمري ، كان سبباً في موت أختي والآن سيكون سبباً في موت قلبي ، ماذا يريد منا هذا الرجل ..؟ ألا يجد غيرنا في الدنيا ليجتز السعادة من فوق وجوهنا .؟ لن أدعه يأخذكِ مني .
تتفشى بالإسكندرية إشاعة خيانة " تليبوليموس " لمصر وللملك تسير كالنار إلي أن تصل منف وصعيد مصر .
- سماح .. لاتخافي مازال أمامنا النقض ، سنحاول تخفيف الحكم من إعدام إلى السجن .
- لايعنيني النقض ، لكن قل لي متي تنتهي تلك الايام الهاجرة وأنا ارتدي هذا الثوب الحارق ، بالله عليك قل لي لماذا اختاروا لونه احمر ..؟ أليزيدوا اشتعالنا ام ليبشرونا بنار الآخرة ..؟ وهل سيشنقوني و....ابني ..؟ هل حكم عليه هو الآخر بالإعدام ..؟ ماذا فعل ليقتل مرتين ..؟ المرة الأولى نقتله لأنه ابن خطيئة والثانية بأى ذنب يعدم ..؟ حرام والله حرام .
- سماح لا تقلقي ، القانون ينص على أن الأم الحامل المحكوم عليها بالإعدام تعدم بعد ولادة طفلها وبعدما يتم شهرين من عمره .
- وقتل آخر جديد ، يجعلوني أرى ابني ، تبتلع ملامحه عيناي و يصبح شهيقي ، تدمن صوته اذني اذوب في تفاصيله الصغيرة ، يعتاد نهدي على قبلاته وحليبي الذي يستيقظ داخل أنهاري ليرويه ماهذا الذي تقوله .؟ أى قانون هذا..؟ قانون القضبان الصدئة الذي لا يعرف معنى المشاعر ، لو انهم يجعلون امراة تضع هذا القانون ، لكانت وضعته بأمومتها وأمومتي ، حرام ، هذا والله نحر لنا ولأطفالنا .
يخرج الرجل من أمامها مكبل لسانه ، لم تره وهو يخرج من ستار اسدلته على عينيها من دموع حجبت عنها رؤية كل شيء ..
يقف الشعب أمام إشاعة خيانة "تليبوليموس" ، لا يصدق مايقال عنه إنه أمل كل المصريين ، يتيقن الشعب أنها فتنة مدبرة من قبل الوصايا على الحكم خوفاً منه ، أيضا يشحذ الثوار همم الشعب هنا – هناك – هنالك ، لتتحد كل القوى على النيّل من المفسدين مهما كلفهما الأمر .
-أختنا " أجاتوكليا " لم يصدق الشعب خيانة " تليبوليموس " بل سمعت بأن هناك حرباً سرية مشتعلة علينا ، أخاف أن تقلب الدنيا رأساً على عقب ، ماذا سنفعل ..؟
- لا تخف " أجاتوكليس " المصريين غوغائيون يتحدثون أكثر مما يفعلون ، لا تقلق منهم كن هادئاً لنفكر بتريث ماذا سنفعل معهم ..؟
- " أجاتوكليا " .. لا أدري لدىّ شعور بأن النيران تقترب منا وستحرقنا ..!
- الخوف " أجاتوكليس " هو الآفة التي ستضرب المناعة بأجساد وجودناعلى رِسْلِك أخي .
الملك الصغير " أبيفانس " يتعلم ركوب الخيل يعلمه أحد الفلاسفة ، فنون الحياة والكتابة والقراءة ، تشرف عليه " أونانتا " أم أجاتوكليس ، وأخته " أجاتوكليا " ..
صابرين الصباغ
01-11-2007, 02:49 PM
تابع الفصل التاسع ..!
. ما هذا الشعور بافتقاد " أرتيمس " كلما غاب عن البيت ..؟ هل أحببته ..؟ لكن كيف أحب ..؟ لم يرسلني إلى هنا سوى الحب ..! ألم تكتف ياقلبي مما رأيت من عذاب ..؟ ألم تكن نجما حزيناً يسطع بسماء الخيانة ، كلا سأقف بالمرصاد أمام هذا الحب سأبني بينه وبين قلبي ألف جدار ، سأرشق فوق جدارنه ألف قطعة زجاج لتدمي أى قلب يحاول الوصول إلى نبضه ، سأسكب على نبعه ملحا أجاجا ؛ لن يروي رمال رجل ، سأعلمه ألف درس ، لا لهفه ، لا شوق ، سأزيد دروسه في العصيان ، أبدا لن أعشق مرة أخرى .
- أحلام .. أين أنتِ ..؟ لماذا تختفين ..؟ ألا تريدين رؤيتي ..؟
- كلا أرتيمس .. فقط أنهي بعض الأشياء التي أوكلتها أمي إلىّ.
- أحلام .. أشعر بتغيرك ..! هل كان لحديث "هيلينيا " سبب لهذه القطيعة ..؟ صدقيني لمْ ..
تقاطعة ....
- أرتيمس .. أرجوكِ لا دخل لي بهذا الموضوع .
وتهمس لنفسها...
من أدراني لعلها تحمل ابنك دون أن نعلم ، لكن لا أشعر بطهره وطيبته ، غبية أنا فقد كنت أشعر بطهر الآخر ، هل أظل ساذجة أمام هذا الحب الذي يعمي بصري ، آآآه لا أدري ما حدث لي أربك مفردات إدراكي ، لم أعد أثق في أحد .
نداء من الخارج ...
- أرتيمس .. تعال نريدك الآن فوراً .
- أحلام .. أرجوكِ لا تقتلي فرحتي بهذا الوليد الذي يلهو بمهد قلبي أرجوك ، سأذهب ولا أعرف هل سأعود أم لا ..؟ لكن لا تقتليني بصدك .
- أرتيمس .. أين ستذهب ..؟
- ستشتعل الإسكندرية لا تخرجي من البيت ونبهي على أمي ألا تخرج من البيت ..
- أرتيمس .. ماذا يجري ..؟
وهناك بعيدا عن كل الأعين التي رشقها اجاتوكليس بالإسكندرية ..
وصلت رسالة من " تيلبوليموس " يعطي الإشارة باندلاع الثورة وهو في طريقه إلى الإسكندرية الآن ستقوم الدنيا على رؤوس المفسدين ، عاقل الشعب المصري كان على يقين بأن هذه إشاعة ، اندلعت من القصر الملكي ، لحب الشعب إلى القائد " تليبوليموس " خصوصاً ؛ إنه المنافس الوحيد للوصي الشرعي " أجاتوكليس "
- أنظروا حان الآن الوقت علينا شحذ همم المصريين ، فقد جائتنا رسالة القائد تليبوليموس بالبدأ .
- أرتيمس .. ماذا سنفعل ..؟
- سنوزع لفافات المنشورات على الشعب بكل المناطق ، نرسل رجالنا هنا وهناك لنفخ كير الثورة ، التواجد وسط المجتمعات الكبيرة ودس رجالنا للحديث عن ظلم أجاتوكليس وفجورة وعائلته و أخر يتحدث عن ظلمه إلى المصريين دونما الاغريق واليهود وغيره للحديث عن فرض الضرائب وشظف العيش هيا يارجال ، فلا وقت لدينا يجب أن تشتعل الثورة قبل أن يشعر بلهيبها أجاتوكليس وحاشيته الفاسدة .
- أرتيمس .. سننفذ حالا .
لقد عاد إلى الإسكندرية جنود من حاميات المديريات الكبيرة ، حرضوا أصدقاءهم وأقاربهم على " أجاتوكليس " وبطانته بسبب ماأصاب مصر والمصريين من بؤس وتعاسة ، عقدوا العزم على عدم ترك البلاد تُهان على أيدي طغمة من الناس بلغت بهم الحقارة والدناءة هذا الحد المخزي المشين وإلى الجوع الذي يضرب أحياء الإسكندرية ..
لم يكتف " أجاتوكليس " بل ألقى فوق نيران الثورة بعض السوائل الحارقة ، ارتكب أبشع أنواع العنف والظلم ، اعتقل العديد من الجنود والعوام ، ليكونوا تحت يديه رهائن من أعدائه ، من بينهم كان أبو زوجة " تليبوليموس " ثم حرر قائمة بأسماء من يريد القبض عليهم مثل رئيس الشرطة " موراجين " أدانه بأنه على علاقة " بتليبموليموس " وأنه يتآمر معه عليه وكان تعذيب " " موراجين " هو الشرارة الأولى التي اندلعت من بين أناملها الثورة .
أمر" أجاتوكليس " بتعذيب " رئيس الشرطة " حتى ينتزع منه اعترافا يدل على جريمته ، لكنه انتهز فرصة الارتباك والفوضى التي كانت سائدة بالقصر ، ففر عارياً ولجأ إلى بعض الجنود المقدونيين كانوا يقيمون معسكرهم بالقرب من القصر الملكي
- أيها الجنود ادركوني ..
- من أنت ..؟
- موراجين رئيس الشرطة ..
- ماذا بك ..؟
- أجاتوكليس أمر بسجني وتعذيبي ، فررت منهم وهم يجبروني على ان أدلي باعتراف بخيانتي ، فررت منهم هكذا عاريا بعدما كنت خادمة وعبدة وقائد جيشه ، لم يرحم جنديتي في صفوفه ، ولا حياة الجندية التي سخرت نفسي إليها طوال عمري .
قال قائدهم ..
- لاتخشى شيئا سنجيرك ياله من وحش رعديد .أهكذا يُعامل جنوده وحماته ..؟ أحملوا السلاح لمعاقبة " أجاتوكليس " الفاسق اللعين ، فثار كل الجنود .
وتفشى الأمر في السكندريين فحذوا حذوهم ، لتندلع الثورة في كل الأنحاء ..
- وقع منشوراً بيد " أجاتوكليس " من السيد القائد العظيم " تليبوليموس " كان يوجهه لنا ولجنوده .
- ماذا فعل " أجاتوكليس " بعدما قرأ المنشور " أرتيمس " ..؟
- الرعب الذي شعر به جعله عاكفاً على شرب الخمر واللهو ، كأنه لايعي مايحدث خارج القصر .
- ألهذا الحد بلغ به الاستهانة بنا وبالثورة ..؟
- كلا هو شعور من يقبل على الانتحار لأنه على يقين بأنه سيموت .
أجاتوكليس ثمل يحدث نفسه ...
مالذي دهاني ..؟ الإسكندرية كانت بقبضة يدي كحجر لا أفلته ، أراها كالماء الذي ينساب من يدي ، بعد كل مافعلت إلى المصريين ينقلبوا ويثوروا علىّ ، يالكم من خبثاء لاتعرفون كيف تردون الجميل ، ألم ابني لكم معابد لآلهتكم ..؟ ألم أوفر لكم كل شيء ..؟ ماذا تريدون أيضا هل أترك لكم القصر لتعيشوا فيه أم أفتح لكم خزائني لتنهشوها بطمعكم ، هو تليبوليموس ، سبب الداء مالذي جعلني اصبر عليه ولا أقتله ..؟ أكنت أشحذ سيفه بيدي ليقطع عنقي ..؟ كم أنت غبي أجاتوكليس ، غبى أنا ها ها ها .
لكن يجب أن أفيق فعجلة القيادة مازالت بيدي ، لن أجعلهم يهزموني ويقتلوني ، أبدا سأتصدى لهم فالجنود الإغريق معي أبدا لن يهزموني .
هل سأترك الحاج علي يسرق مني حبيبتي ..؟ يجب أن أرى طريقة لأتخلص من أمي ، نعم لن أئد نبض قلبي سأقف أمامه بالمرصاد .
- أمي .. أليس لنا أقارب ..؟
- كلا يابني .. مات كل أقاربنا .
- حاولي أن تتذكري ألم يبق أي فرد منهم ..؟
- لماذا تسأل عنهم الآن ..؟ لم تذكرهم من قبل ..!
- مجرد سؤال .
- لم يعد لي سواكَ بعد ضياع أختك .
- أختي لم تضع ، أحلام ماتت قلت لك أحلام ماتت ، أسمعتي ..؟
- كلا لم تمتْ ، لم تمتْ .
- اصمتي وإلا ألقيتك بنفس الجُب لتلقي مصيرها كيف أتخلص منكِ ..؟ ماذا أفعل بك لأرتاح وأعيش مع من أحب ..؟
- هل طلبت منكَ أن تقصيني عن بيتي ..؟
- من هى ..؟ أعُدتِ إلى الهذيان مرة أخرى ..؟
- أنا لا أهذي .. هل كان شرطها لتتزوجا أن أترك لكما البيت ..؟ قل لي .
- قلت إليك كفِ عن الهذيان ليتكِ متِ مع ابنتك واسترحت منكما .
تجهز نفسها " أونانتا " تأخذ معها بعض الخدم والحرس لزيارة .
- أمنا " أونانتا " إلى أين ..؟
- مرحبا " أجاتوكليا " هل رأيت ما يحدث ؛ الإسكندرية تشتعل ، إن نظرت من النافذة ستجدي ألسنة نيران بشرية تحيط بالقصر من كل الجهات ..!
- نعم يا أماه .. الاضطرابات تملأ الشوارع لكن إلى أين أنت ذاهبة ..؟
- سأذهب إلى معبد الآلهة " ديمتر " إنهم يقيمون احتفال التضحية السنوية ، سأقدم لهم القرابين وأتعبد لعل الآلهة تساعد أخاك " أجاتوكليس " على تخطي تلك المحنة .
- أمي .. لا تخرجي في هذا الوقت ؛ عواصف الغضب تجتاح الإسكندرية .
- لا تخافي ، سآخذ معي بعض الحراس والخدم .
تذهب إلى المعبد ، تجثو متضرعة للآلهة واليأس يغمرها .
يألهي الأعظم .. أدرك عبدك " أجاتوكليس " الخوف عليه يمزق قلبي وأضلعي تكالبت قوى الشعب عليه سأمرغ وجهي بثراك وأسجد إليك ، أن ترحمنا.
- من هذه ..؟
- إنها " أونانتا " أم أجاتوكليس .
تتأملها نسوة البلاط وقد رقت قلوبهن لها لرؤية الحزن يغمر قلبها.
- إنها تبكي بشدة ..!
- نعم من الخوف على مصير ابنها ومصيرهم .
- سيدة " أونانتا " قلوبنا معك .
- لتكن الآلهة في عونك " أونانتا "
تنظر أونانتا إلى الحراس بغضب .
- من هن ..؟
- إنهن أقارب ..حاكم قبرص .
تلتفت إليهن في غضب وحنق قائلة :
- أيتها المارقات ، أعرف سر صلواتكن الخفية الخبيثة ، لكن أقسم بحياة الآلهة ستأكلن لحوم أبنائكن .
- ياحراس.. أضربوهن بالسياط .
ولت النسوة الأدبار رافعات أيديهن للآلهة .. صارخات جميعهن .
- عليك اللعنة " أونانتا " .
- لم يعد هناك وقت سنتخلص من العربيد الفاسق " أجاتوكليس " لكن لاأخفيكم سراً أن " أجاتوكليس " بدأ يفيق ويشعر بما يحدث حوله ، أشعر أنه يدبر أمراً ما ..!!
- أرتيمس .. عليك العودة إلى بيتك ؛ لتنال قسطاً من الراحة فغداً سيكون يوماً عظيماً ؛ ننتظر أن تشرق فيه شمس الحرية على الإسكندرية ومصر كلها .
- نعم .. أشعر بالإرهاق مما يحدث حولي داخل القصر من رصد لتحركات القادة و" أجاتوكليس " وفي الخارج التشاورمع الجنود ، تجهيز رجالنا وتنظيمهم وتوزيعهم على كل الأحياء لشحذ همم الناس .
سأنفض ما يحدث بالإسكندرية عن كاهل عقلي ، فقد افتقدت أحلام يا ترى ألا تشعر بي ..؟ لن أتركها اليوم حتى أعرف شعورها تجاهي ؛ غداً يوم عصيب قد لا أراها مرة أخرى ..!
- مرحبا " أرتيمس " .. هل أجهز لك طعامك ..؟
- كلا .. أحلام أريد أن نتحدث معاً هلا سمحت لي بدقائق من وقتك ..؟
- خيرا " أرتيمس " أسمعك .
- ألا تشعرين بما يكنه لك قلبي ..؟
تطأطىء رأسها خجلا .
- أرتيمس .. أخاف العشق فقد مررت بتجربة مريرة ولن أعيدها .
- جربي قلبي ، لن تندمي أنا أموت من أجل الوفاء إليك ألا تريدين قلباً صادقاً ..؟
- لم أقابل إلى الآن قلباً صادقاً..!
- أخشى أن تُقبلي قلبي حتى لا تحرق حرارة الصدق شفتيك ..!
- مَنْ قبلك محي كل أثر إلى العشق من دربي لم أعد أرى أين أضع قدمي..؟
- دثريني بحبك فبرودة صدك قاتلة ، لا أريد لشمسي إلا الوضوء من ماء يديكِ ، قلت لكِ من قبل ضعي قدميكِ على جبين وجداني وأعبري .
- لو أعطيتك قلبي لن تجد به مكاناً لطعنة جديدة لن تأخذ سوى أطلال قلب تهدمت جدرانه ودُكتْ أعمدته بمعول خيانة .
- أحلام .. هل أطعن قلبي بيدي ، أطلال قلبك المهدمة أرممها بأهدابِ نوارسي.
- أخشى عليكَ من ولوج عتباته فقد زرعت بها ألغام.
- كل لغم هو سنبلة أسقيها بدمعي .
- هل تخرج السنابل من قلب خفقاته تحترق ..؟
- تخرج حتى من اللهيب يا حبيبتي ..! أرجوك أحلام لا تطعني قلبي برفضك له أعطني أملا فقد أخرج ولا أعود أرجوك أحلام أشعر الآن أن عمري تقلبينه بين يديك قد تمنحيني حياة جديدة أو تقتلينني الآن .
- أرتيمس " لا أخفيك سراً هناك شعور جديد نحوك لكنه مبهم ، لم أستطع تحديد هويته بعد دع الأيام تبلغك به ، هل أجهز لك طعاماً الآن ..؟
- بسرعة فأنا جائع إلى حبك وطعامك .
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:04 PM
رحيل الحيتان ..!(10)
أنا الآن بالشهر الثامن ، باقي شهرا على رؤية ابني وثلاثة على فراقه ورحيلي عن الدنيا ، آه.. تتشاجر داخلي فرحتي وحزني تمزقان بعضهما ، بين شوقي لرؤيته ورحيلي على يد وجوده أتمزق ، كيف يمنحوني كوب ماء ويكسرونه وهو على فمي ولم أرتوي بعد ..؟ وتلك الأنهار التي ستفيض بصدري كيف يمنعوها عن أرضه بردمها وهو مازال في حاجة إلى مياهها ليحيا ، أأفتقده قبل امتلاكه ..؟ اشتاق لرؤيته وضمه إلى صدر حناني ليته يظل برحمي ولا يلفظه ، حتى لايلفظني رحم الدنيا ، أخشى لو رأيته كرهته فهو سيترجل إلى الحياة وبيديه حبل لكنه ليس حبل سُرى بل حبل المشنقة ، كيف سأداعبه وأنا أحصي بوجوده كل يوم عدد ثمار الأيام الفاسدة الباقية بسلة عمري ، أأحبك أم أكرهك ليتني أجد أجابة ..؟ أنطق وقلها أأحبك طفلي أم أكره رؤيتك ..؟ هل بيدك سكينتي أم سكيني..؟ تسعون يوما ستنتحر فيهما أمومتي ألف مرة ليتهم يقتلوني الآن ولايتركوني نهبة لهواجسي التي ستفقدني عقلي يارب انجدني ، يارب أرحني من عذابي هذا ، ياااااارب
- إحضروا الحاشية وكبار موظفي البلاد سنذهب توا إلى جوار الملك " أبيفانس " ونحضره معنا إلى قاعة (عمد ) التي تربط بين القصر الملكي والمسرح .
- " أجاتوكليس ".. ماذا سنفعل هناك ومعنا الملك ..؟
- أختنا " أجاتوكليا " .. سنفر من هناك جميعاً لهذا وضعت المتاريس خلف الأبواب الضخمة القائمة في محور البهو .
- سيدي " أجاتوكليس " .. الهرب الآن صعب جداً ؛ القصر كالقارب تتلاطم حوله الأمواج الهادرة من الثائرين ..!
- نعم سيدي.. جمهور من الناس يحتشدون حتى درج السلم ، بل ورُشقوا فوق أسطح المنازل القريبة الجميع يصرخ يريدون رؤية الملك الصغير .
- كلا ، لا تخرجوا الملك إليهم فهو سيكون رهينة معنا ليمكنا من الهرب .
قارب الفجر على البزوغ ولم يظهر الملك فثار المتظاهرون أكثر ..!
- لم يظهر الملك إلى الآن ، هيا بنا نجتاح قاعة المجلس الكبرى ، نحن الجنود المقدونين نريد مليكنا الصغير .
- أيها الجنود .. الملك بقاعة ( عمد ) مع " أجاتوكليس " وحاشيته .
هشموا أبواب الدهليز الأول وساروا في الطرقات حتى وصلوا إلى البوابة الثانية وأخذوا يصرخون بأصوات جهورية " نريد رؤية الملك أبيفانس" ..!
- أخي " أجاتوكليس " إفعل شيئاً الملك الصغير يرتعد خوفاً ، حاول أن تفعل شيئاً لتهدئ به ثورة الجنود ..!
- أيها الجنود .. أنتم رجالنا الأوفياء ، رجاء أن تذهبوا إلى الجنود المقدونيين الثائرين أخبروهم على لساني " إنني مستعد إلى التنازل عن وصايتي للملك الصغير عن كل سلطتي ، ألقابي ، امتيازاتي ، وما ملكت يدي ؛ مقابل منحي الحياة وما أقيم به أودي ، عندها سأعود مواطناً عادياً ، وسط زمرة الشعب ، لن يكون بمقدوري ـ حتى لو أردت ـ أن ألحق الأذى بأى شخص .
- إلى أين يا أمي ..؟
- " أحلاميس ".. سأخرج لأشتري بعض الأشياء التي نحتاجها .
- طلب مني " أرتيمس " ألا تخرجي - الإسكندرية اليوم مشتعلة - رجاء لا تخرجي من البيت .
- هل تخافين علىّ أحلام ..؟
- أوتسألين ..؟ ألم تأويني ببيتك ..؟ بعدما ضللت عصري ، هويتي ، بيتي و عوضني الله بحضنك بعدما فقدت حضن أمي ..!
تأخذني " أم أرتيمس " بين ذراعيها لأشعر بطمأنينة كنت قد تركتها هناك فوق سور شرفتي عادت الآن لتسكن دفء حضنها ، بللتُ صدرها بدموع شوقي لصدر أمي ، وقلقي على حالها بعدما تركتها وهى لا تعلم عني شيئاً .
- سيدي " أجاتوكليس " هل توافق أن أذهب إلى التسوية بينك وبين الجنود الثائرين ..؟
- هل تسألني " يا بن عمي " طبعا إذهب فوراً .
يذهب لكنه لم ينج من أيدي الشعب الثائر إلا بأعجوبة فقد فر من أمامهم كالفأر مذعوراً بعدما أمره الثوار بألا يعود ثانية إلا والملك معه .
- هيا بنا أيها الجنود لنهاجم " أجاتوكليس " لنحطم الأبواب .
وصلوا إلى القضبان التي تفصلهم عن " أجاتوكليس " وحاشيته يراهم يتضرع لهم بكلتا يديه باكياً .
- أيها الجنود الأوفياء .. أنسيتم " أجاتوكليس " قائدكم الوفي ألم أمنحكم الكثير ..؟ وفرت لكم عيشة راضية ، أسألكم الرأفة سأفعل كل ما تريدون ، أتنازل عن الوصاية عن الملك الصغير أرد إليكم ثروتي كلها فقط أتركوني أعيش أتذلل إليكم وأتضرع وأسجد أمامكم لتمنحوني الحياة .
أما " أجاتوكليا " كانت تتوسل لهم باكية ، حاولت بكل الطرق أن تستدر عطفهم .
- أيها الجنود هاهما ثدياى اللذان أرضعت بهما الملك الصغير أبيفانس ، بحق حليبي الطاهر تعفوا عنا ، بحق الأيام التي بت فيها أهدد مليكنا أن تعفوا عني وترحموني .
لم تستدر عطفهم بحدثيها إليهم ولابتعرية ثدييها أمامهم .
- أخي " أجاتوكليس " .. لم تنفع توسلاتنا ولا انتحابنا إلى الجنود ، لم يغير من موقفهم شيئا ، أعطهم الملك نفتدي أنفسنا به .
بعد كل هذا العمر يريد التلخص مني بإلقائي بالشارع ليتزوج ..! أى نار تلك التي يوقدها ابني بحطب نكرانه فتشتعل بصدري ، تخيلته مؤنتي ، عدتي ، عتادي ..!
يستسلم أمامها ، يتنازل عن مُدني بقلبه غرستك بالقلب وردة كيف تتحول إلى أشواك تطعنني في سويدائه ..؟! ليتني زرعتها صباراً ، ياحسرتي قد سَكنتْ عصافير أمومتي على أقرب غصن بعمره ، كنت صيداً سهلاً لرصاصها ، بعدما ضربني الشيب ؛ ملتْ كهولتي نبت عمري ، نزعتُ غلاف وجهي الجميل لأغطيه به من برد يُتمه الطويل .
رباه الحزن فاغر فاه يبتلع الباقي من عمري ؛ عقوق ابني أيكون جُباً جديداً يلتهمني كما التهم حبيبتي ..؟ أين أنتِ أحلام تركتني أهان بيد أخيك..؟ أشعر بالُيتم في غيابك يا بنت عمري .
أواه سأموت هنا ، ابني رجاء امنحني بعض الوقت ، قبل أن تقتلني بيديكَ فقط بعض الوقت لن أجعلك تقضي باقي عمرك ؛ تنظر إلى يديك وهى تلعق دماء نكرانك .
- أحلام ..! ماذا بكِ حبيبتي ..؟ لمَ كل هذا الحزن ..؟
- أمي .. أشعر أن الوجع يستصلح المزيد من أراضي وجداني ، أصابع القلق تغرز في قلبي ، الشوق كالأسلاك الشائكة تسيج أزهار فرحي .
- أخشى على أمي تلفحني حرارة دموعها تتساقط ملتهبة على وجنتي ..!
- لاأدري ماذا أقول ..؟ بقدر ما أتمنى أن تعودي إلى صدرها لتطمئن عليك ، بقدر ما ...
تحدث نفسها....
بقدر ما أريد أن أمد جذور وجودك في أرض قلبي ، لو تعلمين كم اعتدت وجودك ، كنت لي الابنة التي طالما اشتقت لها ، أوترحلين ..؟ لتغرسين سكين شوقي إليك في سويداء قلبي ، أحلاميس لا ترحلي عن مدن عمري ، كم مددت رياض حلم بابنه أتت على عروشها فأزهرت وربت بك ، لم أجد من تسكنها إلا أنتِ ، أرجوكِ لا ترحلي .
- أمي ، لماذا تبكين ..؟
- كلا لا شيء ، أدعو الآلهة إليكِ ، لتتحملي هذا الوجع .
يستولي الجنود المقدونيون على الملك يضعونه على صهوة جواد ، قادوه إلى ( الملعب العام ) عندما شاهده الشعب انطلقت صيحاتهم إلى عنان السماء قوبل بالتصفيق من كل مكان بعدها أنزله الجنود من على صهوة الجواد ، أجلسوه على العرش .
مشاعر الثوار مترددة بين الفرحة والحزن ؛ الفرحة بعودة مليكهم من يد أوصياء الفساد والحزن لأنه لم يتم القبض على أولئك المجرمين الذين ارتكبوا هذه الفظائع والآثام ، تعالت صيحاتهم بالقبض عليهم ؛ أن يتم عرضهم على مرأى من الشعب – فلا هدف إلى الجميع - سوى الحصول عليهم ليصبوا عليهم جام غضبهم وسخطهم .
في هذه اللحظات القاتلة ظهر القائد الصغير ابن الوزير .
اتخذ قراراً في صالح الجميع لم ير لتهدئة غليان الشعب والجنود والثوار وأيضا لارتباك الملك الصغير بما يحدث حوله ، " الملك الصغير " لم يشهد كل هذا الصخب الجمهور وهياجه وثورة الجنود والحاشية وردة فعل " أجاتوكليس " وأقاربه .
- سيدي " بطليموس الخامس العظيم " هل تقبل بتسليم أولئك الذين نغصوا حياتك وقتلوا والدتك مولاتي " أرسنوى الثالثة " ..؟
- نعم أيها القائد أفعل ما يريده الشعب .
- وافق مولاى " الملك الصغير " على تسليمكم الفاسدين .
تتعالى صيحات الشعب وهتافاتهم - الجنود - الثوار بالعمر إلى الملك الصغير " أبيفانس " يأخذه " القائد الصغير إلى منزله حتى يعيد الطمأنينة إلى قلبه .
- أحلاميس .. هيا بنا إلى الملعب العام لنرى ما يحدث هناك .
- أمي .. أخاف غضب أرتيمس .
- الإسكندرية كلها هجرت بيوتها ، لنشاهد ما يجري بالخارج تعالي لن يغضب صدقيني .
- القائد " هيروميس " .. أنقذني ألست حبيبتك ..؟ أنسيت عشقنا ..؟
- " أجاتوكليا " .. عن أى عشق تتحدثين ..؟ وآثار الرجال تتناثر كقطرات المطر الأسود على زجاج جسدك .
- الرجال لا تمتلك سحابتك مطرك مختلف ، زجاج جسدي اعتاد أن يرتوي بزخاتك أنت مازال في جسدي مكان إليك على الرغم من قطراتهم وجراحات الحروب .
- كلما نظرت إلى جسدك رأيت بصماتهم ممزوجة بطعم الفجور والخلاعة .
- حاول ملامستها بشفتيك الطاهرتين وأنت تعرف مدى شغفي إلى طهرك .
- كم أنا حزين على تلك الساعات التي حلمت فيها بأنك سيدة قلبي ، حاكمة وجداني .
- دعك من الأحلام الآن ، أنجدني سيقتلونني أرجوك " هيروميس " .
- أنت مسخ لعاشقة ليفعلوا بك مايريدون ، بل أنا من سيفتح القفص لوحوش الصحراء لتنهش لحمك بعدما غررت بي وبسيفي هذا سأقطع عنق فجورك .
- لن تنال مني " أيها الداعر المغرور سنعود كما كنا ، عندها سأقتص منكَ ، سأجعلك أضحوكة العالم ، أى عشق ..؟ كنت ألعب بكم كالعرائس جميعكم كنتم تتذللون إلى لقائي تتحاربون لتقبيل ثراى ، تلقون قبعاتكم تحت قدمي تتمنون ابتسامتي كالأوسمة الحمقاء التي تزين ستراتكم .
- لن تنجي من الشعب سيأكلونك أيتها الفاجرة العاهرة .
كان الجنود يبحثون عنهما ليهدأ الشعب الثائر ..
- من هذا المخمور ..؟
- إنه " فيلون "أحد أتباع " أجاتوكليس" .
- أيها الشعب .. لو انسحب " أجاتوكليس " من الوصاية ستندمون أشد الندم كما حدث هذا من قبل .
- أقتلوا هذا العربيد السكير .
- انقضوا عليه .
- مزقوه إربا .
جرى عليه بعض الثائرين حاول أن يقاومهم مزقوا ملابسه وطعنوه بالحراب ، لم يكد يره الشعب مضرجاً بدمائه ، وسط عاصفة من السخط حتى استولت عليهم شهوة سفك الدماء باتوا ينتظرون تلك الفرصة ليصبوا جام غضبهم على الضحايا الذين كانوا ينتظرون وصولهم بفارغ الصبر .
يصل " أوجاتوكليس " مصفداً بالسلاسل والأغلال ، ما إن رآه الشعب حتى أنقض عليه بعض الثوار يطعنوه بحرابهم في الحال .
- كان يجب ألا تقتلوه بهذه السهولة ، يجب أن يعذب أمثاله بالتنكيل والتمثيل بجثثهم .
ثم جيء من بعده بالقائد " نيكون " من أقارب " أجاتوكليس " ، بعده " أجاتوكليا " سيقت عارية الجسم ومعها أخواتها وكل أفراد أسرتها وقضى عليهم جميعا .
بعدهم جاء دور " أونانتا " أم " أجاتوكليس " على صهوة جواد عارية لتلاقي نفس المصير .
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:06 PM
تابع الفصل العاشر ..
كان فريقاً من الثوار من شدة الحقد عليهم ينهشونهم بأنيابهم ويطعنوهم برؤوس الأسنة آخرون يقتلعون أعينهم من محاجرها ، قطعوهم إرْباً ، إرْباً.
- أمي .. هيا بنا سأتقيأ من هذه المشاهد المتوحشة ما كل هذه الوحشية ..؟
- ماذا تفعلون هنا ..؟ ألم أخبرك أحلام بعدم الخروج من البيت ..؟
- "أرتيمس " .. خذني من هنا سريعاً ،هل أهل الإسكندرية بهذه الوحشية ، ما هذا ..؟
- أحلام .. هم من فعل هذا ، لقد أثاروا حفيظة الشعب وغضبهم فنكل بهم ، هذا جزاء الخائن والمستبد والفاجر كم أذاقونا العذاب والشقاء ، هم قتلة الملكة " أرسنوى الثالثة " هم من اغتالوا وذبحوا ونكلوا بالكثير من المصريين كل مافعلوه بهم أقل مما فعلوه بمصر والمصريين هيا بنا نعود .
- غدا ستشرق شمس الحرية على الإسكندرية ، سيحضر القائد " تليبوليموس " يتسلم الوصاية على الملك ويحكم مصر فهو قائد شجاع ، تنتظره مصر والمصريين منذ زمن .
يدخل متسللاً يأمر أعضائه ألا تصدر صوتاً ، يفتح الباب بأداة معدنية يدخل يتلفت يميناً ويساراً خوفاً من استيقاظه يفسح طريقه بضوء من مصباح صغير بيده ، استطاع أن يسيطر على كل حواسه ماعدا بعض قطرات من العرق تتقافز فوق جبهته خائفة يبعدها بيديه قبل أن تخترق عشب حواجبه فتتساقط مملحة على نوافذ رؤيته .
يحمل بيديه سلاح أبيض كله حرص بألا يتغير لونه ، بالكاد تلمس قدميه الأرض حتى لا تصدر صوتا وهى تُقبلها يفتح باب حجرة يشعر بنبض قلبه يخرج من قدميه بعدما سقط قلبه فيها ، يبحث في الحجرة يجد دولاباً قديماً يفتح أدراجه وهو يستجديه ألا يصرخ فيقلق النائم .
بعد البحث المضني يخرج يتوجه إلى غرفة أخرى ، قاعة الجلوس يخرج منها يستند إلى الجدران يستمد منها صلابتها يجذبه صوت شخير فيمسكه الصوت من ياقته إلى تلك الغرفة ، يتجه صوبها .
يجده نائماً ضوضاء شخيره تقتل أى ضوضاء أخرى يتجه صوب الدولاب يفتحه يصدر أزيزا رجه بعنف كأنه زلزال ، الخوف الآن سيد الموقف وجد صندوقاً صغيراً استحوذ عليه ، يلتفت ليخرج يرتطم الصندوق في الدولاب .
- من أنت ..؟ لص ، لـــص .
- اخرس .
يمد يديه على فمه ليدفن باقي الصوت حىّ داخله ، الرجل يحاول التخلص من سيطرته فيدفع يديه بكل قوته لكن يد الآخر ماتت والتصقت بفمه .
يحاول رفع يديه قليلاً بلا إرادة لكنه فقدَ سيطرته كان كل عضو من أعضائه ، يتصرف بحريه بدون العودة إليه ، يضغط على فتحتي التهويه فوق شفتيه ؛ يمنع عنه الهواءالرجل بين يديه يتحرك كسمكة تصارع الموت محاولاً التخلص من قبضته كلما اشتد صراعه زاد الآخر من قوته ترتعد قدميه تنتفضان ، ينظر إليه بعينيه اللتان ترسلان نظرات استجداء ، تتوقف حركات جسده رويداً رويداً معلنة عن خروج الحياة منه ليهمد تماماً فيثقل وزنه و يقع بعدما تتركه يد الآخر يلقي الجثمان على فراشه ، ينظر إليه .
- لم أقصد قتلك ، فقط كنت أود الحصول على أموالك لأشتري بثمنها سعادتي ، صدقني لم أقصد قتلك .
يجمع ما يستطيع جمعه يطلق العنان إلى قدميه بعدما تأكد بأن الشارع خال تماماً ، إلا من أشباح خوفه المتربصة به يعدو سريعاً حتى لا يراه أحد .
- " أرتيمس " .. يقولون إن القائد " تليبوليموس " في طريقه إلى الإسكندرية .
- نعم .. كم اشتقنا لهذا اليوم يجب أن نحتفل جميعا بوصوله ، علينا تزيين العروس لتكون في حضرة استقباله .
- سنجمع قادة الجند وبعض كبار الأغنياء وكبار موظفي الدولة لنجهز مراسم استقبال قائدنا المظفر " تليبوليموس " .
- " أرتيمس ".. القائد تليبوليموس " سيكون الوصي الجديد على مولانا الملك " بطليموس الخامس " .
- نعم .. لن نجد خيراً منه ليكون الوصي على الملك " أبيفانس " بعدما كان هو اليد المدبرة عن بعد للتخلص من " أجاتوكليس " الفاسد وحاشيته .
- فهو أمل الإسكندرية ومصر وكل المصريين ، لنبدأ معه عصراً جديداً من المساواة بين أفراد الشعب بكل طوائفه وأن يرفع الظلم عن المظلومين وأيضا يحارب أعداء مصر في الداخل والخارج .
- نعم .. نتمنى الخلاص مما رآه الشعب على يد شرذمة من الفاسدين الظالمين ، سيكون عصر وصاية " تليبوليموس " هو عصر الحرية ..!
يسير " أرتيمس " في طريقه إلى الكبير يقف أمامه يحييه ، بات الآن يعرف قيمته ، عظمته التي أرشدته إليها أحلام ، أيضاً لحب حبيبته له .
- أتعرف أيها الكبير ..؟ أتمنى أجمع مساحتك بيد عيني لتحتضنك عينّى بكم حبي إليك ، أشعر أن صدري يشبهك نفس المساحة ، ونفس الهدوء ، الغضب ، أمواج حبها تتراقص ببحر قلبي تغني بهدير عشقي آه من كم حبي لها ، تخيل لو كنت تحب قارباً صغيراً أيها الكبير ، فكم من حب ستعطيه له ..؟ هل سيتحمل هذا القارب كم هواك ..؟ نعم عشقتها حد الوله ، أحيانا أفكر بأن الموجة التي ألقت قاربها على شواطئي ستعود لتأخذه مني فتنتحر السعادة داخلي ، لأموت ألف مرة ..
أرأيت ماحدث لعشيقتك وعروسك ..؟ نفضت عنها الطغاة ، غدا ستتزين إليك وإلينا ، تشرق على وجهها شمس حرية جديدة هل تراها تبتسم ..؟ أشعر بضحكتها تضرب ساحلك ، هنيئا أيها الكبير حبيبتك السعيدة سوف تغدق عليك من فرط سعادتها كل الحب والعشق ..
- هيا سنشد الرحال إلى الإسكندرية أجمع بعض الجنود وأترك الآخرين لحماية التخوم ، حتى نرى القائد الذي يصلح لهذا المكان فنصدر له " دياجراماتا " يستلم بها قيادة الجيش .
- سيدي القائد " تليبوليموس " .. الإسكندرية تتأهب لتنام في حضن سيدها الجديد ، تتزين له بليلة عرسها هيا لتنعم بكنوز عروسك ، بجمالها ، بحرها ، شمسها ، خيرها ..!
- نعم " إميلياد ".. غدا ستتغير الدنيا ، سأكون الحاكم على مصر وربوعها ، لكن هناك مايقلقني ..!
- خيرا سيدي ، ماذا يقلقك ..؟
صابرين الصباغ
01-11-2007, 03:11 PM
قلاع غدر ..!(11)
- أمي .. هل سأل عني أحد ..؟
- كلا ..
- هل تنتظر أحداً ..؟
- هه .. كلا لا تشغلي بالك .
صراخ وعويل يملأ حيّهم ، سيارة إسعاف ، نجدة ..!
- ماذا يحدث بالخارج يا أمي ..؟
- وجدوا الحاج علي مقتولاً ، لاحول ولاقوة إلا بالله من الذي فعل به هذا ..؟ إنه رجل طيب لا يبخل على الفقراء .
- رجل طيب ..! أنت لا تعرفينه كما أعرفه أنا ..!
- ألا تحزن عليه ..؟ ألم يكن صديقك ويجزل إليك العطايا ..؟
- لم يكن يوماً صديقي ، أغلقِي هذا الموضوع فوراً .
ماذا به ، لماذا يتحدث هكذا ..؟ أشعر أنه لم يحزن على الرجل ، لا ياقلبي لا تقل هذا ..؟ هو.. كلا ، لا يفعلها بعصفورة صغيرة ..! إنه طفلي لا يمكنه فعل شيء كهذا ، لا ، لم يفعلها ..!
تدخل عليه وهو نائم تنظر إليه بتوجس وخوف تقترب منه تنظر إلى خطوط يديه .
- هي نفس الخطوط ..! لم تُكتب عليها حروف دموية ، جفنيه مغلقان ، لكن حدقته تتحرك تحتهما بارتباك كأنهما تشاهدان ما يرعبهما ليتني أرى مايراه ، سأشمه لعل رائحة ذنبه غيرت طعم رائحته أو الخوف يفرز رائحة كريهة ..!
كلا ، لا أصدق أن يفعلها ، كيف يقتل وينام مرتاح البال هكذا ..؟!
يالله أنت رحيم بي لن يكون هو ؛ أيرحل هو الآخر ويتركني ..؟ أرجوك يارب أن ترحمني .
- " إيملياد ".. يقلقني رجالنا هناك ..!
- سيدي " تليبوليموس " هم رجالك مخلصون لك فعلوا كل ما أمرتهم به للقضاء على " أجاتوكليس " وحاشيته .
- نعم " إيملياد " ..كانوا مخلصين جداً لكن ليس لي ..!
- أهو لغز سيدي ..!
- كانوا مخلصين إلى بلادهم ، ليس لشخصي كانوا يطيعونني ليتخلصوا من فاسق فاسد ، ليس حبا لي .
- لا سيدي .. أعتقد أن فكرك خانك اليوم .
- " إيميلياد " ..هل نسيت نفسك ..؟ نسيت مع من تتحدث ..؟
- عفوا سيدي .. أعتذر إليك أيها القائد العظيم أرجوك لاتغضب على خادمك الغبي .
عليك بكل من عاوننا فرداً فرداً ، قبل أن أتسلم مقاليد الحكم .
- سمعاً وطاعة .. هاهو كشف بأسمائهم جميعاً سأنتظر أن تبلغني بإنجاز المهمة .
- " أرتيمس ".. أمازلت على عنادكَ ..؟
- مرحبا " هيلينيا " أىُ عناد ..؟ عن أى شيء تتحدثين ..؟
- ألا تشعر بمشاعري نحوك ..؟ وحق الآلهة أحبك .
- " هيلينيا " أنتِ أخت صغرى لي .
- هل أنت عاشق ..؟
- نعم .
- تلك البكماء ..؟ يوم رأيتها ؛ قلت إنها نذير شؤم علينا جميعاً ..!
- " هيلينا " .. حتى نحافظ على بعض الاحترام بيننا لا تتحدثي هكذا عنها ، ستُصبح زوجتي ، أسمعتِ زوجتي .
تهمس هيلينا .......
لن أدعها تهنأ بك سأقتلك إن فرقت بيني وبينك كنت ستتزوجني ، لو لم تكن سقطت علينا من بلادها البعيدة .
- وصلتنا رسالة .. يريد تصفية كل من كان اسمه مدون بهذا الكشف ، بناء على طلب القائد الأعظم " تليبوليموس " ..!
- أرني الأسماء .
- لا .. هذا غير معقول ، كلا لن نفعل هذا لن نقتله هو الرجل الذي يُضحي بعمره لبلاده وسيده " تليبوليموس " أيطلب منا اغتياله كلا لن أفعلها ..؟!
- إنها أوامر ، علينا تنفيذها بدون أن ننبس ببنت شفه .
- كان ينفذ الأوامر ، بدون أدني اعتراض وهاهو الآن يطلب منا اغتياله ، قلت لك لن أفعلها سيأتي دورنا بعده صدقني ..!
- هناك ملحوظة هامة في الرسالة ، " القائد تليبوليموس يحييكم ويتمنى عند عودته ألا يجد تلك النوارس تحلق في استقباله " هل فهمت الرسالة ..؟
- نعم .. لكن رجاء لا تطلب مني فعل هذا ، إنه صديقي أرجوك .
- ليكن .. سأبحث عن شخص آخر يفعلها ، لا تقلق لن تكون أنت من يطعن صديقه بيديه .
- هل تذكر أيام عملنا مع " تليبوليموس " هذا الفاسق الفاجر لا أدري كيف اختاره الشعب ليكون وصياً على الملك ..؟ أتذكر عندما كان يوزع خير الجيش على أصدقائه وحاشيته ليدينوا له بالولاء .!
- نعم .. لك الله يامصر تخرجين من هوة ، فتقعين في بئر أعمق .
- نعم للأسف .. لا يعلم الشعب ماذا ينتظره على يد هذا العربيد الفاجر ..!
طرقات تكاد تدك فكَ الباب وتقتلع أسنان ثباته .
- من .. من بالخارج ..؟
- الشرطة .. افتحي الباب .
- خيراً سيدي
- أين ابنك ..؟
- إنه نائم بالداخل .
- أحضروه .
يجذبونه من ملابسه يسير معهم بلا أدنى اعتراض يرسل لأمه نظرات ، يستجديها بأن تصفح عنه ، يُطأطىء رأسه كأنه يحاول بنظراته جمع إنسانيته التي سقطت منه يوم أقدم على القتل ..!
يخرج قلبها وعمرها ووعيها معه تسقط على الأرض بعدما ذهب ابنها بكل حواسها .
أفتقد أحلام .. لي أيام لم أجلس معها ، تطرب أذني وروحي بعزف صوتها .
لن أدعها تفر من حوراها معي سأجعلها تحدد اليوم موعد زفافنا ، يالله زفافنا ، كم هى جميلة تلك الليلة القمر يتأبط الشمس في موكب مهيب بسماء حىّ " راقودة " حولنا الكواكب والنجوم تنزفنا ، تتراقص على نغمات عشقنا .
- " أرتيمس " .
- من هناك ..؟ الظلام دامس من أنتَ ..؟
- أنا .
يدفن الحربة في صدره ويفر هارباً أرتيمس يتألم ينزف يزحف ليقترب من بيتهم .
- أحلام .. أحــــلام تعالِ أرجوكِ .
- "أرتيمس " .. ماذا بك ..؟ آه أنت تنزف ..!
- أحلام أين أمي ..؟ أريد رؤيتها قبل .
- " من فعل بكَ هذا ..؟ إنها نائمة هل أوقظها ..؟
- كلا .. دعيها ترتاح ، أحلام لا تجعليني أسقط إلاعلى كفيك اقتربي مني ، دعي دمائي تغتسل بدموعك .
- " أرتيمس " .. هل ستتركني ..؟ من لي بعدك ..؟ حييتُ بعد الموت على يديك إليك ضماد عمري ؛ ضمد به جراحك .
- ضميني أكثر فأكثر برد الرحيل يسري بزوايا كياني .
- أدثرك بضوء عيني أرجوك تماسك هل هذا نزف أم حمم تخرج من بركان جرحك فتذيب كل مشاعري وإحاسيسي ..؟!
- آه كم هو شاحب هذا الأفق حين يغادره ضوء عينيك ..! يريدون أن يجردونني من أخر قطرة تتدفق في قلبك .
- يإإلهي سأموت بنزفهِ كيف لي العيش بدونهِ ..؟ أرتيمس لم أخبركَ من قبل سأخبرك الآن .. أحبك .
- ياه ، انتظرت طويلا هذا الاعتراف ليت رماح الأعداء زارتني من قبل كي أسمعها منكِ..!
- الآن حان لقائي بعدما لامست شفتاك هذا الجرح .
- لا تتحدث عن الرحيل فقد قتلني الرحيل .
- ضميني إليك ؛ حتى تترفق آلهة الموت بي .
- ضممتك ألف مرة ، ليتني أواريك عن الموت بساتر أبنيه من خفقاتي .
- الآن ياآلهة الموت تستطيعين رفع هذا الجسد ؛ الروح سأتركها بين هاتين اليدين السماويتين.
- " أرتيمس " لا تقتلني بحراب حروفك كم يذبحني حديثك عن الرحيل ؛ لمن تتركني وقد تركت دنياي ولم أجد غيرك دنيا ..؟
- أود الآن أن أسكن مُهجة الشمس كيما أزورك كل صباح .
- بل أنت تسكن كل نبضة تعتلج بشراييني .
- أرتيمس .. أرتـــــيمس .
ترتمي فوق صدره ضالة تائهة كما كانت فقد تهدم البيت الذي كان يؤويها .
تتوضأ بدمائه ، تنظر إلى الدنياأظلمت كعادتها بعينيها ..!
تُقبل " أرتيمس " على جبينه ، تعدو بعيداً إلى الكبير لينقذها بقلبه مما رأته وستراه .
- أنجدني حبيبي.. هل رأيت ماذا يحدث لي ..؟ كلما اطمأننت إلى الدنيا ونمتُ على قدميها كطفلة وديعة تحلم نفضتني من فوقها بكابوس مفزع لماذا يحدث لي هذا ..؟ ماذا فعلت ..؟ لم أغضب أحدا يوماً كنت مطيعة لوالديّ هلا أخبرتني ، أرسل لي بعض قطرات منك تطفئ عمري المحترق . هل تدفنني بأعماقك ياأبو عمري ..؟ لا ملجأ لي وقد لفظتني الدنيا قديما وجديدا ماذا أفعل قل لي ..؟ أغثني .
- " أرتيمس " مقتول أدركوني ، ابني قُتل من فعل هذا بابني ..؟
- لم نر أحد هنا ..!
- " أرتيمس " .. يحبه الجميع لن يقدم أحد على قتله ..!
- أين أحلاميس يا خالتي . .؟
- ها .... نعم " هلينيا " أحلاميس مختفية..! لم تكن في البيت عندما اكتشفت موت ابني وحبيب عمري .
- هى من قتلته ..! كانت تعلم أنه يهواني قتلته بحراب غيرتها مني ، قلت له إنها نذير شؤم علينا .
- هيا نبحث عنها نقتلها كما قتلت أخينا وصديقنا " أرتيمس " .
- ألا يعلم أحد أين يمكن أن تكون ..؟
تهمس أم أرتيمس لنفسها ....
أحلاميس .. لا تفعل هذا ، لكن لمَ لا تفعلها ..؟ يا خسارتي كنت قد اتخذتكِ ابنة ، ماذا فعل إليكِ " أرتيمس " لتقتلينه ..؟ ألم نؤكِ في بيتنا ..؟ هل نسيتي حضني الذي جمع محصول حزنك وأحرقه ، لماذا دفنتي فيه خنجرك المسموم ..؟ كان يُحبك كان يتمنى أن يكون خادماً لكِ أنتِ جنيّة غريبة عنا .
- ستجدونها عند البحر ، هى تُحب الجلوس إليه اذهبوا احضروها ؛ قطعوها إرباً ..! لعل موتها يريح قلبي الثائر .
يهرع الجميع صوب الكبير بحثاً عن صيدهم الثمين ، يشحذون هممهم للقضاء عليها ، منهم من يمسك حربة ومنهم من يستل سيفاً ومنهم من يحمل عصا .
تراهم أحلام مندفعين صوبها ترتعد خوفاً فتفر أعضائها وهى ثابته بمكانها..!
- أحلاميس .. أيتها القاتلة سنقتلك كما قتلت " أرتيمس " .
- سنمزق أوصالك .
- سننهش لحمك .
تنظر إلى الكبير ، تسأله سؤال أخرص لا لسان له ، تستجديه أن يفعل شيئا .
يثور الكبير ثورة عارمة ينفث فيهم غضبه ، يستعد لهذا العمل الوحشي ، يضرب الإسكندرية بموجة عاتية ، تأخذ معها أحلام لتغوص في عمق قلبه ، يحملها كطفلة صغيرة يهدهدها على صدره لاتعلم كم من الوقت مر ، وهى تستلقي على صدره لاترى سوى السماء تغطيها بثوب أزرق ناعم ، ثم يقذفها بعدما فقدت وعيها على ساحله ........!
تفيق لتجد هوائها ملامح دنيتها استيقظت من جديد تتنفس كغريب عاد إلى دياره ، تنظر لهذا الواقف في شموخ يمد يديه إلى البحر يشير بإصبعه .
تقول مثلما قال ..
إلى متي يا بحر ننتظر عيدنا نحن ........؟؟؟؟
صابرين الصباغ
د. عمر جلال الدين هزاع
01-11-2007, 04:02 PM
شرف لي أن أكون هنا على ضفاف حرفك
وأمتع النفس بمعجم ثري من بيانك
و أسليها بفرائد لغتك
سأتشربها زمنًا
وأعود
ولحينها لك الود وجزيل التقدير
بوركت أديبتنا الرائعة : صابرين
وبك الاعتزاز
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub