المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى أبي...ابن الشريفي


كوثر الشريفي
05-11-2007, 02:37 AM
إلى رجل..علمني معنى جسور الصمت...
إلى رجل..حاولت اختزاله في كلمة، فنضبت كل الكلمات...
إلى رجل...
لن يقرأ هذا، إلا إن خانني القدر..!

كنت أنظر إلى الماء الشفاف...لا..لم أكن عطشى...أو ربما كنت كذلك...عطشة لروحك يا أبي! أبحث في عن ثنايا للماء الشفاف، فأجده كروحك، لا تنواءات.. بل ربما بحثت في كل الوجوه و الأكوان عن ما يشبهك. فلم أجد شيئاً..لا شيء يشبه روحك في نظري. أتذكر أنني كنت أحب حين تأخذني تحت أشجار قريتك، و أرقد في حضنك أسائل الآكام و الوهاد عنك.. هي تعرفك...بل ما من ذرة في ذلك الفراغ الكبير إلا و قد أحبت ثنايا روحك بصدق. قل لي ... من الذي لا يعزك؟؟
أتذكر حينما كنت تحكي لي سيرك و رحلاتك... هروبك من واجباتك في مزرعة جدي لتنال وقتاً لنفسك حتى تقرأ.. فتغضب منك جدتي قائلة: ((والله لأحرقهم في التنور يا(...)! الله بس بلاني بحبك!قلبي على وليدي، و قلبه من حجر!)). فتذهب إليها كسيراً لترضع الأشجار ماء العيون. أنظر هذه الأيام إلى أشجار المدينة من غرفتي، فأجدها عارية و جرداء و لو اخضرت! عارية هي عن سيرتك المنحوتة في وريدها.
نعم أعلم، أنا كنت أرقد على سريري دون غطاء حتى أنال دفئ كفيك و أنت تغطيني في الليل البارد. أحب إدعاء النوم حتى أناجي قلبك المتكلم في الظلام، ليحكي لي عنك مرة أخرى، و لو كنا في بيت بعيد عن أشجار القرية. اشتقت قصصك التي دثرتني بها...حتى و إن كنت تعيدها مليار مرة. تبقى جميلة لأنك تزخرفها لي بطفولتك الهائمة في رياح العمر الهوجاء، فتعطي خيالي الطفولي فرصة ليحلق بعيداً عن المادية.
تذكر حينما سألتك مرة عن يوم ميلادك؟؟ انتهى حديثنا بضحكي و ضربك لي بخفة، لأني سخرت أنك لم تعد تتذكره. بدأت أنتهز هذا النسيان لأحتفل بك كل يوم..كما أحب و أريد.
تعرف؟ أفتقد أسلوبي الساخر معك، لنا أبجدية غريبة في فهم بعضنا البعض. تسخر مني، لأسخر منك، ثم تغضبني لتجد عذراً حتى تقبلني على خدي و تصرخ علي: ((يلا، بطلي زعل يا مجنونة...)).
فأحاول أن لا أفك من تكشيرة وجهي، و لا عقدة حاجبي لأنال المزيد من الدلال..تفهمني و تدعني بجانبك أتفرج على صديقك العزيز "محمد حسنين هيكل"...
حبي لهذا الرجل امتد كثيراً... أنتظره كل خميس بفارغ الصبر، خاصة في أيام سفرك. حتى أجد بعض طيفك الغائب في تلك اللحظات...ففي حديثه أتذكرك قاعداً و كأن على رأسك الطير، لا تجيب أحداً إلا: ((بعدين...ليس الآن...بعد قليل..)). فأقول لك أنني أكره محمد حسنين، لتقول: ((بل تحبينه!)).
حينما تسافر،لا أستسلم لإبراز الشوق في هاتف لا أراك فيه. أريك أنني أشتاقك بحدود المعقول...في الحقيقة، كنت أكذب على نفسي حين أقول هذا...فأنا أشتاقك كثيراً يا أبي...أشتاق لك حين تسخر من دموعي، فتمسحها و أنت تقلدني لأضحك بعد أن أشبع صدرك ضرباً...! لكنك ربما لا تعلم أنني أخفي شوقي الجارف حتى تخرج من تلك السماعة السخيفة بعد أيام...!
تعرف؟ اشتقت عفويتك في الإجابة...تجيب بأجوبة غير لبقة لحماتك (جدتي) فتضحك عليك.. اشتقت لنا حين نضحك دون سبب أو مبرر في نظر الجميع، فتتفشى العدوى بين الناس ليضحكوا دون أن يعرفوا لم نضحك؟
نعم... الكلمات البسيطة تفهمني منها...يكفيني هذا...
تذكر شكاوي المعلمين بسبب حيويتي الزائدة؟! أتذكر يوماً قدمت فيه إليك أجر شعوري بالإحباط. قلت لي طرفتك المعتادة: ((ما الفرق بينك و بين الحمار؟؟)) فلم أجب عليك كعادتي بأنني أختلف عن الحمار في كل شيء ماعدا شعوره بالأسى أحياناً. أجبتك ذلك اليوم بدموعي و ارتميت عليك. بدأت تسألني عن سبب دموعي، فكانت شهقاتي تبتلع الكلمات، فلا تفهم شيئاً. تضحك و تقول: ((واحدة واحدة!)). فأخبرك أن المعلمة تمنت لو كنت هادئة كرغد. تذكر ما قلت؟؟ لازلت أنا أذكر.. قلت لي: ((كوني أنتِ.. فأنتِ الأجمل دوماً...)). حينها، أشرقت شموس روحي، و أصبحت كلما صرخت علي معلمة أجيبها بكل ثقة: ((أنا جميلة بجنوني!)).
تذكر حينما تغضب أمي علي و تصرخ: ((سأجن من برودكِ! نسخة أنتِ من ذلك الرجل!))، فأمسك ضحكاتي منتظرة أن تأتي لإنقاذي بمراضاة أمي بكلماتك المعسولة. كنت تبتز منها الضحكة، فتخرج دائماً بعفوية دون تكلف!
تعرف...؟ بالأمس اتهموني بأنني قاحلة كصحراء. كنت أبكي في داخلي، و أناجي عبراتي الصماء. و لكنني تذكرتك و أنت تقول لي: ((لكل طريقته في التعبير...و من لا يعبر، يشعر أكثر..)).
آنذاك، صمتت عبراتي الداخلية، و هدأت عوالمي. فلم نشبه بعضنا هكذا؟
أين أنت الآن يا أبي؟؟ لازلت تهيم في عالمك الخاص، و لا تود أن تعطيني و لو مفتاحاً لألجه قليلاً؟؟ ألا تفهم أنني أشتاق مشاركتك لي بكل شيء ...؟؟ حتى أتفه التوافه أشاركها معك، لأنها معك ستزدهر براعم الأمل فيها... لم تنأى بهمومك عني، و تخاف أن أفهمك؟؟ ألا تفهم أنني أفهمك؟؟أنني أود لو تنثر لي بعضاً من السقم الذي تعانيه حتى أخفف عنك ؟؟ أشعر بان فقاعة انتفخت بيننا،و ترفض الإنفجار..لا أدري مم نفخت! بحار و صحار ٍ بيننا، بات يزيد قحطها و عمقها يوماً بعد يوم..
أشتاق لك حين كنت أطلب منك أن تشرح لي جزءاً من كتب المدرسة، فتبدأ في شرح الكتاب أكمله، مع مراعاة الكتب الأخرى! ساعتها كنت أقول لك بصراحة و تبرم: ((كفى! كفاية فلسفة!)) فترمي الكتاب بخفة على وجهي و تقول ضاحكاً: ((يلا اطلعي برع! قال فلسفة قال...!)) فأبدأ في طلب السماح منك حتى لا تغضب..فأنت صديقي، كيف تغضب مني؟ ما بالك اليوم، تبحث باختصار عن ما أريده، و أي شيء سريع حتى تنتهي من عملك...؟ تعرف...؟؟ بدأت اشتاق شرحك الطويل، و أكره كل ما هو مختصر، لأنبش بين الكتب و الصفحات عن ما هو صعب لأقرأه. أفهمه، و لكنني أدعي أنني لا أفهم شيئاً حتى تفهمني أنت... و لكنك لا تزال بعيداً عني...بعيداً عن أي أرض تحتويني..
أنت لازلت معي، و لكن روحك بدأت تحلق بعيداً عني...أينك؟؟أحتاجك دوماً، فأنت الأفضل...و أنت الأجمل.. لازلت عند أنتطر.. أن تفرغ من عالم صمتك اليتيم!

علي أسعد أسعد
05-11-2007, 12:04 PM
على ضفافك وقفت يا أختاه


هي الإنسانية كلها تتحد في قلب واحد


أما قلبك هذا فلا أراه إلا نفحة من الجنة


كوني بخير

وإليك تحياتي

عماد تريسي
05-11-2007, 03:01 PM
عندما نتحدث عن ذواتنا , و بالتحديد عن ساكنيّ ذواتنا , فإننا لا نملك للحديث حدوداً

و لا للنجوى أمداءً , فكلما تلكأ الحرف يوشك أن يتثاءب , انبرى أخٌ له من اللغة

أكمل حكاياهم / ذكرياتهم / تفاصليهم , كأنَّهم يستحضرون الذاكرة و ما حوت , و أخيلة

الأماكن و ما صوَّرت , كأنهم الأمناء القيّمون على إحياء أولئك الساكنين فينا بشغفٍ ,

سواء أكانوا بين ظهرانينا أو انتقتهم السموات لجنانها .

أخيتي الفاضلة الأديبة / كوثر الشريفي

لا فُضَّ فوكِ , و لا نضبت دواةٌ يسكنها يراعكِ الرائع .

باركَ الله بكِ أخيتي


مودتي

يُمنى سالم
05-11-2007, 09:44 PM
غاليتي الأديبة كوثر الشريفي

هو الإحساس بالفقد يهاجمنا فجأة من حيث لا نعلم، يكتب على أصابعنا بحبر ملؤه الذكرى، ويشتت ذواتنا بكل شاردة نسينا ذات يوم أن نقدرها.
هو العمق الذي يسكن الروح التي تجتاحنا، وصمت العويل المدوي في دواخلنا، كل ذلك يجتمع ليتفجر رسالة كهذه، وكنت قد فجرت من مدة ذات الرسالة إليه، ولم تقل أسى ووجع، إلا أن كلاً منا حين يشعر أن الجرح يخصه يكون بالنسبة له أكبر..!!

محبتي التي لا تنتهي سيدتي

دومي بخير

د. محمد حسن السمان
06-11-2007, 03:08 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخت الفاضلة الأديبة كوثر الشريفي

شعرت بحالة وجدانية غريبة , وأنا أقرا هذا النص الأدبي , وأحلق في عوالمه ,
أتلمس جمال المشاعر الانسانية , وخلجات العلاقة الحميمية , بين البنت والأب ,
باسلوب أدبي جميل , بالإضافة إلى إحساسي بأصالة الكاتبة , وتميّزها بالعرفان ,
تجاه الأب , وكم كنت أتمنى أن يمر على هذا النص الجميل , الأخ الغالي والأديب
الكبير الاستاذ الدكتور سلطان الحريري , وهو الاستاذ الاكاديمي في فنون النثر ,
لنسأله عن تصنيف هذا النص , بين أجناس النثر , ربما أفادنا بأن هذا النص ,
يتبع فن الرسالة الأدبية .
تقبلي احترامي وتقديري

أخوك
د. محمد حسن السمان

كوثر الشريفي
06-11-2007, 03:09 PM
على ضفافك وقفت يا أختاه


هي الإنسانية كلها تتحد في قلب واحد


أما قلبك هذا فلا أراه إلا نفحة من الجنة


كوني بخير

وإليك تحياتي

الشاعر الطيب علي
يا الله...قولك الصغير هذا، كبير عليَّ جداً..
بل حمله عظيم جداً!
شكراً لمرورك الدائم يا أخي الفاضل..
أرجو أن أكون كذلك بحق!
لا عدمتك..
رعاك الله دوماً

ريمه الخاني
06-11-2007, 03:58 PM
قلمك لافت دوما بشاعريته
دمت مبدعه اخيه

فراس المعاني
06-11-2007, 10:05 PM
الرائعة كوثر

تطلقين الحرف بسرد قصصي جميل
وبلغة نبض القلوب
عندما تتلاقي الكلمات بروح الاحاسيس
تعتري كل انسان بحالة الوجدان ذات العيش السعيد ومنها الحزين
هنا اراك يا كوثر ... بروعة القلم وما امتاز الحب والود للاب
وروعة الاحساس اتجاه هذه العلاقة

كوثر احييك واحيي قلمك

دمتِ بخير

ود يمتد لعينيك

كوثر الشريفي
08-11-2007, 02:30 AM
عندما نتحدث عن ذواتنا , و بالتحديد عن ساكنيّ ذواتنا , فإننا لا نملك للحديث حدوداً

و لا للنجوى أمداءً , فكلما تلكأ الحرف يوشك أن يتثاءب , انبرى أخٌ له من اللغة

أكمل حكاياهم / ذكرياتهم / تفاصليهم , كأنَّهم يستحضرون الذاكرة و ما حوت , و أخيلة

الأماكن و ما صوَّرت , كأنهم الأمناء القيّمون على إحياء أولئك الساكنين فينا بشغفٍ ,

سواء أكانوا بين ظهرانينا أو انتقتهم السموات لجنانها .

أخيتي الفاضلة الأديبة / كوثر الشريفي

لا فُضَّ فوكِ , و لا نضبت دواةٌ يسكنها يراعكِ الرائع .

باركَ الله بكِ أخيتي


مودتي



الأديب الرائع الراقي عماد
هم قطع من الروح.. نتقاسمها معهم دونما قصد.. فقط لميلان تلك المضغة الصغيرة!
قلت الكثير هاهنا يا عماد..وصف دقيق، لا يتقنه إلا أنت..
فكيف لي بمجاراته؟
تقبل احترامي ..و تقديري لمرورك..
رعاك الله

كوثر الشريفي
08-11-2007, 02:39 AM
غاليتي الأديبة كوثر الشريفي

هو الإحساس بالفقد يهاجمنا فجأة من حيث لا نعلم، يكتب على أصابعنا بحبر ملؤه الذكرى، ويشتت ذواتنا بكل شاردة نسينا ذات يوم أن نقدرها.
هو العمق الذي يسكن الروح التي تجتاحنا، وصمت العويل المدوي في دواخلنا، كل ذلك يجتمع ليتفجر رسالة كهذه، وكنت قد فجرت من مدة ذات الرسالة إليه، ولم تقل أسى ووجع، إلا أن كلاً منا حين يشعر أن الجرح يخصه يكون بالنسبة له أكبر..!!

محبتي التي لا تنتهي سيدتي

دومي بخير

عزيزتي و أديبتي المبدعة يُمنى
نعم.. كلنا يرتدي مكبراً لجرحه.. يكَبر هذا المكبر جرحنا فوق أي تصور أو احتمال.
و لكن.. لنا قسمات أحياناً بعيداً عن الأنا هذه ..
و في قلبي يقين، بأنكِ تمتلكين ذلك الجزء الأكبر، من النطق بجروح غير جروحكِ..
فلكِ السخاء!
شكراً لمرورك الــ أقدره كثيراً.. و أحبه أكثر..
مودتي الكبيرة عزيزتي

كوثر الشريفي
10-11-2007, 02:09 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخت الفاضلة الأديبة كوثر الشريفي

شعرت بحالة وجدانية غريبة , وأنا أقرا هذا النص الأدبي , وأحلق في عوالمه ,
أتلمس جمال المشاعر الانسانية , وخلجات العلاقة الحميمية , بين البنت والأب ,
باسلوب أدبي جميل , بالإضافة إلى إحساسي بأصالة الكاتبة , وتميّزها بالعرفان ,
تجاه الأب , وكم كنت أتمنى أن يمر على هذا النص الجميل , الأخ الغالي والأديب
الكبير الاستاذ الدكتور سلطان الحريري , وهو الاستاذ الاكاديمي في فنون النثر ,
لنسأله عن تصنيف هذا النص , بين أجناس النثر , ربما أفادنا بأن هذا النص ,
يتبع فن الرسالة الأدبية .
تقبلي احترامي وتقديري

أخوك
د. محمد حسن السمان
الأستاذ الفاضل د.محمد
جميل حين يشعر الإنسان بأحاسيس أخيه الإنسان..هنا يبدأ التواصل البناء و الفعال..
و هاهنا، في هذه المساحة، فرحت لمرورك سيدي على بوح نفضنا عنه غبار الإهمال..
و ربما كما قلتم، هي أشبه بالرسالة من الخاطرة..
الشكر جله..
رعاك الله

كوثر الشريفي
10-11-2007, 02:13 AM
قلمك لافت دوما بشاعريته
دمت مبدعه اخيه

الأديبة الفاضلة ريمه
شكراً لمروركِ سيدتي..
و دمتِ براقة أنتِ أيضاً!

رعاكِ الله

كوثر الشريفي
10-11-2007, 02:16 AM
الرائعة كوثر

تطلقين الحرف بسرد قصصي جميل
وبلغة نبض القلوب
عندما تتلاقي الكلمات بروح الاحاسيس
تعتري كل انسان بحالة الوجدان ذات العيش السعيد ومنها الحزين
هنا اراك يا كوثر ... بروعة القلم وما امتاز الحب والود للاب
وروعة الاحساس اتجاه هذه العلاقة

كوثر احييك واحيي قلمك

دمتِ بخير

ود يمتد لعينيك

أخي الطيب فراس
من الجميل جداً أن أراك هاهنا في أروقة..
أشكر لك مرورك الدائم..
و لن أزيد على ما قلته أنت..أوجزت فوفيت!
رعاك الله دوماً

مأمون المغازي
10-11-2007, 02:51 AM
إلى رجل..علمني معنى جسور الصمت...
إلى رجل..حاولت اختزاله في كلمة، فنضبت كل الكلمات...
إلى رجل...
لن يقرأ هذا، إلا إن خانني القدر..!

كنت أنظر إلى الماء الشفاف...لا..لم أكن عطشى...أو ربما كنت كذلك...عطشة لروحك يا أبي! أبحث في عن ثنايا للماء الشفاف، فأجده كروحك، لا تنواءات.. بل ربما بحثت في كل الوجوه و الأكوان عن ما يشبهك. فلم أجد شيئاً..لا شيء يشبه روحك في نظري. أتذكر أنني كنت أحب حين تأخذني تحت أشجار قريتك، و أرقد في حضنك أسائل الآكام و الوهاد عنك.. هي تعرفك...بل ما من ذرة في ذلك الفراغ الكبير إلا و قد أحبت ثنايا روحك بصدق. قل لي ... من الذي لا يعزك؟؟
أتذكر حينما كنت تحكي لي سيرك و رحلاتك... هروبك من واجباتك في مزرعة جدي لتنال وقتاً لنفسك حتى تقرأ.. فتغضب منك جدتي قائلة: ((والله لأحرقهم في التنور يا(...)! الله بس بلاني بحبك!قلبي على وليدي، و قلبه من حجر!)). فتذهب إليها كسيراً لترضع الأشجار ماء العيون. أنظر هذه الأيام إلى أشجار المدينة من غرفتي، فأجدها عارية و جرداء و لو اخضرت! عارية هي عن سيرتك المنحوتة في وريدها.
نعم أعلم، أنا كنت أرقد على سريري دون غطاء حتى أنال دفئ كفيك و أنت تغطيني في الليل البارد. أحب إدعاء النوم حتى أناجي قلبك المتكلم في الظلام، ليحكي لي عنك مرة أخرى، و لو كنا في بيت بعيد عن أشجار القرية. اشتقت قصصك التي دثرتني بها...حتى و إن كنت تعيدها مليار مرة. تبقى جميلة لأنك تزخرفها لي بطفولتك الهائمة في رياح العمر الهوجاء، فتعطي خيالي الطفولي فرصة ليحلق بعيداً عن المادية.
تذكر حينما سألتك مرة عن يوم ميلادك؟؟ انتهى حديثنا بضحكي و ضربك لي بخفة، لأني سخرت أنك لم تعد تتذكره. بدأت أنتهز هذا النسيان لأحتفل بك كل يوم..كما أحب و أريد.
تعرف؟ أفتقد أسلوبي الساخر معك، لنا أبجدية غريبة في فهم بعضنا البعض. تسخر مني، لأسخر منك، ثم تغضبني لتجد عذراً حتى تقبلني على خدي و تصرخ علي: ((يلا، بطلي زعل يا مجنونة...)).
فأحاول أن لا أفك من تكشيرة وجهي، و لا عقدة حاجبي لأنال المزيد من الدلال..تفهمني و تدعني بجانبك أتفرج على صديقك العزيز "محمد حسنين هيكل"...
حبي لهذا الرجل امتد كثيراً... أنتظره كل خميس بفارغ الصبر، خاصة في أيام سفرك. حتى أجد بعض طيفك الغائب في تلك اللحظات...ففي حديثه أتذكرك قاعداً و كأن على رأسك الطير، لا تجيب أحداً إلا: ((بعدين...ليس الآن...بعد قليل..)). فأقول لك أنني أكره محمد حسنين، لتقول: ((بل تحبينه!)).
حينما تسافر،لا أستسلم لإبراز الشوق في هاتف لا أراك فيه. أريك أنني أشتاقك بحدود المعقول...في الحقيقة، كنت أكذب على نفسي حين أقول هذا...فأنا أشتاقك كثيراً يا أبي...أشتاق لك حين تسخر من دموعي، فتمسحها و أنت تقلدني لأضحك بعد أن أشبع صدرك ضرباً...! لكنك ربما لا تعلم أنني أخفي شوقي الجارف حتى تخرج من تلك السماعة السخيفة بعد أيام...!
تعرف؟ اشتقت عفويتك في الإجابة...تجيب بأجوبة غير لبقة لحماتك (جدتي) فتضحك عليك.. اشتقت لنا حين نضحك دون سبب أو مبرر في نظر الجميع، فتتفشى العدوى بين الناس ليضحكوا دون أن يعرفوا لم نضحك؟
نعم... الكلمات البسيطة تفهمني منها...يكفيني هذا...
تذكر شكاوي المعلمين بسبب حيويتي الزائدة؟! أتذكر يوماً قدمت فيه إليك أجر شعوري بالإحباط. قلت لي طرفتك المعتادة: ((ما الفرق بينك و بين الحمار؟؟)) فلم أجب عليك كعادتي بأنني أختلف عن الحمار في كل شيء ماعدا شعوره بالأسى أحياناً. أجبتك ذلك اليوم بدموعي و ارتميت عليك. بدأت تسألني عن سبب دموعي، فكانت شهقاتي تبتلع الكلمات، فلا تفهم شيئاً. تضحك و تقول: ((واحدة واحدة!)). فأخبرك أن المعلمة تمنت لو كنت هادئة كرغد. تذكر ما قلت؟؟ لازلت أنا أذكر.. قلت لي: ((كوني أنتِ.. فأنتِ الأجمل دوماً...)). حينها، أشرقت شموس روحي، و أصبحت كلما صرخت علي معلمة أجيبها بكل ثقة: ((أنا جميلة بجنوني!)).
تذكر حينما تغضب أمي علي و تصرخ: ((سأجن من برودكِ! نسخة أنتِ من ذلك الرجل!))، فأمسك ضحكاتي منتظرة أن تأتي لإنقاذي بمراضاة أمي بكلماتك المعسولة. كنت تبتز منها الضحكة، فتخرج دائماً بعفوية دون تكلف!
تعرف...؟ بالأمس اتهموني بأنني قاحلة كصحراء. كنت أبكي في داخلي، و أناجي عبراتي الصماء. و لكنني تذكرتك و أنت تقول لي: ((لكل طريقته في التعبير...و من لا يعبر، يشعر أكثر..)).
آنذاك، صمتت عبراتي الداخلية، و هدأت عوالمي. فلم نشبه بعضنا هكذا؟
أين أنت الآن يا أبي؟؟ لازلت تهيم في عالمك الخاص، و لا تود أن تعطيني و لو مفتاحاً لألجه قليلاً؟؟ ألا تفهم أنني أشتاق مشاركتك لي بكل شيء ...؟؟ حتى أتفه التوافه أشاركها معك، لأنها معك ستزدهر براعم الأمل فيها... لم تنأى بهمومك عني، و تخاف أن أفهمك؟؟ ألا تفهم أنني أفهمك؟؟أنني أود لو تنثر لي بعضاً من السقم الذي تعانيه حتى أخفف عنك ؟؟ أشعر بان فقاعة انتفخت بيننا،و ترفض الإنفجار..لا أدري مم نفخت! بحار و صحار ٍ بيننا، بات يزيد قحطها و عمقها يوماً بعد يوم..
أشتاق لك حين كنت أطلب منك أن تشرح لي جزءاً من كتب المدرسة، فتبدأ في شرح الكتاب أكمله، مع مراعاة الكتب الأخرى! ساعتها كنت أقول لك بصراحة و تبرم: ((كفى! كفاية فلسفة!)) فترمي الكتاب بخفة على وجهي و تقول ضاحكاً: ((يلا اطلعي برع! قال فلسفة قال...!)) فأبدأ في طلب السماح منك حتى لا تغضب..فأنت صديقي، كيف تغضب مني؟ ما بالك اليوم، تبحث باختصار عن ما أريده، و أي شيء سريع حتى تنتهي من عملك...؟ تعرف...؟؟ بدأت اشتاق شرحك الطويل، و أكره كل ما هو مختصر، لأنبش بين الكتب و الصفحات عن ما هو صعب لأقرأه. أفهمه، و لكنني أدعي أنني لا أفهم شيئاً حتى تفهمني أنت... و لكنك لا تزال بعيداً عني...بعيداً عن أي أرض تحتويني..
أنت لازلت معي، و لكن روحك بدأت تحلق بعيداً عني...أينك؟؟أحتاجك دوماً، فأنت الأفضل...و أنت الأجمل.. لازلت عند أنتطر.. أن تفرغ من عالم صمتك اليتيم!

لن أطيل القول هنا ، لأن هذا الصنف من النصوص يثير في الكتابة التي مهما طالت لا تعبر عما أريد إيصاله حول النص ، لكني هنا أشيد بالأسلوب الذي كانت طفلية الحكي فيه سيدة الموقف ، فقد كانت الكاتبة بارعة في تنمية اللغة وفق الماحل التي تناولتها في النص ، وقد أجادت أيضًا في التصوير ، وجاء السبك راقيًا فقد أجادت الكاتبة المراوحة بين الفنون الكتابية في هذا النص الذي يبلغ مستوى الرسالة أو كأنه ومما راق لي هذه المراوحات فبين القصة ، والخاطرة ، والمثل الشعبي ، وبين الاسترسال ، والتكثيف ، والالتفاتات الخفيفة كانت الكتبة تخط نصها الثري ، وأنا من أشد المعجبين بهذه الطريقة التي تجعل من النص بستانًا من الفنون . لذلك راق لي النص على المستوى الشخصي ، ومستوى القارئ المحايد ، ولا أخفي أنني كنت أتمنى لو أن لوحة المفاتيح لم تتسبب في بعض هنات حرفية لا دخل لأديبتنا فيها .

أديبتنا : كوثر الشريفي ،

زيدينا من هذا الإبداع صنوفًا .

محبتي واحترامي

مأمون

د. سلطان الحريري
10-11-2007, 12:06 PM
نص محلق بأدبيته العالية ، وبغوصه في التجربة الشعورية التي ظهرت لنا من بين حروف شفافة ترقى إلى مستوى عال ، والحديث إلى الأب بهذه الشفافية والرقة والعذوبة جعل النص يحلق بنا في سماءات الصورة الموغلة في العمق ، والبساطة على حد سواء .
وأعتذر لتأخري في الرد عليه ، ويبدو أنه تنطبق عليّ مقولة : " شدة القرب حجاب " .
وأتوجه إلى أستاذي الكبيرالدكتور السمان بالحب الكبير ، وقد تمنى أن أزور هذا النص ، وهو العالم الكبير الذي نتعلم منه ، فله مني حب لا يدانيه حب ، ولكنه تواضع العلماء .
وهذا النص تتداخل فيه الأجناس كما أشار أستاذي ومن بعده الحبيب الناقد والأديب الأستاذ مأمون المغازي ، وأجدني أميل إلى أنه رسالة مبنية على البوح الداخلي .
ولذلك اسمحي لي بنقله إلى رواق الرسالة .
لك خالص الود والتقدير

كوثر الشريفي
12-11-2007, 01:35 AM
لن أطيل القول هنا ، لأن هذا الصنف من النصوص يثير في الكتابة التي مهما طالت لا تعبر عما أريد إيصاله حول النص ، لكني هنا أشيد بالأسلوب الذي كانت طفلية الحكي فيه سيدة الموقف ، فقد كانت الكاتبة بارعة في تنمية اللغة وفق الماحل التي تناولتها في النص ، وقد أجادت أيضًا في التصوير ، وجاء السبك راقيًا فقد أجادت الكاتبة المراوحة بين الفنون الكتابية في هذا النص الذي يبلغ مستوى الرسالة أو كأنه ومما راق لي هذه المراوحات فبين القصة ، والخاطرة ، والمثل الشعبي ، وبين الاسترسال ، والتكثيف ، والالتفاتات الخفيفة كانت الكتبة تخط نصها الثري ، وأنا من أشد المعجبين بهذه الطريقة التي تجعل من النص بستانًا من الفنون . لذلك راق لي النص على المستوى الشخصي ، ومستوى القارئ المحايد ، ولا أخفي أنني كنت أتمنى لو أن لوحة المفاتيح لم تتسبب في بعض هنات حرفية لا دخل لأديبتنا فيها .

أديبتنا : كوثر الشريفي ،

زيدينا من هذا الإبداع صنوفًا .

محبتي واحترامي

مأمون

الأستاذ الفاضل مأمون
حين ينفذ العقل و القلب لأقطار نص ما، ينهل مطر الإبداع جلياً ..
و هاهو إبداعك النقدي و حسك الممتاز يتحدث بإسهاب عن نص بسيط كتبته..
الشكر جله سيدي على ذلك..
و عن الهنات التي وقعت، لم ألحظها إلا حين قرأت النص مرة أخرى، و لكن للأسف، ليت خاصية التعديل تعمل حتى يُعدل العمل..
أشكرك بحق سيدي..
لا عدمتك..
إحترامي..
رعاك الله

كوثر الشريفي
12-11-2007, 01:41 AM
نص محلق بأدبيته العالية ، وبغوصه في التجربة الشعورية التي ظهرت لنا من بين حروف شفافة ترقى إلى مستوى عال ، والحديث إلى الأب بهذه الشفافية والرقة والعذوبة جعل النص يحلق بنا في سماءات الصورة الموغلة في العمق ، والبساطة على حد سواء .
وأعتذر لتأخري في الرد عليه ، ويبدو أنه تنطبق عليّ مقولة : " شدة القرب حجاب " .
وأتوجه إلى أستاذي الكبيرالدكتور السمان بالحب الكبير ، وقد تمنى أن أزور هذا النص ، وهو العالم الكبير الذي نتعلم منه ، فله مني حب لا يدانيه حب ، ولكنه تواضع العلماء .
وهذا النص تتداخل فيه الأجناس كما أشار أستاذي ومن بعده الحبيب الناقد والأديب الأستاذ مأمون المغازي ، وأجدني أميل إلى أنه رسالة مبنية على البوح الداخلي .
ولذلك اسمحي لي بنقله إلى رواق الرسالة .
لك خالص الود والتقدير

أستاذي الفاضل د.سلطان
ساغتنم هذه المساحة للشكر مرتين..مرة على إفادتك لنا في القصة..و شكر اخر موصول لزيارتك للموضوع..
و لنقلك لركنه المخصص..
شكراً لك سيدي..

رعاك الله