مازن نجار
04-11-2007, 09:25 PM
تحولات- العدد السابع والعشرون - تشرين الاول
مازن نجار : الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه
حاورته مريم خريباني
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=1577&var_mode=calcul
بعد فوز مجموعته الاخيرة بالمركز الاول لجائزة المزرعة, الشعرية ,وهي لا تزال مخطوطة , و نأمل ان نجدها في المكتبات قريبا . كان ل"تحولات" الحظّ في محاورته حول تلك الجائزة وحول امور عديدة تشكل هموما ثقافية , ينوء تحتها الشاعر تحديدا , لشدة حساسيته و شفافية ردات فعله .
مازن الشاعر الذي صرح أن الأنثى هي الأصل فقال
أنا من تعرى مني حتى صرت أنثى
تهجره حبيبته فيستصرخ عودتها وينادي
دعيني أعود
نسيتً على
مراياكِ وجهي
وما عاد يعرفني أحد أو يراني
يقول عن طفولته البريئة
عندما كنتُ صغيراً
كانت المآذنُ أعلى
ربما قد طالت قامته .........أو ربما أصبحت المآذن أقصر ....أو ربما ازداد يقينه أو فقد براءته...أو ربما تحمل القيمة أبعاداً أخرى عن النسق و المقدس و الحتميّ
يمشي في درب حياته الطويل أو في درب الشعر ويتوه عند المنتصف لأن اسمي البداية و النهاية يصبحان غير ذي قيمة فيقول
لم أستدرْ
سوى حين أيقنتُ أني لن أستطيع الرجوع
وحين يأزف عمره على الانقضاء يوقن أنه سيكتشف أن ما حققه كان غير ما تمناه حقيقة فيقول
ليتني أعرف الآن حقاً
أن كل الذي قد تمنيت ليس مناي
أبدا معك مازن بتهنئتك بفوز مجموعتك الاخيرة بالمركز الاول لجائزة المزرعة , و هي الجائزة الرصينة التي تجري في سوريا منذ ما يقارب العشر سنوات . و التي حكّم فيها لهذا العام الشاعر العراقي المهم عبد الرزاق عبد الواحد و الناقد وفيق خنسة .
ما الذي يعنيه هذا الفوز و ما هي رؤيتك لمسألة الجوائز في مثل هذه المجالات الابداعية ؟
الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه و إثبات وجوده ..يبدو الأمر بديهية غير قابلة للدحض إلا في زمان كزماننا تغربت فيه الكلمة والمبدع معاً...وربما أصبحت الجوائز بعيضاً من مناخات ينيخ فيها السائرون في دروبهم...
يجتاج الأمر لتقاش أعمق أيضاً حين نرى مجموعات شعرية لم تفز إلا لتسد الأمكنة الشاغرة في سلم التراتب من الأول حتى الثالث في بعض الجوائز ...أو حين نرى مجموعات كاملة وكأنها كتبت خصيصاً للجائزة حتى أفرزت ما يمكن أن أسميه شعر الجوائز ....الاكاديمي في رؤيته للتجديد و المحايد مع الذات و المجتمع في لونه الرمادي
شخصياً أكن احتراماً لجائزة المزرعة حينما كنت أقرأ المجموعات الفائزة فيها و سعدت حينما عرفت أسماء الشعراء المحكمين هذه السنة الذين أحببت ما قرأته لهم من قبل من شعر و نقد
الشعر الحقيقي بعيدأ عن أي جائزة هو ما يدميني حتى لا أعرف حدود جرحي أو حتى أحن على السكين لتصبح جزءا مني وتتهمني بأني من طعنها ....هو الذي يجعلني أحدث كل من أعرفهم عنه ومن يجعلني أهتم بإطعام عصافير الأسطحة حينما يباغتني الصباح بسطرين صارخين ..وربما تتصاغر الجائزة بكل ما فيها أمام شعر حقيقي أو بالأحرى يصبح الشعر هو الجائزة التي تكسبها أي مسابقة لأن الشعر يهب ولا يوهب
ذلك ما أريد أن أبلغه حقيقة ويعرف الأصدقاء والندماء في رابطة الأدباء في الكويت الذين أشتم معهم ذات الأنفاس والذين يشاطروني نصوصي أني كنت سأرمي سبعين بالمئة من مجموعتي تلك لأني أحس أنها ليست ما كنت أريد قوله حقيقةً
لا بد لكل تجربة ابداعية من مسار تحدده عوامل متنوعة , فماذا يقول الشاعر الشاب مازن نجار عن تجربته الشعرية و العوامل التي حددت مسارها , و كيف اصبحت ما اصبحت عليه
بدأت تجربتي في عمر مبكر .
كانت بدايتي تتمثل بحفظ مطولات الشعرالقديم على يد الوالد-المعلم الروحي الأول- شكل الأمر لي لعبة أخرى جميلة عندما كنت ألقي القصائد الأشبه بطرس مختوم أمام الكبار وسط تربيتهم على كتفي....ثم اختلف الأمر بعد ذلك طبعاً
أردت في بدايات كتابتي للشعر أن أرى مازنا في القصيدة و أستطيع تمييزه بوضوح أكثر في النص التالي
لكني الآن أصبحت أريد أن أرى العالم و الآخرين في قصائدي بكل تجلياتهم وأريد منهم أن يعلموا أن هناك من قال ما أحسوا به ولم يستطيعوا التعبير عنه
ربما أشترك كشابٍ أيضاً يعيش في مطلع القرن الواحد و العشرين مع كثيرين غيري من الشباب العرب في ظروفِ الفقر و كبت الطاقات و الإبداع اللامحدود..وفي أحوال نادرة يكون الكبت محرضاً مثالياً على مزيد من الإبداع كانت تجربة الطفولة والإنطلاق وسط غابات الزيتون التي أحيطت بها مدينتي ادلب في الشام ...كانت نبعاً ثراً يُرضع ذاكرتي كل شرود
ثم كانت تجربة دراسة العمارة كاختصاص جمالي ومزيج بين الفن و العلم و التي شكلت جناحاً آخر للطيران ...والآن هنا أعيش تجربة الغربة أو الوطن المفتوح كما أسميها حيث أصبحت البلاد مرافئ جديدة لحزن جديد
مازن نجار , المهندس المعماري . كيف ترى العلاقة بين العمارة و الشعر ؟ و انت قد زاولت و تزاول المجالين معا ؟ فما وجه التقارب بين خريطة لبناء من حجر و اخرى لبناء من حرف ؟
العمارة ..وعي شعري بالمكان كما الشعر عمارة فنية للكلمات...
العمارة فن يجذبك حين يكبلك أولاً بمشكلة الإحتياجات الوظيفية للفراغ و كيفية إنتاج البعد الجمالي من الفراغ الذي يحوي تلك الإحتياجات الوظيفية ...يبدو الامر أولاً أشبه ما يكون بمشكلة الوزن العروضي و الفيض الشعري..لكن حينما نتجاوز متطلبات المكان ويشتعل جنون قلم الرصاص و الورقة الشفافة يصبح الأمر أشبه ما يكون بقصيدة النثر التي تنقض المفاهيم الأساسية للمستطيل و القوس و الأسطح المتعامدة ...ونعود لنقتبس شكل الطين البدائي في التصاميم المعمارية و تموجات الزهرة و انفلاشات الغيوم
في الشعر نستطيع اكتشاف الوجه الآخر للإيقاع في صيغته الهندسية الوجه اللامرئي الذي يحجبه الوزن و الموسيقا ..مع العمارة تزداد حساسيتنا لإستشعار الإيقاع الداخلي و البعد البصري للنص
ما الدور الذي لعبته الغربة عن الوطن و عن ادلب مسقط الرأس و مرتع الطفولة و الذكريات , في دفعك الى الشعر اكثر فأكثر وأنت تزاول العمل باختصاصك في الهندسة المعمارية في دولة الكويت الشقيق .
في الغربة تكتشفين حقاً أن الوطن هو الذكريات ..يصبح الوطن أكبر من الأرض الفيزيائية و الخريطة و جواز السفر يصبح هو المعادل الموضوعي للذاكرة بكل أبعادها المكتنزة ألماً ونزيفاً
أصبح القلق هو أول ما يجحظ من حقيبتي عندما أبدل الأوطان هربا ًمنه وصار السفر الذي يقتضيه عملي حاجة للتنفيس عن تضخم الذاكرة ... الغربة سجن نعيد فيه إكتشاف ذاتنا من جديد بعد أن يفسح لنا المجال لأن نكون نحن نحن لا أن نكون كما رسم لنا في المرآة أن نكون ..معها نستشعر متعة البدء من جديد ومرارته عندما يصبح الصفر جرعة شجاعة يمتلكها من لا شيء عنده يخسره
كتبتُ حينــها
بين بينين أمضي
أحوك جناحيّ من أغنيات الغجر
أصيف بأمسي و أشتو بشمس غدي
ألامس ظلي قليلاً وأعلو
لأرحل نحو "هناك"
كلما قاربت ذكرياتي "هنا" أن تصير وطن
طيب , أنت كتبت الشعر بأنماط بنائية لم تختلف عن تلك التي استخدمها ويستخدمها اقرانك الشعراء الشباب . لكن صوتك احدث اختلافا عنهم , و ها هي جائزة المركز الاول لمجموعتك ابرز دليل على ذلك ,سؤالي هو : كيف تسعى للاختلاف و ايلاد قصيدة مغايرة ؟ و هل ترى انك استطعت فعلا , باختلافك هذا النجاة من الغرق في التقليدي و الاتيان بالجديد المتمايز ؟
أريد بالطبع أن أقول ما لم يقله الآخرون ...
وأعرف أني إن أردت أن أختلف عن الآخرين فعلي أن أشبه نفسي
فقط نفسي وليس أي أحد آخر
أن أكون مختلفاُ يعني أن أكون حقيقياً
أن أكون مميزاً جداً يعني أن استطيع بإتقان أن أكون عادياُ جداً
أنا مؤمن أني لن أستطيع الإختلاف إلا إذا كانت ذاكرتي ملكاً لي وحدي ..وحافظت على نقاء المسار الذي يربط بين ذاكرتي
و صفحتي البيضاء ولم أتخلّ عن عين الطفولة التي كنت أنظر بها إلى الاشياء و أفسر العالم بها على طريقتي
أحب دائماً أن أختلف عن نفسي أيضاً وأشعر بثقل وطأة هذه المهمّة كلما زاد رصيد الشعر الذي كتبته ....أشعر بالسعادة عندم أكتشف زيادة عدد الألفاظ الجديدة التي جئت بها في قصيدة و حين ألجأ للتفسير أعرف أن الحالة الجديدة تلك وصدقي معها قد فرضت ألفاظها
من المؤلم أن نتحرك ضمن معجم شعري محدود وضمن حساسية شعرية وحيدة اللون ..وقد لا تتمّ النجاة من هذا إلا إذا أعدنا اكتشاف أنفسنا أولاً من جديد و تعرضنا لتجارب حياتية مختلفة
مازن , ايها ال " ممطر نحو السماء .. " !
و هذا ما تصف انت به نفسك . .كا نك بهذا تسير في الاتجاه المعاكس لنواميس الطبيعة .. فما الذي تعنيه تلك العودة الى الرحم الاول للخليقة ؟
البعد الآخر للاشياء هو ما يراه الشاعر و ما يقتفيه خارج نطاق تغطية مشاعر الآخرين
ثم إني أرى أنه لا بد للشاعر في نهاية الأمر أن يؤسس عالماً قائماً بذاته يكون من صنعه و أرضاً أخرى تنبت الحياة خلف متلاطمات البحر الواسع الذي تنتهي خطانا عند شواطئه
ربما علي العودة للسماء مرة أخرى لأكتشف الأشياء في جبلتها الأولى وهلاميتها البدائية ربما علي يضاً ان أعاكس إتجاه الآخرين كي أصل إلى ما لم يصلوا إليه حين يظنون أنهم يسيرون في الإتجاه الصحيح
أو يجب ان أروي تلك السماء المقفرة و أمطر فوقها بعد أن جفت ينابيعها
حينها قد أعود بحقائق جديدة و قصص لم ترو أو تنزل في كتاب
الشعر مرهون بقدرتنا على اختراق أنفسنا كي نستطيع العبور إلى ذواتنا الحقيقية ..وكما هو كائن لا يُعرف ولا يرى كالهواء فما لا نعرفه بالأصح هو ما يملك أن يعطيه لأني أزعم أن ما لم يُقل هو أكثر بكثير مما قيل
ولن يضر الأمر وجود شعراء آخرين يرددون ما قاله من قلبهم و يشربون من الآبار التي حفرها غيرهم ..فالأرض لا يزال رحمها زاخراً بكثير من الينابيع التي لم تنبجس بعد
لا تزال هناك الأجنحة الكثير التي لم تنبت بعد و الجراح الكثيرة التي تحتاج إلى التفتح ..ربما حينها سأفهم حقاً
عهرَ العذراوات عندما يصبن بداء الخجل
وبراءة المومسات عندما يفكرن في الأمومة
مازن نجار : الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه
حاورته مريم خريباني
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=1577&var_mode=calcul
بعد فوز مجموعته الاخيرة بالمركز الاول لجائزة المزرعة, الشعرية ,وهي لا تزال مخطوطة , و نأمل ان نجدها في المكتبات قريبا . كان ل"تحولات" الحظّ في محاورته حول تلك الجائزة وحول امور عديدة تشكل هموما ثقافية , ينوء تحتها الشاعر تحديدا , لشدة حساسيته و شفافية ردات فعله .
مازن الشاعر الذي صرح أن الأنثى هي الأصل فقال
أنا من تعرى مني حتى صرت أنثى
تهجره حبيبته فيستصرخ عودتها وينادي
دعيني أعود
نسيتً على
مراياكِ وجهي
وما عاد يعرفني أحد أو يراني
يقول عن طفولته البريئة
عندما كنتُ صغيراً
كانت المآذنُ أعلى
ربما قد طالت قامته .........أو ربما أصبحت المآذن أقصر ....أو ربما ازداد يقينه أو فقد براءته...أو ربما تحمل القيمة أبعاداً أخرى عن النسق و المقدس و الحتميّ
يمشي في درب حياته الطويل أو في درب الشعر ويتوه عند المنتصف لأن اسمي البداية و النهاية يصبحان غير ذي قيمة فيقول
لم أستدرْ
سوى حين أيقنتُ أني لن أستطيع الرجوع
وحين يأزف عمره على الانقضاء يوقن أنه سيكتشف أن ما حققه كان غير ما تمناه حقيقة فيقول
ليتني أعرف الآن حقاً
أن كل الذي قد تمنيت ليس مناي
أبدا معك مازن بتهنئتك بفوز مجموعتك الاخيرة بالمركز الاول لجائزة المزرعة , و هي الجائزة الرصينة التي تجري في سوريا منذ ما يقارب العشر سنوات . و التي حكّم فيها لهذا العام الشاعر العراقي المهم عبد الرزاق عبد الواحد و الناقد وفيق خنسة .
ما الذي يعنيه هذا الفوز و ما هي رؤيتك لمسألة الجوائز في مثل هذه المجالات الابداعية ؟
الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه و إثبات وجوده ..يبدو الأمر بديهية غير قابلة للدحض إلا في زمان كزماننا تغربت فيه الكلمة والمبدع معاً...وربما أصبحت الجوائز بعيضاً من مناخات ينيخ فيها السائرون في دروبهم...
يجتاج الأمر لتقاش أعمق أيضاً حين نرى مجموعات شعرية لم تفز إلا لتسد الأمكنة الشاغرة في سلم التراتب من الأول حتى الثالث في بعض الجوائز ...أو حين نرى مجموعات كاملة وكأنها كتبت خصيصاً للجائزة حتى أفرزت ما يمكن أن أسميه شعر الجوائز ....الاكاديمي في رؤيته للتجديد و المحايد مع الذات و المجتمع في لونه الرمادي
شخصياً أكن احتراماً لجائزة المزرعة حينما كنت أقرأ المجموعات الفائزة فيها و سعدت حينما عرفت أسماء الشعراء المحكمين هذه السنة الذين أحببت ما قرأته لهم من قبل من شعر و نقد
الشعر الحقيقي بعيدأ عن أي جائزة هو ما يدميني حتى لا أعرف حدود جرحي أو حتى أحن على السكين لتصبح جزءا مني وتتهمني بأني من طعنها ....هو الذي يجعلني أحدث كل من أعرفهم عنه ومن يجعلني أهتم بإطعام عصافير الأسطحة حينما يباغتني الصباح بسطرين صارخين ..وربما تتصاغر الجائزة بكل ما فيها أمام شعر حقيقي أو بالأحرى يصبح الشعر هو الجائزة التي تكسبها أي مسابقة لأن الشعر يهب ولا يوهب
ذلك ما أريد أن أبلغه حقيقة ويعرف الأصدقاء والندماء في رابطة الأدباء في الكويت الذين أشتم معهم ذات الأنفاس والذين يشاطروني نصوصي أني كنت سأرمي سبعين بالمئة من مجموعتي تلك لأني أحس أنها ليست ما كنت أريد قوله حقيقةً
لا بد لكل تجربة ابداعية من مسار تحدده عوامل متنوعة , فماذا يقول الشاعر الشاب مازن نجار عن تجربته الشعرية و العوامل التي حددت مسارها , و كيف اصبحت ما اصبحت عليه
بدأت تجربتي في عمر مبكر .
كانت بدايتي تتمثل بحفظ مطولات الشعرالقديم على يد الوالد-المعلم الروحي الأول- شكل الأمر لي لعبة أخرى جميلة عندما كنت ألقي القصائد الأشبه بطرس مختوم أمام الكبار وسط تربيتهم على كتفي....ثم اختلف الأمر بعد ذلك طبعاً
أردت في بدايات كتابتي للشعر أن أرى مازنا في القصيدة و أستطيع تمييزه بوضوح أكثر في النص التالي
لكني الآن أصبحت أريد أن أرى العالم و الآخرين في قصائدي بكل تجلياتهم وأريد منهم أن يعلموا أن هناك من قال ما أحسوا به ولم يستطيعوا التعبير عنه
ربما أشترك كشابٍ أيضاً يعيش في مطلع القرن الواحد و العشرين مع كثيرين غيري من الشباب العرب في ظروفِ الفقر و كبت الطاقات و الإبداع اللامحدود..وفي أحوال نادرة يكون الكبت محرضاً مثالياً على مزيد من الإبداع كانت تجربة الطفولة والإنطلاق وسط غابات الزيتون التي أحيطت بها مدينتي ادلب في الشام ...كانت نبعاً ثراً يُرضع ذاكرتي كل شرود
ثم كانت تجربة دراسة العمارة كاختصاص جمالي ومزيج بين الفن و العلم و التي شكلت جناحاً آخر للطيران ...والآن هنا أعيش تجربة الغربة أو الوطن المفتوح كما أسميها حيث أصبحت البلاد مرافئ جديدة لحزن جديد
مازن نجار , المهندس المعماري . كيف ترى العلاقة بين العمارة و الشعر ؟ و انت قد زاولت و تزاول المجالين معا ؟ فما وجه التقارب بين خريطة لبناء من حجر و اخرى لبناء من حرف ؟
العمارة ..وعي شعري بالمكان كما الشعر عمارة فنية للكلمات...
العمارة فن يجذبك حين يكبلك أولاً بمشكلة الإحتياجات الوظيفية للفراغ و كيفية إنتاج البعد الجمالي من الفراغ الذي يحوي تلك الإحتياجات الوظيفية ...يبدو الامر أولاً أشبه ما يكون بمشكلة الوزن العروضي و الفيض الشعري..لكن حينما نتجاوز متطلبات المكان ويشتعل جنون قلم الرصاص و الورقة الشفافة يصبح الأمر أشبه ما يكون بقصيدة النثر التي تنقض المفاهيم الأساسية للمستطيل و القوس و الأسطح المتعامدة ...ونعود لنقتبس شكل الطين البدائي في التصاميم المعمارية و تموجات الزهرة و انفلاشات الغيوم
في الشعر نستطيع اكتشاف الوجه الآخر للإيقاع في صيغته الهندسية الوجه اللامرئي الذي يحجبه الوزن و الموسيقا ..مع العمارة تزداد حساسيتنا لإستشعار الإيقاع الداخلي و البعد البصري للنص
ما الدور الذي لعبته الغربة عن الوطن و عن ادلب مسقط الرأس و مرتع الطفولة و الذكريات , في دفعك الى الشعر اكثر فأكثر وأنت تزاول العمل باختصاصك في الهندسة المعمارية في دولة الكويت الشقيق .
في الغربة تكتشفين حقاً أن الوطن هو الذكريات ..يصبح الوطن أكبر من الأرض الفيزيائية و الخريطة و جواز السفر يصبح هو المعادل الموضوعي للذاكرة بكل أبعادها المكتنزة ألماً ونزيفاً
أصبح القلق هو أول ما يجحظ من حقيبتي عندما أبدل الأوطان هربا ًمنه وصار السفر الذي يقتضيه عملي حاجة للتنفيس عن تضخم الذاكرة ... الغربة سجن نعيد فيه إكتشاف ذاتنا من جديد بعد أن يفسح لنا المجال لأن نكون نحن نحن لا أن نكون كما رسم لنا في المرآة أن نكون ..معها نستشعر متعة البدء من جديد ومرارته عندما يصبح الصفر جرعة شجاعة يمتلكها من لا شيء عنده يخسره
كتبتُ حينــها
بين بينين أمضي
أحوك جناحيّ من أغنيات الغجر
أصيف بأمسي و أشتو بشمس غدي
ألامس ظلي قليلاً وأعلو
لأرحل نحو "هناك"
كلما قاربت ذكرياتي "هنا" أن تصير وطن
طيب , أنت كتبت الشعر بأنماط بنائية لم تختلف عن تلك التي استخدمها ويستخدمها اقرانك الشعراء الشباب . لكن صوتك احدث اختلافا عنهم , و ها هي جائزة المركز الاول لمجموعتك ابرز دليل على ذلك ,سؤالي هو : كيف تسعى للاختلاف و ايلاد قصيدة مغايرة ؟ و هل ترى انك استطعت فعلا , باختلافك هذا النجاة من الغرق في التقليدي و الاتيان بالجديد المتمايز ؟
أريد بالطبع أن أقول ما لم يقله الآخرون ...
وأعرف أني إن أردت أن أختلف عن الآخرين فعلي أن أشبه نفسي
فقط نفسي وليس أي أحد آخر
أن أكون مختلفاُ يعني أن أكون حقيقياً
أن أكون مميزاً جداً يعني أن استطيع بإتقان أن أكون عادياُ جداً
أنا مؤمن أني لن أستطيع الإختلاف إلا إذا كانت ذاكرتي ملكاً لي وحدي ..وحافظت على نقاء المسار الذي يربط بين ذاكرتي
و صفحتي البيضاء ولم أتخلّ عن عين الطفولة التي كنت أنظر بها إلى الاشياء و أفسر العالم بها على طريقتي
أحب دائماً أن أختلف عن نفسي أيضاً وأشعر بثقل وطأة هذه المهمّة كلما زاد رصيد الشعر الذي كتبته ....أشعر بالسعادة عندم أكتشف زيادة عدد الألفاظ الجديدة التي جئت بها في قصيدة و حين ألجأ للتفسير أعرف أن الحالة الجديدة تلك وصدقي معها قد فرضت ألفاظها
من المؤلم أن نتحرك ضمن معجم شعري محدود وضمن حساسية شعرية وحيدة اللون ..وقد لا تتمّ النجاة من هذا إلا إذا أعدنا اكتشاف أنفسنا أولاً من جديد و تعرضنا لتجارب حياتية مختلفة
مازن , ايها ال " ممطر نحو السماء .. " !
و هذا ما تصف انت به نفسك . .كا نك بهذا تسير في الاتجاه المعاكس لنواميس الطبيعة .. فما الذي تعنيه تلك العودة الى الرحم الاول للخليقة ؟
البعد الآخر للاشياء هو ما يراه الشاعر و ما يقتفيه خارج نطاق تغطية مشاعر الآخرين
ثم إني أرى أنه لا بد للشاعر في نهاية الأمر أن يؤسس عالماً قائماً بذاته يكون من صنعه و أرضاً أخرى تنبت الحياة خلف متلاطمات البحر الواسع الذي تنتهي خطانا عند شواطئه
ربما علي العودة للسماء مرة أخرى لأكتشف الأشياء في جبلتها الأولى وهلاميتها البدائية ربما علي يضاً ان أعاكس إتجاه الآخرين كي أصل إلى ما لم يصلوا إليه حين يظنون أنهم يسيرون في الإتجاه الصحيح
أو يجب ان أروي تلك السماء المقفرة و أمطر فوقها بعد أن جفت ينابيعها
حينها قد أعود بحقائق جديدة و قصص لم ترو أو تنزل في كتاب
الشعر مرهون بقدرتنا على اختراق أنفسنا كي نستطيع العبور إلى ذواتنا الحقيقية ..وكما هو كائن لا يُعرف ولا يرى كالهواء فما لا نعرفه بالأصح هو ما يملك أن يعطيه لأني أزعم أن ما لم يُقل هو أكثر بكثير مما قيل
ولن يضر الأمر وجود شعراء آخرين يرددون ما قاله من قلبهم و يشربون من الآبار التي حفرها غيرهم ..فالأرض لا يزال رحمها زاخراً بكثير من الينابيع التي لم تنبجس بعد
لا تزال هناك الأجنحة الكثير التي لم تنبت بعد و الجراح الكثيرة التي تحتاج إلى التفتح ..ربما حينها سأفهم حقاً
عهرَ العذراوات عندما يصبن بداء الخجل
وبراءة المومسات عندما يفكرن في الأمومة