مشاهدة النسخة كاملة : جثة في صَرَص
هشام آدم
27-10-2009, 11:09 AM
http://www.arweqat-adb.com/up/arweqat-adb/arweqat-adb.com_uHwhWE8ACs.gif
لا أحد يذكر على وجه التحديد ما حدث للقرية قبل ألف عام، وكل ما يُقال لا يزيد كونه مُجرّد تكهنات تدعمها اختلاف الروايات، حتى أنه لا أحد يعلم سر اتفاقهم على الألف عام، ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألف عام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي في مواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.
قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء. وقال البعض إن أسراب الجراد النهم التي اجتاحت القرية في العام 1009م كان هو المتسبب فيما حلّ بالقرية، وقال آخرون إن دورة التاريخ لم تنصف القرية كما يجب، وأن سنوات المجد لم تدم للقرية أكثر من سبعين عاماً ثم انتقل سريعاً إلى مكان آخر؛ بينما أصر قلة منهم على أن جفاف القرية جاء بعد دفنهم جثة ساحر أفريقي مجهول.
هؤلاء راحوا يحفرون وادي صَرَص حيث يُعتقد أن جثته مدفونة في مكانٍ ما فيه. يخرجون كل صباح حاملين أدوات الحفر، وحافظات المياه، وجهاز التسجيل، يحفرون بهمّة غير مسبوقة وهم يستمعون إلى أغنيات نوبية لمحمد وردي أو شنان، وأحياناً كثيرة تأخذهم النشوة فيلتفون في حلقة ليست دائرية تماماً يؤدون الهمبيق بمزاجية متعالية، متناسين واجب الحفر ومآلاته.
لسبب ما كان ذلك اليوم القائظ يوم حظهم حين أحسوا بوجود جثة ما مدفونة بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليها، لا وجود للحد أو قوالب حجرية. كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها. ما أثار هلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة، كانت الجثة كجسد رجل أربعيني نائم في سلام وكأنه قرر الدخول في سبات طويل في هذه البقعة الرخوة من أرض الوادي.
أخذ الرجال الجثة بعد أن لفوا الجرح بقطعة قماش نظيفة وذهبوا بها إلى القرية. كانت الجثة المهولة ترقد على أكتافهم كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء وما أن اقتربوا من ميدان القرية حتى راحوا يُطلقون الروراي في إشارة للإنجازية، وتدفق الصرصيون على المكان.
وقفت النساء في الصفوف الخلفية وهن يسترقن النظر من وراء ثيابهن الملفوفة على أجسادهن السمراء الناحلة إلى الجثة الطازجة الممدة على الأرض، وراح الأطفال يتلصصون من وراء أجساد أمهاتهن ويتغامزون فيما بينهم، ووجدت الدواجن فرصتها في العبث بغرائر القمح والشعير دون أن ينهرها أحد أو يُعكر صفو فضولها الفطري.
ملامحه توحي بأنه أحد أفراد البني عامر، وملابسه توحي بأنه أدروب، ولكن طوله لا ينتمي إلى أحد ولا إلى شيء ما. أخافتهم الجثة وحيّرهم أمرها كثيراً وراحوا يُقررون ما يجب فعله بها. أصر بعضهم على إحراقها للتخلّص من اللعنة، ورأى البعض الآخر أن إحراق الجثة قد يكون سبباً في حلول لعنة أشد وطأة، وآخرون ذهبوا إلى ضرورة التأكد من هويتها قبل أيّ شيء آخر، ولم ير البقية أهمية لذلك مستندين على استحالة أن تكون جثة رجل عادي طازجة رغم بقائها مدفونة هذا القدر من السنوات، قال أحدهم: "هي جثة ملعونة على أية حال، وهذا سبب كاف لحرقها"
جمعت النساء أغصان الهشاب ولحاء السدر وبعض الغرائر البالية ووضعوها فوق الجثة ليضرموا فيها النار، لكن غيمة سوداء غير معتادة جعلتهم يتراجعون عن ذلك. وليلاً على أنغام زخات المطر على أسقف البيوت الزنكية تحدث البعض عن حماية السماء للجثة من الحرق، ورأوا في ذلك علامة يجب أخذها في الاعتبار.
على لوح من خشب الزان المسحول بعناية كانت جثة الغريب يغسلها مطر الشمال، كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط. مسحت بقايا التراب العالقة عن وجهه وملابسه، وسالت على جسده كيرقات مشاغبة، وبعض الأعين الفضولية تراقبه من خلال ثقوب عشوائية في نوافذ البيوت. مهيبةً كانت الجثة وهي تستقبل المطر في سكون.
في الصباح، اشتد رفض الرافضين لإحراق الجثة، وانضمت إليهم ثلة من النساء، قالوا: "إذا كان دفن الجثة قد جعل اللعنة تحل على القرية قبل ألف عام، فإننا لا نأمن ما قد يصنعه إحراقها" وتناقلوا نظراتهم بينهم ككرات نارية مجنونة هازئة بالجاذبية، وكانت نظرات الأطفال الهادئة الوحيدة التي تحمّلهم مسئولية اتخاذ القرار. وقبل حلول المساء كان الغيمة السوداء تتسلل من مكان قريب لتنذر بيوم ماطر آخر.
على مدار أسبوع كامل لم تنقطع السماء عن إدهاش الجميع بكرمها غير المعتاد، فكانت تُمطر كأنها لن تفعل ثانيةً، أو كأنها تفرغ حمول السنوات المنصرمة ديناً مُستحقاً لأهالي القرية. وتوقف الجميع عن مراقبة الجثة وهي تغتسل بمياه المطر، وانهمكوا في فرحهم الجم بما حلّ عليهم من نعماء مفاجئة. وفي أول هدنة اكتشفوا أن الجثة لم يعد لها أثر في المكان على لوح الزان المسحول بعناية. قال البعض: "لقد عادت الجثة إلى حيث يجب أن تكون، لقد كانت جثة مسحورة بالفعل".
كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكا والأكاسيا. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّ فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كما تمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة.
قال البعض في سُخرية: "لقد أكرمتنا اللعنة لأننا لم نحرق الجثة!" وصلى الرجال شكراً لله لأنهم لم يفعلوا. لا يعلم أحد أين اختفت الجثة، ولم يهتموا لذلك وانشغلوا بأمر القرية التي تغيّرت كُلياً خلال شهر واحد. قال عُمدة القرية: "ربما كانت القرية أجمل من هذا قبل ألف عام!" ولكن أحداً لم يكترث. ثم جدّوا في بناء قبّة وسط القرية حيث كان لوح الزان المسحول وأسموها "قبّة الشيخ زان"
قرناص، عديم الذكر، ظلّ ملتزماً بصمته الساخر وهو يرى حال القرية وأهلها بعد اختفاء الجثة، قال في سرّه: "ياللجثة!" همسَ في أذن عُمدة القرية، فهمس في أذن الذي يليه وتناقلوا الهمس كما تتناقل الناس أخبار النميمة في الجلسات السرية، ثم نهضوا فجأة، يتقدمهم قرناص بطوله غير المُبشر بخير، وأشار إلى مكان ما فحفروا فإذا بجثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسام طارئة ووسيمة.
ايوب صابر
27-10-2009, 05:10 PM
مرور سريع لكن لا بد من عودة....نص اخر والموت والجثة محوره ...حبك يشد القاريء لكن القصة تحتاج لاكثر من قراءة وواضح انه يمكن ان تكون موضوع جيد للنقد والتشريح...فعلى غير العادة البداية ليست مدوية وفيها تكرار لكلمات الف عام اضعف الحبك...ربما.
لا أحد يذكر على وجه التحديد ما حدث للقرية قبل ألف عام، وكل ما يُقال لا يزيد كونه مُجرّد تكهنات تدعمها اختلاف الروايات، حتى أنه لا أحد يعلم سر اتفاقهم على الألف عام، ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألف عام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي في مواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.
عامر خالد
27-10-2009, 06:47 PM
الأديب هشام آدم المحترم
قرأت كافة قصصك المنشورة في الرواق لأن اسلوبك شدني
لقصصك عبق خاص ننتقل من خلالها الى البعيد المظلم بالنسبة لنا
الأجواء ،البيئة ,المكان ،الزمان ....كل محاط بهالة ذات قدسية خاصة
كأنها المجهول بعينه ,خيال واسع محبوك في اسلوب سلس يجعل بدن القارئ يرتجف اما رهبة أو خوفا من النهاية.
أنت متميز يا هشام ومستحق للتقدير
أحييك والى مزيد من قصصك
عامر خالد
هشام آدم
28-10-2009, 03:00 PM
الأستاذ: أيوب صابر
تحيّة عاطرة
أشعر بالغبطة عندما أعلم أن بعض ما أكتب ينال إعجابك واستحسانك، وأرجو ألا يخيب ظنك بي يوماً. بالفعل أحسستُ أن تكرار (ألف عام) أضعفت المقطع الأول من القصة رغم أنني كنتُ أقصد بذلك التأكيد .. على العموم أنا في انتظار عودتك مرة أخرى لأعرف رأيك حول القصة التي أتمنى أن تكون قد حازت على إعجاب الأخوات والأخوة القراء في المنتدى.
تحياتي لك
ريم بدر الدين
29-10-2009, 08:27 AM
صباح الورد
قتلني الفضول لأعرف حكاية الجثة و لكنها في نهاية الأمر لم تكشف عن نفسها:)
فقط انا هنا لأسجل إعجابي بهذه القصة الجميلة فعلا
تحيتي لك يا هشام
دمت بهذه الروعة
أم إيمان
29-10-2009, 11:09 AM
اسلوب كاتب حقيقي ....
تشرفت و سعدت و استمتعت بالقراءة لكم
شكرا جزيلا
هشام آدم
30-10-2009, 11:09 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عامر خالد http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=89762#post89762)
الأديب هشام آدم المحترم
قرأت كافة قصصك المنشورة في الرواق لأن اسلوبك شدني
لقصصك عبق خاص ننتقل من خلالها الى البعيد المظلم بالنسبة لنا
الأجواء ،البيئة ,المكان ،الزمان ....كل محاط بهالة ذات قدسية خاصة
كأنها المجهول بعينه ,خيال واسع محبوك في اسلوب سلس يجعل بدن القارئ يرتجف اما رهبة أو خوفا من النهاية.
أنت متميز يا هشام ومستحق للتقدير
أحييك والى مزيد من قصصك
عامر خالد
الأستاذ: عامر خالد
تحيّة طيّبة
أعتذر منك لتأخري في الرد عليك، ولكنها المشاغل الحياتية الطاحنة يا عزيزي. أشكرك من كل قلبي على قراءة القصة وسعيد بأنها نالت قسطاً من إعجابك، وسعيد برأيك فيما أكتب، وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظنك بي .. القصة -كما أراها- لا أن تحكي ما تراه، وإنما أن تحكي ما لا يراه الآخرون. هذه الحياة -يا عزيزي- مليئة بالمواقف والمتناقضات والمفارقات، ولكننا نمر عليها وكأنها أشياء اعتيادية. وربما ينظر بعضنا إلى الأمور من زاوية، فإن نظروا إلها من زاية أخرى لحدثت المفارقة، هنا يأتي دور القاص الذي يأخذ على عاتقه عبء تبيان تلك الزاوية غير المرئية أو المحجوبة عن الآخرين ويُطفي عليها لمسة الفنتازيا التي تترك للكاتب والقارئ على حد سواء مساحة للخيال لإضافة الكثير من التفاصيل التي تنقص الحدث، وهذا ما أحاول غالباً أن أقوم به، وقد أنجح مرة وأخفق مرات عدّة.
دمت بكل الود
لك مني كل التحية والتجلة
هشام آدم
30-10-2009, 11:12 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ريم بدر الدين http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=89827#post89827)
قتلني الفضول لأعرف حكاية الجثة و لكنها في نهاية الأمر لم تكشف عن نفسها
الصديقة: ريم بدر الدين
تحيّة طيبة
أعتذاري البالغ لك لأنني لم أنجح في إشباع فضولك، ولأنني أخفقتُ في جعل القصة مثيرة كما كنتِ تتوقعينها، ولكن الجثة (سامحها الله) أثارت فضولي ودفنت قبل أن تكشف لي عن السر :) أرجوكِ اغفري لي ذلك وأتمنى ألا يتغيّر رأيك فمازال أمامنا الكثير لنقوله عن هذه الحياة وعن ساكنيها.
تحياتي لك
هشام آدم
30-10-2009, 11:14 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم إيمان http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=89833#post89833)
اسلوب كاتب حقيقي ....
تشرفت و سعدت و استمتعت بالقراءة لكم
شكرا جزيلا
السيّدة الفاضلة : ( أم إيمان )
تحيّة طيّبة
أنا الذي تشرّف بقراءتك للنص وأسعدني كثيراً أن القصة نالت قسطاً من إعجابك.
تحياتي لك
ايوب صابر
02-11-2009, 10:44 AM
روايات، تكهنات ، طيور، انهار، جبال ، ينابيع، لعنات، جفاف، سحر ، ساحر ، حفر ، جثة ، جثث، امطار ، نار ، عودة من الموت، اختفاء الجثة، نميمة ، وجلسات سرية ، همس ، قرناص ......هذه الكلمات الدلالية على محتويات قصة " جثة في صرص" التي تتكون من 957 كلمة منها 32 كلمة "جثة" تتردد خلال القصة ؟؟؟؟
قصة "جثة في صَرَص" عالم من الغموض والخوف والاثار والسحر والدهشة...والموت!!!!!!!!!!
ريم بدر الدين
02-11-2009, 03:38 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ريم بدر الدين http://www.arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=89827#post89827)
قتلني الفضول لأعرف حكاية الجثة و لكنها في نهاية الأمر لم تكشف عن نفسها
الصديقة: ريم بدر الدين
تحيّة طيبة
أعتذاري البالغ لك لأنني لم أنجح في إشباع فضولك، ولأنني أخفقتُ في جعل القصة مثيرة كما كنتِ تتوقعينها، ولكن الجثة (سامحها الله) أثارت فضولي ودفنت قبل أن تكشف لي عن السر :) أرجوكِ اغفري لي ذلك وأتمنى ألا يتغيّر رأيك فمازال أمامنا الكثير لنقوله عن هذه الحياة وعن ساكنيها.
تحياتي لك
مساؤك الورد ياهشام
أنا لم أوصل نفسي بالشكل الكافي
اعجبتني القصة جدا منذ قراءتها عندما كانت بروفة
و كنت اموت شوقا لاعرف قصة الجثة
لكنك لم تبينها كلها و اعرف ان هذه النقطة تكمن وراءها فلسفة عميقة
سأعود عندما انتهي من قراءة و فصفصة
:)
تحيتي لك
ايوب صابر
02-11-2009, 04:56 PM
صديق لي يظن ان الجثة رمز للنفط ....ويدلل على ذلك بكلمات مثل استخرجها عديم الذكر الخ....
لكن رجو ان لا يكشف السيد هشام سرها الان ... وان لا يدلي بأية تلميحات حتى نعجز عن فهم الرموز ...ان كانت اصلا قصة رمزية ...ربما تكون قصة مبنية على شاكلة الاساطير فبيئة السودان واثيوبيا غنية جدا ويمكنها ان تلهم الكاتب بامور قمة في الخيال؟؟؟!!!
وقد تكون قصة عادية لكن يملؤها الغموض والتشويق ؟؟؟ ربما ..
هشام آدم
03-11-2009, 10:44 AM
الأستاذة: ريم بدر الدين
سوف أعترف لك بأن هذا النص أرهقني جداً، ولا حاجة لي بالنصوص السردية التي تتناول "القصص" سأنتظر عودتك وأتمنى ألا تُصابي بخيبة أمل مرّة أخرى
تحياتي
هشام آدم
03-11-2009, 10:47 AM
الأستاذ الفاضل: أيوب صابر
تحيّة عاطرة لك ولصديقك
أعلم تماماً أنني أفقد ملكيتي للنص منذ اللحظة التي أنشرها، وبذلك تصبح ملكاً لقارئها، وله أن يرى فيها ما يراه ولا يحق لي أن أحرمه من هذا الحق الأصيل. فقط أرجو أن تبلغ صديقك مني التحية وأن تقرئه مني السلام
تحياتي وخالص الود
ماجدة حسن
07-11-2009, 06:39 PM
اخي الكريم هشام:
عندما قرأتها لاول مرة شعت ضبابية غريبة فوق رأسي
وعندما اعدت القراءة مرات أخر
تيقنت ان تلك الضبابية الاخاذة التي سحرتني اول مرة هي موطىء الجمال في النص بشكل عام
ابارك قلمك الذي جعلنا نغوص في عمق قرية من تاريخ الزمان الغابر
ونغادر غير عارفين بالسر العظيم
لان معظم الاسرار ذاك الوقت كان يكتنفه اكثر من قول وتأويل وجدل
وبالتالي تكون قصتك قد جمعت متناقضين ببراعة:"الوقعية الصرف والسريالية الآسرة!"
وأثني هنا على المفردات اللغوية وثقافة المعنى وتوصيفه للمكان والزمان وتصوير اللحظة:ادوات عرفت كيف تستخدمها بعين فنان ماهر يدرك ال"أين"وال"كيف" بشفافية وابداع....
تحياتي لك ويشرفني ان تكون اول مشاركاتي هنا
ماجدة حسن
سمير خضر خليفة
08-11-2009, 01:11 AM
الاديب هشام ادم
نص جميل ساعود اليه وهو متربع في كرسي الحادي والعشرين ان شاء الله
غفران طحّان
08-11-2009, 03:15 AM
نص يستحق الوقوف طويلاً
لغة رائعة
قدرة مدهشة على تسريب الدهشة في كل سطر
بانتظار ذاك المجهول
أخي الكريم
دمت متألقاً
مودة بيضاء
وياسمين مندى
فايزة شرف الدين
08-11-2009, 08:25 PM
هشام آدم .. اسم له وزنه في عالم القص .. القصة رائعة جدا كل ما فيها يحمل على الدهشة .. أيضا يثير الفضول وأنت تصف هذا الجو الغرائبي لمن يعيشون في بيئات أخرى غير التي اعتادها الأغلبية منا من الكتاب .
هنا نحت في التاريخ ، وأنت كذلك في أعمال أخرى قرأتها لك .. ثم أسماء الجبل والأزهار والنهر شدتني جدا .. جو الغموض كان داعما للقصة .
أعجبني ردك في أنك تضيف من ذائقتك ومن رؤيتك أنت كمبدع ومن خيالك لتضيف وتريق على الواقع المعاش بنوراما وجو من الفانتازيا .
هذا الأدب الموغل في المحلية كفيل أن يصل يوما للعالمية .. وأجدك كذلك فأنت تمتاز بالثقافة العالية والأسلوب الخلاب الساحر ، وتلك الروح الوثابة المتواضعة لأديب سيكون له مكانة رفيعة لو أتيحت له الفرص المواتية .
خالص تقديري
مأمون المغازي
08-11-2009, 10:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحباء الكرام أهل أروقة الأدب
إن كل عمل ينشر هنا في الأروقة لهو عمل حقيق أن تدار حوله ندوات قرائية؛ لأننا موقنون أن كل من ينشر في الأروقة يقدر حجم مسؤوليته إذا وضع عمله في ملتقى الأقلام التي لا ترحم العمل من التشريح ، وربما يمر على العمل زمن إلا أن صاحبه ودون سابق إنذار يجد عمله قد فرد على الطاولة وبدأ فيه التشريح بالحد الأقصى من الحيادية ، وإن كانت هناك بعض الأقلام المجاملة فهي ظاهرة صحية فلا يوجد إبداع إلا وصاحبه الإعجاب أما تحديد المستوى وفق المعايير فهذه مسألة خارج حدود ونطاق الإعجاب .
أيها السادة ، ولأن الأروقة نهجت التصويت لبعض الأعمال مما ينشر في رواق القصة وفق منهج يقارب العشوائية لضمان الأحقية ثم طرح هذا للتصويت ليشارك كل من يدلي بصوته في اختيار العمل الذي يوضع على طاولة المناقشة والقراءة، وليكون : قصة الحادي والعشرين فقد كانت النتائج لصالح : جثة في صرص في الطرح الخامس .
وإننا نهنئ الأروقة بأن فيها هذه المستويات الرفيعة من الإبداع الذي ـ والحق يقال ـ يجعلنا نحتار حين نختار ، ولأنني لن أدخر قراءتي في قصة : جثة في صرص؛ نطرح العمل من الآن للنقاش والقراءات الجادة ، ولا نعفي أحدًا من المشاركة فلن نحرم أصحاب القراءات الانطباعية أو من هم على الدرب من أن يمتعونا بآرائهم وبهذا نتعلم ، فكلنا يتعلم .
لكم جميعًا تحياتي مع محبتي .
الأديب : هشام آدم ، أهلاً بأعمالك دائمًا ، ولك محبتي التي تعرف .
د. محمد فؤاد منصور
08-11-2009, 11:17 PM
عزيزي هشام آدم
في لغة جميلة وسرد شيق طرحت علينا قصة تستوقف التفكير طويلاً لما تطرحه من موضوع غريب في بابه ، فنحن أمام قرية أصابها الجفاف لأمر ما .. ولما أعيت سكانها الحيل لمعرفة سبب ذلك الجفاف الطارئ راحوا يبحثون في تاريخهم عن سبب تلك اللعنة التي حلت ببلدهم ، .. الجثة المكتشفة كانت في وضع غريب ، فهي بملابسها كاملة دون كفن ، والدم الطازج ينز منها ، وهذه صفات لاتتأتى في مفاهيمنا الشرقية سوى للشهداء ، فشهداء الحروب يدفنون بملابسهم ودون كفن ، وأولياء الله لاتنال منهم الأرض بل تظل جثثهم حية إن جاز التعبير ولاتتحلل ، أي أننا إزاء جثة لأحد شهداء تلك القرية في عصورها المجيدة ، وعدم الحفاوة بها وبماتمثله قد أوصل القرية إلى حالة من الجدب والجفاف ، ومن هنا كان الأحتفاء بالجثة بالشكل اللائق بها هو بداية انفراج الأزمة وهطول الغيث ، فهل من رسالة تود بثها من وراء هذه الأحداث الغريبة ؟! .. لعلك أردت بالفعل توصيل رسالة لنا جميعاً ، إن مانعانيه في عالم اليوم من تدهور ونكوص وضيق حال يحتاج منا عودة قوية إلى أمجاد الماضي ، نثيره ونوقظه من سباته ، ففيه مكمن السر ومفتاح اللغز ، وفيه يغاث الناس ..
تراني شطحت بعيداً عن مرمى قصتك ؟! .. لي عودة .
:icon (11):
قيس الكلمد
09-11-2009, 01:47 AM
الكاتب المبدع:
لم امر بك من قبل
و وكم انا ندم
قبلك عرفت الطيب صالح
اما الا فانا اعرف الاثنين
مادامت سماء السودان مدرارة تمنحنا ابداعا على ابداع
والحق كل الحق اجد بك موهبه نادرة بعالم القصة والروايه العربيه
دمت خلاقا
ضيف حمراوي
09-11-2009, 12:10 PM
شكرا على القصة التي يمكن إدراجها ضمن تيار الواقعية السحرية ،وهي قريبة الشبه بقصة جابريال جارثيا ماركيز "أجمل رجل في العالم" .
تحياتي ومزيدا من التألق.
مصطفى ابووافيه
09-11-2009, 02:47 PM
المشكلة ليست فى ماهية الجثة
المشكلة فى اعتقاد الناس فى الخرافات
عندما تشتد الازمة بالانسان للاسف يلجأ الى السحرة والى الخزعبلات وينسى اللجوء الى الله سبحانه وتعالى
الحوار فى النص شيق وان كنت افضل عدم ذكر مكان الحدث حتى يكون عاماً وكذلك اسماء الجباتل والاعشاب
يبقى عندى تساؤل ! ماهى رسالة النص ؟
هل رسالة النص ترسيخ فكرة الاعتقاد بالخرافات !!!
ام رسالة النص القاء الضوء على التخلف والجهل المنتشر فى صرص وامثالها
تحياتى
مصطفى ابووافيه
عز الدين الغزاوي
09-11-2009, 03:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاص المبدع هشام أدم
تمتعت بقراءة قصتك ، و تهت في دهاليز الحكاية بكل عناصرها
الخيال ، الغموض ، السحر ، المعتقد ...
لقد أحسنت استعمال كل هذه العناصر ، لتعطينا نصا من الحكاية المحبوكة
و تشد أنفاسنا كي نكتشف المخفي منها
دمت متألقا في كتاباتك القصصية
صادق مودتي / عز الدين الغزاوي
شريفة العلوي
09-11-2009, 03:10 PM
في اي عمل إبداعي رائع يجذبنا الأسلوب واللغة التي تحمل الينا أكثر من مغزى في كيفية قولبتها وتناولها ..في هذا النص تتضح الفكرة تماما للقارئ بأن أجواء النص تدل على قوم يعتنقون الوثنية من خلال نبش القبر والرغبة بحرق الجثة ومن ثم تعليق الأمر على عوامل غيبية فيها التطير والتشاؤم المأخوذين من احوال الطبيعة و خاصة عندما تكون ظاهرة السحر كفعل مسلم به , ففي المجتمعات الاسلامية مهما كان الجهل مستشريا لا يمكن ان تكون ظاهرة السحر متفق عليه ويظل خافيا حتى لو تم التعامل به ..نص عميق قدم الينا فكرته بشكل مقنع ..
تقديري لأخي المبدع هشام آدم
هشام آدم
09-11-2009, 04:37 PM
الأخوة والأساتذة الكرام
في الحقيقة تفاجئت لدى مروري اليوم بهذا المنتدى العابر ترشيح هذه القصة، ولا أنكر أنني فرحتُ كثيراً لذلك، وبداية أتمنى أن يكون النص أهلاً للمثول بين يدي ذهنكم المتقد وأقلامكم الأمينة. ولأنني متمتع بإجازتي السنوية، ونادراً ما أدخل الإنترنت في مثل هذه المناسبات، فإنني أرجو اعتبار هذه المداخلة كتحية أولى لكم جميعاً، على وعد بعودة قريبة لكل الأساتذة الكرام المتداخلين والذين أثروا النص بآرائهم وملاحظاتهم وقراءتهم العميقة
لكم مني جميعاً فائق الود والتقدير
ايوب صابر
09-11-2009, 05:20 PM
الاخ هشام ادم
اتصور ان اي مداخلات الان ولحين انتهاء الغوص من قبل الاخرين ...يجب ان تظل بعيدة عن الكشف التام لاعماق القصة من قبلكم .
دع لطفا الاخرين يغوصون في النص كما يحلوا لهم ...ويمكنك وكما جرت العادة هنا العودة في نهاية " الواحد والعشرين يوم " لترد ، تعلق او تفند وتكشف اسرار النص بما يحلوا لك حينها...
عبد الرحيم محمود
09-11-2009, 09:27 PM
من الواضح أن الكاتب يعزو تخلف الأمة لإيمانها بالغيبيات التي لا سند لها ، وهم يفسرون بجهلهم ظواهر الطبيعة ، ولا يريدون أن يكون العلم هو طريق التقدم ، ويجعلون كل أحداث القرية تحركها جثة ميتة ، أو يد خفية ، ولا يريدون أن يقودهم العلم والنور ، قصة جميلة بها عناصر القصة القصيرة مكتملة ، وأهمها شد القاريء للوصول للنهاية بلا توقف / تحيتي .
ايوب صابر
10-11-2009, 12:29 AM
يبدو ان السر في القصة موجود في هذه الفقرة :
"قرناص، عديم الذكر، ظلّ ملتزماً بصمته الساخر وهو يرى حال القرية وأهلها بعد اختفاء الجثة، قال في سرّه: "ياللجثة!" همسَ في أذن عُمدة القرية، فهمس في أذن الذي يليه وتناقلوا الهمس كما تتناقل الناس أخبار النميمة في الجلسات السرية، ثم نهضوا فجأة، يتقدمهم قرناص بطوله غير المُبشر بخير، وأشار إلى مكان ما فحفروا فإذا بجثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسام طارئة ووسيمة".
- فمن هو قرناص ؟ هل الكلمة مشتقة من قراصنة ؟
- من هو عديم الذكر ؟ هل هو الاجنبي؟
- لماذا يظل قرناص ملتزما بصمته الساخر؟
- من الذي همس في اذن عمدة القرية ؟ هل هو القرناص؟ ومن هو العمدة؟ وماذا يمثل؟
- من الذي يلي العمدة هنا؟ هل هو مساعدة مستشاره وزيره؟
- ما هو ذلك الاكتشاف الذي تناقلت خبره الالسن بكل تلك السرية والدهشه؟
- لماذا يتقدم قرناص اهل القرية من اجل العثور على الجثة؟ وماذا يرمز طوله غير المبشر؟
- لماذا قرناص هو الذي اشار؟
- لماذا حفروا ؟
- زان خشب فهل الجثة من خشب مدفون من الف سنة؟
- ماذا وجدوا يرقد هناك مكان ما اشار قرناص؟
- ماذا يعني انهم وجدوا جثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة طارئة ووسيمة؟
- هل تعمد الكاتب التضليل في اخر عبارة ؟
الصحيح ان هذه القصة عميقة وغامضة بشكل استثنائي....
ايوب صابر
11-11-2009, 04:30 PM
صديق آخر لي يقول عن قصة " جثة في صرص " في هذه القصة من الجمال ما لا يجوز خدشه بالتحليل والنقد... قراءتها أشبه بتناول قرطوس من البوظة الفاخرة وأنت تسير مع حبيبتك وعمركما 18 سنه، على شاطئ المحيط في مساء يوم خميس من يوم صيفي حار.
رغم ذلك سنحاول هنا إظهار العناصر التي جعلت هذه القصة قمة في الروعة والادهاش:
العنوان : ترتعد له الأبدان....حيث تكون قراءة القصة بمثابة رحلة للتعرف على سر تلك الجثة.
الحبكة : مكثفة إلى حد انك لا تكاد تجد كلمة في غير موضعها.
سحر الأرقام : لماذا ألف عام ، وما الوقع الذي يتركه الرقم 1009 ثم لماذا سبعة اذرع؟ ولماذا المجد دام سبعون عاما؟ هناك نكته تقول بأن قائد عسكري أوضح بأنه سيقتل في حربه 200,000 شخص وطبيب أسنان فاهتمت الصحافة في الطبيب وتركت الـ 200,000 شخص فللأرقام سحر مؤثر.
الغموض : القصة تتمحور حول جثة مدفونة والناس تبحث عنه...وكأن المتلقى واحد من جمهور القصة الذي يبحث.
الرسالة او الفكرة : تم اخفاؤها ببراعة فهي مدفونة في النص كما هي الجثة وتحتاج لجمهور من المتلقين ان يحفروا في النص بحثا عن الفكرة.
التشويق : استثنائي بكل المقاييس.
اللغة : قوية جدا وقد تم تسخير كلمات غاية في التأثير من مطلع القصة إلى آخرها. ( جثة ، صرص، سحر، لعنة، حفر ، نشوة، همبيق، يتلصصون، غرائر، نار، مطر، مسحول، مجهول، إدهاش، هلع، مشاغبة ، عالقة ، مسحول ، يتمرغ ، ثقوب ، عشوائية، مطر، مروج، اختفاء ، قرناص، صمت ، ساخر، همس، سرية، زان، سلام، طارة ، ووسيمة ).
جمل وصفية استثنائية في جمالها:
- ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألفعام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي فيمواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.
- هؤلاء راحوا يحفرون وادي صَرَص حيث يُعتقدأن جثته مدفونة في مكانٍ ما فيه. يخرجون كل صباح حاملين أدوات الحفر، وحافظات المياه، وجهاز التسجيل، يحفرون بهمّة غير مسبوقة وهم يستمعون إلى أغنيات نوبية لمحمد وردي أو شنان، وأحياناً كثيرة تأخذهم النشوة فيلتفون في حلقة ليست دائرية تماماً يؤدون الهمبيق بمزاجية متعالية، متناسين واجب الحفر ومآلاته.
- كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها.
- ما أثارهلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة.
- كانت الجثة المهولة ترقد على أكتافهم كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء وما أن اقتربوا من ميدان القرية حتى راحوا يُطلقون الروراي في إشارة للإنجازية، وتدفق الصرصيون على المكان.
- وليلاً على أنغام زخات المطر على أسقف البيوت الزنكية تحدث البعض عن حماية السماء للجثة من الحرق، ورأوا في ذلك علامة يجب أخذها في الاعتبار.
- على لوح من خشب الزان المسحول بعناية كانت جثة الغريب يغسلها مطر الشمال، كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط. مسحت بقايا التراب العالقة عن وجهه وملابسه، وسالت على جسده كيرقات مشاغبة، وبعض الأعين الفضولية تراقبه من خلال ثقوب عشوائية في نوافذ البيوت. مهيبةً كانت الجثة وهي تستقبل المطر في سكون.
- وتناقلوا نظراتهم بينهم ككرات نارية مجنونة هازئة بالجاذبية.
- وقبل حلول المساء كان الغيمة السوداء تتسلل من مكان قريب لتنذر بيوم ماطر آخر.
- مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكاوالأكاسيا. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّت فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كماتمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة.
حقا انه وصف قمة في الجمال.
يتبع ،،،
عبد الحميد الغرباوي
12-11-2009, 12:21 AM
شكرا على القصة التي يمكن إدراجها ضمن تيار الواقعية السحرية ،وهي قريبة الشبه بقصة جابريال جارثيا ماركيز "أجمل رجل في العالم" .
تحياتي ومزيدا من التألق.
"أجمل غريق في العالم" و ليس " أجمل رجل في العالم"...
و هذا ما كنت سأتحدث عنه، منذ يومين، لولا عطب مفاجئ حدث في "الحاسوب"، فذهب بكل ما كتبت تعليقا على قصة صديقنا آدم...
القصة القصيرة التي كتب الصديق آدم، كانت حقيقة رائعة و تستحق أن تكون الفائزة بإعجاب الأعضاء..كانت رائعة فكرة و لغة و بناء..
و كانت ستدرج ضمن الواقعية السحرية التي تحدث عنها العضو الحمراوي، لو أنها ابتعدت عن تاريخ ميلادي له أحداثه في صفحات تاريخ و منطقة يبدو أنها هي الأخرى حقيقية و ليس من نسج الخيال... بمعنى أنها أخلصت للواقعية أكثر، رغم ما تضمنته من غرائبية، و بخاصة في القسم الأخير منها، هذه الغرائبية/ الخرافة نجدها في المحكي الشفهي العربي، فالمحكيات الغريبة نسمعها كل يوم...
و عودة إلى أوجه التقارب أو التشابه بين القصتين، أكاد أجزم أنها كثيرة، حتى أن المطلع على القصتين قد يخرج بانطباع أن صديقنا آدم تأثر عظيم التأثر بقصة غابرييل، و أعجب بها أيما إعجاب، فأوحت له بنصه القصصي محور حديثنا...
الآن...
و أنا أعرف أن من بين الأعضاء، هنا، من له القدرة، أكثر مني، على حصر المفردات / المفاتيح، التي تبرز بجلاء مدى هذا التقارب العجيب بين النصين، و أولاها: الجثة، القرية، الأطفال، النساء ، الرجال، غرائبية الجثة...إلخ...و حتى العدد سبعة الذي أشار إليه الناقد الأستاذ أيوب صابر، نجده في قصة غابرييل...
خلاصة القول، و حتى يتمكن كل عضو من أخذ فكرة عن هذا التقارب بين النصين، أطرح أمامكم نص غابرييل ماركيز، ترجمة الدكتور محمد قصيبات، و تجدر الإشارة إلى أن مترجما آخر قام بمراجعة ترجمة الدكتور قصيبات، و أضاف إليها فقرات، منحت الترجمة قوة أكبر، لكنها ليست بحوزتي الآن...
إليكم نص" أجمل غريق في العالم" للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.
أجمل غريق في العالم
للكاتب الكولمبي غبرييل غارسيا ماركيز
٣١ آب (أغسطس) ٢٠٠٦، ترجمة: الدكتور محمد قصيبات
ظنّه الأطفال لمّا رأوه ، أول مرة ، أنه سفينة من سفن الأعداء. كان مثلَ رعنٍ أسود في البحرِ يقترب منهم شيئا فشيئا. لاحظ الصبيةُ أنه لا يحمل راية ولا صاريًا فظنوا حينئذٍ أنه حوتٌ كبير، ولكن حين وصل إلى ترابِ الشاطيء وحوّلوا عنه طحالبَ السرجسِ و أليافَ المدوز و الأسماكَ التّي كانت تغطيهِ تبيّن لهم أنّه غريق. شرعَ الصبيةُ يلعبون بتلك الجثة يوارونها في الترابِ حينًا ويخرجونها حينًا حتّى إذا مرّ عليهم رجلٌ ورأى ما يفعلون نَهَرهم وسعى إلي القريةِ ينبه أهلها بما حدث. أحسّ الرجالُ الذين حملوا الميّتَ إلى أول بيتٍ في القرية أنه أثقل من الموتى الآخرين ، أحسّوا كأنهم يحملون جثّةَ حصانٍ وقالوا في ذات أنفسهم :
"ربما نتج ذلك عن بقاء الغريق فترة طويلة تحت البحرِ فدخل الماءُ حتى نخاع عظامه." عندما طرح الرجالُ الجثةَ على الأرضِ وجدوا أنّها أطولُ من قامة كلّ الرجال ، كان رأس الميتِ ملتصقًا بجدار الغرفة فيما اقتربت قدماه من الجدارِ المقابلِ ، وتساءل أحد الرجال عمّا لو كان ذلك ناتجًا عن أن بعض الغرقى تطول قاماتُهم بعد الموت. كان الميتُ يحمل رائحةَ البحر ، وكانت تغطيه طبقةٌ من الطين و الأسماك. لم يكن من الضرورة تنظيف الوجه ليعرف الرجال أن الغريق ليس من قريتِهم ، فقريتهم صغيرة لا تحوي سوى عشرين من البيوت الخشبية الصغيرة ، و كانت القرية نادرةَ التربة مما جعل النسوة يخشين أن تحمل الريحُ الأطفال ومنع ذلك الرجالَ من زرع ِ الأزهار ، أمّا الموتى فكانوا نادرين لم يجد لهم الأحياءُ مكانًا لدفنهم فكانوا يلقون بهم من أعلى الجرف..
يتبع
عبد الحميد الغرباوي
12-11-2009, 12:22 AM
تتمة القصة:
كان بحرُهم لطيفًا ، هادئًا و كريمًا يأكلون منه. لم يكن رجالُ القرية بكثيرين حيث كانت القوارب السبعةُ التي في حوزتهم تكفي لحملهم جميعًا ، لذلك كفى أن ينظروا إلى أنفسهم ليعلموا أنه لا ينقص منهم أحد.. في مساءِ ذلك اليوم لم يخرج الرجال للصيدِ في البحر. ذهبوا جميعًا يبحثون في القرى القريبة عن المفقودين فيما بقتِ النسوة في القريةِ للعناية بالغريق …أخذن يمسحن الوحلَ عن جسده بالألياف ويمسحن عن شعره الطحالب البحرية ويقشّرن ما لصق بجلده بالسكاكين..
لاحظت النسوة أن الطحالب التي كانت تغطي الجثة تنتمي إلي فصيلة تعيش في أعماقِ المحيطِ البعيدة ، كانت ملابسه ممزقة وكأنه كان يسبح في متاهةٍ من المرجان. ولاحظت النسوة أيضا أن الغريقَ كان قد قابل مَلَكي الموتِ في فخرٍ و اعتزاز فوجهه لا يحمل وحشةَ غرقى البحرِ ولا بؤس غرقى الأنهار. وعندما انتهت النسوة من تنظيف الميّت وإعداده انقطعت أنفاسهن ، فهن لم يرين من قبل رجلاً في مثل هذا الجمال و الهيبة..
لم تجد نساء القرية للجثة ، بسبب الطولِ المفرطِ ، سريرًا ولا طاولة قادرة على حملها أثناء الليل. لم تدخل رِجْلا الميتِ في أكبرِ السراويل و لا جسدُه في أكبرِ القمصان ، ولم تجد النسوة للميّت حذاءً يغطي قدميه بعد أن جربوا أكبر الأحذية. فقدت النسوة ألبابَهن أمام هذا الجسدِ الهائلِ فشرعن في تفصيل سروالا من قماشِ الأشرعة و كذلك قميصًا من "الأورغندي" الشفاف فذلك يليق بميّتٍ في مثل هذه الهيبة و الجمال.. جلست النسوة حول الغريق في شكلِ دائرةٍ بين أصابع كل واحدةٍ منهن إبرة وأخذت في خياطة الملابس ، كن ينظرن بإعجاب إلى الجثة بين الحين و الحين؛ بدا لهن أنه لم يسبق للريح ِ أن عصفت في مثل هذه الشدة من قبل ولا لبحر "الكاراييب" أن كان مضطربًا مثل ذلك المساء. قالت إحداهن " أن لذلك علاقة بالميّت" ، وقالت أخرى " لو عاش هذا الرجل في قريتنا لاشك أنه بنى أكبر البيوت وأكثرهن متانة ، لاشك أنه بنى بيتًا بأبواب واسعة وسقفٍ عالٍ وأرضيةٍ صلبة ولاشك أنه صنع لنفسه سريرًا من الحديد و الفولاذ ، لو كان صيادًا فلاشك أنه يكفيه أن ينادى الأسماك بأسمائها لتأتى إليه. ، لاشك أنه عمل بقوة لحفر بئرٍ ولأخرج من الصخور ماءً ولنجح في إنبات الزهر على الأجراف".. أخذت كل واحدة منهن تقارنه بزوجها ، كان ذلك فرصة ثمينة للشكوى والقول أن أزواجهن من أكبر المساكين..
دخلت النسوة في متاهات الخيال. قالت أكبرهن:" للميّت وجه أحد يمكن أن يسمّى إستبان". كان هذا صحيحًا..كفي للأخريات أن ينظرن إليه لفهم أنه لا يمكن أن يحمل اسمًا آخر ، أمّا الأكثر عنادًا والأكثر شبابا فقد واصلت أوهامها بأن غريقًا ممدّدًا بجانب الأزهار وذا حذاء لامع لايمكن إلا أن يحمل اسمًا رومنطقيًا مثل "لوتارو". في الواقع ما قالته أكبرهن كان صحيحًا فلقد كان شكل الميت بلباسه مزريًا حيث كان السروال غير جيد التفصيل فظهر قصيرًا و ضيقًا ، حيث لم تحسن النسوة القياس وكانت الأزرار قد تقطعت وكأن قلب الميت قد عاد للخفقان بقوة..
بعد منتصف الليل هدأت الريحُ ، وسكت البحرُ ، وساد الصمتُ كل شيء . أتفقت النسوة عندها أن الغريق قد يحمل بالفعل اسم إستبان ، ولم تسُدْ الحسرة أية واحدة منهن: اللاتي ألبسن الميّتَ واللاتي سرحن شعره واللاتي قطعن أظافره وغسلن لحيته. لم تشعر واحدة منهن بالندم عندما تركن الجثة ممدّدة على الأرض ، وعندما ذهبت كل واحدة إلى بيتها فكرن كم كان الغريق مسكينًا وكم ظلت مشكلات كبر حجمه تطارده حتى بعد الموت ، لاشك أنه كان ينحني في كل مرة يدخل فيها عبر الأبواب .. لاشك أنه كان يبقي واقفا عند كل زيارة ، هكذا كالغبي، قبل أن تجد ربة البيت له كرسيا يتحمله…ولاشك أن ربةَ البيتِ كانت تتضرع للربّ في كل مرة ألا يتهشم الكرسي. وكان في كل مرة يرد عليها إستبان في ابتسامةٍ تعكس شعوره بالرضا لبقائه واقفا ..لاشك أنه ملّ من تكرر مثل هذه الأحداث ، ولاشك أيضا أن الناس كانوا يقولون له "ابق وأشرب القهوة معنا" ثم بعد أن يذهب معتذرا يتهامسون: "حمدا لله لقد ذهب هذا الأبله". هذا ما فكرت فيه النسوة فيما بعد عطفًا على الغريق..
في الفجر، غطت النسوة وجه الميّت خوفًا عليه من أشعة الشمسِ عندما رأين الضعف على وجهه. لقد رأين الغريق ضعيفًا مثل أزواجهن فسقطت أدمع من أعينهن رأفة ورحمة ، وشرعت أصغرهن في النواح فزاد الإحساس بأن الغريق يشبه إستبان أكثر فأكثر..
وزاد البكاء حتى أصبح الغريق أكبر المساكين على وجه الأرض.. عندما عاد الرجال بعد أن تأكدوا من أن الغريق ليس من القرى المجاورة امتزجت السعادة بالدموع على وجوه النسوة. قالت النسوة: "الحمد لله ، ليس الميت من القرى المجاورة إذا فهو لنا!".. أعتقد الرجال أن ذلك مجرد رياء من طرف النسوة ، لقد أنهكهم التعب وكان كل همّهم هو التخلص من هذا الدخيل قبل أن تقسو الشمس وقبل أن تشعل الريح نارها. أعدّ الرجال نقالة من بقايا شراع وبعض الأعشاب التي كانوا قد ثبّتوها بألياف البحر لتتحمّل ثقل الغريق حتى الجرف وأرادوا أن يلفّوا حول رِجلي الجثّة مرساة لتنزل دون عائق إلى الأعماق حيث الأسماك العمياء وحيث يموت الغواصون بالنشوة ، لفوا المرساة حتى لا تتمكن التيارات الضالة من العودة به إلى سطح البحر مثلما حدث مع بعض الموتى الآخرين. ولكن كلّما تعجّل الرجال فيما يبغون كلّما وجدت النسوة وسيلة لضياع الوقت حيث تكاثر الزحام حول الجثة ؛ بعض من النسوة يحاول أن يلبس الميّت "الكتفيّة" حول كتفه اليمين لجلب الحظ حاول بعضٌ آخر أن يضع بوصلة حول رسغه الأيسر، وبعد صراع لغويّ وجسديّ رهيب بين النسوة شرع الرجال ينهرون ويصرخون :" مالهذه الوشايات والفوضى، ماذا تعلقن؟ ألا تعلمن أن أسماك القرش تنتظر الجثّة بفارغ الصبر؟ ما هذه الفوضى، أليس هذا إلا جثّة؟"..
بعدها رفعت امرأة الغطاء عن وجه الميّت فانقطعت أنفاس الرجال دهشة: "إنه إستبان!" لا داعي لتكرار ذلك لقد تعرفوا عليه. من يكون غيره، هل يظن أحد أن الغريق يمكن أن يكون السير والتر روليك على سبيل المثال؟ لو كان ذلك ممكنا فلاشك أنهم سيتخيلون لكنته الأمريكية وسيتخيلون ببغاء فوق كتفه وبندقية قديمة بين يديه يطلق بها النار على أكلة البشر..
لكن الجثة التي أمامهم غير ذلك، إنها من نوع فريد! إنه إستبان يمتد أمامهم مثل سمكةِ السردين حافي القدمين مرتديًا سروال طفلٍ رضيع ، ثم هذه الأظافر التي لا تُقطع إلا بسكين. بدا الخجل على وجه الغريق ، ما ذنبه المسكين إذا كان طويلاً وثقيلاً وعلى هذا القدر من الجمال؟ لاشك أنه اختار مكانًا آخر للغرق لو عرف ما كان في انتظاره. قال أحد الرجال: "لو كنت محله لربطت عنقي بمرساة قبل أن اقفز من الجرف.. لا شك أنني سأكون قد خلصتكم من كل هذه المتاعب ومن جثتي المزعجة هذه."
أعد سكان القرية أكبر جنازة يمكن تخيلها لغريقٍ دون هوية. رجعت بعض النسوة اللاتي كن قد ذهبن لإحضار الزهور من القرى المجاورة برفقة أخريات للتأكد من صحة ما سمعن.
عندما تأكدت نساء القرى المجاورة من شكل الغريق ذهبن لإحضار زهور أخرى ورفيقات أخريات حتى ازدحم المكان بالزهور وبالنساء.. في اللحظات الأخيرة تألّم سكانُ القرية من إرسال الغريق إلي البحر مثل اليتيم فاختاروا له أمًا وأبًا من بين خيرتهم وسرعان ما أعلن آخرون أنهم أخوته وآخرون أنهم أعمامه حتى تحول كل سكّان القرية إلى أقارب ، وبينما كان الناس يتنافسون في نقل الجثمان فوق أكتافهم عبر المنحدر العسير المؤدّي إلى الجرف لاحظ سكان القرية ضيق شوارعهم وجفاف أرضهم ودناءة أفكارهم مقارنة بجمالِ هذا الغريق. ألقى الرجال بالجثة عبر الجرف دون مرساة لكي تعود إليهم كيفما تشاء ومسكوا أنفاسهم في تلك اللحظة التي نزل فيها الميت إلى الأعماق ، أحسوا أنهم فقدوا أحد سكّان قريتهم وعرفوا، منذ تلك اللحظة، أن ثمة أشياء كثيرة لابد أن تتغير في قريتهم..
عرفوا أن بيوتهم تحتاج إلى أبواب عالية وأسقف أكثر صلابة ليتمكن شبح إستبان من التجول في القرية ومن دخول بيوتها دون أن تضرب جبهته أعمدة السقف ودون أن يوشوش أحد قائلاً لقد مات الأبله..
منذ ذلك اليوم قرر سكّان القرية دهن بيوتهم بألوان زاهية احترامًا لذكرى إستبان.. سوف ينهكون ظهورهم في حفر الآبار في الصخور وفي زرع الأزهار عبر الأجراف لكي يستيقظ بحارةُ السفنِ المارةِ في فجرِ السنواتِ القادمةِ علي رائحةِ الحدائق ولكي يضطر القبطان للنزول من أعلى السفينةِ حاملاً اسطرلابه ونجمتَه القطبية و يقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم: "أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريح ِ وحيث ضوء الشمس. هناك هي قرية إستبان!".
ايوب صابر
12-11-2009, 02:25 PM
تابع ،،
العناصر التي جعلت هذه القصة قمة في الروعة والادهاش
السرد: الأحداث متتابعة متلاحمة ويدعم بعضها بعضا والحبكة متكاملة وتوصل الأفكار بتتابع مريح رغم الغموض في النص. والاسترسال حاد وسريع لا تراخي ولا إطالة ولا حشو.
الموت: عدة قصص قرأنها للروائي هشام ادم تتمحور حول الموت فهو يتمتع بقدرة هائلة في معالجة هذه الفكرة العالمية على شاكلة ادجر الن بو الذي تعتبر قصصه والتي تعالج هذه الفكرة من أروع القصص العالمية وأشدها وأكثرها تأثيرا ودهشة وتشويق.
وهنا الحبكة لا تتمحور حول الموت فقط وإنما حول جثة ساحر إفريقي له سبعة اذرع ولها مواصفات عجيبة. ارتبط بها لعنة وعندما تم اكتشافها زالت اللعنة وصار هناك تحول بعد أن أشار إلى مكان دفنها قرناص حيث أصبحت الجثة للشيخ زان هذه المرة.
المنظر : هناك وصف للمشهد في أكثر من موقف يشبه إلى حد بعيد وصف همنجوي في روايته الشيخ والبحر. مشاهد طبيعية ، غابة ، انهار، أزهار ، أمطار ، جبال ، بحر...الخ.
الزمان : الحبكة تتمحور حول مدة زمنية ووحدة زمنية واحدة هي زمن البحث عن الجثة ومن ثم العثور عليها و اختفاؤها من جديد ثم العثور عليها حيث أشار قرناص. رغم العودة بالذهن إلى زمن سابق 1000 عام لكن القصة فيها وحدة زمنية واضحة .
المكان : رغم الحديث عن أكثر من موقع وذكر بلدان لكن مكان وقوع الحدث واحد ومحصور في القرية ومحيطها وقد نجح الكاتب في تسخير جمالية المكان والبيئة في زيادة جمالية القصة.
قصر النصوشمولية التأثير: النص قصير لكنه ليس قصير جدا فقد خدم طول النص إيصال الحبكة بشكل جميل ومؤثر.
الشخصيات : الشخصية الرئيس التي لها أبعاد في القصة هي الجثة لكن هناك شخصيات ثانوية وهم أهل القرية وقرناص ولكنها تخدم في رسم الموقف محور القصة.
وحدة الانطباع: جمالية القصة هذه تكمن في تكامل عناصرها وتضافرها حيث سخرت ببراعة لباء اثر واحد وانطباع واحد. فالكاتب تمكن ببراعة من تركيب وقائع وأحداث أوصلت المتلقي إلى بلوغ الأثر المراد الواحد الذي رامه القاص قبل بدء الكتابة حتما.
وحدة الهاجس : لا شك أن أحداث القصة تدور حول الجثة ففيها أذا وحدة هاجس.
خصوصية البناء : في شركاء التواليب وقع هشام ادم في مشكلة انه نسي ارتداء قبعة القاص فترك لقلمه أن يشطح فجاءت تلك القصة اقرب إلى الرواية لكن هنا نجد شيء مختلف فقد تمكن من لجم قلمه وجعله يقول ما يجب أن يقال فقط.
هناك بعض المآخذ على القصة لكنها لم تؤثر على جماليتها سنتحدث عنها لاحقا ،،
يتبع ،،،
سمير خضر خليفة
13-11-2009, 01:50 AM
محاولة قراءة لقصة( جثة في صرص)
اود ان اشير الى ان ما ساقوله هنا لا يتعدى وجهة نظر حول هذه القصة وانطباع اولي وليس دراسة نقدية لانني لست ناقدا انما قارئ يحق لي قول وجهة نظري بعد ان تحرر النص من ملكية كاتبه
أمام نص جميل متقن الحبكة كقصة جثة في صرص لابد من الوقوف بتأني لان النص بصورته الظاهرية لا يوحي بالمعنى الحقيقي الذي أراده الكاتب ولا الغاية التي أراد الوصول إليها فهو لم يترك لنا إلا عدة رموز ودلالات ولم يضع لنا أية هوامش نستدل بها حتى العنوان أتى غريبا عما الفناه من أسماء المدن والقرى
وبعودة للنص نجد أن الكاتب يتحدث عن ماسات عدة قرى على ضفاف النيل تقع بين مصر والسودان وتسكنها بطون من قبائل النوبيين و زعاماتها يطلق عليها الشياخات والقرى التي تم تهجيرها هي صرص وسمتة واتيري وكوكب لان مياه البحيرات الصناعية التي اقامتها مصر والسودان ومنها بحيرة ناصر قد غمرت قراهم وأراضيهم الزراعية الخصبة مما اضطرهم للهجرة والسكن على تخوم الصحراء
بدا الكاتب بسرد هذه الماساة مستندا للتاريخ الذي شابه بعض الخرافات على مر العصور نتيجة المزج العرقي والهجرات التي تشكلت منها هذه القبائل الاثنية سابقا والتي اعتنقت المسيحية ثم الإسلام وإيراد الالف عام في النص لا يدل حقيقة على التاريخ الذي بدأت منه ماسي هذه المنطقة ولكنه أسلوب اتبعه الكاتب لزيادة التشويق أو تقريب الأحداث لزمننا الحاضر وزيادة في الغموض استعار الكاتب تشبيه (كوجه ملاك قشتالي )
وهذا التشبيه يستخدم في اسباني للدلالة على الأصالة وصفاء العرق بطريقة نازية على الرغم من انني لا احبذ مثل هذا التشبيه لأنه اسم اطلق على القائد القشتالي الذي قاد الحرب ضد المسلمين في اسبانيا ويعتبر احد الأبطال القومين الذين حرروا اسبانيا
(قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء ) وهنا يتم استحضار التاريخ بقوة لما به من علامات الفخار للنوبين الذين حكموا مصر لمئة عام أيام الفراعنة بقيادة ملكهم الذي اتخذ صفة الالوهية اباديماك الذي عبدوه وصنعوا له تمثال بجسم حيوان ورأس طائر وهي الفترة الوحيدة التي حكم بها ذو الأصول الإفريقية أصحاب البشرة السمراء مصر وبنا النوبيون حضارة عظيمة ومن شواهدها الباقية معبد الكرنك وبعض الأهرامات المختلفة عن السائد بتلك الحقبة واتى من بعده ولده ثم زوجة ابنه الملكة الكنكادة الضعيفة و التي انتهى بعهدها حكم هذه القبائل على مصر
ام الجراد فهذه المناطق تتعرض دائما لأسراب الجراد الصحراوي الذي يغزو أراضيها فيقضي على محاصيلها ويسبب المجاعات والذي يعتبره البعض منهم لعنة السماء عليهم بسبب كنكادة
اما الساحر الإفريقي فهي الشخصية التي استمدها الكاتب من الإرث الوثني الإفريقي الذي ما زالت اثاره راسخة في معتقدات البعض و يؤمنون بها وجعلها الشخصية المحورية للنص والتي يتضح من خلال القراءة أنها ليست إلا شخصية ملكهم اباداميك والدلالة على ذلك تأتي من أن هذه الحضارة لم تكن تضع الجثث المحنطة داخل نواويس كما الفراعنة بل كانت تسجيهم على اسرة فاخرة من خشب الصندل الذي دلل عليه الكاتب بلوح الزان المصقول وطريقة الدفن التي لم يألفوها وكان الكاتب أراد أن يقول بان إخراج المومياء والتماثيل وترحيلها قبل بدا العمل ببحيرة ناصر هو اللعنة وهو سبب الكارثة كما جاء بوصف الجثة (لسبب ما كان ذلك اليوم القائظ يوم حظهم حين أحسوا بوجود جثة ما مدفونة بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليها، لا وجود للحد أو قوالب حجرية. كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها. ما أثار هلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة، كانت الجثة كجسد رجل أربعيني نائم في سلام وكأنه قرر الدخول في سبات طويل في هذه البقعة الرخوة من أرض الوادي). والبحث عن الجثة ما هو إلا دعوة للبحث عن الهوية النوبية لهذه القبائل التي بدأت تندثر بعد هذا التهجير القسري عن موطنها و الخوف من حالة الشتات والامتزاج مع الثقافات والانصهار في المجتمعات التي لجأوا اليها
ونستدل على هذا من خلال هذا السرد الذي يوحي بقبول الناس بالواقع الجديد
((كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكا والأكاسيا.. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّ فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كما تمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة(. )
وفي الخاتمة نرى الكاتب قد عرج على موضوع خطير ألا وهو موضوع الحركات الإسلامية الأصولية التي استوطنت هذه المناطق النائية لأنها تشكل حاضنا جيدا لفكرها مستفيدة من بساطة أهلها وطيبتهم واستغلال فقر الناس لتنشر افكارها وتجيش البسطاء في صفوفها وبنت مزارات الأولياء الذين ابتدعتهم لإلهاء الناس ونسف كل الإرث الحضاري لهذه القبائل
ولكنني أرى أن الكاتب أراد في الخاتمة تقديم مقولة إيديولوجية رافضة للواقع المعاش فاوجد شخصية جديدة باسم قرناص وهذا الاسم يعني نوع كريم من الصقور ولكن الصفات التي أطلقها على صاحب الاسم أتت مخالفة تماما لما يعنيه الاسم الحقيقي وجعل قرناص يلعب الدور الحاسم و يقول المقولة التي يريدها الكاتب بان الحقيقة هي الموجودة تحت الأرض لا تحت القباب
مما تقدم نرى أن الكاتب قد تجاوز المكان بوصفه احد العناصر المكملة للسرد القصصي وحوله إلى حاضن للأحداث والشخوص من خلال تعدد الأماكن إلى فضاء واسع حشده بالعديد من الرموز والدلالات على مستوى غير واقعي لتصبح مرجعا جغرافيا وتاريخيا مرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع وسخره للحفاظ على الذاكرة والهوية النوبية على أمل العودة مستمدا من حالة الفقد (النوبي)للوطن وقسوة التهجير والحنين للعودة و هو يدعو للتمسك بالبحث عن التراث المدفون في هذه الأرض والقضاء على الخرافات والتيارات الدينية المتشددة والذي يعزي إليهما الكاتب سبب التأخر عن ركب التطور والتقدم للقبائل النوبية من خلال تشكيل وعي يرتكز على ثنائية الوطن و التهجير كاشفا عن قسوة الواقع ومرارته داعيا لاستحضار المفقود المتمثل بالإرث الحضاري المدفون تحت مياه البحيرات والتي لم تكن يوما بالنسبة لهم إلا وطن
إذا حلفا تغطت تحت ماء ........ فكم بلد تغطي بالتراب
رأينا الماء للأشياء يجلو ... ويحكي الترب آيات الخراب
(من الشعر النوبي)
وفي الختام لا يسعني الا ان انحني بتواضع امام هذه العبقرية الفذة للاستاذ ادم الذي قدم لنا نصا يستحق القراءة و بكل جدارة
محمد الشحات محمد
13-11-2009, 04:23 AM
-البحث عن الثروات المدفونة والموروث الثقافي لدفع الطاقات الكامنة فينا ومن خلال هويتنا التي وجب علينا إعادة غسلها وتطهيرها مما مسها من ألاعيب غريبة ،
- إثارة الجميع بمختلف أعمارهم واهتماماتهم للقيام بما ينبغي تنفيذه ،ومواجهة الثماثيل التي تحركها كيانات فوقية غير آمنة مهما تم صقل هذه الثماثيل وسحر الأعين كي ترى في تماثيلها الممددة دون إحساس حقيقي مايوحي بأنها مازالت تنبض ..! ،
-وتوكيد أن الماضي يرسم المستقبل ، دعوة للتفكير الإبداعي والعمل بجدية من أجل تحقبق الجمال وطول القامة بما يتوافق والقيمة الحقيقية وريادتنا المتجددة بحراً وجواً وفوق اليابس المشتعل بالزهر والقهر إنصافاً ومودة ،
- لامانع من الاستفادة من الثقافات الأخرى شرط الحفاظ على خصوصية معالم الهوية لثقافتنا الأصيلة
أرى أن هذه عدة رسائل حملها النص في إشارات سريعة وإسقاطات على مايقابلها في الواقع ، وأرى أن صديقي "هشام آدم" قد وفق إلى حد كبير ، وإن كان هناك بعض مما يلاحظه النقاد أحياناً ،فذائقة المتلقى تفصل والدهشة دوماً هي الحكم على أولى مراتب الإبداع
فضاء النص وزمكانيته والعلاقات بين المتناقضات أكثر ما أعجبني
"هشام آدم"
لقد استمتعتً بما قرأتُ هنا ، فشكراً لك
وتحية لما شرفتُ بقراءة تعليقاتهم من الأساتذة والزملاء حيث المتعة والمعرفة
دمتم إبداعاً
سمير خضر خليفة
13-11-2009, 01:15 PM
محاولة قراءة لقصة( جثة في صرص)
اود ان اشير الى ان ما ساقوله هنا لا يتعدى وجهة نظر حول هذه القصة وانطباع اولي وليس دراسة نقدية لانني لست ناقدا انما قارئ يحق لي قول وجهة نظري بعد ان تحرر النص من ملكية كاتبه
ايوب صابر
13-11-2009, 02:39 PM
اجد ان قراءة السيد سمير خليفة مدهشة وعميقة ....ولا اعرف من اين يأتي بكل هذه الصور والمعلومات التي يراها في النص فهل قام ببحث عن بيئة القصة... ام انه يعرفها عن قرب...قراءاتك تمثل جهد مميز.... لكن علينا ان ننتظر لنرى ان كنت قد عرفت المغزى فعلا...
قد تكون شطحت بعيدا كما فعل الدكتور فؤاد وانا...
فحينما تحدث الدكتور محمد عن الجثة انها جثة شهيد هناك الكثير من الادلة التي تدعم رؤيته وحينما نتحدث عن المدفون هو النفط نجد هناك دلالات لكن اين تكمن الحقيقة؟؟؟
ايضا اجد ان قراءة السيد الشحات جميلة وعميقة للغاية ولكن كان لا بد من تدعيم الطرح بما هو موجود في النص....لتأكيد تلك القراءة والاستنتاجات.
اول مرة اقرأ للسيد الشحات حبذا ان يظل في الجوار فسوف نستفيد من قدراته النقدية جدا. وربما نعود لنلتقي في دراسة الانا عند المتنبي في رواق الدراسات النقدية.
سمير خضر خليفة
14-11-2009, 07:30 PM
الاخ العزيز ايوب صابر
ان قوة النص هي التي فرضت علي القيام بالبحث والتقصي وما قمت به ليس الا تلبية للدعوة الاساسية حول موضوع قصة الحادي والعشرين وكنت اتمنى على كل الاخوة في المنتدى ان يقدموا وجهات نظرهم حول القصص المطروحة لانجاح التجربة وتعميق مبدا الحوار والاستفادة من اراء الاخرين ولكن ما يحزنني ان اصحاب القصص لا يكلفون انفسهم عناء الرد على زملائهم وللامانتة استثني الدكتور محمد منصور
مع رجائي للاستاذ ادم الا يتجاوز هذا الموضوع لاهمية بالنسبة للاخوة الذين تجشموا عناء الكتابة والبحث وحتى لا يعتبروا ان جهدهم قد ذهب هباء
فايزة شرف الدين
14-11-2009, 09:31 PM
قرأت لجبرايل ماركيز مجموعته القصصية المعنونة بالميراث الدامي المصدرة من دار الهلال المصرية ، وأعتقد أني قرأت له مجموعة أخرى ولكن لا تسعفني الذاكرة .. والكاتب له جوه الغرائبي والمثير في القص .
لنعد إلى قصة جثة في صرص ، والعلاقة بينها وبين أجمل رجل في العالم .. فرغم عدة نقاط متقاربة بين القصتين .. من حيث وجود جثة اختلفت الأراء حولها ، وكانت محور الاهتمام وحولها اثيرت الأقاويل والتخمينات .. إلا أنه يوجد أيضا نقاط خلاف كبيرة بين العملين .. وكثيرا ما اثيرت الأقاويل عندما يتم العثور على غريق لا تعرف له هوية ، أو تم العثور على جثة لم تزل في كامل هيأتها وكثيرا ما سمعنا عن ذلك وأثيرت الأقاويل .. فإذا كان هشام آدم قد تعرض لجثة تم اكتشافها بعد نبواءات فهذا وارد في بيئة وقد تزاحمت واختلطت بها المعتقدات من وثنية ومسيحية وإسلام .. بل أني أجد أن نصه كان مكثفا وأكثر عمقا من قصة جبرايل .
لقد أذهلني التقديم والنقد الذي قدمه الأستاذ سمير خضر .. فقد بدا لي كم المجهود الضخم للبحث والغوص في التاريخ وكذا التعرض الجغرافي والجيولوجي لتك البقعة التي يسكنها أهل النوبة .. ثم الجو النفسي لهؤلاء بعد أن هجروا من بلدناهم قسرا ، ويحضرني أني قرأت لأحد الأدباء النوبيين قصة رائعة فازت بالمركز الثالث في مسابقة بمجلة الأدب ، وكنت أرى أنها يجب أن تكون الأولى بجدارة .. كان فيها كم من الشجن والذكريات المتشحة بالألم وصور وفي غاية الروعة .
تلك القصة " جثة في صرص" تحمل صبغة صاحبها وقد اختزل هذا التاريخ داخل كيانه بحكم ميراثه الفكري والاجتماعي والتاريخي .. فخرجت من عباءة هذا الأفريقي الفذ دون تكلف لتحمل هذا العمق والثراء .
احيانا عندما يكون العمل مذهلا لا تجد كثير من الكلام لتعلق عليه .. مثلما نقف أمام لوحة رائعة مبهوري الأنفاس .. فلا نجد إلا كلمة رااااااائع .. لذا صمتنا نحن الأدباء أستاذنا سمير عن الكلام المباح عندما طلع علينا هشام بجثته في صرص .
أشكر كل من شارك وساهم في التعليق
محمد الشحات محمد
14-11-2009, 10:27 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ايوب صابر http://www.arweqat-adb.com/vb/s-arweqat/buttons/viewpost.gif (http://www.arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=91101#post91101)
ايضا اجد ان قراءة السيد الشحات جميلة وعميقة للغاية ولكن كان لا بد من تدعيم الطرح بما هو موجود في النص....لتأكيد تلك القراءة والاستنتاجات.
اول مرة اقرأ للسيد الشحات حبذا ان يظل في الجوار فسوف نستفيد من قدراته النقدية جدا. وربما نعود لنلتقي في دراسة الانا عند المتنبي في رواق الدراسات النقدية.
_________
أخي المتألق
"أيوب صابر"
تشرفتُ بالقراءة لمعظم أصدقائنا في "أروقة الأدب"، ولكن ربما تكون مشاركاتي أقل بكثير، أما عن تدعيم قراءتي بما هو في النص ،فإنني آثرتُ أن يبقى نص أخينا "هشام" هو الدليل عما أقول .. وببساطة فإن ماكتبته جاء طبيعياً كرد فعل لقراءتي النص ومشاركات الإخوة ،وبعيداً عن السحر وعمليات التهويد الناجمة عن الحفروآراءمافوق السطح،
و ما "الأنا" يا أخي إلا ما نقرأُ أنفسنا بين نبضات النصوص والموضوعات الديرة بالقراءة والتعمق بين أمواها والاستمتاع بفك رموزها
سعيدٌ جداً بحواريتك الرائعة ويشرفني قربكم
وافر التحية
ايوب صابر
15-11-2009, 12:53 AM
اضافة الى ما تفضلت به الاخت فايزة شرف الدين وتعليقا على التقارب مع قصة "اطول رجل في العالم" ..كان السيد ضيف حمراوي قد علق حينما علق السيد سمير خليفة بأن قصته "ملح البحر" قريبة من قصة "السمكة الصغيرة" بما يلي:
" قد تتوارد الأفكار حتى تتطابق تطابق الحافر على الحافر "
وقال " أن النص الثري هو الذي يقدم قدرا كبيرا من مبررات القراءات المحتملة الملفوفة بالسحر والجمال المفجر للمتعة، والمشبعة بالقيم الإنسانية النبيلة ، رغم اختلاف الأوطان والثقافات ،وتباعد الأزمنة وتباين المجتمعات"
انا لست بصدد الدفاع عن قصة جثة في صرص حتى لو كانت قريبة من قصة ماركيز "اطول رجل في العالم" فقد تتطابق الافكار دون ان يكون هشام ادم قد اطلع على تلك القصة ولكن اردت هنا ان اذكر حتى لو كان هشام ادم قد اطلع على تلك القصة وتأثر بها فان ذلك لا يعيبها لان الادب هو تقليد الحياة وهو تقليد التقليد ولكن لا بد من التأكيد ان هشام ادم قد نجح جدا في ابداع قصة يمكن وصفها كما يقول ضيف حمراوي بأنها: " قدمت قدرا كبيرا من مبررات القراءات المحتملة الملفوفة بالسحر والجمال المفجر للمتعة، والمشبعة بالقيم الإنسانية النبيلة ، رغم اختلاف الأوطان والثقافات ،وتباعد الأزمنة وتباين المجتمعات"
وقد نجح هشام ادم هنا ايما نجاح... ورغم عمق القراءات اظن ان السر ما يزال هناك ولم نتمكن من فك لغز الجثة حتى الان.
ورد على الاخ سمير بخصوص تأخر هشام في الرد على تعليقات الراود هنا اتصور ان ذلك مطلوب حتى يظل العمل يحتفظ بسره وحتى نهاية المدة ثم يقوم هو بالرد .. هكذا كانت الخطة في المشروع عندما اطلق.
فايزة شرف الدين
15-11-2009, 02:05 AM
الشيء بالشيء يذكر عن توارد الأفكار الأخ الكريم أيوب صابر .. فقد ألفت رواية أسميتها الشبح الراقص ، ولم أكن قد رأيت فيلم سعاد حسني بئر الحرمان .. وكان فيه البطلة تعاني من حالة نفسية عندما تتبدل شخصيتها إلى شخصية مستهترة ، وهي كما بحثت في كتاب الدكتور أحمد عكاشة عن الطب النفسي .. يطلق عليها هستيريا تحويلية .. فوجئت من يقول لي أنها قريبة الشبه بهذا الفيلم .
وقد شاهدت الفيلم بعد كتابتي للرواية بعدة شهور .. كان هناك فعلا عدة مشاهد قريبة .. مع أن المعالجة كانت مختلفة .. إن دل هذا فهو دلالة على منطيقة التصاعد الدرامي ، وتطابقها لدى مؤلفي الرواية .. وتوارد الأفكار موجود حتى في العلم .. فقد اكتشف عالمان سر اختراع التلفزيون في آن واحد ولا تحضرني الذاكرة إلا في أن أحدهما هو العالم أديسون على ما أتذكر .
وأضيف أن الحضارة الإنسانية ، وإن كان هناك تباين بينها في بعض الأمور .. إلا أنها استقت من منبع واحد من لدن سيدنا آدم وحواء .. فنحن بني البشر نحمل من ذراتيهما إلى قيام الساعة .. وأتصور لو أنه جاء إلينا مخلوقات من عالم فضائي لظن أننا نحن البشر على شاكلة وشبه واحد ، ولحار في الاختلاف بيننا .
هشام آدم
15-11-2009, 04:44 PM
الأساتذة والأخوة الكرام
تحيّة طيّبة
قرأت التعليقات والإضاءات النقدية التي قدمها الأساتذة الكرام، وبعد كل قراءة كنتُ أصفق بقلبي لهذا العمل الرائع الذي ولده النص لدى الأساتذة الكرام، وقد أعجبتني بعض التعليقات في طريقتها في الغوص إلى داخل النص في محاولة لكشف وسبر أغواره، رغم أنني أؤمن بأن جمال النصوص الغامضة كامن في كونها غامضة أصلاً، أنا سعيد غاية السعادة بهذه القراءات العميقة دون استثناء ولن أصرّح بأسماء الأساتذة الذين أعجبني تحليلهم حتى لا تكون إشارةً ما قد تُساعد في الكشف عن أسرار هذا النص، إن كان يحتوي على أسرار، ولكنني أتيتُ لأقول أن النص لم يعد ملكي حتى أثني أو أنتقد أيّ رأي تم تقديمه هنا إلا أنني أرفع القبعة لكل من استفزه النص فبحث ونقّب وحاول الغوص في ثنايا هذا النص حتى يُضيء للقراء ولي أيضاً ما خفي من هذا النص، وبكل صدق فإنني كنتُ أنوي أن أخص بالشكر عدداً من الأساتذة والأخوة الكرام هنا إلا أنني لن أفعل حرصاً على حق البقية من الذين آثروا القراءة في صمت، أو أولئك الذين رأوا أن التعليق على هذه القصة قد يُفقدها جمالها.
أرفع قبعتي لكل من قرأ القصة سواء شارك بالتعليق أم لم يُعلق، وأنا شديد الإعجاب بما جاء في كل التعليقات هنا وأرى أنها ذهبت بعيداً عن مجرد قراءة في النص إلى الغوص في التاريخ وهو ما أسعدني غاية السعادة، وبكل تأكيد فإن النص لا يبحث عن القارئ الخامل الكسول، ولهذا فإن سعادتي لا تكاد توصف على الإطلاق.
لكم (كلكم) دون استثناء كل الشكر والتقدير، وأعتذر عن تأخري في الرد
عبد الحميد الغرباوي
16-11-2009, 12:12 AM
يقول الأستاذ أيوب صابر:
"انا لست بصدد الدفاع عن قصة جثة في صرص حتى لو كانت قريبة من قصة ماركيز "اطول رجل في العالم" فقد تتطابق الافكار دون ان يكون هشام ادم قد اطلع على تلك القصة ولكن اردت هنا ان اذكر حتى لو كان هشام ادم قد اطلع على تلك القصة وتأثر بها فان ذلك لا يعيبها لان الادب هو تقليد الحياة وهو تقليد التقليد ولكن لا بد من التأكيد ان هشام ادم قد نجح جدا في ابداع قصة يمكن وصفها كما يقول ضيف حمراوي بأنها: " قدمت قدرا كبيرا من مبررات القراءات المحتملة الملفوفة بالسحر والجمال المفجر للمتعة، والمشبعة بالقيم الإنسانية النبيلة ، رغم اختلاف الأوطان والثقافات ،وتباعد الأزمنة وتباين "
هذا مقتطع من آخر تعليق للأستاذ أيوب صابر.
و قبل أن أعود للتعليق عما جاء في المقتطع، و في غير هذا المقتطع، فالملاحظات كثيرة، و عندنا في المغرب، نقول " الله يجيب من يورينا عيبنا"...فكلنا عيوب، لكن نعمل من أجل أن تكون محاسننا أكثر من عيوبنا، و سنظل نعمل من أجل ذلك إلى أن تلبي الروح نداء باريها...
قلت قبل ذلك، لابد من توجيه خالص عبارات التحية للصديق آدم هشام الذي تصافح اسمي مع اسمه في غير هذا الموقع، و نعرف بعضنا البعض افتراضيا، و أملي أن اصافحه على أرض الواقع في يوم من الأيام... فقد كان في رده " ديبلوماسيا " و تعامل مع كل المتداخلين و المعلقين، بروح طيبة،
فهو يعرف أننا هنا لسنا في حلبة مبارزة، و الإبداع عموما لا يحتمل المناوشات، و الحسابات الضيقة، و رد الصاع صاعين، و أصلا لي رأيي الخاص في المسابقات الأدبية، فلا تعنيني الجوائز، و ربما لا تعني آدم أيضا، و قد علمت أن دار نشر كانت قررت أن ترشحه بعمل روائي له، لمسابقة " بيروت 39" و لست أدري إن كان ضمن الأسماء الفائزة أم لا.
الجوائز و الرتب رهينة أذواق و نوازع نفسية آنية و كما قلت حسابات قد تتجاوز أحيانا ماهو شخصي إلى ما هو سياسي، و لا تستثنى أي جائزة من ذلك، سواء كانت محلية أو عالمية...
و يكفي كدليل عما أقول أن جائزة بوكر العربية أثارت و تثير زوابع و توابع، و أن " بيروت 39" لم تنأ عن ذلك و قيل في لجنتها ما قيل و كيل لها من الاتهامات ما يندى له الجبين...
يحلو للبعض أن يقدم نفسه للجمهور بـ" الحائز على كذا جوائز" و ليس في جعبته سوى كتاب واحد...
أتذكر فيما أتذكر أن ناشرا عربيا، و أنا في ريعان الشباب ، و كنت حينذاك مهووسا بكتابة القصة القصيرة، قال لي بالحرف: " اكتب رواية و أنا أطبعها لك و آتيك بجائزة أدبية كمان"...
أخي أيوب،
من اتهمك أو أشار إلى أنك تدافع عن نص آدم؟...
و ما كنت أخشاه، وقع. فبعض التعليقات استشفت من خلالها أن طرحي لقصة غابرييل" أجمل غريق في العالم" اعتبر كمحاولة مني للتقليل من أهمية و قيمة قصة الصديق آدم، و ما كنت أهدف إليه من عملي ذاك، سوى أن نرقى بتحليلنا إلى ما هو أسمى، فما الجدوى من البحث عن الجثة و معرفة أين اختفت؟...
هكذا عمل، من اختصاص " كولومبو" و " ميغري " و فكرة قصة آدم، كانت ستكون مادة دسمة لأغاثا كريستي، لو ظلت على قيد الحياة ....
أ ننكر أن غابرييل سارد كبير؟...
لم لا نقارنها بعمل أدبي لاسم يعرفه القاصي و الداني؟ أليس هذا شرف للكاتب و للنص؟...
لم لا نقارنها بعمل أدبي قرأته الملايين في العالم، فقط لأن قصة آدم هشام تكاد تقاربه في كل شيء، حتى و إن كانت القصة أو الفكرة من صميم الثرات الشعبي السوداني...
تكاد تقاربه في كل شيء، و ما على النقاد المتمكنين سوى أن يشتغلوا على النصين و يفندوا قولي هذا...
المسألة ليست مسألة توارد خواطر، المسألة أبعد من ذلك...
المسألة ليست مسألة تطابق و كفى...
لماذا هذا التشابه؟... و أين تكمن أوجه التشابه؟...و أين الاختلاف؟...
علما أن لكل مجتمع جُحاه، للمغرب جُحاه، و لبلغاريا جُحاها...
هذا ما دعوت إليه...
لكن دعوتي ذهبت أدراج الرياح، و استمر الجدل و النقاش حول سر اختفاء الجثة..
و المضحك المبكي أن عنوان قصة غابرييل غارسيا ماركيز أو " ماركيث" كتبت خطأ أكثر من مرة فمن " أجمل رجل في العالم" إلى " أطول رجل في العالم"...
و لا أظن أن آدم هشام لم يقرأ قصة " أجمل غريق في العالم، فهو قارئ نهم، و صاحب ثلاث أو أربع روايات و مجموعة قصصية...
أخي أيوب،
دخلت أروقة الأدب، هربا من المحسوبية و الشللية، و البغض و الضغينة، هربا من ذوي النفوس المريضة...
و لم أدخل الأروقة إلا بعد أن تأكد لي أني بين أعضاء، نساء و رجالا ، يشرفني أن أكون عضوا بينهم،
دخلت أروقة الأدب حاملا معي باقات ورد و بداخلي قلب تعزف نبضاته لحن الود و المحبة للأعضاء الذين يعرفونني و للأعضاء الذين يتعرفون علي لأول مرة...
كثيرا من الود .
مأمون المغازي
16-11-2009, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأحبة الأكارم هنا ومن يأتون من بعد؛
أحيي كل خط يكتب وكل رأي يطرح وأرى أن ما سأفعله الآن أمر ضروري لا بالصفة الإدارية التي يعلم الجميع أنني أتخلى عن كل تفاصيلها أمام النص بل أتخلى عن علاقتي بصاحبه وكثيرًا ما خسرت لهذا السبب.
أقول : نحن حين نتناول العمل الأدبي نتناوله كيف ؟؟
إذا كنت ممن يتعاطون الأعمال لإشباع فهي ضمن المتراكمات التي تطابق حالة مزاجية لهذا أختار نوعية معينة من فئة خاصة لأقرأها .
إذا كنت متذوقًا فإنني اتعاطى مع ما أقرأ كل موروثي القرائي وهذه عملية ميكانيكية تحدث تلقائيًا وأراها مسألة نفسية وظاهرة صحية تحدث التوازن للقارئ حيث يدخل ما يقرأ ضمن منظومته الفكرية والفلسفية فلا يمكن أن أقرأ فمثلاً كيف لي أن أقرأ تاريخ ثورة 23 يوليو 1952 دون أن أستدعي روايات إحسان عبد القدوس، وكيف أقرأ ما قبلها دون أن أستدعي ثلاثية محفوظ ؟ وكيف لي أن أقرأ الأنبياء في التاريخ دون أن أستدعي آيات القرآن الكريم، وحين أقرأ تاريخ طوفان نوح أو أشاهد فيلم سفينة نوح ( الفيلم الفاشل ) دون أن أستدعي الأنبياء في التاريخ وقصص الأنبياء والتوراة وخروج شيث بن آدم إلى مصر، ووصول نسل شيث من مصر إلى االعراق ؟؟
هل يمكن أن يقال ؟ ما شأن هذا بما نحن فيه ؟؟
أعتقد لا يقول هذا إلا من هو ليس على شاكلتنا هنا فموضوع القراءة والتناول التذوقي للعمل كفيل بأن يقرأ القارئ أحد الأعمال وهو سابح في منظومة قراءاته مؤيدًا ورافضًا ومتسائلاً .
فماذا لو أن هذا القارئ سيقرأ ليقدم مفاتيح للقراء ؟ ماذا لو قرأ وهو يرتكن إلى مدرسة نقدية بعينها ؟ ماذا لو قرأ وهو ملم بتطور المدارس وما حدث فيها من تعديلات ؟ ماذا لو قرأ وهو مؤمن أنه لا يمارس مهارة نقدية أو قرائية بقدر ما يقدم العمل للمتلقي حسب :
ـ وجهة نظره .
ـ حسب موضوعية .
ـ حسب تلميع للكاتب .
ـ حسب هدم للكاتب .
ـ حسب تأصيل للون أدبي معين .
ـ حسب استعراض معارفه .
ـ حسب كونه دارس يطبق ما يدرس على عمل بعينه .
أعتقد أن كل هذا يفتح باب ما أريد قوله دون أن أقول ، لكنني سأقول:
إن هذا البرنامج والذي لا ينسب لواحد في الأروقة بعينه وإنما ثلة من الأدباء أشاروا به فطبقناه إيمانًا منا بأهميته لم يقم للمفاضلة بين الأعمال والدليل أننا لم نشكل هيئة نقدية تعرض عليها الأعمال مجردة من بيانات أصحابها ونرصد جائزة، وإنما هو طرح يستحث لممارسة الكتابة والقراءة والرأي والنقاش الموضوعي ( على بساط ود ) حول كل ما يطرح ، والحمد لله نجح البرنامج بدلي أن الذي معنا هو الطرح الخامس .
أعود فأقول: القارئ ( الناقد ) في أبسط مستوياته لابد أن يخرج اثنين من حجرته حين يقرأ عملاً : الأول : نفسه ، الآخر كاتب العمل ، ويبقي اثنين : الأول مخزونه وحصيلته ، والآخر سمات المؤلف الكتابية . وبهذا يكون معه الأدوات والنص ، هذا كله يكون في بوتقة التمحيص وهذا يستدعي ألا نضع نقطة بعينها ندير حولها النقاش لسبب بسيط نرجع إلى القياس عند أرسطو حيث تكون النتائج متضمنة في المقدمات والمقدمات الفاسدة تؤدي إلى نتائج فاسدة ، ومن يتمركز في قراءته حول محور بعينه افترضه سلفًا لا يمكن أن يلم بأطراف العمل ، وإنما عليه أن يبحث عن الخيوط يتبعها إلى أن تأخذه هي إلى بؤرة التنوير النقدي، وإني هنا أخالف الذين يعتقدون أن لحظة التنوير في القصة هي أهم ما فيها ، أو أن الانقلابية والشهقة تصلح أن تكون المؤطر الأساسي لتناول العمل، والسبب عندي أن الناقد لا يمكن أن يسلك نفس مسلك القاص، وإن فعل فإنه يحكم على نفسه بالفشل؛ لأنه إذا كان قادرًا على سلوك هذا المسلك لأبدع نفس القصة، فلماذا لم يبدعها ؟! إنما عملية التعاطي النقدي عملية واسعة لا تكتفي بالبحث في الرسرد والزمان والمكان وما إلى ذلك مما اصطلح عليه من أسس لا أراها اكتملت أو تعبر عن كتابة قصة فذة، كما لا أعترف بالدوائر والمربعات والمثلثات التي أشبهها بقالب صانع الأحذية ( رفع الله مقامكم ) لأن هذا القالب لا يصلح إلا إلى مقاس الحذاء لكن لا دخل له فالطراز ( هذه واحدة ) كما أنني لو اشتريت حذاءًا ضيقًا فيمكن أن أذهب به لصانع الأحذية فيلبس فيه قالبًا أكبر ويشده عليه لزمن معين فيتسع . فما بالنا لو أتينا بثوابت هي أصلاً بنيت على أساس إبداع لأحكم بها على إبداع آخر وأحكم عليه بأنه تابع لهذا يقينًا ؟؟
إنني أتساءل ؟؟
ما الفروسية التي يمارسها مقدم قراءة أمام الفارس الذي أبدع النص ؟ إنه يبدع موازيًا له أو يبني على إبداعه فلا ينبغي له أن يدافع أو يذم إلا وفق معيار، هذا الدفاع ينبغي أن يكون دفاعًا موضوعيًا عن وجهة نظر ... وبهذا يكون هذا المدافع مدافعًا عن رأيه وليس عن العمل ويكون صاحب العمل بريء من كل ما يدور ورحم الله المتنبي حين قال : سلوا أبا الفتح عن شعري فإنه أعلم به مني . فليرحم الله بن جني .
أعود لأقول: إن العقل البشري بميكانيكياته ومعطياته وأدواته مبدع بطبيعة حاله وليس الاقتصار على الانطباعية بعيب، وليس الاقتصار على جانب واحد من العمل إلا طريقة في التعاطي لا ينبغي أن تكون هي آخر الجهد، وليس من العيب أبدًا أن أقول : لمحت في هذا النص ملمحًا من كذا أو طيفًا من روح فلان لأن هذا سيبقى رأيي فإما أن يثبت وإما أن يدحض ولنسترجع معًا الوساطة بين المتنبي وخصومه، ولنسترجع نض النقد للدكتور عبده قلقيله الذي ينقض الدكتور بدوي طبانة ، بل ويشرِّ المبرد والآمدي ولنرجع إلى نولدكه وإليوت وابن رشيق ،والأسماء كثر ممن تعلمنا عليهم ولم نتم السطر الأول ـ بعد ـ من المعرفة .
في الحقيقة لا أحب أن نخرج عن إطار التفاعل الحقيقي مع النصوص المطروحة وأن يأخذ بعضنا بيد بعضنا وبيننا النص لا لأن نكثر فيه القول أو نختصره وإنما لنؤسس لرؤية نقدية حقيقية في منظومة التفاهم والابتسام فما أسهل أن يستعرض كل مخزونه أو يمارس طاقاته؛ لكن أين سيذهب العمل المطروح ؟؟ سيتوه في شعابنا وتشعباتنا، وإنني حين عرضت لي الأعمال كنت قرأتها وبالطبع ليست هي الأفضل لأننا لا نقيم ولا نفاضل، وكنت قد قدمت في إعلان النتيجة لمحة حول كل عمل، اسمحوا أن أضعها هنا :
الطرح الخامس ، وأنتم دائمًا تتألقون وتتألق أقلامكم أيها الأدباء الذين يفيض إبداعكم ونقدكم وحواركم ، وهذه المرة عشنا مع أربعة أعمال لكل نكهته الخاصة وإبداعيته وبنائيته ، ولأن الإبداع يستلزم إبداعًا موازيًا، ولأننا أمام أعمال تطرح لفتح نوافذ للنقاش والتدارس والمعايشة ولأن التصويت لا يكون للمفاضلة، أجدني ـ بصفة شخصية أتذوق طعومًا وأشم روائح كل منها يحمل فكرًا وإبداعًا وهندسة من نوع يتلاءم حينًا مع الغرض وحينًا يميل ، وحينًا يكون التحليق وحينًا يكون السير والدخول في عتمات وأشباح، ونظم إدارة، وضغوط شتى .
ـ السلخ ، عمل من العيار الثقيل، وإبداعية الفيلسوف، الناقد، العارف من أين يبدأ وأين ينتهي وبم يمتع القارئ ، ومتى يصل إلى الذروة ليحملك على كفين وديعتين حين تتملكك الصدمة، إنه عمل تتحرك فيه الكاميرا وتتشكل فيه المشهدية، ولا يترك لك القاص أي فرصة لأن تخرج من حدود القصة المكانية بل ترى وتسمع وتشم ، وتتحرك ، وتحبس نفسك وتضحك وتشمئز، إنه رسم قدير بالكلمات وصفح قوي مع القهقهات أحيانًا .
ـ جثة في صرص، استدراج ذكي ، ومصاحبة أمينة ، وقدرة على السرد والحبك ، وقدرة على توظيف المفردة وحكائية بارعة، وفلسفة في الحياة تأتي بشكل باذخ الأناقة حين ترى الراوي يجلس على صخرة عالية يحيط بكل معالم المشهد وتناميه وتطور الحدث الذي ينمو بعمر البشرية، كل هذا في إطار من العمق وعدم التدخل في سير الحدث وكأن القاص لم يفعل أي شيء غير أنه حملنا إلى مكان يدير فيه الحكاية وفق الطقوس اللازمة .
ـ نحو شرق آخر هناك، هنا ثوب جميل جدًا لبناء الرؤية ، وبناء الفكرة ، وإيصال الرسالة وتناغمية عالية المستوى في رقصة التنقل بين الماضي والحاضر في زمن العمل ، هذا الزمن المتلازم بالمكان فنحن مع حدود مرسومة بدقة في مساحة معروفة وجهات معرفة الشكل متسعة الرؤية ، وقدرة على البناء النسقي بارعة، وإدهاش من النوع الذي يجعلك مشدوهًا إلى كل ما يقال مع نعومة الحكي .
ـ شياطين من نوع آخر ، عمل من نوع أسميه التطريز القصصي الذي يأتي بيد ناقد ينظر في دقائق الأمور ليبدع منها قطعة فنية في لغة سهلة ونظام سردي يصل إلى كل من يقرأ على اختلاف ثقافته ، فهو عمل يمكنني أن أصفه بالشعبية الموفقة ، فالنقلات لطيفة ، والموضوع يتشكل عبر الابتسامة و جرأة القاص في إقناعك أنه يدخر لك ضحكة تخرج منك بصوت عال، إلا أنه وأنت في هذه الحالة يخرج عليك بما يستقر فيك فلا يفارقك ، إنه عمل يزرع فيك ما أراد صاحبه ببراعة .
أيها الأحباء الكرام؛
قرأت وادخرت في جعبتي الكثير حول هذه الأعمال وأعد ـ بتوفيق من الله ـ أن أقدم في كل عمل ما يمن به الله علي.
أوردت هذا هنا لأن وراءه الهدف الحقيقي لكافة الأروقة بتنوعاتها، أن نعيش الأعمال قبل أن نفردها ونطويها، وأسأل هنا ـ رغم هندسة كل عمل ـ ألا يمكن أن أستخدم معيارًا لأوجد خيطًا يجمع الأعمال الأربعة ؟ هذا ممكن بالطبع خصوصًا وأنني حين أتناول عملاً أتناوله من مدخله إلى إغلاقه مارًا بالألوان والأصوات والحركات ، والكاميرا ، وتأثير المجتمع في العمل وما يحمله العمل من إرهاصات ، وما يحققه من إمتاع ( وهذا محور رئيس ولا يخفى ) وما يحمل من سمات عصره ، وبم يمكن أن ندخل إلى عمقه، بل وحركة الكاتب خلال كلماته ، بل لا أبالغ إذا قلت : في كل عمل أقرأ أنفذ إلى صخب عقل كاتبه حين الكتابة مع أني أخرجته بصفته الشخصية من الغرفة .
قصة هشام آدم كما قلت أعلاه عمل رائع ( من وجهة نظري ) لكن هل هناك عمل قد تم لصاحبه ؟! لا أعتقد وهي قصة جديرة بالتناول وحين سأعرض لتناولي لها أعتقد أنني لن أقف عند ما يعتقد أنه ترميز بلغ درجة اللغز فالقصة القصيرة ليست أحجية أبدًا والأدب ليس رياضة مرهقة ندخلها بزينا الأنيق المعطر ونخرج منها بالعرق واللهاث .
أنا سعيد بالعمل وبما يدور حوله في إطار الموضوعية وإن كنت أبتسم حين يرتفع صوت النقاش بحيث لا يزعج المناقشين أو من في الغرف المجاورة لأن هذا سيقض أول ما يقض العرى التي نبنيها بتؤدة بيننا ، وأيضًا سيقض سكينة النص فتتشابك خيوطه البريئة .
وبعد كل هذا، أتمنى عليكم ألا يبخس أحد حق أخيه في أن يقف على رأي له فيثبت أنه أفاد منه فيثبت له حقه فآراؤنا فقيرة إلى آراء إخواننا ، وأي صاحب رأي يحزن حين يرى ما يطابق رأيه كتب بعده ولم يشر الكاتب إليه فقد يضطر الأول أن يثبت بعد الآخر أنه سبقه بالرأي . ( كونوا أحبة يحببكم الله والناس )
لكم جميعًا محبتي ، وسامحوني فهذه كتبة لم أعد لها مسبقًا .
مأمون
هشام آدم
28-12-2009, 09:18 AM
الأخوة والأساتذة الأعزاء
كل عام والجميع بألف خير
نبّهني أحد الأخوة إلى هذه القصة وانتظار سماع رأيي في تعليقاتكم، والحقة أنني يعتريني الحياء منكم في هذا المقام وقد طالت المدّة ولا أدري هل يستقيم أن أرد على تعليقاتكم بكل كل هذه المدّة أم لا .. كما أنني أتساءل: هل يحق لي فعلاً ككاتب للنص أن أُبدي أيّ رأي أو ملاحظات على آرائكم الخاصة حول النص؟ لدّي يقين بأن النص تنتهي ملكيته لكاتبه بمجرّد نشره فيكون ملكاً للجميع، ويحق لكل شخص أن يقرأه كما يحلو له، حتى دون أن يتدخل كاتب النص في توجيه هذه الآراء أو انتقادها، وإلا فإن النصوص تفقد قيمتها الأدبية. هكذا أرى. ولكنني بشكل عام أحببتُ أن أعود لأقول لكم جميعاً، بأنني شاكر لكم للغاية كريم تعليقاتكم وآرائكم بمختلف توجهاتها، وأنني أقدّر لكم هذا المجهد المبذول هنا في هذا النص بشكل خاص، وفي رواق القصة والنقد الأدبي بشكل عام، وهو مجهود يُثلج الصدور في الحقيقة ويجعلنا نتفاءل بمستقبل جيّد لحركة النقد الأدبي الذي ظلّ يخفت بريقه شيئاً فشيئاً وراء الأخوانيات والمجاملات السخيفة والعقيمة. أرى أنني مدين لكم جميعاً لما قيل هنا من تعليقات وملاحظات استفدتُ منها كثيراً، وثمة ملاحظات ذكية ومقاربات مُدهشة قرأتها لبعض الأساتذة المتداخلين في هذا المكان. فلكم جميعاً (فرداً فرداً) كل الشكر والتقدير، وأرفع قبعتي احتراماً لكل رأي سيق في هذا المقام.
لكم خالص تقديري ومودتي وأرجو أن تتقبلوا اعتذاري عن تأخري الطويل عليكم فما هي إلا مشاغل وتلاهي نركض وراءها بلهف في هذه الحياة الدنيا
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub