د. سلطان الحريري
01-11-2007, 07:25 PM
[البعد التراثي في شعر محمد إبراهيم الحريري
قراءة في ديواني :( أيها الراحل فالقلب هنا) ، و(في زمن الجنون ([/size]size=5] (1)
قبل البدء بهذه القراءة أود أن أطرح مجموعة أسئلة بين يدي البحث ، وهي :
هل من الضروري أن يكون الكاتب مؤسسا تراثيا، والى أي مدى يكون ذلك ضروريا في النصوص الحديثة؟ و هل للنص ذاكرة؟ ومن أين يستمدها؟
إننا أمام ظاهرة واضحة المعالم في شعر محمد الحريري الذي يقبض بقوة على جمرة الإبداع، ويختار في كل ما يكتب أن يخرج شحناته وأسراره لتحيا على الورق سعيا لنيل نشوة الدهشة المتمثلة بـ(الخصوصية)و(التعبير عن الذات)، ومن هنا كان شعره جسرا من الصمت نحو اندياح البوح والتعبير عن الذات.
• توظيف الموروث التراثي في شعر محمد الحريري
توظيف الموروث في النص الشعري العربي المعاصر مسألة في غاية الأهمية، فما من شاعر عربي معاصر معروف إلا ووظف الموروث التراثي في أعماله،وشاعرنا مسكون بالتراث ، بل إنه يتشكل عنده نظاما خاصا داخل بنية الخطاب الشعري ، وقد يبدو هذا النظام عصياً على الضبط والتحديد، وذلك لكثرة ما يأوي إلى الماضي ليستلهم منه الرؤية البديلة عن الواقع ، وعندما نستحضر الموروث في شعره ، فإننا نستحضر التاريخ متداخلا مع الأسطورة ؛ ولذا فإنه يصعب علينا تلمس أوجهها كاملة، وذلك لتناصها مع الحقول المعرفية الأخرى،العربية بنماذجها العظيمة ، و التاريخية بعالميتها . ويظل الموروث ممثلا لبنية معرفية عميقة تتعلق بمعتقدات وروحانيات وأعراف وتقاليد تربى عليها ورضعها منذ نعومة أظفاره إلى جانب أنها تفعل فعلها في تاريخنا المعاصر؟ إنها مزيج من هذا وذاك، ومع ذلك تبقى عصية على الضبط والتحديد، لأنها رؤية متنامية متشعبة في بنية الزمان التاريخي، بل والمكان خارج حدود زماننا. وقليلون هم الشعراء الذين استطاعوا ضبط الموروث ضبطا دقيقا، ولذا نلاحظ غموض النصوص الشعرية التي تناولت الأسطورة والخرافة وبعض النماذج العظيمة في التاريخ البشري، بحيث لا يعادل غموضها إلا غموض النص الإبداعي نفسه.و الشخصيات التاريخية التي يستدعيها في شعره لها بعدها الإنساني، ومدى تأثيرها في شعره يفعل فعله بما يفوق حد التخيل أحيانا على مستوى الفن والأدب، فهي تشكل رؤية جمالية، وظفها شاعرنا توظيفا لا يشبهه فيه أحد، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
الموروث التراثي عند شاعرنا يمثل الملاذ الأول له للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه، وسياسيا كانت محاولة لخلق بديل جديد، أكثر إشراقا وجمالا. إنها البؤرة التي يرى منها شاعرنا النور والفرح؛ لأنها تشكل له حالة توازن نفسي مع محيطه ومجتمعه، فبواسطتها تتم عملية الحلم والتخيل والاستذكار. وبالرغم من التحليلات الاجتماعية والفكرية التي تؤكد أن اللجوء إلى الموروث هو هروب من مواجهة الواقع، وهو دعوة لسيادة الظلم، ودعوة إلى إلغاء العقل: «فالفكر الأسطوري القائم على أساس غيبي ـ لا عقلاني.. له منطقه المختلف تماماً عن منطق الفكر الموضوعي. والصورة التي ينقلها الموروث تنزع دائما إلى إضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها وأشيائها، وأشخاصها، أقول بالرغم من هذا الذي ذكرته إلا أننا نجد الأمر يختلف عند شاعرنا.فها هو ذا في حديث الفجر يستدعي الموروث لكون موضوعه من الموضوعات التي يستحب فيها العودة إلى الماضي بما فيه من ألق وعظمة أمام خيبات الحاضر:
فحين يتحدث عن كلام العرب الرنان الذي لا يملكون غيره يقول :
فأطفل القول في سفر العنا خطبابتراء خلطتها من طينة النـزق
ولم يكتف هنا باستدعاء الخطب العربية القديمة ، بل جاء بنوع مشوه منها وهو الخطبة البتراء ؛ ليوحي للمتلقي أن هذا الكلام لا يبدأ بالبسملة ، وإيحاء البتراء قد ينسحب على المعنى العام ، لا على المعنى الخاص.
وحين يتحدث عن زوج الشهيد الرنتيسي فإنه يستدعي الموروث القرآني:
فكنت أصـدق تعبيـرا وملحمـةتقريك بالجهر فخرا سورة الفلق،
وهو هنا يقارن بين خطابين : خطاب عقيم ، ويقصد به خطاب العرب المعاصرين ( البتراء)، وخطاب الصدق فعلاو قولا المتجسد ببطلة قصيدته – إن صح التعبير- ، حتى إن سورة الفلق تجهر فخرا بها.
وعندما يريد الحديث عن ذل العرب ، يدعوها إلى الانطلاق ، وهنا يستدعي خطبة الحجاج المشهورة ، ويشير إليها إشارة سريعة دون الولوج في تفاصيلها ، فيأتي بكلمات منها ، وهي المشهورة بكونه يعرف مسبقا أنها معروفة للناس، وهي إشارة لطيفة وفق فيها أيما توفيق:
ها قد رأيت رؤوس الذل يانعـةفاستوثقي خطبة الحجاج وانطلقي
ويبقى استدعاء ( سجيل ) من الموضوعات المطروقة جدا في الشعر العربي في الحديث عن الحجارة ، ولكنه وظفه توظيفا موفقا بقوله:
واستنهضت همم الأحجار يسعفهاسجيل طائرها في ساحة الطلـق
طيرا أبابيل تملي جيش أبرهـةغلا تنمطق بالسجيل والصعـق
وأجمل ما جاء من موروث تراثي استدعاؤه ( لعاد ) في الحديث عن خواء الحكام ، والذين يبنون أمجادهم على آهات الناس وآلامهم، فيقول:
كمثل عاد بنى أحجـار سطوتـهمن حشرجات وهاد الضيم والعوق
ونراه في لسان الأمنيات يستدعي صورة الأطلال في الجاهلية ، وما ذلك إلا لكونه يرى واقعه وقد بات أطلالا ، تمر عليه الكرامات مرور من يتحسر :
ترثي أثافي وجدها جدر اللوىنارا تسعر بالهبـوب جهاتهـا
بدموع أشجان المضارب نغتديوتروح أرسان على صهلاتهـا
ما بين أنت وأنتمـا وأنـا وذاطلل تلوح كوشم لحـد رفاتهـا
والأروع من ذلك أنه يستدعي التراث في هذه القصيدة بطريقة التناص ، واستدعاء بعض عبارات القصائد، فهو التائه في واقعه يبحث عن شط نجاة ، فلا يسعفه بحر ( الخليل) وهو يقف عند شاطئه، ويقصد بذلك الشعر ، ويضيع بين عبلة والهوى في: (هل غادر الشعراء)...، ويرنو إلى: (ولقد ذكرتك) ، ويمعن في استدعاء الموروث المعروف للناس ، فيلمح أسياف ابن برد ، وذكرى حندج ، في:( قفا نبك) ، ويبكي مالك ، وأبا نواس في (عاج الشقي) ، ويلزم قافلة المعري ، ويرى ابن زيدوزن يكتسي )(نهج التنائي)، ثم يأتي قيسا الذي يلوح بالجنون برداء ليلى ، وهند نراها في ديار الخنساء في عكاظ صخر ، ويعود بنا إلى هاجر وسعيها ... وهكذا حتى يمعن في استدعاء التراث وكأنني به يلهث بحثا عن ماض يعيد له تلك القيم الضائعة في إشارات سريعة وذكية :
نامت سبايا الصبر فـوق جفونهـا=ثكلـى السهـاد بعتمـة كسباتهـا
ترثي آثافي وجدهـا جُـدُرُ اللـوى=نـارا تُسَعِّـر بالهبـوب جهاتهـا
بدموع أشجان المضـارب نغتـدي=وتروح أرسـان علـى صهلاتهـا
ما بيـن أنـتَ وأنتمـا وأنـا وذا=طلل تلـوح كوشـم لحـد رفاتهـا
وإذا مفاوز غربتـي أَنِسَـتْ بهـا=أسرابُ حيـف تصطلـي بفلاتهـا
لا بحر لا ملاح ، أُسْـرِجُ وحدتـي=(بعسى ) هروبا من ضنى عبراتها
لا شطَّ من بحر الخليـل يرومنـي=وأنا المهرب مـن جـدار نجاتهـا
متسللا حدَّ الظنـون علـى مـدى=أفق المعنَّـى مـن لظـى أبياتهـا
ما بين عبلة والهوى (هل غادر = الشعـراء مـن متـردم ) بوشاتهـا
أرنو إلى ( ولقـد ذكرتـك والرمـاح)= تبرجت في خدرهـا لصلاتهـا
ولمحت أسيافَ ابن ِ برد ٍ كالضحى=يَبْسُمْنَ مجد ا من عـلا شرفاتهـا
أوقفت غيد الصبر (ذكرى حنـدج)=عند (الغدير) ( قِفا ) على عرصاتها
نبكي أنا والليـل (مالـكَ) سائـلا=-خطَّـا لناظـرة السهـا زفراتِـهـا
ورأيت أسـراب الندامـى تغتـدي=لنواسها ( والطيـر فـي وكناتهـا)
( عاج الشقي) (إذا المنية أنشبـت=بتميمـة ) فأتـى بهـا حاناتـهـا
( ولزمتُ ) قافلة المعري مـا بـدا=ضـر ينـدي باللمـى شذراتـهـا
هذا ابن زيدونَ بأضحـى يكتسـي=نهـج التنائـي بـردة ً لثباتـهـا
( يا صاحبي تقصَّيـا ) فأنـا هنـا=في أمة كشفـت ( قَفَـا) سوءاتهـا
فأتيـت قيسـا بالجنـون ملـوحـا=برداء ليلـى فـي دعـا صلواتهـا
وإذا بهنـد فـي ديـار تمـاضـر=بعكـاظ صخـر صفقـوا لوفاتهـا
وأنا أهيم (كهاجـرٍ) سعـيَ الفـدا=سبعا أطوف ببئر طهـر صَفَاتِهـا
بمفـازة الأحـلام أنحـر آهـتـي=هديَ الضياع لنصب كـف مُناتهـا
بالغيـب أرجـم كـل ظـن مثقـل=بيراع وصل مـن عتـاق دواتهـا
ومضيت أبحث عن صدى أحلامنـا=فإذا بهـا تشكـو سـدى علاتهـا
وهويتي ضاعـت بدهليـز الأسـى=رسما يحوم علـى ثغـور شتاتهـا
أخطو فيسبقني العثار على الخطـى=فأخـط سطـرا باعتـراف جناتهـا
جـدران صمـت تستبيـك بزفـرة=ثكلى المواجع من عسيس ولاتهـا
أشتق من كلـم التقصـي دهشـة=عذراء ما جـس الأنيـن سُماتِهـا
وتعنست بجـوى المعانـي حيـرة=لم يـدرك المكيـالَ صـاعُ ثَقَاتِهـا
إني أرى يَنَعَ الـرؤوس تطايـرت=وابن الجلا قذفـا بثكـل حصاتهـا
وتلُومُني ضـادُ الكنايـة والمـدى=أقمـار إفـك غيـروا سنواتـهـا
وأنـا أفتـش مفـردات هـدايـةٍ=عن وجد من يهوى كؤوسَ فراتهـا
أعيـت مهـارَ الذكريـات جوانـحأ=ورت شموع الجان مـن عبراتهـا
وكأنهـا أقـداح أصـداء المـنـى=جفلت إذا ما قلت : ويحـك هاتِهـا
صهباءَ من شجن العـواذل جادهـا=كأس الإجابة مـن رحـاق زكاتِهـا
فترنحـت شفـة الضميـر إنابـة=قبل استلام كرى المـدام عظاتهـا
قراءة في ديواني :( أيها الراحل فالقلب هنا) ، و(في زمن الجنون ([/size]size=5] (1)
قبل البدء بهذه القراءة أود أن أطرح مجموعة أسئلة بين يدي البحث ، وهي :
هل من الضروري أن يكون الكاتب مؤسسا تراثيا، والى أي مدى يكون ذلك ضروريا في النصوص الحديثة؟ و هل للنص ذاكرة؟ ومن أين يستمدها؟
إننا أمام ظاهرة واضحة المعالم في شعر محمد الحريري الذي يقبض بقوة على جمرة الإبداع، ويختار في كل ما يكتب أن يخرج شحناته وأسراره لتحيا على الورق سعيا لنيل نشوة الدهشة المتمثلة بـ(الخصوصية)و(التعبير عن الذات)، ومن هنا كان شعره جسرا من الصمت نحو اندياح البوح والتعبير عن الذات.
• توظيف الموروث التراثي في شعر محمد الحريري
توظيف الموروث في النص الشعري العربي المعاصر مسألة في غاية الأهمية، فما من شاعر عربي معاصر معروف إلا ووظف الموروث التراثي في أعماله،وشاعرنا مسكون بالتراث ، بل إنه يتشكل عنده نظاما خاصا داخل بنية الخطاب الشعري ، وقد يبدو هذا النظام عصياً على الضبط والتحديد، وذلك لكثرة ما يأوي إلى الماضي ليستلهم منه الرؤية البديلة عن الواقع ، وعندما نستحضر الموروث في شعره ، فإننا نستحضر التاريخ متداخلا مع الأسطورة ؛ ولذا فإنه يصعب علينا تلمس أوجهها كاملة، وذلك لتناصها مع الحقول المعرفية الأخرى،العربية بنماذجها العظيمة ، و التاريخية بعالميتها . ويظل الموروث ممثلا لبنية معرفية عميقة تتعلق بمعتقدات وروحانيات وأعراف وتقاليد تربى عليها ورضعها منذ نعومة أظفاره إلى جانب أنها تفعل فعلها في تاريخنا المعاصر؟ إنها مزيج من هذا وذاك، ومع ذلك تبقى عصية على الضبط والتحديد، لأنها رؤية متنامية متشعبة في بنية الزمان التاريخي، بل والمكان خارج حدود زماننا. وقليلون هم الشعراء الذين استطاعوا ضبط الموروث ضبطا دقيقا، ولذا نلاحظ غموض النصوص الشعرية التي تناولت الأسطورة والخرافة وبعض النماذج العظيمة في التاريخ البشري، بحيث لا يعادل غموضها إلا غموض النص الإبداعي نفسه.و الشخصيات التاريخية التي يستدعيها في شعره لها بعدها الإنساني، ومدى تأثيرها في شعره يفعل فعله بما يفوق حد التخيل أحيانا على مستوى الفن والأدب، فهي تشكل رؤية جمالية، وظفها شاعرنا توظيفا لا يشبهه فيه أحد، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
الموروث التراثي عند شاعرنا يمثل الملاذ الأول له للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه، وسياسيا كانت محاولة لخلق بديل جديد، أكثر إشراقا وجمالا. إنها البؤرة التي يرى منها شاعرنا النور والفرح؛ لأنها تشكل له حالة توازن نفسي مع محيطه ومجتمعه، فبواسطتها تتم عملية الحلم والتخيل والاستذكار. وبالرغم من التحليلات الاجتماعية والفكرية التي تؤكد أن اللجوء إلى الموروث هو هروب من مواجهة الواقع، وهو دعوة لسيادة الظلم، ودعوة إلى إلغاء العقل: «فالفكر الأسطوري القائم على أساس غيبي ـ لا عقلاني.. له منطقه المختلف تماماً عن منطق الفكر الموضوعي. والصورة التي ينقلها الموروث تنزع دائما إلى إضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها وأشيائها، وأشخاصها، أقول بالرغم من هذا الذي ذكرته إلا أننا نجد الأمر يختلف عند شاعرنا.فها هو ذا في حديث الفجر يستدعي الموروث لكون موضوعه من الموضوعات التي يستحب فيها العودة إلى الماضي بما فيه من ألق وعظمة أمام خيبات الحاضر:
فحين يتحدث عن كلام العرب الرنان الذي لا يملكون غيره يقول :
فأطفل القول في سفر العنا خطبابتراء خلطتها من طينة النـزق
ولم يكتف هنا باستدعاء الخطب العربية القديمة ، بل جاء بنوع مشوه منها وهو الخطبة البتراء ؛ ليوحي للمتلقي أن هذا الكلام لا يبدأ بالبسملة ، وإيحاء البتراء قد ينسحب على المعنى العام ، لا على المعنى الخاص.
وحين يتحدث عن زوج الشهيد الرنتيسي فإنه يستدعي الموروث القرآني:
فكنت أصـدق تعبيـرا وملحمـةتقريك بالجهر فخرا سورة الفلق،
وهو هنا يقارن بين خطابين : خطاب عقيم ، ويقصد به خطاب العرب المعاصرين ( البتراء)، وخطاب الصدق فعلاو قولا المتجسد ببطلة قصيدته – إن صح التعبير- ، حتى إن سورة الفلق تجهر فخرا بها.
وعندما يريد الحديث عن ذل العرب ، يدعوها إلى الانطلاق ، وهنا يستدعي خطبة الحجاج المشهورة ، ويشير إليها إشارة سريعة دون الولوج في تفاصيلها ، فيأتي بكلمات منها ، وهي المشهورة بكونه يعرف مسبقا أنها معروفة للناس، وهي إشارة لطيفة وفق فيها أيما توفيق:
ها قد رأيت رؤوس الذل يانعـةفاستوثقي خطبة الحجاج وانطلقي
ويبقى استدعاء ( سجيل ) من الموضوعات المطروقة جدا في الشعر العربي في الحديث عن الحجارة ، ولكنه وظفه توظيفا موفقا بقوله:
واستنهضت همم الأحجار يسعفهاسجيل طائرها في ساحة الطلـق
طيرا أبابيل تملي جيش أبرهـةغلا تنمطق بالسجيل والصعـق
وأجمل ما جاء من موروث تراثي استدعاؤه ( لعاد ) في الحديث عن خواء الحكام ، والذين يبنون أمجادهم على آهات الناس وآلامهم، فيقول:
كمثل عاد بنى أحجـار سطوتـهمن حشرجات وهاد الضيم والعوق
ونراه في لسان الأمنيات يستدعي صورة الأطلال في الجاهلية ، وما ذلك إلا لكونه يرى واقعه وقد بات أطلالا ، تمر عليه الكرامات مرور من يتحسر :
ترثي أثافي وجدها جدر اللوىنارا تسعر بالهبـوب جهاتهـا
بدموع أشجان المضارب نغتديوتروح أرسان على صهلاتهـا
ما بين أنت وأنتمـا وأنـا وذاطلل تلوح كوشم لحـد رفاتهـا
والأروع من ذلك أنه يستدعي التراث في هذه القصيدة بطريقة التناص ، واستدعاء بعض عبارات القصائد، فهو التائه في واقعه يبحث عن شط نجاة ، فلا يسعفه بحر ( الخليل) وهو يقف عند شاطئه، ويقصد بذلك الشعر ، ويضيع بين عبلة والهوى في: (هل غادر الشعراء)...، ويرنو إلى: (ولقد ذكرتك) ، ويمعن في استدعاء الموروث المعروف للناس ، فيلمح أسياف ابن برد ، وذكرى حندج ، في:( قفا نبك) ، ويبكي مالك ، وأبا نواس في (عاج الشقي) ، ويلزم قافلة المعري ، ويرى ابن زيدوزن يكتسي )(نهج التنائي)، ثم يأتي قيسا الذي يلوح بالجنون برداء ليلى ، وهند نراها في ديار الخنساء في عكاظ صخر ، ويعود بنا إلى هاجر وسعيها ... وهكذا حتى يمعن في استدعاء التراث وكأنني به يلهث بحثا عن ماض يعيد له تلك القيم الضائعة في إشارات سريعة وذكية :
نامت سبايا الصبر فـوق جفونهـا=ثكلـى السهـاد بعتمـة كسباتهـا
ترثي آثافي وجدهـا جُـدُرُ اللـوى=نـارا تُسَعِّـر بالهبـوب جهاتهـا
بدموع أشجان المضـارب نغتـدي=وتروح أرسـان علـى صهلاتهـا
ما بيـن أنـتَ وأنتمـا وأنـا وذا=طلل تلـوح كوشـم لحـد رفاتهـا
وإذا مفاوز غربتـي أَنِسَـتْ بهـا=أسرابُ حيـف تصطلـي بفلاتهـا
لا بحر لا ملاح ، أُسْـرِجُ وحدتـي=(بعسى ) هروبا من ضنى عبراتها
لا شطَّ من بحر الخليـل يرومنـي=وأنا المهرب مـن جـدار نجاتهـا
متسللا حدَّ الظنـون علـى مـدى=أفق المعنَّـى مـن لظـى أبياتهـا
ما بين عبلة والهوى (هل غادر = الشعـراء مـن متـردم ) بوشاتهـا
أرنو إلى ( ولقـد ذكرتـك والرمـاح)= تبرجت في خدرهـا لصلاتهـا
ولمحت أسيافَ ابن ِ برد ٍ كالضحى=يَبْسُمْنَ مجد ا من عـلا شرفاتهـا
أوقفت غيد الصبر (ذكرى حنـدج)=عند (الغدير) ( قِفا ) على عرصاتها
نبكي أنا والليـل (مالـكَ) سائـلا=-خطَّـا لناظـرة السهـا زفراتِـهـا
ورأيت أسـراب الندامـى تغتـدي=لنواسها ( والطيـر فـي وكناتهـا)
( عاج الشقي) (إذا المنية أنشبـت=بتميمـة ) فأتـى بهـا حاناتـهـا
( ولزمتُ ) قافلة المعري مـا بـدا=ضـر ينـدي باللمـى شذراتـهـا
هذا ابن زيدونَ بأضحـى يكتسـي=نهـج التنائـي بـردة ً لثباتـهـا
( يا صاحبي تقصَّيـا ) فأنـا هنـا=في أمة كشفـت ( قَفَـا) سوءاتهـا
فأتيـت قيسـا بالجنـون ملـوحـا=برداء ليلـى فـي دعـا صلواتهـا
وإذا بهنـد فـي ديـار تمـاضـر=بعكـاظ صخـر صفقـوا لوفاتهـا
وأنا أهيم (كهاجـرٍ) سعـيَ الفـدا=سبعا أطوف ببئر طهـر صَفَاتِهـا
بمفـازة الأحـلام أنحـر آهـتـي=هديَ الضياع لنصب كـف مُناتهـا
بالغيـب أرجـم كـل ظـن مثقـل=بيراع وصل مـن عتـاق دواتهـا
ومضيت أبحث عن صدى أحلامنـا=فإذا بهـا تشكـو سـدى علاتهـا
وهويتي ضاعـت بدهليـز الأسـى=رسما يحوم علـى ثغـور شتاتهـا
أخطو فيسبقني العثار على الخطـى=فأخـط سطـرا باعتـراف جناتهـا
جـدران صمـت تستبيـك بزفـرة=ثكلى المواجع من عسيس ولاتهـا
أشتق من كلـم التقصـي دهشـة=عذراء ما جـس الأنيـن سُماتِهـا
وتعنست بجـوى المعانـي حيـرة=لم يـدرك المكيـالَ صـاعُ ثَقَاتِهـا
إني أرى يَنَعَ الـرؤوس تطايـرت=وابن الجلا قذفـا بثكـل حصاتهـا
وتلُومُني ضـادُ الكنايـة والمـدى=أقمـار إفـك غيـروا سنواتـهـا
وأنـا أفتـش مفـردات هـدايـةٍ=عن وجد من يهوى كؤوسَ فراتهـا
أعيـت مهـارَ الذكريـات جوانـحأ=ورت شموع الجان مـن عبراتهـا
وكأنهـا أقـداح أصـداء المـنـى=جفلت إذا ما قلت : ويحـك هاتِهـا
صهباءَ من شجن العـواذل جادهـا=كأس الإجابة مـن رحـاق زكاتِهـا
فترنحـت شفـة الضميـر إنابـة=قبل استلام كرى المـدام عظاتهـا