المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 4 آيات من سورة ص /2


عصام مشعل
05-11-2007, 10:38 AM
توقفنا في الجزء الأول عند قوله تعالى

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ

وتسائلنا ، فلماذا بالعشي ؟

هذه قضية تُلفِت الانتباه إلى أن القرآن الكريم ، بل كل حرف من حروفه لابد من ورائه سِر

فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ

ويذهب كثير من المفسرون إلى أن سليمان عليه السلام ، فرط ناسياً في صلاة العصر

بمراقبة الخيل ، وفهمي المتواضِع أن هذا غير صحيح ..

وما نجد مُلفِتاً في النص ، أنه قال

فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ

فالمُلفِت

قول الله تعالى على لسان سليمان

إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ

وهو لم يذكر ( إِنِّي أَحْبَبْتُ الْخَيْرِ )

بل قال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ

وعليه فالمرحلة الأرقى من حب الخيرهي ( أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )

فقد نُحب الخير ، ولكن إذا ارتقينا في التربية ، وفي التقرُب إلى الله تعالى سنُصبح ليس مُحبين

للخير فقط ، بل محبين لحب الخير ، فمثلاً الإنسان الخَيِر يحب كل من يحب الخير، أي محباً لحب

الخير، وليس محباً للخير فقط ، وهذه هي المرحلة الأرقى من مجرد حب الخير ..

والإنسان المؤمن يجد نفسه ، في مرحلة من مراحل ارتقاءه ، أنه مهتماً بأولئك الذين يحبون

حب الخير وهذا نجده منسجماً تمام الانسجام مع المقدمة ( إِنَّهُ أَوَّابٌ )

ثم تعرض لنا الآيات الكريمة ، أن سليمان عليه السلام في العَشي عُرِضت عليه الصافنات الجياد

فلما عُرِضَت عليه بصورتها الجميلة قال ( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )

وفهمي ، أن عرض الصافنات الجياد في العَشي ، لم يكن مقصوداً بها مسابقات الخيل

وإنما المقصود أن سليمان عليه السلام ، كان يودِع الجيش عندما يخرج في سبيل الله

فكان ، إما أنه يستعرض ، وإما أنه يودِع الجيش عند تحركه ..

وعليه عندما رأى سليمان عليه السلام فرسانه يركبون الخيل ، ذاهبين في سبيل الله

وكان ذلك في العشي وهذه اللحظات (لحظات العَشي) هي التي اشتُهِرَ فيها سليمان عليه السلام

ووالده من قبل داوود عليه السلام ، بذكر الله والتعبُد له في العشي

ويبدو أيضاً أن سليمان عليه السلام ، كان يتعبد بإرسال الجيوش في سبيل الله

فلما عُرِضَت عليه بالعشي ، وهذا هو مفهوم أن يكون بداية السفر أحياناً والانطلاق بعد أن

يَخِف وهَج الشمس ، وتُقارِب إلى المغيب ، وتنطلق الجيوش في لحظات الأصل فيها أن يكون الإنسان مُسَبِِحاً مُستغفِراً ، مُتَعَبِداً لله تعالى

إذاً سليمان عليه السلام ، كان يتعبد لله سبحانه وتعالى ، بإرسال الجيوش في سبيل الله

فهو عليه السلام عندما عُرِضَت عليه ، عَبَر عن حُبِه الشديد ليس للخير فقط ، وإنما عن

كل حب الخير ، فقال إني أحببت حب الخير ، فهو عليه السلام يحب كل ما هو خير ويحب حب الخير

ويبدو أنه كان هناك من جنوده عليه السلام ، من كان يظهر عليهم الاندفاع في سبيل الله

فقال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي

وأما ( عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )

فإن ما جاء في بعض كُتُب التفسير يتناقض ، مع شخصية سليمان عليه السلام لأنه عليه السلام

لم يفَرِط في صلاة العصر ولا في غير صلاة العصر

إذاً ما معنى قوله

( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )

ولتقريب ذلك إلى الأذهان

أقول مثلاً عندما نقول في اللغة العربية

( محمد يتكلم عن علم ) و ( أحمد ينظر عن علم )

إذاً هناك مقدمة .. وهناك نتيجة

( فيتكلم عن علم ) المقدمة هنا هي ( العلم ) ، والنتيجة هي ( الكلام ) في حالة محمد ،

وهي ( النظر ) في حالة أحمد ، إذن سليمان عليه السلام يتكلم عن عِلم ويتحدث عن خبرة ويمارس عن ثقة

فيكون قوله

( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )

ناتجاً عن كثرة ذكر الله وعليه فإن ( حُبَّ حُبَّ الْخَيْرِ ) يكون نتيجة من نتائج ذكر الله ،

ومناسب جداً أن يختار سليمان عليه السلام ، الأوقات التي يُستَحب فيها ذكرالله وهي( بالعشي ) لتنطلق فيها جيوشه

ثم عبر سليمان عليه السلام ، عن فرحته بما يراه في وجوه فرسانه ، من رغبة في سبيل الله

وانطلاقهم ونشاطهم لرفع كلمة الله تعالى

ولذلك قال ، إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ وهذا ناتج عن ذكر ربي

وعليه يمكن أن نقول اليوم لمن يريد أن يرتقي

عليك أن تذكُر الله كثيراً لأن ذِكر الله ينتُج عنه أمور كثيرة

منها أنك تُصبِح ليس مُحِباً للخير فقط ، بل مُحِباً لحُب الخير

ثم نأتي إلى قوله تعالى

حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ

هذا ماسنعرفه في الجزء القادم بمشيئة الله

إخواني ، أخواتي

فهمي للآيات الكريمة يحتمِل الخطأ قبل الصواب

فقوموني إذا كان هناك أخطاء

وما أطرحه ، ماهو إلا دعوة لإعمال العقل