كوثر الشريفي
05-11-2007, 02:37 AM
إلى رجل..علمني معنى جسور الصمت...
إلى رجل..حاولت اختزاله في كلمة، فنضبت كل الكلمات...
إلى رجل...
لن يقرأ هذا، إلا إن خانني القدر..!
كنت أنظر إلى الماء الشفاف...لا..لم أكن عطشى...أو ربما كنت كذلك...عطشة لروحك يا أبي! أبحث في عن ثنايا للماء الشفاف، فأجده كروحك، لا تنواءات.. بل ربما بحثت في كل الوجوه و الأكوان عن ما يشبهك. فلم أجد شيئاً..لا شيء يشبه روحك في نظري. أتذكر أنني كنت أحب حين تأخذني تحت أشجار قريتك، و أرقد في حضنك أسائل الآكام و الوهاد عنك.. هي تعرفك...بل ما من ذرة في ذلك الفراغ الكبير إلا و قد أحبت ثنايا روحك بصدق. قل لي ... من الذي لا يعزك؟؟
أتذكر حينما كنت تحكي لي سيرك و رحلاتك... هروبك من واجباتك في مزرعة جدي لتنال وقتاً لنفسك حتى تقرأ.. فتغضب منك جدتي قائلة: ((والله لأحرقهم في التنور يا(...)! الله بس بلاني بحبك!قلبي على وليدي، و قلبه من حجر!)). فتذهب إليها كسيراً لترضع الأشجار ماء العيون. أنظر هذه الأيام إلى أشجار المدينة من غرفتي، فأجدها عارية و جرداء و لو اخضرت! عارية هي عن سيرتك المنحوتة في وريدها.
نعم أعلم، أنا كنت أرقد على سريري دون غطاء حتى أنال دفئ كفيك و أنت تغطيني في الليل البارد. أحب إدعاء النوم حتى أناجي قلبك المتكلم في الظلام، ليحكي لي عنك مرة أخرى، و لو كنا في بيت بعيد عن أشجار القرية. اشتقت قصصك التي دثرتني بها...حتى و إن كنت تعيدها مليار مرة. تبقى جميلة لأنك تزخرفها لي بطفولتك الهائمة في رياح العمر الهوجاء، فتعطي خيالي الطفولي فرصة ليحلق بعيداً عن المادية.
تذكر حينما سألتك مرة عن يوم ميلادك؟؟ انتهى حديثنا بضحكي و ضربك لي بخفة، لأني سخرت أنك لم تعد تتذكره. بدأت أنتهز هذا النسيان لأحتفل بك كل يوم..كما أحب و أريد.
تعرف؟ أفتقد أسلوبي الساخر معك، لنا أبجدية غريبة في فهم بعضنا البعض. تسخر مني، لأسخر منك، ثم تغضبني لتجد عذراً حتى تقبلني على خدي و تصرخ علي: ((يلا، بطلي زعل يا مجنونة...)).
فأحاول أن لا أفك من تكشيرة وجهي، و لا عقدة حاجبي لأنال المزيد من الدلال..تفهمني و تدعني بجانبك أتفرج على صديقك العزيز "محمد حسنين هيكل"...
حبي لهذا الرجل امتد كثيراً... أنتظره كل خميس بفارغ الصبر، خاصة في أيام سفرك. حتى أجد بعض طيفك الغائب في تلك اللحظات...ففي حديثه أتذكرك قاعداً و كأن على رأسك الطير، لا تجيب أحداً إلا: ((بعدين...ليس الآن...بعد قليل..)). فأقول لك أنني أكره محمد حسنين، لتقول: ((بل تحبينه!)).
حينما تسافر،لا أستسلم لإبراز الشوق في هاتف لا أراك فيه. أريك أنني أشتاقك بحدود المعقول...في الحقيقة، كنت أكذب على نفسي حين أقول هذا...فأنا أشتاقك كثيراً يا أبي...أشتاق لك حين تسخر من دموعي، فتمسحها و أنت تقلدني لأضحك بعد أن أشبع صدرك ضرباً...! لكنك ربما لا تعلم أنني أخفي شوقي الجارف حتى تخرج من تلك السماعة السخيفة بعد أيام...!
تعرف؟ اشتقت عفويتك في الإجابة...تجيب بأجوبة غير لبقة لحماتك (جدتي) فتضحك عليك.. اشتقت لنا حين نضحك دون سبب أو مبرر في نظر الجميع، فتتفشى العدوى بين الناس ليضحكوا دون أن يعرفوا لم نضحك؟
نعم... الكلمات البسيطة تفهمني منها...يكفيني هذا...
تذكر شكاوي المعلمين بسبب حيويتي الزائدة؟! أتذكر يوماً قدمت فيه إليك أجر شعوري بالإحباط. قلت لي طرفتك المعتادة: ((ما الفرق بينك و بين الحمار؟؟)) فلم أجب عليك كعادتي بأنني أختلف عن الحمار في كل شيء ماعدا شعوره بالأسى أحياناً. أجبتك ذلك اليوم بدموعي و ارتميت عليك. بدأت تسألني عن سبب دموعي، فكانت شهقاتي تبتلع الكلمات، فلا تفهم شيئاً. تضحك و تقول: ((واحدة واحدة!)). فأخبرك أن المعلمة تمنت لو كنت هادئة كرغد. تذكر ما قلت؟؟ لازلت أنا أذكر.. قلت لي: ((كوني أنتِ.. فأنتِ الأجمل دوماً...)). حينها، أشرقت شموس روحي، و أصبحت كلما صرخت علي معلمة أجيبها بكل ثقة: ((أنا جميلة بجنوني!)).
تذكر حينما تغضب أمي علي و تصرخ: ((سأجن من برودكِ! نسخة أنتِ من ذلك الرجل!))، فأمسك ضحكاتي منتظرة أن تأتي لإنقاذي بمراضاة أمي بكلماتك المعسولة. كنت تبتز منها الضحكة، فتخرج دائماً بعفوية دون تكلف!
تعرف...؟ بالأمس اتهموني بأنني قاحلة كصحراء. كنت أبكي في داخلي، و أناجي عبراتي الصماء. و لكنني تذكرتك و أنت تقول لي: ((لكل طريقته في التعبير...و من لا يعبر، يشعر أكثر..)).
آنذاك، صمتت عبراتي الداخلية، و هدأت عوالمي. فلم نشبه بعضنا هكذا؟
أين أنت الآن يا أبي؟؟ لازلت تهيم في عالمك الخاص، و لا تود أن تعطيني و لو مفتاحاً لألجه قليلاً؟؟ ألا تفهم أنني أشتاق مشاركتك لي بكل شيء ...؟؟ حتى أتفه التوافه أشاركها معك، لأنها معك ستزدهر براعم الأمل فيها... لم تنأى بهمومك عني، و تخاف أن أفهمك؟؟ ألا تفهم أنني أفهمك؟؟أنني أود لو تنثر لي بعضاً من السقم الذي تعانيه حتى أخفف عنك ؟؟ أشعر بان فقاعة انتفخت بيننا،و ترفض الإنفجار..لا أدري مم نفخت! بحار و صحار ٍ بيننا، بات يزيد قحطها و عمقها يوماً بعد يوم..
أشتاق لك حين كنت أطلب منك أن تشرح لي جزءاً من كتب المدرسة، فتبدأ في شرح الكتاب أكمله، مع مراعاة الكتب الأخرى! ساعتها كنت أقول لك بصراحة و تبرم: ((كفى! كفاية فلسفة!)) فترمي الكتاب بخفة على وجهي و تقول ضاحكاً: ((يلا اطلعي برع! قال فلسفة قال...!)) فأبدأ في طلب السماح منك حتى لا تغضب..فأنت صديقي، كيف تغضب مني؟ ما بالك اليوم، تبحث باختصار عن ما أريده، و أي شيء سريع حتى تنتهي من عملك...؟ تعرف...؟؟ بدأت اشتاق شرحك الطويل، و أكره كل ما هو مختصر، لأنبش بين الكتب و الصفحات عن ما هو صعب لأقرأه. أفهمه، و لكنني أدعي أنني لا أفهم شيئاً حتى تفهمني أنت... و لكنك لا تزال بعيداً عني...بعيداً عن أي أرض تحتويني..
أنت لازلت معي، و لكن روحك بدأت تحلق بعيداً عني...أينك؟؟أحتاجك دوماً، فأنت الأفضل...و أنت الأجمل.. لازلت عند أنتطر.. أن تفرغ من عالم صمتك اليتيم!
إلى رجل..حاولت اختزاله في كلمة، فنضبت كل الكلمات...
إلى رجل...
لن يقرأ هذا، إلا إن خانني القدر..!
كنت أنظر إلى الماء الشفاف...لا..لم أكن عطشى...أو ربما كنت كذلك...عطشة لروحك يا أبي! أبحث في عن ثنايا للماء الشفاف، فأجده كروحك، لا تنواءات.. بل ربما بحثت في كل الوجوه و الأكوان عن ما يشبهك. فلم أجد شيئاً..لا شيء يشبه روحك في نظري. أتذكر أنني كنت أحب حين تأخذني تحت أشجار قريتك، و أرقد في حضنك أسائل الآكام و الوهاد عنك.. هي تعرفك...بل ما من ذرة في ذلك الفراغ الكبير إلا و قد أحبت ثنايا روحك بصدق. قل لي ... من الذي لا يعزك؟؟
أتذكر حينما كنت تحكي لي سيرك و رحلاتك... هروبك من واجباتك في مزرعة جدي لتنال وقتاً لنفسك حتى تقرأ.. فتغضب منك جدتي قائلة: ((والله لأحرقهم في التنور يا(...)! الله بس بلاني بحبك!قلبي على وليدي، و قلبه من حجر!)). فتذهب إليها كسيراً لترضع الأشجار ماء العيون. أنظر هذه الأيام إلى أشجار المدينة من غرفتي، فأجدها عارية و جرداء و لو اخضرت! عارية هي عن سيرتك المنحوتة في وريدها.
نعم أعلم، أنا كنت أرقد على سريري دون غطاء حتى أنال دفئ كفيك و أنت تغطيني في الليل البارد. أحب إدعاء النوم حتى أناجي قلبك المتكلم في الظلام، ليحكي لي عنك مرة أخرى، و لو كنا في بيت بعيد عن أشجار القرية. اشتقت قصصك التي دثرتني بها...حتى و إن كنت تعيدها مليار مرة. تبقى جميلة لأنك تزخرفها لي بطفولتك الهائمة في رياح العمر الهوجاء، فتعطي خيالي الطفولي فرصة ليحلق بعيداً عن المادية.
تذكر حينما سألتك مرة عن يوم ميلادك؟؟ انتهى حديثنا بضحكي و ضربك لي بخفة، لأني سخرت أنك لم تعد تتذكره. بدأت أنتهز هذا النسيان لأحتفل بك كل يوم..كما أحب و أريد.
تعرف؟ أفتقد أسلوبي الساخر معك، لنا أبجدية غريبة في فهم بعضنا البعض. تسخر مني، لأسخر منك، ثم تغضبني لتجد عذراً حتى تقبلني على خدي و تصرخ علي: ((يلا، بطلي زعل يا مجنونة...)).
فأحاول أن لا أفك من تكشيرة وجهي، و لا عقدة حاجبي لأنال المزيد من الدلال..تفهمني و تدعني بجانبك أتفرج على صديقك العزيز "محمد حسنين هيكل"...
حبي لهذا الرجل امتد كثيراً... أنتظره كل خميس بفارغ الصبر، خاصة في أيام سفرك. حتى أجد بعض طيفك الغائب في تلك اللحظات...ففي حديثه أتذكرك قاعداً و كأن على رأسك الطير، لا تجيب أحداً إلا: ((بعدين...ليس الآن...بعد قليل..)). فأقول لك أنني أكره محمد حسنين، لتقول: ((بل تحبينه!)).
حينما تسافر،لا أستسلم لإبراز الشوق في هاتف لا أراك فيه. أريك أنني أشتاقك بحدود المعقول...في الحقيقة، كنت أكذب على نفسي حين أقول هذا...فأنا أشتاقك كثيراً يا أبي...أشتاق لك حين تسخر من دموعي، فتمسحها و أنت تقلدني لأضحك بعد أن أشبع صدرك ضرباً...! لكنك ربما لا تعلم أنني أخفي شوقي الجارف حتى تخرج من تلك السماعة السخيفة بعد أيام...!
تعرف؟ اشتقت عفويتك في الإجابة...تجيب بأجوبة غير لبقة لحماتك (جدتي) فتضحك عليك.. اشتقت لنا حين نضحك دون سبب أو مبرر في نظر الجميع، فتتفشى العدوى بين الناس ليضحكوا دون أن يعرفوا لم نضحك؟
نعم... الكلمات البسيطة تفهمني منها...يكفيني هذا...
تذكر شكاوي المعلمين بسبب حيويتي الزائدة؟! أتذكر يوماً قدمت فيه إليك أجر شعوري بالإحباط. قلت لي طرفتك المعتادة: ((ما الفرق بينك و بين الحمار؟؟)) فلم أجب عليك كعادتي بأنني أختلف عن الحمار في كل شيء ماعدا شعوره بالأسى أحياناً. أجبتك ذلك اليوم بدموعي و ارتميت عليك. بدأت تسألني عن سبب دموعي، فكانت شهقاتي تبتلع الكلمات، فلا تفهم شيئاً. تضحك و تقول: ((واحدة واحدة!)). فأخبرك أن المعلمة تمنت لو كنت هادئة كرغد. تذكر ما قلت؟؟ لازلت أنا أذكر.. قلت لي: ((كوني أنتِ.. فأنتِ الأجمل دوماً...)). حينها، أشرقت شموس روحي، و أصبحت كلما صرخت علي معلمة أجيبها بكل ثقة: ((أنا جميلة بجنوني!)).
تذكر حينما تغضب أمي علي و تصرخ: ((سأجن من برودكِ! نسخة أنتِ من ذلك الرجل!))، فأمسك ضحكاتي منتظرة أن تأتي لإنقاذي بمراضاة أمي بكلماتك المعسولة. كنت تبتز منها الضحكة، فتخرج دائماً بعفوية دون تكلف!
تعرف...؟ بالأمس اتهموني بأنني قاحلة كصحراء. كنت أبكي في داخلي، و أناجي عبراتي الصماء. و لكنني تذكرتك و أنت تقول لي: ((لكل طريقته في التعبير...و من لا يعبر، يشعر أكثر..)).
آنذاك، صمتت عبراتي الداخلية، و هدأت عوالمي. فلم نشبه بعضنا هكذا؟
أين أنت الآن يا أبي؟؟ لازلت تهيم في عالمك الخاص، و لا تود أن تعطيني و لو مفتاحاً لألجه قليلاً؟؟ ألا تفهم أنني أشتاق مشاركتك لي بكل شيء ...؟؟ حتى أتفه التوافه أشاركها معك، لأنها معك ستزدهر براعم الأمل فيها... لم تنأى بهمومك عني، و تخاف أن أفهمك؟؟ ألا تفهم أنني أفهمك؟؟أنني أود لو تنثر لي بعضاً من السقم الذي تعانيه حتى أخفف عنك ؟؟ أشعر بان فقاعة انتفخت بيننا،و ترفض الإنفجار..لا أدري مم نفخت! بحار و صحار ٍ بيننا، بات يزيد قحطها و عمقها يوماً بعد يوم..
أشتاق لك حين كنت أطلب منك أن تشرح لي جزءاً من كتب المدرسة، فتبدأ في شرح الكتاب أكمله، مع مراعاة الكتب الأخرى! ساعتها كنت أقول لك بصراحة و تبرم: ((كفى! كفاية فلسفة!)) فترمي الكتاب بخفة على وجهي و تقول ضاحكاً: ((يلا اطلعي برع! قال فلسفة قال...!)) فأبدأ في طلب السماح منك حتى لا تغضب..فأنت صديقي، كيف تغضب مني؟ ما بالك اليوم، تبحث باختصار عن ما أريده، و أي شيء سريع حتى تنتهي من عملك...؟ تعرف...؟؟ بدأت اشتاق شرحك الطويل، و أكره كل ما هو مختصر، لأنبش بين الكتب و الصفحات عن ما هو صعب لأقرأه. أفهمه، و لكنني أدعي أنني لا أفهم شيئاً حتى تفهمني أنت... و لكنك لا تزال بعيداً عني...بعيداً عن أي أرض تحتويني..
أنت لازلت معي، و لكن روحك بدأت تحلق بعيداً عني...أينك؟؟أحتاجك دوماً، فأنت الأفضل...و أنت الأجمل.. لازلت عند أنتطر.. أن تفرغ من عالم صمتك اليتيم!