حسن بن عزيز بوشو
02-11-2007, 07:16 PM
السلام على المشرفين على هذا الرواق ومرتاديه ورحمة الله
مع الرجاء أن يقبلوني ضيفا قادما من رواق الشعر الفصيح.
رسالة فنية إلى كل شاعر(منقحة وعليها زيادة)
نشرت أصلها قبل يومين في غير هذا الموقع.
(وهي في أصلها تعليق على نص تحت عنوان "ليت للأمس عودة" لأحد الأصدقاء
يتباكى فيه "على ماض تولى")
.
أحسنت يا صديقي بالضرب هنا في نثرك – كما في شعرك –على وتر الوجدان ،لغة القلوب والمشاعر،فهي من قديم الزمان وفي كل مكان منبع الإبداع والإلهام الفني ،وهي التي بها تتجاوب الأرواح وتتقارب النفوس ،فتتآلف ( أو تختلف) مصداقا لقول الرسول(ص)"الأرواح جنود مجندة ،ما تآلف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف"...
وقد أدرك أجدادنا بفطرتهم هذه الحقيقة الأزلية الكبرى ،فكان شعراؤنا في الجاهلية و صدر الإسلام وفي العصرين الأموي والعباسي -
قبل أن يبدؤوا في الانحدار للدخول في عهد الظلام والانحطاط – يستهلون قصائدهم – كيفما كان موضوع القصيدة الأساسي- بشعر عاطفي(بحديث روحهم) فيبثون فيه تعلقهم بالمحبوب وما يعانونه من شوق وعذاب بسبب حرمانهم منه وغير ذلك مما يشعرون به ..
كانوا يدركون أنهم بالضرب على هذه الأوتار يزيلون بينهم وبين مخاطبيهم( بفتح الطاء) كل الحواجز، ويزدادون قربا وألفة وحميمية مع سامعيهم (في أسواق الشعر أو مجالسه في البلاطات بعد ذلك...) وكان الشعراء بعدهم يدركون أنهم بلغة القلوب يزيلون الحواجز بينهم بين من يقرؤونهم أو يسمعونهم بوسائل التواصل المستحدثة بعد ذلك حين عم التدوين والكتابة..
كان الشاعر منهم يتقدم به العمر ولا يجد حرجا في البوح بما في قلبه من حب وحنين ..
ولا تعتقد أنه كان يفتعل أو يتكلف حين يتغزل. لقد كان في هذا المجال صادقا صدقا فنيا خالصا لا غبار عليه.. لماذا؟
لأن الحب كأسمى عاطفة إنسانية ليست مقيدة – في أسمى معانيها – بزمان ولا بمكان،ولاسيما عند ذوي الإبداع الفني كالشعراء والرسامين والموسيقيين
وغيرهم،وذلك لما يتميزون به – أو من المفروض أن يتميزوا به
من عمق الإحساس بالناس والحياة، ومن رهافة في المشاعر..
يكفي أن نعلم أن ملهمة "تشايكوفسكي" امرأة بعيدة عنه ،ولم يرها
قبل التعلق بها ( وربما بعده ؟) إلا مرة واحدة ..
ستقول لي "وكيف يمكن أن يتغنى بالحب فلان وفلان و علان ؟وهم قد دخلوا من زمان في معامع الحياة وتحمل المسؤوليات والعائلة..فأجيبك
"يمكنهم – إن عز الحب في واقعهم - أن يحبوا ذلك الحب المتسامي عن الأغراض الجسدية وعن "المشاعر النفعية"
( مثلما أنت فاعل الآن في نثرك الفني(؟)
ويكون "فنهم" راقيا عميقا وصادقا ..
هل تظن أن "نزار قباني"(مثلا) أحب من النساء بعدد دواوين شعره في المرأة أو بعدد قصائده فيها؟هذا مستحيل ولا يمكن تصوره ..كل ما في الأمر أنه كان "عاشقا كبيرا"للجمال، قادرا على أن يلتقط بعدسته الفنية الشعرية مواطنه ،ويتتبع "مساقطه"،راعيا لمواهبه ، متنقلا بها بحثا لها عن "الكلأ" ،حريصا على ألا يعتريها الضعف والهزال يوما ،وكان قادرا على أن "يهش عليها بقلمه"، وأن يستلهم الفن الرفيع حتى من"حسناء فاتنة يراها عابرة في طريقه،أو من أخرى "بشالها الأزرق أو الأحمر" استرعت انتباهه الفني الذواق وهي على بعد منه في مقهى أو أي مكان عمومي يتسم بالهدوء والشاعرية.
إن الإبداع المستوحى من "الشعور المتسامي" منبع ثر للتحليق على أجنحة الخيال الخلاق القادر على "صنع الجمال" وإبرازه للناس وتحسسيهم به.
ولعل من أبرز وسائط خلق الجمال التواصل - ولو من بعيد - مع أصحاب
الأرواح النورانية الأثيرية إن لم يكن فيه ما يكدر صفاءه أو ينغص براءته.، فإن هذه الأرواح تلهم شعرا وتنتج فنا .
وقد كنت أنت يا صديقي أول من اكتشفت بتواصلي معه هذه الحقيقة هذا العام..و كنت أنت المبتدى بالتعبير عن "التجاوب " في قصيدة لك هنا، وأجبتك بمثلها،وحصل مثل ذلك مع غيرك ممن أسميهم بأصحاب الأرواح النورانية التي يستطيع تأثيرها أن يخترق البراري والبحار ..
فأنت هنالك في المشرق وأنا هنا في المغرب، ولكنك صرت أقرب من كثير ممن هم بجواري يتحركون بأجسامهم وصورهم "المادية".
أنا أعلم أن هذا الكلام لا يمكن أن يفهمه غلاظ القلوب ممن يربطون كل علاقة إنسانية بأهداف "نفعية" مقيدة بالزمان والمكان، ويخرجونها عن "سموها وتجردها".
خلاصة القول- يا صديقي يا من دعوتك يوما "شاعر الوجدان"- اضرب
على أوتار الوجدان ،فإنها منبع السمو الفني.
ولغة القلوب - يا أخي العزيز - لا حصر لمجالاتها ولا حد،..
فالأمة حين يتغلغل حبها في الروح ،
والوطن حين يسكن قلبك،
والطبيعة حين تكون من عشاقها،
والمرأة حين يأسرك جمالها الروحي أو الجسدي،
والبشر حين تعانقهم بوجدانك ،
وحتى الحيوان حين تحبه،
وفوق كل ذلك وقبله "الله جل جلاله" حين تحس بقربك منه وقربه منك...
كلها وغيرها منابع للإلهام وللتجاوب الفني والروحي من بعيد ومن قريب،
إلا أن سحر القصي أبهى وأصفى لأن نوافذ الخيال فيه وأبوابه تبقى مشرعة على عوالم الروعة التي يهفو إليها الشعور البشري.
والخيال هو منبع كل جمال في الشعر، وهذا ما عبر عنه أسلافنا
الأفذاذ بمقولتهم الشهيرة"أعذب الشعر أكذبه"ومعنى "أكذبه"هنا"أكثره تصويرا خياليا"
والمعلوم أن الغربيين بدورهم حين بدؤوا يلتحقون بركب الشعر الصحيح(أي الغنائي) الذي سبقناهم إليه ،أدركوا مزية الخيال في إبداعه.
ولعل من الدلائل على هذا الإدراك ما فاله أحد الشعراء الفرنسيين هو رامبو *في إحدى قصائده
(عقلنا الشاحب يحجب عنا اللانهائي..
نريد أن ننظر فيحبسنا الشك
الشك هذا الطائر الأسود الكئيب
يلامسنا بجناحيه
فيهرب من أمامنا الأفق"هروبا أبديا)
داعيا بذلك إلى الانفتاح في الشعر على آفاق الخيال الرحبة .
ولك يا صديقي الشاعر و لسائر الشعراء واسع النظر، والسلام .
هامش توضيحي
*هو الشاعر الفرنسي "آرتور رامبو" (1854-1891).وهو – بالمناسبة – واحد من العشاق الكبار
المولعين بجمال الشرق.وقد جال عبر ربوعه متنقلا – مثل شعرائنا القدامى-
على ظهر جمل،مرتديا لباسا عربيا..
وهذا الشاعر من الذين يصنفهم الفرنسيون ضمن الموصوفين لديهم "بالشعراء الملعونين".
ومدلول عبارتهم هذه قريب مما عبر عنه أجدادنا قبلهم بالجملة المأثورة في بعض تراجمهم
"كان المترجم له ممن أدركتهم حرفة الأدب والشعر"
مع ما وراء هذه العبارة من معان وإيحاءات،علما بأن "حرفة الأدب"تعد منذ القدم
حرفة بائرة لا تنتج لصاحبها ربحا،وقد تجلب له متاعب..
ولعل من شعرائنا المحدثين المتأثرين نسبيا برامبو الشاعر المصري "علي محمود طه "
صاحب "الملاح التائه" وهو عنوان يحيل على ديوان رامبو المعنون
Le bateau ivre
وعلي محمود طه هو صاحب أبيات " أخي أيها العربي الأبيّ . . "التي غناها الموسيقار المرحوم محمد عبد الوهاب..
**أبيات رامبو المشار إلى معانيها أعلاه هي
Notre pale raison nous cache l’infini
Nous voulons regarder le doute nous punit
Le doute morne oiseau nous touche de son aile
Et l’horizon s’enfuit d’une fuite éternelle..
مع الرجاء أن يقبلوني ضيفا قادما من رواق الشعر الفصيح.
رسالة فنية إلى كل شاعر(منقحة وعليها زيادة)
نشرت أصلها قبل يومين في غير هذا الموقع.
(وهي في أصلها تعليق على نص تحت عنوان "ليت للأمس عودة" لأحد الأصدقاء
يتباكى فيه "على ماض تولى")
.
أحسنت يا صديقي بالضرب هنا في نثرك – كما في شعرك –على وتر الوجدان ،لغة القلوب والمشاعر،فهي من قديم الزمان وفي كل مكان منبع الإبداع والإلهام الفني ،وهي التي بها تتجاوب الأرواح وتتقارب النفوس ،فتتآلف ( أو تختلف) مصداقا لقول الرسول(ص)"الأرواح جنود مجندة ،ما تآلف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف"...
وقد أدرك أجدادنا بفطرتهم هذه الحقيقة الأزلية الكبرى ،فكان شعراؤنا في الجاهلية و صدر الإسلام وفي العصرين الأموي والعباسي -
قبل أن يبدؤوا في الانحدار للدخول في عهد الظلام والانحطاط – يستهلون قصائدهم – كيفما كان موضوع القصيدة الأساسي- بشعر عاطفي(بحديث روحهم) فيبثون فيه تعلقهم بالمحبوب وما يعانونه من شوق وعذاب بسبب حرمانهم منه وغير ذلك مما يشعرون به ..
كانوا يدركون أنهم بالضرب على هذه الأوتار يزيلون بينهم وبين مخاطبيهم( بفتح الطاء) كل الحواجز، ويزدادون قربا وألفة وحميمية مع سامعيهم (في أسواق الشعر أو مجالسه في البلاطات بعد ذلك...) وكان الشعراء بعدهم يدركون أنهم بلغة القلوب يزيلون الحواجز بينهم بين من يقرؤونهم أو يسمعونهم بوسائل التواصل المستحدثة بعد ذلك حين عم التدوين والكتابة..
كان الشاعر منهم يتقدم به العمر ولا يجد حرجا في البوح بما في قلبه من حب وحنين ..
ولا تعتقد أنه كان يفتعل أو يتكلف حين يتغزل. لقد كان في هذا المجال صادقا صدقا فنيا خالصا لا غبار عليه.. لماذا؟
لأن الحب كأسمى عاطفة إنسانية ليست مقيدة – في أسمى معانيها – بزمان ولا بمكان،ولاسيما عند ذوي الإبداع الفني كالشعراء والرسامين والموسيقيين
وغيرهم،وذلك لما يتميزون به – أو من المفروض أن يتميزوا به
من عمق الإحساس بالناس والحياة، ومن رهافة في المشاعر..
يكفي أن نعلم أن ملهمة "تشايكوفسكي" امرأة بعيدة عنه ،ولم يرها
قبل التعلق بها ( وربما بعده ؟) إلا مرة واحدة ..
ستقول لي "وكيف يمكن أن يتغنى بالحب فلان وفلان و علان ؟وهم قد دخلوا من زمان في معامع الحياة وتحمل المسؤوليات والعائلة..فأجيبك
"يمكنهم – إن عز الحب في واقعهم - أن يحبوا ذلك الحب المتسامي عن الأغراض الجسدية وعن "المشاعر النفعية"
( مثلما أنت فاعل الآن في نثرك الفني(؟)
ويكون "فنهم" راقيا عميقا وصادقا ..
هل تظن أن "نزار قباني"(مثلا) أحب من النساء بعدد دواوين شعره في المرأة أو بعدد قصائده فيها؟هذا مستحيل ولا يمكن تصوره ..كل ما في الأمر أنه كان "عاشقا كبيرا"للجمال، قادرا على أن يلتقط بعدسته الفنية الشعرية مواطنه ،ويتتبع "مساقطه"،راعيا لمواهبه ، متنقلا بها بحثا لها عن "الكلأ" ،حريصا على ألا يعتريها الضعف والهزال يوما ،وكان قادرا على أن "يهش عليها بقلمه"، وأن يستلهم الفن الرفيع حتى من"حسناء فاتنة يراها عابرة في طريقه،أو من أخرى "بشالها الأزرق أو الأحمر" استرعت انتباهه الفني الذواق وهي على بعد منه في مقهى أو أي مكان عمومي يتسم بالهدوء والشاعرية.
إن الإبداع المستوحى من "الشعور المتسامي" منبع ثر للتحليق على أجنحة الخيال الخلاق القادر على "صنع الجمال" وإبرازه للناس وتحسسيهم به.
ولعل من أبرز وسائط خلق الجمال التواصل - ولو من بعيد - مع أصحاب
الأرواح النورانية الأثيرية إن لم يكن فيه ما يكدر صفاءه أو ينغص براءته.، فإن هذه الأرواح تلهم شعرا وتنتج فنا .
وقد كنت أنت يا صديقي أول من اكتشفت بتواصلي معه هذه الحقيقة هذا العام..و كنت أنت المبتدى بالتعبير عن "التجاوب " في قصيدة لك هنا، وأجبتك بمثلها،وحصل مثل ذلك مع غيرك ممن أسميهم بأصحاب الأرواح النورانية التي يستطيع تأثيرها أن يخترق البراري والبحار ..
فأنت هنالك في المشرق وأنا هنا في المغرب، ولكنك صرت أقرب من كثير ممن هم بجواري يتحركون بأجسامهم وصورهم "المادية".
أنا أعلم أن هذا الكلام لا يمكن أن يفهمه غلاظ القلوب ممن يربطون كل علاقة إنسانية بأهداف "نفعية" مقيدة بالزمان والمكان، ويخرجونها عن "سموها وتجردها".
خلاصة القول- يا صديقي يا من دعوتك يوما "شاعر الوجدان"- اضرب
على أوتار الوجدان ،فإنها منبع السمو الفني.
ولغة القلوب - يا أخي العزيز - لا حصر لمجالاتها ولا حد،..
فالأمة حين يتغلغل حبها في الروح ،
والوطن حين يسكن قلبك،
والطبيعة حين تكون من عشاقها،
والمرأة حين يأسرك جمالها الروحي أو الجسدي،
والبشر حين تعانقهم بوجدانك ،
وحتى الحيوان حين تحبه،
وفوق كل ذلك وقبله "الله جل جلاله" حين تحس بقربك منه وقربه منك...
كلها وغيرها منابع للإلهام وللتجاوب الفني والروحي من بعيد ومن قريب،
إلا أن سحر القصي أبهى وأصفى لأن نوافذ الخيال فيه وأبوابه تبقى مشرعة على عوالم الروعة التي يهفو إليها الشعور البشري.
والخيال هو منبع كل جمال في الشعر، وهذا ما عبر عنه أسلافنا
الأفذاذ بمقولتهم الشهيرة"أعذب الشعر أكذبه"ومعنى "أكذبه"هنا"أكثره تصويرا خياليا"
والمعلوم أن الغربيين بدورهم حين بدؤوا يلتحقون بركب الشعر الصحيح(أي الغنائي) الذي سبقناهم إليه ،أدركوا مزية الخيال في إبداعه.
ولعل من الدلائل على هذا الإدراك ما فاله أحد الشعراء الفرنسيين هو رامبو *في إحدى قصائده
(عقلنا الشاحب يحجب عنا اللانهائي..
نريد أن ننظر فيحبسنا الشك
الشك هذا الطائر الأسود الكئيب
يلامسنا بجناحيه
فيهرب من أمامنا الأفق"هروبا أبديا)
داعيا بذلك إلى الانفتاح في الشعر على آفاق الخيال الرحبة .
ولك يا صديقي الشاعر و لسائر الشعراء واسع النظر، والسلام .
هامش توضيحي
*هو الشاعر الفرنسي "آرتور رامبو" (1854-1891).وهو – بالمناسبة – واحد من العشاق الكبار
المولعين بجمال الشرق.وقد جال عبر ربوعه متنقلا – مثل شعرائنا القدامى-
على ظهر جمل،مرتديا لباسا عربيا..
وهذا الشاعر من الذين يصنفهم الفرنسيون ضمن الموصوفين لديهم "بالشعراء الملعونين".
ومدلول عبارتهم هذه قريب مما عبر عنه أجدادنا قبلهم بالجملة المأثورة في بعض تراجمهم
"كان المترجم له ممن أدركتهم حرفة الأدب والشعر"
مع ما وراء هذه العبارة من معان وإيحاءات،علما بأن "حرفة الأدب"تعد منذ القدم
حرفة بائرة لا تنتج لصاحبها ربحا،وقد تجلب له متاعب..
ولعل من شعرائنا المحدثين المتأثرين نسبيا برامبو الشاعر المصري "علي محمود طه "
صاحب "الملاح التائه" وهو عنوان يحيل على ديوان رامبو المعنون
Le bateau ivre
وعلي محمود طه هو صاحب أبيات " أخي أيها العربي الأبيّ . . "التي غناها الموسيقار المرحوم محمد عبد الوهاب..
**أبيات رامبو المشار إلى معانيها أعلاه هي
Notre pale raison nous cache l’infini
Nous voulons regarder le doute nous punit
Le doute morne oiseau nous touche de son aile
Et l’horizon s’enfuit d’une fuite éternelle..