المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شوكة ونقطة


أحمد الرشيدي
12-10-2009, 01:02 PM
شوكة ونقطة

بيني وبينَكِ أستارٌ بعضُها نَسْجُ الحذرِ مني ، وبعضُها نسجُ القدرِ فينا ، وبعضُها نسجِ الحياءُ منك . أستارٌ أراها رياضا خُضْرا أسرِّحُ فيهنَّ الأحلامَ فَجْراً فراشاتِ عَسَسٍ عساها أنْ تقطفَ لي ابتسامةَ من ثغركِ حين تراها عيناكِ ، أو تبلغَني بعضَ أمرِكِ حين تَحُطُّ على شرفتكِ . إيهٍ يا فراشاتُ هاتِ حديثَ الغيبِ : كيف تسريحةُ شعرِها ، وما عنوانُ كتابٍ تحتضِنُه ، وأيُّ أصنافِ القهوةِ تلكَ التي ترشفُ شفتاها ؟ هاتِ لأطيرَ نسيما ، وأُرَاقُ سطرا ، وأُحْرَقُ دُخانا ... ، أَحْلُمُ أسْمَعُ وأرى ... ، ثُمَّ لا شيءَ مِنْ ذلكَ ثَمَّ سوى فراشاتٍ محنطةً بين يديَّ ، أُقلِّبُهُنَّ حائرا ، يُغريني الأملُ : أَنِ انفخْ فيها مجتمعةً تكنْ هدهدا بإذن الطُّهْرِ ، فيصيحُ اليأسُ ستكون طيرا أبابيلَ بكافِ الكَّفِ ، ونونِ الظنِّ ، يَعتوراني هذا وذاكَ ذهابا وإيابا ، فأَجدُني قد نسجتُ سترا آخرَ مِنْ ظُلمةِ اليأس ، وجعلتُه شفيفا لتنفذَ منه ومضاتُ الأمل .

ذاك أنا وأنتِ أستارٌ وأستار ، لا عينَ لي ولكني أراكِ ، ولا أُذُنَ لي ولكني أسمعُكِ ، كأني أبو العلاء في رسالة الغُفْران ، وبيتهوفن في سيمفونية القَدَر ، بل أنتِ أقربُ من ذلك وأدقُّ وأسمى وأعْجبُ ، أنتِ روح تسري في جسدي ، فما مِنْ شِبْهِ لقاءٍ إلا في بِضْعِ ليالٍ تَنتشلينني فيها مِنْ وَهْدَةِ الأرضِ إلى معارجِ سموِّكِ ، شبهُ لقاءٍ في سُويعات حُلْمٍ مُنَجَّمَةٍ تَقتربين مني فيها حتى إذا كِدْتُ أَلمَسُكِ بِعَيْنِي أسْفرَ الحلمُ الواقعُ عَنْ واقعٍ حُلْمٍ ، وهكذا دَوالَيْكَ يا روحي إلى أَنْ يَفْنَى الجسدُ ، وحالُه كحالِ العَيْنِ التي أرادتْ رُؤْيةَ مَوْطِنِ الإبصارِ فيها .


أنا صفحةٌ لَمْ تَقرئيها بين دَفْتي كتابٍ أنتِ قرأتِهِ كلَّهُ ، أ سقطتْ منكِ سهوا ، أم ظننتِها فارغة ؟! إنْ تَكُنِ الأولى ، فبِمثلِ ما أنا فيه الآن أستدِّرُ مِنْ عينيكِ نظراتٍ تُقِيلينَ بها عاثرَ حظِّ صفحةٍ حروفُها طفلٌ رضيعٌ لا يَغْذوهُ إلا شَهْدُ شَفَتِك ، وعصفورٌ شَرِيدٌ لا مَأَوىً لهُ إلا أهدابُك ، ووردةٌ يَغزوها الذُّبولُ ، لا يُحْيِيها إلا ضياءُ ثُغْرَةِ نَحْرِك ... ، وإنْ تكنِ الأخرى ، فباللهِ لا تَعْجَلي ؛ إنَّ الفراغَ معنىً كالامتلاءِ سواءً بِسَواءٍ ، مُحالٌ أنْ يكونَ الفراغُ حَيِّزا لا يَمْلَؤُهُ شيءٌ ، فارْجِعِي البَصَرَ تَرِيِ الصفحةَ ملأى مِنْ نارِ هَجْرِك ، ونورِ طُهْرِك ، وضبابِ حَيْرَتِي .

مِنْكِ قلمي عصا هَرِمٍ تَجُرُّهُ إلى حيثُ يَعْلَمُ ولا يعلمُ بعدَما فَتَكَ اليأسُ بِفَلْذَّاتِ أَمَلِه ، يرى مع كلِّ خُطْوةٍ مَصْرعَ أُمْنِيَةٍ شاهدُها مهدُها ، أكوامٌ من الأماني يَدَبُّ بينَهُنَّ ، أَرْهقتَني يا قلم ، لِمَ تُطيلُ حَرْثَ الألم ؟ إن نصيبي من كلِّ وردةٍ شوكةٌ ، وإنَّ الثمرةَ مِنْ بَعْدِ جَهْدِ الغَرْسِ في الطِّرْسِ نُقْطَةٌ .

د. سهام محمد
13-10-2009, 06:37 AM
أحمد الرشيدي
في نصوصك يمضغني البيان
فأقرأ الإبداع على هوادة و مهل

مسكون بالتفرد و الإتقان
ودي و وردي

شريفة العلوي
14-10-2009, 03:44 PM
زورق البوح هنا يشق عباب البيان ويسبر أغوار القراءة من أخمص الخاتمة لقمة العنوان ..عندما تغدو اللغة ملعقة في فم البلاغة من البديهي أن يتحصن النص في ذاكرة الأيام.

أخي المبدع أحمد الرشيدي
تقديري واحترامي.

أحمد الرشيدي
16-10-2009, 06:12 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. سهام محمد http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=88814#post88814)
أحمد الرشيدي
في نصوصك يمضغني البيان
فأقرأ الإبداع على هوادة و مهل

مسكون بالتفرد و الإتقان
ودي و وردي



د. سهام محمد

أسعدني جدا مرورك الكريم ، ولو كنت أعلم أن حرفا مما كتبت سيمضغ منك حرفا لنزعت ثنيته ورباعيته وطواحنه ...

دمت أنت مسكونة بالتفرد والأناقة والسمو

بالغ التقدير وصادق المودة

أحمد الرشيدي
16-10-2009, 06:18 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شريفة العلوي http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=88886#post88886)
زورق البوح هنا يشق عباب البيان ويسبر أغوار القراءة من أخمص الخاتمة لقمة العنوان ..عندما تغدو اللغة ملعقة في فم البلاغة من البديهي أن يتحصن النص في ذاكرة الأيام.

أخي المبدع أحمد الرشيدي
تقديري واحترامي.



أختنا القديرة الأديبة المتفننة شريفة العلوي حرسها الله

ما نزال نحن محاولو الأدب بخير ما دام يقرأ لنا من هو مثلك ..

شاكر لك كثيرا على كريم عنايتك بمحاولاتي ، والله يكلؤك بعينه التي لا تنام